السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله جميعًا. أعتذر عن درسَي «الموطأ» و«النزهة» يوم السبت القادم، على أن نستأنف اللقاء في السبت الذي يليه بإذن الله، ثم تتوقف الدروس إلى ما بعد رمضان، إن شاء الله.
تنبيهات على أغلاط د. حاتم العوني في تخريج ونقد أثر الإمام مالك في الاستواء.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فهذا بحثٌ مختصرٌ تعقبتُ فيه حاتم العوني في نقده للطرق الواردة عن الإمام مالك في كتابه: "الاستواء معلوم"، وقد اقتصرتُ فيه على بيان أغلاطه النقدية وكيفية تعامله مع بعض الروايات الصحيحة بمنهجٍ متعنّتٍ بعيدٍ عن مناهج نقاد الحديث، ولم أتطرق إلى طريقة فهمه وتحليله لأثر الإمام مالك ومنهجه في تفسيره؛ لأن تتبُّع ذلك يطول، فالواقع أن الرجل قد جمع كل البلايا في كتابه هذا، والله المستعان.
التنبيه الأول: لا يُؤخذ بروايةٍ واحدةٍ فقط مع صحة الروايات الأخرى؛ بحجة أنها أصح ما ورد عن الإمام مالك، بل يتم الجمع بين الروايات ما لم يظهر تنافر في المعنى أو يمتنع الجمع بينها، أما مع إمكان الجمع وفق قواعد المحدثين بلا تعنُّت، فلا يُلجأ إلى الترجيح مع صحة الأسانيد؛ لأن الجمع أَولى من توهيم الثقات بغير حجةٍ كافية، وهذا من بدهيات قواعد اختلاف الأسانيد عند نقاد الحديث.
قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح (ص ٣٦٨): «الاختلاف عند الحفاظ لا يضرُّ إذا قامت القرائن على ترجيح إحدى الروايات، أو أمكن الجمع على قواعدهم».
فعلى التسليم بأن رواية عبد الله بن وهب هي أصح ما ورد عن الإمام مالك كما يزعم العوني؛ فإن هذا لا يوجب رد الروايات الأخرى؛ لعدم الاختلاف المؤثر بين الروايات، إذ لم تختلف مدلولات ألفاظها اختلافًا قادحًا يمنع أن تُردَّ إلى معنى واحد، أو معانٍ يقرب بعضُها من بعض.
التنبيه الثاني: لا يُسلّم للعوني بأن رواية عبد الله بن وهب هي أصح ما ورد عن الإمام مالك؛ لأنّها من رواية أحمد بن محمد بن إسماعيل بن مهران، عن أبيه. وأبوه (محمد بن إسماعيل بن مهران الإسماعيلي النيسابوري، ويُكنى بأبي بكر الإسماعيلي، وهو غير الجُرجاني الحافظ): قد تغيّر بآخره، وخَرِس فكان لا يقدر أن يحرّك لسانه إلا بــ (لا) في مقام نعم!
قال أبو أحمد الحاكم في الأسماء والكنى (1/406، رقم 835) في ترجمته: «تغيّر بأخرة».
وقال أبو عبد الله الحاكم، كما في تلخيص تاريخ نيسابور (ص٥٢)-: «توفي رحمه الله في ذي الحجة، في سنه خمس وتسعين ومائتين، وقيل: لا يصح سماع من سمع من الإسماعيلي بعد التسع والثمانين، وأنه كان لا يقدر أن يحرّك لسانه إلا بــ (لا)، وكان إذا قيل له: كما قرأنا؟ قال: لا لا لا، مقام نعم، وتحرّك رأسه».
وقال ابن حجر في لسان الميزان (6/575، رقم 6510): «قال الحاكم في "التاريخ" في ترجمته: قال ابنه أحمد: مرض أبي في صفر سنة تسع وثمانين، وبقي في مرضه إلى أن توفي في ذي الحجة سنة خمس وتسعين ومئتين.
قال الحاكم: عهدت مشايخنا لا يصحِّحون سماعَ الذين سمعوا من الإِسماعيلي -يعني هذا- بعد التَسع والثمانين، فإنه كان لا يقدر أن يحرِّك لسانه إلَّا بـ "لا"، فكان إذا قُرِئ عليه قيل له: كما قرأنا؟ قال: لا.
وسمعت عبد الله بن سويد الثقةَ المأمونَ يتأَسَّف غير مرة على ما فاته من الإِسماعيلي، ثم يقول: أدركناه وقد أخذَتْه اللَّقْوَة، وبقي فيها إلى آخر عمره، قلت له: بلغني أنه كان يشير برأسه، فقال: ما كان يقدر أن يحرِّك رأسه».
قلت: فهل مثل هذا الراوي، على جلالته قبل أن يخرس ويتغيّر، يمكن الاطمئنان إلى صحة روايته؟! وقد طالت فترة خرسه وتغيُّرِهِ ست سنوات، ولا نعلم إن كان ابنُه قد سمع منه هذا الأثر قبل هذا التغيير أم بعده؟ وعليه؛ فلا يمكن اعتبار هذه الرواية هي أصح الروايات خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أن الراوي قد خرس وتغيّر في آخر عمره!
وبسبب ذلك؛ أورده الذهبي في الميزان (3/485، رقم 7243)، وقال فيه: «صدوق مشهور، ولكنه أُسكِتَ قبل موته بست سنين، فالآخذ عنه فيها ضعيف».
لذا؛ فإن الأرجح عندي: أن رواية يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري هي أصح ما ورد عن الإمام مالك، كما سيأتي في التنبيه الرابع.
التنبيه الثالث: شكّك العوني في صحة رواية تلميذ الإمام مالك: عبد الله بن عبد الحكم، عن الإمام مالك، رغم إقراره بثبوت سماعه الموطأ وغيره من مالك. وعلى الرغم من عدم الخلاف معه في هذا الأمر، إلا أنه شكّك في سماع عبد الله بن عبد الحكم هذا الأثر تحديدًا من مالك.
وحجة العوني في ذلك هي: أن ابن عبد الحكم كان يروي مسائل مالك عن عبد الله بن وهب وأشهب وغيرهما، وبما أن عبد الله بن وهب قد روى هذا الأثر عن مالك بلفظٍ مختلف عن رواية ابن أبي عبد الحكم؛ فاستدل العوني بذلك على احتمال أن يكون ابن عبد الحكم قد سمعه من عبد الله بن وهب؛ فأسقطه من الإسناد، وأخلّ بنقل المعنى!
وأكّد هذا بما نقله عن ابن عبد البر أنه قال: «سمع من مالك سماعًا نحو ثلاثة أجزاء، وسمع "الموطأ"، ثم روى عن ابن وهب، وابن القاسم، وأشهب كثيرًا من رأي مالك، وصنّف كتابًا اختصر فيه تلك الأسمعة بألفاظ مقرّبة، ثم اختصره». والجواب عن هذا من وجوه:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فهذا بحثٌ مختصرٌ تعقبتُ فيه حاتم العوني في نقده للطرق الواردة عن الإمام مالك في كتابه: "الاستواء معلوم"، وقد اقتصرتُ فيه على بيان أغلاطه النقدية وكيفية تعامله مع بعض الروايات الصحيحة بمنهجٍ متعنّتٍ بعيدٍ عن مناهج نقاد الحديث، ولم أتطرق إلى طريقة فهمه وتحليله لأثر الإمام مالك ومنهجه في تفسيره؛ لأن تتبُّع ذلك يطول، فالواقع أن الرجل قد جمع كل البلايا في كتابه هذا، والله المستعان.
التنبيه الأول: لا يُؤخذ بروايةٍ واحدةٍ فقط مع صحة الروايات الأخرى؛ بحجة أنها أصح ما ورد عن الإمام مالك، بل يتم الجمع بين الروايات ما لم يظهر تنافر في المعنى أو يمتنع الجمع بينها، أما مع إمكان الجمع وفق قواعد المحدثين بلا تعنُّت، فلا يُلجأ إلى الترجيح مع صحة الأسانيد؛ لأن الجمع أَولى من توهيم الثقات بغير حجةٍ كافية، وهذا من بدهيات قواعد اختلاف الأسانيد عند نقاد الحديث.
قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح (ص ٣٦٨): «الاختلاف عند الحفاظ لا يضرُّ إذا قامت القرائن على ترجيح إحدى الروايات، أو أمكن الجمع على قواعدهم».
فعلى التسليم بأن رواية عبد الله بن وهب هي أصح ما ورد عن الإمام مالك كما يزعم العوني؛ فإن هذا لا يوجب رد الروايات الأخرى؛ لعدم الاختلاف المؤثر بين الروايات، إذ لم تختلف مدلولات ألفاظها اختلافًا قادحًا يمنع أن تُردَّ إلى معنى واحد، أو معانٍ يقرب بعضُها من بعض.
التنبيه الثاني: لا يُسلّم للعوني بأن رواية عبد الله بن وهب هي أصح ما ورد عن الإمام مالك؛ لأنّها من رواية أحمد بن محمد بن إسماعيل بن مهران، عن أبيه. وأبوه (محمد بن إسماعيل بن مهران الإسماعيلي النيسابوري، ويُكنى بأبي بكر الإسماعيلي، وهو غير الجُرجاني الحافظ): قد تغيّر بآخره، وخَرِس فكان لا يقدر أن يحرّك لسانه إلا بــ (لا) في مقام نعم!
قال أبو أحمد الحاكم في الأسماء والكنى (1/406، رقم 835) في ترجمته: «تغيّر بأخرة».
وقال أبو عبد الله الحاكم، كما في تلخيص تاريخ نيسابور (ص٥٢)-: «توفي رحمه الله في ذي الحجة، في سنه خمس وتسعين ومائتين، وقيل: لا يصح سماع من سمع من الإسماعيلي بعد التسع والثمانين، وأنه كان لا يقدر أن يحرّك لسانه إلا بــ (لا)، وكان إذا قيل له: كما قرأنا؟ قال: لا لا لا، مقام نعم، وتحرّك رأسه».
وقال ابن حجر في لسان الميزان (6/575، رقم 6510): «قال الحاكم في "التاريخ" في ترجمته: قال ابنه أحمد: مرض أبي في صفر سنة تسع وثمانين، وبقي في مرضه إلى أن توفي في ذي الحجة سنة خمس وتسعين ومئتين.
قال الحاكم: عهدت مشايخنا لا يصحِّحون سماعَ الذين سمعوا من الإِسماعيلي -يعني هذا- بعد التَسع والثمانين، فإنه كان لا يقدر أن يحرِّك لسانه إلَّا بـ "لا"، فكان إذا قُرِئ عليه قيل له: كما قرأنا؟ قال: لا.
وسمعت عبد الله بن سويد الثقةَ المأمونَ يتأَسَّف غير مرة على ما فاته من الإِسماعيلي، ثم يقول: أدركناه وقد أخذَتْه اللَّقْوَة، وبقي فيها إلى آخر عمره، قلت له: بلغني أنه كان يشير برأسه، فقال: ما كان يقدر أن يحرِّك رأسه».
قلت: فهل مثل هذا الراوي، على جلالته قبل أن يخرس ويتغيّر، يمكن الاطمئنان إلى صحة روايته؟! وقد طالت فترة خرسه وتغيُّرِهِ ست سنوات، ولا نعلم إن كان ابنُه قد سمع منه هذا الأثر قبل هذا التغيير أم بعده؟ وعليه؛ فلا يمكن اعتبار هذه الرواية هي أصح الروايات خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أن الراوي قد خرس وتغيّر في آخر عمره!
وبسبب ذلك؛ أورده الذهبي في الميزان (3/485، رقم 7243)، وقال فيه: «صدوق مشهور، ولكنه أُسكِتَ قبل موته بست سنين، فالآخذ عنه فيها ضعيف».
لذا؛ فإن الأرجح عندي: أن رواية يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري هي أصح ما ورد عن الإمام مالك، كما سيأتي في التنبيه الرابع.
التنبيه الثالث: شكّك العوني في صحة رواية تلميذ الإمام مالك: عبد الله بن عبد الحكم، عن الإمام مالك، رغم إقراره بثبوت سماعه الموطأ وغيره من مالك. وعلى الرغم من عدم الخلاف معه في هذا الأمر، إلا أنه شكّك في سماع عبد الله بن عبد الحكم هذا الأثر تحديدًا من مالك.
وحجة العوني في ذلك هي: أن ابن عبد الحكم كان يروي مسائل مالك عن عبد الله بن وهب وأشهب وغيرهما، وبما أن عبد الله بن وهب قد روى هذا الأثر عن مالك بلفظٍ مختلف عن رواية ابن أبي عبد الحكم؛ فاستدل العوني بذلك على احتمال أن يكون ابن عبد الحكم قد سمعه من عبد الله بن وهب؛ فأسقطه من الإسناد، وأخلّ بنقل المعنى!
وأكّد هذا بما نقله عن ابن عبد البر أنه قال: «سمع من مالك سماعًا نحو ثلاثة أجزاء، وسمع "الموطأ"، ثم روى عن ابن وهب، وابن القاسم، وأشهب كثيرًا من رأي مالك، وصنّف كتابًا اختصر فيه تلك الأسمعة بألفاظ مقرّبة، ثم اختصره». والجواب عن هذا من وجوه:
الوجه الأول: ليس كل ما يرويه عبد الله بن عبد الحكم عن مالك يجب أن يكون منقولًا من عبد الله بن وهب، بل الأصل أن ما يرويه ابن عبد الحكم عن مالك هو مما سمعه منه مباشرة، ما لم تدل القرائن على خلاف ذلك، والقرائن تشير إلى أنه قد سمع هذا الأثر من مالك؛ لأنه يذكر تفاصيل لم تذكرها رواية عبد الله بن وهب، مثل سؤال مالك عن النزول والاستواء معًا، بينما اقتصر ابن وهب على سؤال الاستواء فقط.
الوجه الثاني: أنه قد توبع على هذا اللفظ، وشاركه غيرُه من تلاميذ مالك في القدر الذي لم يروه عبد الله بن وهب، وكلُّهم قد ذكروا تفاصيل لم يذكرها عبد الله بن وهب في روايته، وهذا يدل على أن ابن عبد الحكم قد روى شيئًا لم يروه عبد الله بن وهب، والزيادة من الثقة مقبولة إذا كان حافظًا.
الوجه الثالث: عبد الله بن عبد الحكم كان فقيهًا متمكنًا وعارفًا بآراء مالك وأقواله المختلفة، بل كان دقيقًا في منقولاته؛ مما يبعد معه أن يغيّر الأثر أو يخل بمعناه، حتى على التسليم بأنه قد سمعه من ابن وهب؛ لأنه: «كان أعلم أصحاب مالك بمختلف قوله، وأفضتْ إليه رياسة الطائفة المالكية بعد أشهب، وروى عن مالك الموطأ سماعًا». كما قال ابن خلكان في وفيات الأعيان (3/34).
الوجه الرابع: لا يوجد اختلاف جوهري في المعنى بين رواية عبد الله بن وهب ورواية عبد الله بن عبد الحكم، فلا يمكن رد روايته بحجة اختلاف الألفاظ، طالما أن المعنى متقارب غير متناقض، وما بمثل هذا تُعلّ الروايات الصحيحة!
التنبيه الرابع: أعلّ العوني رواية يحيى بن يحيى النيسابوري بجهالة (أبي جعفر أحمد بن زيرك اليزدي)، وقال بأنه لم يقف على ترجمته، وأنه رجع إلى كتابَين معاصِرَين اعتنيا بجمع شيوخ أبي الشيخ الأصبهاني، فلم يترجما له ولم يأتيا على اسمه.
قلت: قد روى عنه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3/14، رقم 1300) فقال: «حدثنا أبو جعفر بن زيرك المروزي ...». فربما تصحّف المروزي عند البيهقي إلى اليزدي، وهذا يعني أنه معروف لدى المحدثين، فقد روى عنه اثنان من أجلّة الحفاظ الكبار المتقنين، كأبي الشيخ الأصبهاني، وابن أبي عاصم.
ومع ذلك، فالمعوّل ليس على روايته، وإنما على رواية أحد الحفّاظ الكبار ممن تابعه، والعوني لم يقف على هذه المتابعة الصحيحة، فردّ رواية يحيى بن يحيى بجهالة أبي جعفر ابن زيرك!
فقد قال ابن منده- كما في العلو للذهبي (ص168، رقم ٤٥٥)-: أنبأ محمد بن يعقوب الشيباني، حدثنا محمد بن عمرو بن النضر، حدثنا يحيى بن يحيى، قال: كنت عند مالك فجاءه رجلٌ فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، فأطرق، ثم قال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة».
قلت: ومحمد بن يعقوب الشيباني هذا، هو أبو عبد الله الأخرم الحافظ الحجة، الذي قال فيه الذهبي في السير (15/466، رقم 263): «الإمام، الحافظ، المتقن، الحجة، أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن يوسف الشيباني النيسابوري بن الأخرم ... وقال الحاكم: كان صدر أهل الحديث ببلدنا بعد ابن الشَّرقي، يحفظ ويفهم، وصنف كتاب (المستخرج على الصحيحين)، وصنف (المسند الكبير)، وسأله أبو العباس السراج أن يخرج له كتابا على (صحيح مسلم) ففعل...».
وعليه: فرواية يحيى بن يحيى النيسابوري صحيحة لا غبار عليها، وإنما أعلّها العوني لعدم وقوفه على هذه الطريق، بل هي أصح من رواية عبد الله بن وهب التي زعم العوني أنها أصح الروايات؛ لأن رجال إسنادها كلهم ثقات حفّاظ لم يُغمزوا بشيء.
وأما قول الألباني في مختصر العلو (ص ١٨٠): »رجاله ثقات غير ابن النضر هذا فلم أعرفه».
قلت: بل هو حافظٌ معروف، قد ترجم له الذهبي في تاريخه (6/819، رقم 489) وقال: «محمد بن عمرو بن النضر، أبو علي الحرشي النيسابوري، قشمرد. سمع حفص بن عبد الله السلمي، وعبدان بن عثمان، والقعنبي، وجماعة. وطال عمره، وتفرد عن حفص. وكان صدوقًا مقبولًا. روى عنه محمد بن صالح بن هانئ، ويحيى بن محمد العنبري، ودعلج السجزي، وآخرون. توفي سنة سبع وثمانين».
وترجم له الحافظ ابن حجر ووصفه بالحافظ، فقال في نزهة الألباب في الألقاب (2/91، رقم 2249): «قشمرد: هو محمد بن عمرو بن النضر النيسابوري، الحافظ، ويُقال له: كشمرد بالكاف».
التنبيه الخامس: تعنّت العوني في إعمال دقائق قواعد الرواية على هذا الأثر عن مالك، وكأنه يتعامل مع أحاديث الأحكام والحلال والحرام، أو مع مرويات الإيمان وأصول الاعتقاد! وأخذ بأشد المذاهب تثبُّتًا في قضايا السماع، وحتى مع هذا التعنُّت لم يستقم له إعلال ما يريد!
فمثلًا: أعلّ رواية محمد بن النعمان بن عبد السلام، الثقة العابد الزاهد، عن الإمام مالك بالانقطاع؛ لأنه لا تُعرف له رواية عن مالك! مع أنه لم ينف أحدٌ من النقاد سماعه من مالك، وسماعه من مالك ممكن.
الوجه الثاني: أنه قد توبع على هذا اللفظ، وشاركه غيرُه من تلاميذ مالك في القدر الذي لم يروه عبد الله بن وهب، وكلُّهم قد ذكروا تفاصيل لم يذكرها عبد الله بن وهب في روايته، وهذا يدل على أن ابن عبد الحكم قد روى شيئًا لم يروه عبد الله بن وهب، والزيادة من الثقة مقبولة إذا كان حافظًا.
الوجه الثالث: عبد الله بن عبد الحكم كان فقيهًا متمكنًا وعارفًا بآراء مالك وأقواله المختلفة، بل كان دقيقًا في منقولاته؛ مما يبعد معه أن يغيّر الأثر أو يخل بمعناه، حتى على التسليم بأنه قد سمعه من ابن وهب؛ لأنه: «كان أعلم أصحاب مالك بمختلف قوله، وأفضتْ إليه رياسة الطائفة المالكية بعد أشهب، وروى عن مالك الموطأ سماعًا». كما قال ابن خلكان في وفيات الأعيان (3/34).
الوجه الرابع: لا يوجد اختلاف جوهري في المعنى بين رواية عبد الله بن وهب ورواية عبد الله بن عبد الحكم، فلا يمكن رد روايته بحجة اختلاف الألفاظ، طالما أن المعنى متقارب غير متناقض، وما بمثل هذا تُعلّ الروايات الصحيحة!
التنبيه الرابع: أعلّ العوني رواية يحيى بن يحيى النيسابوري بجهالة (أبي جعفر أحمد بن زيرك اليزدي)، وقال بأنه لم يقف على ترجمته، وأنه رجع إلى كتابَين معاصِرَين اعتنيا بجمع شيوخ أبي الشيخ الأصبهاني، فلم يترجما له ولم يأتيا على اسمه.
قلت: قد روى عنه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3/14، رقم 1300) فقال: «حدثنا أبو جعفر بن زيرك المروزي ...». فربما تصحّف المروزي عند البيهقي إلى اليزدي، وهذا يعني أنه معروف لدى المحدثين، فقد روى عنه اثنان من أجلّة الحفاظ الكبار المتقنين، كأبي الشيخ الأصبهاني، وابن أبي عاصم.
ومع ذلك، فالمعوّل ليس على روايته، وإنما على رواية أحد الحفّاظ الكبار ممن تابعه، والعوني لم يقف على هذه المتابعة الصحيحة، فردّ رواية يحيى بن يحيى بجهالة أبي جعفر ابن زيرك!
فقد قال ابن منده- كما في العلو للذهبي (ص168، رقم ٤٥٥)-: أنبأ محمد بن يعقوب الشيباني، حدثنا محمد بن عمرو بن النضر، حدثنا يحيى بن يحيى، قال: كنت عند مالك فجاءه رجلٌ فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، فأطرق، ثم قال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة».
قلت: ومحمد بن يعقوب الشيباني هذا، هو أبو عبد الله الأخرم الحافظ الحجة، الذي قال فيه الذهبي في السير (15/466، رقم 263): «الإمام، الحافظ، المتقن، الحجة، أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن يوسف الشيباني النيسابوري بن الأخرم ... وقال الحاكم: كان صدر أهل الحديث ببلدنا بعد ابن الشَّرقي، يحفظ ويفهم، وصنف كتاب (المستخرج على الصحيحين)، وصنف (المسند الكبير)، وسأله أبو العباس السراج أن يخرج له كتابا على (صحيح مسلم) ففعل...».
وعليه: فرواية يحيى بن يحيى النيسابوري صحيحة لا غبار عليها، وإنما أعلّها العوني لعدم وقوفه على هذه الطريق، بل هي أصح من رواية عبد الله بن وهب التي زعم العوني أنها أصح الروايات؛ لأن رجال إسنادها كلهم ثقات حفّاظ لم يُغمزوا بشيء.
وأما قول الألباني في مختصر العلو (ص ١٨٠): »رجاله ثقات غير ابن النضر هذا فلم أعرفه».
قلت: بل هو حافظٌ معروف، قد ترجم له الذهبي في تاريخه (6/819، رقم 489) وقال: «محمد بن عمرو بن النضر، أبو علي الحرشي النيسابوري، قشمرد. سمع حفص بن عبد الله السلمي، وعبدان بن عثمان، والقعنبي، وجماعة. وطال عمره، وتفرد عن حفص. وكان صدوقًا مقبولًا. روى عنه محمد بن صالح بن هانئ، ويحيى بن محمد العنبري، ودعلج السجزي، وآخرون. توفي سنة سبع وثمانين».
وترجم له الحافظ ابن حجر ووصفه بالحافظ، فقال في نزهة الألباب في الألقاب (2/91، رقم 2249): «قشمرد: هو محمد بن عمرو بن النضر النيسابوري، الحافظ، ويُقال له: كشمرد بالكاف».
التنبيه الخامس: تعنّت العوني في إعمال دقائق قواعد الرواية على هذا الأثر عن مالك، وكأنه يتعامل مع أحاديث الأحكام والحلال والحرام، أو مع مرويات الإيمان وأصول الاعتقاد! وأخذ بأشد المذاهب تثبُّتًا في قضايا السماع، وحتى مع هذا التعنُّت لم يستقم له إعلال ما يريد!
فمثلًا: أعلّ رواية محمد بن النعمان بن عبد السلام، الثقة العابد الزاهد، عن الإمام مالك بالانقطاع؛ لأنه لا تُعرف له رواية عن مالك! مع أنه لم ينف أحدٌ من النقاد سماعه من مالك، وسماعه من مالك ممكن.
وما ذكره العوني نقلًا عن الذهبي بأنه: «لم يسمع من أبيه لصغره»، مع أنّ أباه قد توفي سنة (183ه)، أي: بعد وفاة مالك (179ه) بأربع سنين، مما يُستبعد معه السماع من مالك من باب أولى؛ فليس حجة كافية لنفي السماع، لا سيما وقد اختُلف في وفاة أبيه النعمان بن عبد السلام، فقد قال أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (2/5)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (2/ ٣٠٣) في ترجمة النعمان هذا: «توفي سنة ثلاث وثمانين ومائة، وقيل: سبعين». أي: سنة ثلاث (وسبعين) ومائة، وعلى هذا فيكون قد مات مالكٌ بعده بست سنوات، فيكون سماع محمد بن النعمان من مالك ممكنًا جدًا، لا سيما أن محمد بن النعمان قد ذكر في نفس روايته ما يدل على ثبوت سماعه من مالك؛ إذ قال: «فجعلنا ننتظر ما يأمر به، فرفع رأسه، فقال: الاستواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول...». فهو هنا يتحدث عن حضوره للمجلس ويروي ما سمعه، وهذا يؤكد سماعه من مالك. والله أعلم.
أما كون هذا أصبهاني ومالك مدني، فمن أين له الرواية عنه؟! فأقول: قد ذكر الذهبي في ترجمته أنه رحل وسمع من سفيان بن عيينة، فما المانع أن يكون قد سمع من مالك أيضًا في رحلته؟!
التنبيه السادس: أعلَّ العوني رواية أيوب بن صالح الرَّملي عن مالك؛ لقول ابن عَدِيٍّ فيه: «روى عن مالك ما لم يُتابعه عليه، بلغني عن يحيى بن معين أنه ضعّفه».
ولم يُسنِد ابن عدي بلاغه هذا، فلا يُعوّل عليه، ثم هو معارَض بتوثيق الدارقطني له، وابنُ عَدِيٍّ نفسه لم يضعّفه وإنما أورده في "كامله"؛ لأنه خالف أصحاب مالك في حديثٍ واحد وصله عن مالك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس بن مالك: جاء أعرابيٌّ فبال في المسجد، فذكر الحديث.
قال ابن عدي: «لا أعلم وصله عن مالك غير أيوب بن صالح هذا، وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد: أن أعرابيًا جاء فبال في المسجد، ولم يذكر في إسناده أنس».
قلت: وهذا ليس جرحًا تُرد به روايته عند أحدٍ من نقاد الحديث، كيف وقد وثّقه الدارقطني فقال: «أيوب بن صالح: مستقيم الأمر، يروي عن مالك قطعة من "الموطأ"، وهم في حديثٍ واحد». كما في لسان الميزان لابن حجر (8/69، رقم 7752). ووهمه في حديثٍ واحدٍ دليلٌ على ضبطه بالجملة، وللدارقطني خبرةٌ بالرواة عن مالك، واختلاف أصحابه عليه، وقوله فيهم هو المعتَمد.
ثم إن أيوب بن صالح يروي هنا واقعةً حضرها بنفسه، فدواعي ضبطه للقصة قوية، لا يروي إسنادًا يحتوي على سلسلة من الرجال قد تكون عرضة للوهم أو الخطأ، فقد روى ابن عبد البر في التمهيد (5/١٦٣) عن بقي بن مخلد، قال: وحدَّثنا أيُّوبُ بنُ صالح المَخزوميُّ بالرَّملَة، قال: «كنا عند مالكٍ إذ جاءَه عراقيٌّ، فقال له: يا أبا عبدِ الله، مسألةٌ أُريدُ أن أسألَك عنها. فطَأْطَأَ مالكٌ رأسَه، فقال له: يا أبا عبد الله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. كيف استَوى؟ قال: سألتَ عن غيرِ مجهول، وتكَلَّمتَ في غيرِ معقول، إنَّك امرؤُ سوءٍ، أخرِجوه. فأخَذُوا بضَبْعَيْه فأخرَجوه».
الخاتمة:
من خلال ما تم استعراضه من ملاحظات حول منهج حاتم العوني في تخريج ونقد أثر الإمام مالك في الاستواء، يتبين أن منهجه النقدي يعاني من عدد من الثغرات التي تؤثر على دقته وموضوعيته، من ذلك:
١- التعسف في رفض الروايات الصحيحة: فالعوني يميل إلى رفض الروايات الصحيحة بناءً على اختلافات بسيطة في الألفاظ، دون مراعاة أن الاختلاف بين الألفاظ قد لا يكون مؤثرًا في المعنى.
٢- التسرع في الترجيح: اعتمد العوني على ترجيح رواية واحدة على سائر الروايات الأخرى الصحيحة دون أن يستوفي النقد المطلوب، فقام بترجيح رواية عبد الله بن وهب رغم وجود ما يغمز في صحة إسناده، فضلًا عن ترجيحه على ما سواه من الأسانيد الثابتة.
٣- التشكيك فيمن ثبت سماعه من مالك: فشكك العوني في صحة رواية عبد الله بن عبد الحكم رغم وجود القرائن التي تدل على أنه سمع الأثر مباشرة من الإمام مالك، فأصر العوني على أن عبد الله بن عبد الحكم قد سمع الأثر من عبد الله بن وهب، مع عدم وجود ما يدل على ذلك.
٤- التشدد في إعمال قواعد الرواية في هذا الأثر: فالعوني تمسك بشكل مفرط بأدق القواعد في النقد، بشكل قد يؤدي إلى إسقاط روايات صحيحة، فضلا عن مثل هذا الأثر عن مالك، فمثلًا في رواية محمد بن النعمان بن عبد السلام، رغم قرائن أدلة تشير إلى إمكانية سماعه من مالك، أصر على أن السماع غير ممكن دون تقديم دليل قطعي يثبت ذلك.
٥- عدم وقوفه على بعض المتابعات الصحيحة التي تغيّر من حكمه النقدي، كما في رواية يحيى بن يحيى النيسابوري. وهذا يدل على ضعف استقرائه.
بالمجمل، منهج العوني يظهر فيه نوع من التعسف والتحامل على بعض الروايات من غير استيفاء للقرائن الكافية التي تدعم صحتها، مما يؤثر على دقة التحليل النقدي الذي قام به.
سعد الشيخ.
أما كون هذا أصبهاني ومالك مدني، فمن أين له الرواية عنه؟! فأقول: قد ذكر الذهبي في ترجمته أنه رحل وسمع من سفيان بن عيينة، فما المانع أن يكون قد سمع من مالك أيضًا في رحلته؟!
التنبيه السادس: أعلَّ العوني رواية أيوب بن صالح الرَّملي عن مالك؛ لقول ابن عَدِيٍّ فيه: «روى عن مالك ما لم يُتابعه عليه، بلغني عن يحيى بن معين أنه ضعّفه».
ولم يُسنِد ابن عدي بلاغه هذا، فلا يُعوّل عليه، ثم هو معارَض بتوثيق الدارقطني له، وابنُ عَدِيٍّ نفسه لم يضعّفه وإنما أورده في "كامله"؛ لأنه خالف أصحاب مالك في حديثٍ واحد وصله عن مالك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس بن مالك: جاء أعرابيٌّ فبال في المسجد، فذكر الحديث.
قال ابن عدي: «لا أعلم وصله عن مالك غير أيوب بن صالح هذا، وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد: أن أعرابيًا جاء فبال في المسجد، ولم يذكر في إسناده أنس».
قلت: وهذا ليس جرحًا تُرد به روايته عند أحدٍ من نقاد الحديث، كيف وقد وثّقه الدارقطني فقال: «أيوب بن صالح: مستقيم الأمر، يروي عن مالك قطعة من "الموطأ"، وهم في حديثٍ واحد». كما في لسان الميزان لابن حجر (8/69، رقم 7752). ووهمه في حديثٍ واحدٍ دليلٌ على ضبطه بالجملة، وللدارقطني خبرةٌ بالرواة عن مالك، واختلاف أصحابه عليه، وقوله فيهم هو المعتَمد.
ثم إن أيوب بن صالح يروي هنا واقعةً حضرها بنفسه، فدواعي ضبطه للقصة قوية، لا يروي إسنادًا يحتوي على سلسلة من الرجال قد تكون عرضة للوهم أو الخطأ، فقد روى ابن عبد البر في التمهيد (5/١٦٣) عن بقي بن مخلد، قال: وحدَّثنا أيُّوبُ بنُ صالح المَخزوميُّ بالرَّملَة، قال: «كنا عند مالكٍ إذ جاءَه عراقيٌّ، فقال له: يا أبا عبدِ الله، مسألةٌ أُريدُ أن أسألَك عنها. فطَأْطَأَ مالكٌ رأسَه، فقال له: يا أبا عبد الله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. كيف استَوى؟ قال: سألتَ عن غيرِ مجهول، وتكَلَّمتَ في غيرِ معقول، إنَّك امرؤُ سوءٍ، أخرِجوه. فأخَذُوا بضَبْعَيْه فأخرَجوه».
الخاتمة:
من خلال ما تم استعراضه من ملاحظات حول منهج حاتم العوني في تخريج ونقد أثر الإمام مالك في الاستواء، يتبين أن منهجه النقدي يعاني من عدد من الثغرات التي تؤثر على دقته وموضوعيته، من ذلك:
١- التعسف في رفض الروايات الصحيحة: فالعوني يميل إلى رفض الروايات الصحيحة بناءً على اختلافات بسيطة في الألفاظ، دون مراعاة أن الاختلاف بين الألفاظ قد لا يكون مؤثرًا في المعنى.
٢- التسرع في الترجيح: اعتمد العوني على ترجيح رواية واحدة على سائر الروايات الأخرى الصحيحة دون أن يستوفي النقد المطلوب، فقام بترجيح رواية عبد الله بن وهب رغم وجود ما يغمز في صحة إسناده، فضلًا عن ترجيحه على ما سواه من الأسانيد الثابتة.
٣- التشكيك فيمن ثبت سماعه من مالك: فشكك العوني في صحة رواية عبد الله بن عبد الحكم رغم وجود القرائن التي تدل على أنه سمع الأثر مباشرة من الإمام مالك، فأصر العوني على أن عبد الله بن عبد الحكم قد سمع الأثر من عبد الله بن وهب، مع عدم وجود ما يدل على ذلك.
٤- التشدد في إعمال قواعد الرواية في هذا الأثر: فالعوني تمسك بشكل مفرط بأدق القواعد في النقد، بشكل قد يؤدي إلى إسقاط روايات صحيحة، فضلا عن مثل هذا الأثر عن مالك، فمثلًا في رواية محمد بن النعمان بن عبد السلام، رغم قرائن أدلة تشير إلى إمكانية سماعه من مالك، أصر على أن السماع غير ممكن دون تقديم دليل قطعي يثبت ذلك.
٥- عدم وقوفه على بعض المتابعات الصحيحة التي تغيّر من حكمه النقدي، كما في رواية يحيى بن يحيى النيسابوري. وهذا يدل على ضعف استقرائه.
بالمجمل، منهج العوني يظهر فيه نوع من التعسف والتحامل على بعض الروايات من غير استيفاء للقرائن الكافية التي تدعم صحتها، مما يؤثر على دقة التحليل النقدي الذي قام به.
سعد الشيخ.
أحد الأزهريين ممن فتح عينه على علوم الحديث مؤخرًا، وكان قريبًا يقوّي رواية كُسير بعوير = انتقد بحثي حول أغاليط حاتم العوني، لكنه لم يجد ما يمكنه دفعه إلا محاولة ردّ ما ذكرتُه عن الطعن في رواية ابن أبي بكر الإسماعيلي النيسابوري عن أبيه، الذي تغيّر وأُصيب بالخرس قبل وفاته بست سنوات، وهو غمزٌ أنزل إسنادَ رواية ابن وهب عندي عن كونه أصح الأسانيد الواردة عن الإمام مالك، خلافًا لما زعمه العوني.
فقال المذكور في تعقيبه: «لا أدري كيف يتعامى المرء عن صيغة الأداء الواردة في الإسناد، ويتغابى عن فهمها، وهي بكلِّ وضوحٍ: «حدَّثنا أَبِي»، الدَّالَّة على أنه سمع هذه الرواية من لَفْظ أبيه، أفلا تكفيك هذه الصيغة في معرفة أنه سَمِعَها من أبيه قبل أن يصيبه الخرس؟!».
قلت: غاية علم هذا المسكين لا تتعدى الدوران في فلك كتب المصطلح، لذلك جعل دلالة التحديث على السماع من لفظ الشيخ ضربة لازب، وكأنّ هذه الصيغة لا تُستعمل إلا في السماع من لفظ الشيخ، مع أنّ المتقدمين كالإمام أحمد والبخاري وغيرهما استعملوها في السماع وفي العرض على الشيخ على السواء.
وقد كان الناس يعرضون على الإسماعيلي هذا، فيحرّك لهم برأسه مع اختلاط نفيه بإقراره عليهم، وهذا العرض وحده يجيز لهم أن يقولوا: "حدثنا"؛ لأنهم لم يلتزموا أن لا يستعملوا هذه الصيغة إلا في السماع من لفظ الشيخ، بل التفريق بين صيغ الأداء من مباحث المتأخرين، ومع ذلك فقد نص أهل الاصطلاح على أن بعض الرواة يقول في القراءة على الشيخ: "حدثنا"، كما قال ابن دقيق العيد: «ومن الناس من أجاز فيما يقرؤه الراوي على الشيخ».
فيظل الإشكال قائمًا حتى مع تصريح الابن بالسماع؛ لاحتمال أن يكون قد أخذ عنه بعد تغيُّره، لا سيما أننا نتحدث عن أثرٍ، لا عن حديثٍ يُحرص عليه في أوائل السماع.
ثم إن تغيّر الشيخ لم يقتصر على إصابته بالخرس، بل شمل أيضًا ضعف حفظه الملازم للتغير، وعليه فإن الإشكال لا يزول حتى مع التصريح بالسماع من لفظه؛ لاحتمال أن يكون ابنُه قد سمعه منه في بدايات تغيُّره، قبل أن تتمكن منه اللّقوة، إذ إن المرض لا يبدأ فجأة، بل يستمر حتى يستحكم.
وقد تغافل صاحب الرد عن أنّ غرضي لم يكن توهين رواية الإسماعيلي، بل بيان أنها ليست الأصح؛ لأن النزاع مع العوني كان حول أصح الروايات، وهذا الغمز في الراوي، وإن لم يُعل الحديث، فإنه يؤثر على مرتبته في الترجيح.
ولذلك قلت بعد ذلك: «لذا؛ فإن الأرجح عندي أن رواية يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري هي أصح ما ورد عن الإمام مالك».
فالبحث متعلق ببيان الرواية الأرجح، وليس بتوهين رواية الإسماعيلي، وذلك الغمز في روايته، إن لم يُعل حديثه، فلا أقل من أن يُؤخر مرتبته في الترجيح، فافهم ولا تغالط!
هذا باختصار، وفي التعليقات رد الأستاذ عمرو بسيوني على المذكور، وفيه كفاية.
فقال المذكور في تعقيبه: «لا أدري كيف يتعامى المرء عن صيغة الأداء الواردة في الإسناد، ويتغابى عن فهمها، وهي بكلِّ وضوحٍ: «حدَّثنا أَبِي»، الدَّالَّة على أنه سمع هذه الرواية من لَفْظ أبيه، أفلا تكفيك هذه الصيغة في معرفة أنه سَمِعَها من أبيه قبل أن يصيبه الخرس؟!».
قلت: غاية علم هذا المسكين لا تتعدى الدوران في فلك كتب المصطلح، لذلك جعل دلالة التحديث على السماع من لفظ الشيخ ضربة لازب، وكأنّ هذه الصيغة لا تُستعمل إلا في السماع من لفظ الشيخ، مع أنّ المتقدمين كالإمام أحمد والبخاري وغيرهما استعملوها في السماع وفي العرض على الشيخ على السواء.
وقد كان الناس يعرضون على الإسماعيلي هذا، فيحرّك لهم برأسه مع اختلاط نفيه بإقراره عليهم، وهذا العرض وحده يجيز لهم أن يقولوا: "حدثنا"؛ لأنهم لم يلتزموا أن لا يستعملوا هذه الصيغة إلا في السماع من لفظ الشيخ، بل التفريق بين صيغ الأداء من مباحث المتأخرين، ومع ذلك فقد نص أهل الاصطلاح على أن بعض الرواة يقول في القراءة على الشيخ: "حدثنا"، كما قال ابن دقيق العيد: «ومن الناس من أجاز فيما يقرؤه الراوي على الشيخ».
فيظل الإشكال قائمًا حتى مع تصريح الابن بالسماع؛ لاحتمال أن يكون قد أخذ عنه بعد تغيُّره، لا سيما أننا نتحدث عن أثرٍ، لا عن حديثٍ يُحرص عليه في أوائل السماع.
ثم إن تغيّر الشيخ لم يقتصر على إصابته بالخرس، بل شمل أيضًا ضعف حفظه الملازم للتغير، وعليه فإن الإشكال لا يزول حتى مع التصريح بالسماع من لفظه؛ لاحتمال أن يكون ابنُه قد سمعه منه في بدايات تغيُّره، قبل أن تتمكن منه اللّقوة، إذ إن المرض لا يبدأ فجأة، بل يستمر حتى يستحكم.
وقد تغافل صاحب الرد عن أنّ غرضي لم يكن توهين رواية الإسماعيلي، بل بيان أنها ليست الأصح؛ لأن النزاع مع العوني كان حول أصح الروايات، وهذا الغمز في الراوي، وإن لم يُعل الحديث، فإنه يؤثر على مرتبته في الترجيح.
ولذلك قلت بعد ذلك: «لذا؛ فإن الأرجح عندي أن رواية يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري هي أصح ما ورد عن الإمام مالك».
فالبحث متعلق ببيان الرواية الأرجح، وليس بتوهين رواية الإسماعيلي، وذلك الغمز في روايته، إن لم يُعل حديثه، فلا أقل من أن يُؤخر مرتبته في الترجيح، فافهم ولا تغالط!
هذا باختصار، وفي التعليقات رد الأستاذ عمرو بسيوني على المذكور، وفيه كفاية.
الأستاذ عمرو البسيوني ردا على المذكور:
جزاكم الله خيرا.
ولكن لا يخفى أن حدثني ليست نصا في السماع من الشيخ بلفظه يعني في الأخذ عنه سماعا، بل تستعمل عند كثير من المحدثين في السماع وفي العرض، وهي من مسائل صيغ التحمل التي اشتهر الخلاف فيها، ولم يعرف تخصيص حدثنا بالسماع وأخبرنا بالعرض وأنبانا بالإجازة إلا بعد ذلك بعصور كما هو مقرر، فكثير من المحدثين يسوي بين حدثنا وأخبرنا، كما هو مذهب البخاري وبوب عليه، وعليه عامة الحجازيين والكوفيين، نعم المشهور أن المشارقة يفرقون بين حدثنا وأخبرنا، ولكن هذا ليس نصا في أن المحدث المعين يفرق بينهما بحيث يستلزم من حدثني أنه تحمل بالسماع لا بالعرض، على أن مذهب مالك والمدنيين التسوية بينهما، وهؤلاء الرواة من الذين جودوا حديث مالك وعرفوا برواية حديثه فلا يبعد وإن كانوا نيسابورية أن يكونوا آخذين بمذهبه ومذهب المدنيين والبخاري وغيرهم كما تقدم في التسوية، فالمقصود أن "حدثنا" لم ترفع الاحتمال في هذا البحث أن يكون التحمل عرضا وقراءة، فلابد من مزيد قرينة في الإسناد أو المتن تبين أنه بالسماع من لفظ الشيخ بإملاء أو من دون إملاء، كما في البينة التي أثبت بها الباحث المشار إليه بسماع محمد بن النعمان من مالك بتصريح الراوي بمجلس مالك ووصفه فدفع ما حاول الدكتور حاتم أن يقرره من الانقطاع بينه وبين مالك، فهذه هي القرائن المقبولة في هذا البحث.
وبذلك فالاحتمال كاف في الخدش الذي ليس غرضه توهين رواية ابن وهب أصلا، ولكن بيان رتبتها وأنها ليست سالمة من كل احتمال ككثير من الروايات الأخرى، بل على ذلك فرواية يحيى بن يحيى في مرتبتها لا تقل عنها.
على أن منهج الدكتور حاتم الذي كان ممن شهره بالتفريق بين البحث الإسنادي في الروايات التاريخية والحديث النبوي، بل وفي بعض أنواع الحديث بعضها عن بعض؛ يأبى تلك الطريقة التي سلكها في هذا الكتاب، وهذا نفسه من مصاديق التحيز.
"التخصيص مروي عن أكابر النقاد" هذا موضوع الخلاف يا سيدنا، فليس هذا أكثر من حكايته. المقصود أنه لم يعرف التخصيص يعني اصطلاحا عاما إلا في القرون اللاحقة، وهذا كلهم نصوا عليه، يعني صار متفقا على التفريق، أما قبله فالخلاف ثابت مستقر بل هو مذهب مالك والبخاري وأحمد وغيرهم وكفى بهم في رياسة هذه الصناعة في تلك الطبقة.
أما محل البحث: فمجرد العرض على الشيخ لا يستلزم أن يكون من أصله، بل قد يكون من حفظه، ولو سلم أنه من أصله فلا يستلزم عصمة الراوي في القراءة من التغيير أو القراءة بالمعنى مع تسليم احتمال أن يكون قرأ على شيخه وقد خرس ويقول نعم لا، فليست لديك بينة أن إقرار الشيخ الأخرس في العرض بهذه الحالة كاف، وللفقهاء والمحدثين بحوث في الأخرس وإشارته المفهمة وعدمها. وعليه: فهو دليل تطرق إليه احتمال.
وأقول: ليس هذا الاحتمال عندي قادحا، ولكن هو احتمال، فيقابل باحتمال رواية يحيى، فالمقصود أن جعل رواية ابن وهب أصلا عاصما ومحاكمة غيرها إليها وطرح ألفاظها وعدم التفات إلى الجمع؛ فيه ما فيه.
واعلم أنني من حيث الأصل لا إشكال عندي في قبول كل الروايات، ولكن الشيخ حاتم حاقّ في بحث ألفاظ، وتشدد وبالغ، فلما ركب الصعب، فعليه أن يركبه فيما له وما عليه، لا أن يغض عما له، ويتعنت فيما عليه، هكذا فلتكن المحاقة. والله العالم.
الموضوع بسيط مولانا، يتلخص في أن المنشور فوق يدور حول نقطة واحدة: (لا أدري كيف يتعامى المرء عن صيغة الأداء الواردة في الإسناد، ويتغابى عن فهمها، وهي بكلِّ وضوحٍ: «حدَّثنا أَبِي»، الدَّالَّة على أنه سمع هذه الرواية من لَفْظ أبيه، أفلا تكفيك هذه الصيغة في معرفة أنه سَمِعَها من أبيه قبل أن يصيبه الخرس؟! )
فهذا الجوهر المذكور فوق ليس بتام، بل أقول: ليس بمسلَّم كما بينته في كلامي.
وكون القرائن تدفع الاحتمالات فهذا حق، ونحن نقول بهذا، ولذلك أنا نصصت أن الاحتمال ليس بقادح عندي، فليس الغرض رد رواية ابن وهب، لكن رد دعوى الشريف أنها أصل يحاكم إليها ما سواها من الروايات، وأن ما سواها دونها، وهذا ليس بمسلم، ومجرد الخدش كاف في هذا المقام لأن البحث بحث ترجيح تفصيلي وليس بحث إثبات إجمالي، ولذا يفرقون بين المتفق عليه والمختلف فيه وبين القطعي والظني مع كون الجميع في دائرة الصحيح، فالنص ثابت على كل تقدير، ولا تنافي في رواياته بحيث يأبى الجمع بلا تكلف كي يصار إلى الترجيح كما سلك هذا المؤلف. ناهيك أن المقرر أن أكثر الحديث النبوي مروي بالمعنى كما نص غير واحد من الحفاظ كالسيوطي وغيره، فكيف برواية الإمام مالك؟ فمن تأمل هذا عرف أن محاولة ترجيح ألفاظ على ألفاظ بهذه الطريقة العسرة وكون النص من أصل مضبوط من عدمه، ليس بمؤثر في هذا البحث أصالةً.
وكفاية يا مولانا إني فوِّت موضوع: "سأسلم لكم تنزلًا مولانا أنها مترددة بين السماع والعرض"، فهذا لا مجال للتنزل فيه، بل هو تسليم واقعي لأن هذه "مسألة" في علم أصول الحديث، وليس رأيا أو توجيها :)
جزاكم الله خيرا.
ولكن لا يخفى أن حدثني ليست نصا في السماع من الشيخ بلفظه يعني في الأخذ عنه سماعا، بل تستعمل عند كثير من المحدثين في السماع وفي العرض، وهي من مسائل صيغ التحمل التي اشتهر الخلاف فيها، ولم يعرف تخصيص حدثنا بالسماع وأخبرنا بالعرض وأنبانا بالإجازة إلا بعد ذلك بعصور كما هو مقرر، فكثير من المحدثين يسوي بين حدثنا وأخبرنا، كما هو مذهب البخاري وبوب عليه، وعليه عامة الحجازيين والكوفيين، نعم المشهور أن المشارقة يفرقون بين حدثنا وأخبرنا، ولكن هذا ليس نصا في أن المحدث المعين يفرق بينهما بحيث يستلزم من حدثني أنه تحمل بالسماع لا بالعرض، على أن مذهب مالك والمدنيين التسوية بينهما، وهؤلاء الرواة من الذين جودوا حديث مالك وعرفوا برواية حديثه فلا يبعد وإن كانوا نيسابورية أن يكونوا آخذين بمذهبه ومذهب المدنيين والبخاري وغيرهم كما تقدم في التسوية، فالمقصود أن "حدثنا" لم ترفع الاحتمال في هذا البحث أن يكون التحمل عرضا وقراءة، فلابد من مزيد قرينة في الإسناد أو المتن تبين أنه بالسماع من لفظ الشيخ بإملاء أو من دون إملاء، كما في البينة التي أثبت بها الباحث المشار إليه بسماع محمد بن النعمان من مالك بتصريح الراوي بمجلس مالك ووصفه فدفع ما حاول الدكتور حاتم أن يقرره من الانقطاع بينه وبين مالك، فهذه هي القرائن المقبولة في هذا البحث.
وبذلك فالاحتمال كاف في الخدش الذي ليس غرضه توهين رواية ابن وهب أصلا، ولكن بيان رتبتها وأنها ليست سالمة من كل احتمال ككثير من الروايات الأخرى، بل على ذلك فرواية يحيى بن يحيى في مرتبتها لا تقل عنها.
على أن منهج الدكتور حاتم الذي كان ممن شهره بالتفريق بين البحث الإسنادي في الروايات التاريخية والحديث النبوي، بل وفي بعض أنواع الحديث بعضها عن بعض؛ يأبى تلك الطريقة التي سلكها في هذا الكتاب، وهذا نفسه من مصاديق التحيز.
"التخصيص مروي عن أكابر النقاد" هذا موضوع الخلاف يا سيدنا، فليس هذا أكثر من حكايته. المقصود أنه لم يعرف التخصيص يعني اصطلاحا عاما إلا في القرون اللاحقة، وهذا كلهم نصوا عليه، يعني صار متفقا على التفريق، أما قبله فالخلاف ثابت مستقر بل هو مذهب مالك والبخاري وأحمد وغيرهم وكفى بهم في رياسة هذه الصناعة في تلك الطبقة.
أما محل البحث: فمجرد العرض على الشيخ لا يستلزم أن يكون من أصله، بل قد يكون من حفظه، ولو سلم أنه من أصله فلا يستلزم عصمة الراوي في القراءة من التغيير أو القراءة بالمعنى مع تسليم احتمال أن يكون قرأ على شيخه وقد خرس ويقول نعم لا، فليست لديك بينة أن إقرار الشيخ الأخرس في العرض بهذه الحالة كاف، وللفقهاء والمحدثين بحوث في الأخرس وإشارته المفهمة وعدمها. وعليه: فهو دليل تطرق إليه احتمال.
وأقول: ليس هذا الاحتمال عندي قادحا، ولكن هو احتمال، فيقابل باحتمال رواية يحيى، فالمقصود أن جعل رواية ابن وهب أصلا عاصما ومحاكمة غيرها إليها وطرح ألفاظها وعدم التفات إلى الجمع؛ فيه ما فيه.
واعلم أنني من حيث الأصل لا إشكال عندي في قبول كل الروايات، ولكن الشيخ حاتم حاقّ في بحث ألفاظ، وتشدد وبالغ، فلما ركب الصعب، فعليه أن يركبه فيما له وما عليه، لا أن يغض عما له، ويتعنت فيما عليه، هكذا فلتكن المحاقة. والله العالم.
الموضوع بسيط مولانا، يتلخص في أن المنشور فوق يدور حول نقطة واحدة: (لا أدري كيف يتعامى المرء عن صيغة الأداء الواردة في الإسناد، ويتغابى عن فهمها، وهي بكلِّ وضوحٍ: «حدَّثنا أَبِي»، الدَّالَّة على أنه سمع هذه الرواية من لَفْظ أبيه، أفلا تكفيك هذه الصيغة في معرفة أنه سَمِعَها من أبيه قبل أن يصيبه الخرس؟! )
فهذا الجوهر المذكور فوق ليس بتام، بل أقول: ليس بمسلَّم كما بينته في كلامي.
وكون القرائن تدفع الاحتمالات فهذا حق، ونحن نقول بهذا، ولذلك أنا نصصت أن الاحتمال ليس بقادح عندي، فليس الغرض رد رواية ابن وهب، لكن رد دعوى الشريف أنها أصل يحاكم إليها ما سواها من الروايات، وأن ما سواها دونها، وهذا ليس بمسلم، ومجرد الخدش كاف في هذا المقام لأن البحث بحث ترجيح تفصيلي وليس بحث إثبات إجمالي، ولذا يفرقون بين المتفق عليه والمختلف فيه وبين القطعي والظني مع كون الجميع في دائرة الصحيح، فالنص ثابت على كل تقدير، ولا تنافي في رواياته بحيث يأبى الجمع بلا تكلف كي يصار إلى الترجيح كما سلك هذا المؤلف. ناهيك أن المقرر أن أكثر الحديث النبوي مروي بالمعنى كما نص غير واحد من الحفاظ كالسيوطي وغيره، فكيف برواية الإمام مالك؟ فمن تأمل هذا عرف أن محاولة ترجيح ألفاظ على ألفاظ بهذه الطريقة العسرة وكون النص من أصل مضبوط من عدمه، ليس بمؤثر في هذا البحث أصالةً.
وكفاية يا مولانا إني فوِّت موضوع: "سأسلم لكم تنزلًا مولانا أنها مترددة بين السماع والعرض"، فهذا لا مجال للتنزل فيه، بل هو تسليم واقعي لأن هذه "مسألة" في علم أصول الحديث، وليس رأيا أو توجيها :)
من تلاعب إبليس بدين هؤلاء الجهمية:
تذكرتُ سجالًا جرى بيني وبين ذلك المتعالم الأزهري حول الأثر الذي رواه جامع بن سوادة، عن مطرف بن عبد الله اليساري، عن مالك بن أنس، أنه سُئل عن حديث: «إن الله ينزل في الليل إلى سماء الدنيا»، فقال مالك: «يتنزّل أمرُه».
وجامع بن سوادة هذا: اتهمه الذهبي بالوضع، ووافقه ابن حجر، وأورد ابن الجوزي حديثًا له في موضوعاته، فأراد ذلك المتعالم أن يقوّي روايته هذه برواية حبيب بن أبي حبيب، المتفق على تكذيبه بين نقاد الحديث!
والغرض من إعادة نشر ردّي عليه: أن أُبيّن أن هذا الرجل متلاعب بدينه، يصحح ويضعف بداعية هواه لا بسلوك قواعد النقد، فإذا كان الخبر فيه تقوية لبدعته، وكان مثخنًا بالعلل والنكارة؛ استماتَ في تثبيته، وسلك كلّ وعرٍ وسهلٍ لتصحيحه، ولو بمتابعة كذّاب لكذّاب مثله! أما إذا كان الخبر فيه مجانبة لبدعته، وكان صحيحًا مجوّدًا، استنفر في إعلاله وتضعيفه، وبحث له عن أدنى علّة ليوهنه، كما في انتصاره لحاتم العوني، الذي أعلَّ أسانيد صحيحة مجوّدة عن الإمام مالك، كرواية يحيى بن يحيى النيسابوري، وعبد الله بن عبد الحكم، ومحمد بن النعمان بن عبد السلام، وأيوب بن صالح الرملي؛ بطرقٍ ملتوية نبهتُ عليها في بحثي السابق.
والآن إلى المنشور الذي رددتُ به على ذلك المتعالم الأزهري، وقراءة موفقة:
كتب بعض المتعالمين الأزهريين ردّاً على منشوري عن أثر مالكٍ في تأويل حديث النزول الذي نسبه له جامع بن سوادة؛ فزاد ضغثًا على إبالة!
وكنتُ قد علّمتُه سابقًا: أن لا يخوض فيما لا يُحسن، حتى لا يُضحك على نفسه العقلاء، لكن يأبى إلا أن يفضح نفسه!
تقويةُ خبرِ كذّابٍ بخبرِ مَن هو أكذب منه! هذا هو الإبداع الجديد في الصناعة النقدية عند هذا المتعالم! تمخّض الأزهر فولد صلاحًا!
كتبَ هذا المتعالم: «كعادته -يقصدني- يوهم أتباعه أن تأويل الإمام مالك لخبر النزول لا يروى عنه إلا بهذا الإسناد، وفيه "جامع بن سوادة"، وجامع هذا ضعَّفه الدارقطني، وحكم عليه ابن الجوزي بالجهالة، وحسَّن له الجورقاني، وسوف أتجاوز جميع هذا مُقرًّا له ضعف هذا الطريق».
قلت: جيد أنك اعترفتَ بضعف هذا الطريق، ولم تقع في فخ "الحمزاوي"! الذي وقع فيه بعض فحول النقاد[!!] قبلك!
قال: «والذي يعنيني الآن هو؛ هل هذا التأويل لا يروى عن مالك إلا بهذا الإسناد؟ الجواب: لا، بل له إسناد آخر، إن لم يكن مقبولًا بنفسه، فإنه يرتقي بالخبر السابق إلى مقام الحجية».
قلت: لنرَ ما هو هذا الإسناد السحري!
قال الذهبي في السير (8/105): «قال ابن عدي: حدثنا محمد بن هارون بن حسان، حدثنا صالح بن أيوب، حدثنا حبيب بن أبي حبيب، حدثني مالك، قال: يتنزل ربنا -تبارك وتعالى- أمره، فأما هو فدائم لا يزول. قال صالح: فذكرت ذلك ليحيى بن بُكَيْر، فقال: حسنٌ والله، ولم أسمعه من مالك».
هذا هو الإسناد الذي بشّر به صاحبُنا، وراويه "حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك" -دعك من جهالة شيخ ابن عدي، وصالح بن أيوب-: لم يجمع نقاد الحديث على تكذيب راوٍ كما أجمعوا على تكذيبه، بل وُصف بأنه «من أكذب الناس!»، وهذه من الصيغ الدالة على المبالغة في الكذب!
وصاحبنا يعرف ذلك، ومع هذا لم يستح من الاستدلال به، زاعمًا أنَّه تلميذ مالك، وله به مزيد اختصاص، وتكذيب النقاد له مخصوصٌ بما يرويه عن مالك من الأحاديث، أما ما ينقله من رأيه فهو مقبول القول فيه! هكذا قال!
وهذه دعوى لم يُسبق إليها، ونعوذ بالله من الهوى والزيغ، وأن ننسب الأكاذيب للأئمة لنصرة قناعاتنا الحزبية!. ومَن يكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو لحديث غيره أكذب، ونقاد الحديث يتهمون من يكذب في حديث الناس، وإن لم يكذب في الحديث النبوي، ويجرحونه بذلك؛ لأنَّ من لا يتورع عن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلن يتورع عن الكذب عن سواه.
وحبيب ثبت كذبه على مالك في الأمرين، في حديثه وفي رأيه، وفي نفس حديث النزول هذا! فقد قال السبكي في كتابه القبيح "السيف الصقيل" (ص128): «روى الضراب في هذا الكتاب قال: حدثنا عمر بن الربيع، ثنا أبو أسامة، ثنا ابن أبي زيد، عن أبيه، عن حبيب كاتب مالك قال: سُئل مالك بن أنس عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة) قال: ينزل أمرُه كلَّ سحَر، وأما هو فهو دائم لا يزول، وهو بكل مكان».
قلت: وهذه الزيادة "وهو بكل مكان" التي نسبها هذا الأفّاك لمالك تدل دلالة قاطعة على كذبه وافترائه، وحاشا الإمام مالك أن يقول بقول الجهمية الحلولية، وهو الذي قال بأسانيد محفوظة: «الله في السماء»، كما قال أبو داود في مسائله (1699): حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا سُرَيج بن النعمان قال: حدثنا عبد اللَّه بن نافع قال: قال مالك: «اللَّه تبارك وتعالى في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان». ورواه عبد اللَّه أيضًا في العلل (4783) عن أبيه به، وهذا الإسناد سبيكة ذهبية!
تذكرتُ سجالًا جرى بيني وبين ذلك المتعالم الأزهري حول الأثر الذي رواه جامع بن سوادة، عن مطرف بن عبد الله اليساري، عن مالك بن أنس، أنه سُئل عن حديث: «إن الله ينزل في الليل إلى سماء الدنيا»، فقال مالك: «يتنزّل أمرُه».
وجامع بن سوادة هذا: اتهمه الذهبي بالوضع، ووافقه ابن حجر، وأورد ابن الجوزي حديثًا له في موضوعاته، فأراد ذلك المتعالم أن يقوّي روايته هذه برواية حبيب بن أبي حبيب، المتفق على تكذيبه بين نقاد الحديث!
والغرض من إعادة نشر ردّي عليه: أن أُبيّن أن هذا الرجل متلاعب بدينه، يصحح ويضعف بداعية هواه لا بسلوك قواعد النقد، فإذا كان الخبر فيه تقوية لبدعته، وكان مثخنًا بالعلل والنكارة؛ استماتَ في تثبيته، وسلك كلّ وعرٍ وسهلٍ لتصحيحه، ولو بمتابعة كذّاب لكذّاب مثله! أما إذا كان الخبر فيه مجانبة لبدعته، وكان صحيحًا مجوّدًا، استنفر في إعلاله وتضعيفه، وبحث له عن أدنى علّة ليوهنه، كما في انتصاره لحاتم العوني، الذي أعلَّ أسانيد صحيحة مجوّدة عن الإمام مالك، كرواية يحيى بن يحيى النيسابوري، وعبد الله بن عبد الحكم، ومحمد بن النعمان بن عبد السلام، وأيوب بن صالح الرملي؛ بطرقٍ ملتوية نبهتُ عليها في بحثي السابق.
والآن إلى المنشور الذي رددتُ به على ذلك المتعالم الأزهري، وقراءة موفقة:
كتب بعض المتعالمين الأزهريين ردّاً على منشوري عن أثر مالكٍ في تأويل حديث النزول الذي نسبه له جامع بن سوادة؛ فزاد ضغثًا على إبالة!
وكنتُ قد علّمتُه سابقًا: أن لا يخوض فيما لا يُحسن، حتى لا يُضحك على نفسه العقلاء، لكن يأبى إلا أن يفضح نفسه!
تقويةُ خبرِ كذّابٍ بخبرِ مَن هو أكذب منه! هذا هو الإبداع الجديد في الصناعة النقدية عند هذا المتعالم! تمخّض الأزهر فولد صلاحًا!
كتبَ هذا المتعالم: «كعادته -يقصدني- يوهم أتباعه أن تأويل الإمام مالك لخبر النزول لا يروى عنه إلا بهذا الإسناد، وفيه "جامع بن سوادة"، وجامع هذا ضعَّفه الدارقطني، وحكم عليه ابن الجوزي بالجهالة، وحسَّن له الجورقاني، وسوف أتجاوز جميع هذا مُقرًّا له ضعف هذا الطريق».
قلت: جيد أنك اعترفتَ بضعف هذا الطريق، ولم تقع في فخ "الحمزاوي"! الذي وقع فيه بعض فحول النقاد[!!] قبلك!
قال: «والذي يعنيني الآن هو؛ هل هذا التأويل لا يروى عن مالك إلا بهذا الإسناد؟ الجواب: لا، بل له إسناد آخر، إن لم يكن مقبولًا بنفسه، فإنه يرتقي بالخبر السابق إلى مقام الحجية».
قلت: لنرَ ما هو هذا الإسناد السحري!
قال الذهبي في السير (8/105): «قال ابن عدي: حدثنا محمد بن هارون بن حسان، حدثنا صالح بن أيوب، حدثنا حبيب بن أبي حبيب، حدثني مالك، قال: يتنزل ربنا -تبارك وتعالى- أمره، فأما هو فدائم لا يزول. قال صالح: فذكرت ذلك ليحيى بن بُكَيْر، فقال: حسنٌ والله، ولم أسمعه من مالك».
هذا هو الإسناد الذي بشّر به صاحبُنا، وراويه "حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك" -دعك من جهالة شيخ ابن عدي، وصالح بن أيوب-: لم يجمع نقاد الحديث على تكذيب راوٍ كما أجمعوا على تكذيبه، بل وُصف بأنه «من أكذب الناس!»، وهذه من الصيغ الدالة على المبالغة في الكذب!
وصاحبنا يعرف ذلك، ومع هذا لم يستح من الاستدلال به، زاعمًا أنَّه تلميذ مالك، وله به مزيد اختصاص، وتكذيب النقاد له مخصوصٌ بما يرويه عن مالك من الأحاديث، أما ما ينقله من رأيه فهو مقبول القول فيه! هكذا قال!
وهذه دعوى لم يُسبق إليها، ونعوذ بالله من الهوى والزيغ، وأن ننسب الأكاذيب للأئمة لنصرة قناعاتنا الحزبية!. ومَن يكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو لحديث غيره أكذب، ونقاد الحديث يتهمون من يكذب في حديث الناس، وإن لم يكذب في الحديث النبوي، ويجرحونه بذلك؛ لأنَّ من لا يتورع عن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلن يتورع عن الكذب عن سواه.
وحبيب ثبت كذبه على مالك في الأمرين، في حديثه وفي رأيه، وفي نفس حديث النزول هذا! فقد قال السبكي في كتابه القبيح "السيف الصقيل" (ص128): «روى الضراب في هذا الكتاب قال: حدثنا عمر بن الربيع، ثنا أبو أسامة، ثنا ابن أبي زيد، عن أبيه، عن حبيب كاتب مالك قال: سُئل مالك بن أنس عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة) قال: ينزل أمرُه كلَّ سحَر، وأما هو فهو دائم لا يزول، وهو بكل مكان».
قلت: وهذه الزيادة "وهو بكل مكان" التي نسبها هذا الأفّاك لمالك تدل دلالة قاطعة على كذبه وافترائه، وحاشا الإمام مالك أن يقول بقول الجهمية الحلولية، وهو الذي قال بأسانيد محفوظة: «الله في السماء»، كما قال أبو داود في مسائله (1699): حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا سُرَيج بن النعمان قال: حدثنا عبد اللَّه بن نافع قال: قال مالك: «اللَّه تبارك وتعالى في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان». ورواه عبد اللَّه أيضًا في العلل (4783) عن أبيه به، وهذا الإسناد سبيكة ذهبية!
وقد ارتبك الأفاك الآخر، محمد زاهد الكوثري، إزاء هذه الرواية التي ساقها السبكي من كتاب الضراب، فقال: «وظاهر هذا الكلام غير مراد قطعًا، بل المراد أنه لا يُوصف بمكان دون مكان حيث تنزَّه عن الأمكنة»! فانظر كيف أنكر هذا الكلام القبيح، وصرفه عن ظاهره بكذبٍ وتعسُّف، وتحاشا أن يلصقه بحبيب؛ لأنه يروي له أحاديث جهم بن صفوان باسم مالك! ومنذ متى يُتأوّل للكذّابين ويُتستّر على أكاذيبهم بمثل هذه التحريفات المتعسفة! وهل سيبقى كذّابٌ في الدنيا لو سلكنا مسلك الكوثري هذا! وما أحوج مالك –لو كان محفوظًا عنه- أن يقول هذه العبارة الكفرية التي اشتُهرت عن الجهمية، وهو لا يريد ظاهرها -على ما زعمه الكوثري-!
ولا يبعد أن يكون هذا الخبيثُ، أعني: حبيبًا، جهميًا حلوليًا وينسب عقائده الزائغة للإمام مالك؛ فتروج على الطغام وأشباه العوام!
نرجع إلى صاحبنا ..
بعد أن أقرَّ بما قاله النقاد في حبيب -ومن الجيد أنَّه اعترف بذلك ولم يرتكب مغالطة أخرى، كمغالطة شيخه الذي مال إلى تقوية شأن حبيب متجاهلًا ما قاله فيه حذّاق النقاد!-
أقول: بعد أن أقرَّ صاحبُنا بسوُء إسناده وسوَءته؛ تمسك بقشّةٍ أخيرة، وهي ما قاله الذهبي في شأن هذا الإسناد، فوجد له ثغرةً نفذ من خلالها إلى تعزيز مقالته الزائغة عن حبيب!
قال الذهبي -بعدما ساق الإسناد-: «لا أعرف صالحًا، وحبيبٌ مشهور، والمحفوظ عن مالك رحمه الله رواية الوليد بن مسلم، أنه سأله عن أحاديث الصفات، فقال: أَمِرَّها كما جاءت، بلا تفسير، فيكون للإمام في ذلك قولان إن صحَّت رواية حبيب».
فعقب على كلام الذهبي بقوله: «وقد أحسن الذهبي إذ اكتفى بقوله «وحبيبٌ مشهور»، ولم يورد أقوال العلماء في ترك حديثه؛ لأن هذا النقل ليس حديثًا فيرد بما قيل عن حبيب، وإنما هو رأي نقله عن شيخه، وكان له بمالك مزيد اختصاص».
قلت: وكلام الذهبي يدفع ما زعمه، ولا يمكن ليّ عنقه إلا بتعسُّفٍ يمرّره على مَن يستغفلهم مِن العوام السُّذّج، وإلا فالذهبي يصرّح:
1- أنَّ حبيبًا مشهور، عكس صالح بن أيوب فهو غير معروف، وهذه الشهرة مقيّدة بسياقها، قاله الذهبي في مقابل صالح بن أيوب، ولا تفيد مطلوب صاحبنا؛ لأنها لا تدل على التوثيق؛ لأن ليس كل المشهورين اشتُهروا بالعدالة، بل بعضهم اشتُهر بالكذب أيضًا، كحبيب هذا، فهذه الشهرة التي نسبها الذهبيُّ لحبيب: إما أن يقصد بها شهرته بالعدالة، أو شهرته بالكذب، والمتعين هو الثاني من أقوال الذهبي نفسه، فلم تصنع شيئًا. وقول الذهبي هذا؛ يشبه كلام ابن حبان عن حبيب: «أمره بيّن في الكذب».
2- نصَّ الذهبيُّ على أنَّ المحفوظ عن مالك: هو ما رواه عنه الوليد بن مسلم وغيره من الثقات، وهو الانكفاف عن التأويل، لا كما يرويه عنه حبيب، وهذا غمزٌ صريحٌ في روايته، وحكمٌ عليها بالشذوذ؛ لأن ضد المحفوظ هو الشاذ الضعيف.
3- علَّق الذهبيُّ نسبة هذا القول عن مالك على صحة ما يقوله حبيب عنه، فإذا كان ما يقوله حبيب عن مالك محفوظًا، فهذا قولٌ آخر له في المسألة. هذا نصُّ كلام الذهبي بلا مداورة ولا تحوير، والتعليق بهذه الصيغة فيه تمريضٌ للإسناد وتشكيكٌ بثبوته، ولو كان الذهبيُّ يرى صحة ما يقوله حبيب عن مالك، دون ما يرويه عنه من الأحاديث؛ لما علَّق نسبة هذا القول إلى مالك على صحة ما يقوله حبيب عنه، ولجزم بإضافته إليه؛ لأنه تلميذه وله مزيد اختصاص به! كما يتفلسف صاحبنا!
فإن قيل: لماذا لم يكذّب الذهبيُّ الخبر رأسًا ويريحنا من عناء تفسير كلامه؟
فأقول: لأنَّ الكاذب قد يصدق أحيانًا؛ لذلك علّق القول على صحة ما يقوله حبيب على البحث عن شواهد وقرائن أخرى تثبت أو تنفي ما يقوله، وهذا يعني أنه غير واثق بخبر حبيب ولا مطئن لقوله ولا يحتج بتفرُّده، لكنه تساهل معه –مع الإرشارة إلى أن المحفوظ عن مالك خلاف ما يقول- لأنه لم يرو عن مالك حديثًا نبويًا، وبعض النقاد يتسامحون في مثل هذا، إذا كانت أحوال الرواة معروفة لأهل الشأن، وكان ما يروونه ليس حديثًا نبويًا، ويُتشدّد في الرواية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما لا يُتشدّد في غيره، ولا يعني هذا بطبيعة الحال قبول رواية الكذّابين! أو التساهل في قبول ما ينسبونه من الكذب على الأئمة، وأنا هنا أفسّر موقف الذهبي ولا أبرّره.
4- ثم مالَكَ وللذهبي! هل نحن بثبوت هذا الأثر عن مالك، أم بتعليمك كيف تفهم كلام الذهبي! ألستَ تريدُ تقوية إسناد جامع بن سوادة بإسنادٍ آخر: «إن لم يكن مقبولًا بنفسه، فإنه يرتقي بالخبر السابق إلى مقام الحجية»، فلتثبته وفق قواعد النقاد إذن، ولنتحاكم إلى أقوالهم في بيان حال إسنادك هذا ! لكنك تعرف أنَّ إسنادك لا يسوى بعرة، ولا يقوّي غيره ولا يتقوّى بغيره لأنه تالفٌ؛ فذهبتَ تتعلق بذيل كلام الذهبي الذي خذلك فلم يعطك شيئًا!
هذه تعليقة سريعة كتبتها استجابة لبعض الأخوة، وأعرضتُ عن باقي كلامه لأنه ضعيف وخارج محل النزاع، فوق أنه لا حجة فيه ومعارَض بما هو أقوى منه، وأكتفي بهذا القدر، والحمد لله رب العالمين.
ولا يبعد أن يكون هذا الخبيثُ، أعني: حبيبًا، جهميًا حلوليًا وينسب عقائده الزائغة للإمام مالك؛ فتروج على الطغام وأشباه العوام!
نرجع إلى صاحبنا ..
بعد أن أقرَّ بما قاله النقاد في حبيب -ومن الجيد أنَّه اعترف بذلك ولم يرتكب مغالطة أخرى، كمغالطة شيخه الذي مال إلى تقوية شأن حبيب متجاهلًا ما قاله فيه حذّاق النقاد!-
أقول: بعد أن أقرَّ صاحبُنا بسوُء إسناده وسوَءته؛ تمسك بقشّةٍ أخيرة، وهي ما قاله الذهبي في شأن هذا الإسناد، فوجد له ثغرةً نفذ من خلالها إلى تعزيز مقالته الزائغة عن حبيب!
قال الذهبي -بعدما ساق الإسناد-: «لا أعرف صالحًا، وحبيبٌ مشهور، والمحفوظ عن مالك رحمه الله رواية الوليد بن مسلم، أنه سأله عن أحاديث الصفات، فقال: أَمِرَّها كما جاءت، بلا تفسير، فيكون للإمام في ذلك قولان إن صحَّت رواية حبيب».
فعقب على كلام الذهبي بقوله: «وقد أحسن الذهبي إذ اكتفى بقوله «وحبيبٌ مشهور»، ولم يورد أقوال العلماء في ترك حديثه؛ لأن هذا النقل ليس حديثًا فيرد بما قيل عن حبيب، وإنما هو رأي نقله عن شيخه، وكان له بمالك مزيد اختصاص».
قلت: وكلام الذهبي يدفع ما زعمه، ولا يمكن ليّ عنقه إلا بتعسُّفٍ يمرّره على مَن يستغفلهم مِن العوام السُّذّج، وإلا فالذهبي يصرّح:
1- أنَّ حبيبًا مشهور، عكس صالح بن أيوب فهو غير معروف، وهذه الشهرة مقيّدة بسياقها، قاله الذهبي في مقابل صالح بن أيوب، ولا تفيد مطلوب صاحبنا؛ لأنها لا تدل على التوثيق؛ لأن ليس كل المشهورين اشتُهروا بالعدالة، بل بعضهم اشتُهر بالكذب أيضًا، كحبيب هذا، فهذه الشهرة التي نسبها الذهبيُّ لحبيب: إما أن يقصد بها شهرته بالعدالة، أو شهرته بالكذب، والمتعين هو الثاني من أقوال الذهبي نفسه، فلم تصنع شيئًا. وقول الذهبي هذا؛ يشبه كلام ابن حبان عن حبيب: «أمره بيّن في الكذب».
2- نصَّ الذهبيُّ على أنَّ المحفوظ عن مالك: هو ما رواه عنه الوليد بن مسلم وغيره من الثقات، وهو الانكفاف عن التأويل، لا كما يرويه عنه حبيب، وهذا غمزٌ صريحٌ في روايته، وحكمٌ عليها بالشذوذ؛ لأن ضد المحفوظ هو الشاذ الضعيف.
3- علَّق الذهبيُّ نسبة هذا القول عن مالك على صحة ما يقوله حبيب عنه، فإذا كان ما يقوله حبيب عن مالك محفوظًا، فهذا قولٌ آخر له في المسألة. هذا نصُّ كلام الذهبي بلا مداورة ولا تحوير، والتعليق بهذه الصيغة فيه تمريضٌ للإسناد وتشكيكٌ بثبوته، ولو كان الذهبيُّ يرى صحة ما يقوله حبيب عن مالك، دون ما يرويه عنه من الأحاديث؛ لما علَّق نسبة هذا القول إلى مالك على صحة ما يقوله حبيب عنه، ولجزم بإضافته إليه؛ لأنه تلميذه وله مزيد اختصاص به! كما يتفلسف صاحبنا!
فإن قيل: لماذا لم يكذّب الذهبيُّ الخبر رأسًا ويريحنا من عناء تفسير كلامه؟
فأقول: لأنَّ الكاذب قد يصدق أحيانًا؛ لذلك علّق القول على صحة ما يقوله حبيب على البحث عن شواهد وقرائن أخرى تثبت أو تنفي ما يقوله، وهذا يعني أنه غير واثق بخبر حبيب ولا مطئن لقوله ولا يحتج بتفرُّده، لكنه تساهل معه –مع الإرشارة إلى أن المحفوظ عن مالك خلاف ما يقول- لأنه لم يرو عن مالك حديثًا نبويًا، وبعض النقاد يتسامحون في مثل هذا، إذا كانت أحوال الرواة معروفة لأهل الشأن، وكان ما يروونه ليس حديثًا نبويًا، ويُتشدّد في الرواية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما لا يُتشدّد في غيره، ولا يعني هذا بطبيعة الحال قبول رواية الكذّابين! أو التساهل في قبول ما ينسبونه من الكذب على الأئمة، وأنا هنا أفسّر موقف الذهبي ولا أبرّره.
4- ثم مالَكَ وللذهبي! هل نحن بثبوت هذا الأثر عن مالك، أم بتعليمك كيف تفهم كلام الذهبي! ألستَ تريدُ تقوية إسناد جامع بن سوادة بإسنادٍ آخر: «إن لم يكن مقبولًا بنفسه، فإنه يرتقي بالخبر السابق إلى مقام الحجية»، فلتثبته وفق قواعد النقاد إذن، ولنتحاكم إلى أقوالهم في بيان حال إسنادك هذا ! لكنك تعرف أنَّ إسنادك لا يسوى بعرة، ولا يقوّي غيره ولا يتقوّى بغيره لأنه تالفٌ؛ فذهبتَ تتعلق بذيل كلام الذهبي الذي خذلك فلم يعطك شيئًا!
هذه تعليقة سريعة كتبتها استجابة لبعض الأخوة، وأعرضتُ عن باقي كلامه لأنه ضعيف وخارج محل النزاع، فوق أنه لا حجة فيه ومعارَض بما هو أقوى منه، وأكتفي بهذا القدر، والحمد لله رب العالمين.
انتهيتُ من تبييض ردّي على د. حاتم العوني في كتابه: «اليقيني والظني من الأخبار – سجال بين أبي الحسن الأشعري والمحدثين». وبعد التتبع الدقيق لجميع النصوص التي نقلها عن المحدثين، وحرّف معانيها الصريحة بما يعود على نقيض قصدهم، بغرض التقريب بين المنهجين؛ أحلف بالله الذي لا إله إلا هو: أن الرجل غير مأمون فيما ينقله عن المحدثين، وأن كتابه «الاستواء معلوم»، على ما فيه من بلايا، بالمقارنة مع هذا الكتاب، كأنه سماء!!
{أتاكم شهرُ رمضانَ ، شهرٌ مباركٌ ، فرض اللهُ عليكم صيامَه ، تُفتحُ فيه أبوابُ السماءِ ، وتُغلقُ فيه أبوابُ الجحيمِ ، و تُغَلُّ فيه مَرَدَةُ الشياطينِ ، للهِ فيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ ، من حُرِمَ خيرَها فقد حُرِمَ}
اللهم وفقنا للعمل الصالح الذي يرضيك
وتفضل علينا يا ربنا بالقبول
وتصدق علينا يا كريم يا شكور بالأجر
واجعلنا من عتقاء الشهر الكريم
واجعلنا من الفائزين
وهذه محاضرة مهم جدا الاستماع لها مع دخول الشهر الكريم
كيف نستثمر رمضان؟ - خالد بن عثمان السبت
https://bit.ly/3PfRPPL
اللهم وفقنا للعمل الصالح الذي يرضيك
وتفضل علينا يا ربنا بالقبول
وتصدق علينا يا كريم يا شكور بالأجر
واجعلنا من عتقاء الشهر الكريم
واجعلنا من الفائزين
وهذه محاضرة مهم جدا الاستماع لها مع دخول الشهر الكريم
كيف نستثمر رمضان؟ - خالد بن عثمان السبت
https://bit.ly/3PfRPPL
الحافظ عثمان بن سعيد الدَّارمي مفسّرًا مقالة الإمام مالك في الاستواء:
نقل العوني تفسير تسعين عالمًا لمقالة الإمام مالك، من بينهم بعض المعاصرين كابن عاشور، ومنهم المتكلّم الذي لا خبرة له بمقالات مالك وألفاظ المحدثين، ومنهم مَن نبذ الوحي وهجر علوم السلف كالفخر الرازي، وغيرهم ممن حشدهم في كتابه لمجرد الحشو الذي لا حجة فيه، محاولًا -كما زعم- إثبات أن الناس فهموا من مقالة الإمام مالك خلاف فهم ابن تيمية في تقرير أن معنى الاستواء معلوم عند مالك غير مجهول.
لكنه أغفل نقل تفسير إمام هذا الشأن، ومن أعلم الناس بحديث مالك ومروياته واختلاف أصحابه عليه، حتى في أغلاطه اليسيرة على الزهري، ولسان أهل الحديث وحجتهم والمجادل عنهم، وهو الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي. والعوني قد وقف على قوله هذا قطعًا؛ لأنه أخرج رواية عبد الله بن جعفر من طريق الدارمي، وقد عقّب الدارمي على الرواية مباشرة بمقالته الآتية، ومع ذلك لم ينقل العوني، الباحث (الأمين!!) كلام الدارمي.
قال الحافظ عثمان بن سعيد الدَّارمي تعليقًا على أثر الإمام مالك: «وصدق مالك، لا يُعقَل منه كيفٌ، ولا يُجهَل منه الاستواء، والقرآن ينطق ببعض ذلك في غير آية. فهذه الأشياء التي اقتصصنا في هذا الباب، قد خلص علمُ كثيرٍ منها إلى النساء والصبيان، ونطق بكثير منها كتاب الله تعالى، وصدّقته الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه والتابعين، وليس هذا من العلم الذي يُشكِلُ على أحدٍ من العامة والخاصة، إلا على هذه العصابة الملحدة في آيات الله. لم يزل العلماء يروون هذه الآثار، ويتناسخونها، ويصدّقون بها على ما جاءت، حتى ظهرت هذه العصابة، فكذّبوا بها أجمع، وجهّلوهم، وخالفوا أمرَهُم، خالف الله بهم». الرد على الجهمية للدارمي (ص66 -ت البدر).
قلت: هذا يؤكد جزم الإمام الدارمي بأنّ معنى استواء الله على عرشه معلوم لدى المسلمين، حتى بلغ علمه النساء والصبيان، ويرى أنه ليس من المسائل التي تُستشكل على أحد من العامة أو الخاصة، إلا على الجهمية ومن تبعهم. فهذا الإمام، أحد أئمة عصر الرواية، الذي سبق ابن تيمية بقرون، لا يكتفي بنسبة إثبات (معنى) الاستواء على العرش إلى الإمام مالك، بل يقرّر أنه من الأمور المجمع عليها بين المسلمين، حتى بين صبيانهم ونسائهم!
نقل العوني تفسير تسعين عالمًا لمقالة الإمام مالك، من بينهم بعض المعاصرين كابن عاشور، ومنهم المتكلّم الذي لا خبرة له بمقالات مالك وألفاظ المحدثين، ومنهم مَن نبذ الوحي وهجر علوم السلف كالفخر الرازي، وغيرهم ممن حشدهم في كتابه لمجرد الحشو الذي لا حجة فيه، محاولًا -كما زعم- إثبات أن الناس فهموا من مقالة الإمام مالك خلاف فهم ابن تيمية في تقرير أن معنى الاستواء معلوم عند مالك غير مجهول.
لكنه أغفل نقل تفسير إمام هذا الشأن، ومن أعلم الناس بحديث مالك ومروياته واختلاف أصحابه عليه، حتى في أغلاطه اليسيرة على الزهري، ولسان أهل الحديث وحجتهم والمجادل عنهم، وهو الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي. والعوني قد وقف على قوله هذا قطعًا؛ لأنه أخرج رواية عبد الله بن جعفر من طريق الدارمي، وقد عقّب الدارمي على الرواية مباشرة بمقالته الآتية، ومع ذلك لم ينقل العوني، الباحث (الأمين!!) كلام الدارمي.
قال الحافظ عثمان بن سعيد الدَّارمي تعليقًا على أثر الإمام مالك: «وصدق مالك، لا يُعقَل منه كيفٌ، ولا يُجهَل منه الاستواء، والقرآن ينطق ببعض ذلك في غير آية. فهذه الأشياء التي اقتصصنا في هذا الباب، قد خلص علمُ كثيرٍ منها إلى النساء والصبيان، ونطق بكثير منها كتاب الله تعالى، وصدّقته الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أصحابه والتابعين، وليس هذا من العلم الذي يُشكِلُ على أحدٍ من العامة والخاصة، إلا على هذه العصابة الملحدة في آيات الله. لم يزل العلماء يروون هذه الآثار، ويتناسخونها، ويصدّقون بها على ما جاءت، حتى ظهرت هذه العصابة، فكذّبوا بها أجمع، وجهّلوهم، وخالفوا أمرَهُم، خالف الله بهم». الرد على الجهمية للدارمي (ص66 -ت البدر).
قلت: هذا يؤكد جزم الإمام الدارمي بأنّ معنى استواء الله على عرشه معلوم لدى المسلمين، حتى بلغ علمه النساء والصبيان، ويرى أنه ليس من المسائل التي تُستشكل على أحد من العامة أو الخاصة، إلا على الجهمية ومن تبعهم. فهذا الإمام، أحد أئمة عصر الرواية، الذي سبق ابن تيمية بقرون، لا يكتفي بنسبة إثبات (معنى) الاستواء على العرش إلى الإمام مالك، بل يقرّر أنه من الأمور المجمع عليها بين المسلمين، حتى بين صبيانهم ونسائهم!
اعترض بعض المتأثرين بالعوني على وصفي له بأنه غير مأمون على ما ينقله عن المحدثين، وطالب بإثبات ذلك، ومع أنني وقفت على أمثلة كثيرة، إلا أنني سأكتفي بهذا المثال لسهولته على فهم العامة:
ذكر العوني في كتابه "الاستواء معلوم" رواية أيوب بن صالح المخزومي عن مالك، قال: كنا عند مالكٍ إذ جاءَه عراقيٌّ، فقال له: يا أبا عبدِ الله، مسألةٌ أُريدُ أن أسألَك عنها. فطَأْطَأَ مالكٌ رأسَه، فقال له: يا أبا عبد الله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. كيف استَوى؟ قال: «سألتَ عن غيرِ مجهول، وتكَلَّمتَ في غيرِ معقول، إنَّك امرؤُ سوءٍ، أخرِجوه. فأخَذُوا بضَبْعَيْه فأخرَجوه».
وقد ارتكب العوني هنا -في سبيل تضعيف هذه الرواية- تدليسًا قبيحًا، فقال: «وقد تفرّد (يعني: أيوب بن صالح الرملي) بحديثٍ عن الإمام مالك، حكم الدارقطني عليه بالبطلان». وأحال إلى لسان الميزان لابن حجر (رقم 1361). ثم قال: «فهو إسنادٌ شديد الضعف».
وعند الرجوع إلى لسان الميزان، نجد أن ابن حجر يقول: «وأورد له (يعني الدارقطني في الغرائب) حديثًا آخر عن الحُصَيني، عن ابن قتيبة، عن المسيّب بن عبد الكريم، عن أيوب بن صالح، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن أبي ذرّ حديثًا في ذَمّ الوِلاية، وقال: هذا باطل عن مالك، وسأذكره في ترجمة المسيّب».
وقول ابن حجر: «وسأذكره في ترجمة المسيّب»، يشير إلى أن الحمل في هذا الحديث الباطل على المسيّب بن عبد الكريم، وليس على أيوب بن صالح. وبالعودة إلى ترجمة المسيّب، وجدنا أن ابن حجر قال: «المسيّب بن عبد الكريم، عن أيوب بن صالح، وعنه ابن قتيبة، اتَّهمه الدارقطني، انتهى.
قال الدارقطني: حدثنا أبو بكرٍ صالحُ بن علي الحُصَيْني، حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، حدثني المسيّب بن عبد الكريم، حدثني أيوب بن صالح، حدثني مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: بينا عمر يكتال تَمْر صدقاتِ المسلمين … وفيه قول أبي ذر: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من عامل يلي شيئًا من أمور المسلمين، إلَّا أُتي به يوم القيامة مغلولةٌ يدُه إلى عنقه، حتى يفكَّه العدل، أو يُوبقَه الجَوْر …" الحديث.
وقال: هذا الحديث باطل عن مالك عن نافع، والمتهم بوضعه المسيبُ بن عبد الكريم، فإن أيوب بن صالح مستقيم الأمر، يروي عن مالك قطعةً من "الموطأ"، وَهِمَ في حديثٍ واحد، وابنُ قتيبة من الثقات». انتهى.
إذن، فالحمل في هذا الحديث الباطل على المسيّب بن عبد الكريم، لكنّ العوني اتهم أيوب بن صالح الرملي به! مع أن ابن حجر أشار في ترجمة أيوب إلى أن الحديث الذي حكم عليه الدارقطني بالبطلان سيأتي في ترجمة المسيب، مما يدل على أن الحمل عليه هو وليس على أيوب.
فإما أن العوني جاهل بأساسيات علم التراجم، أو أنه وقف على قول الدارقطني وتعمّد التضليل، وهما أمران أحلاهما مر! والله المستعان.
ذكر العوني في كتابه "الاستواء معلوم" رواية أيوب بن صالح المخزومي عن مالك، قال: كنا عند مالكٍ إذ جاءَه عراقيٌّ، فقال له: يا أبا عبدِ الله، مسألةٌ أُريدُ أن أسألَك عنها. فطَأْطَأَ مالكٌ رأسَه، فقال له: يا أبا عبد الله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. كيف استَوى؟ قال: «سألتَ عن غيرِ مجهول، وتكَلَّمتَ في غيرِ معقول، إنَّك امرؤُ سوءٍ، أخرِجوه. فأخَذُوا بضَبْعَيْه فأخرَجوه».
وقد ارتكب العوني هنا -في سبيل تضعيف هذه الرواية- تدليسًا قبيحًا، فقال: «وقد تفرّد (يعني: أيوب بن صالح الرملي) بحديثٍ عن الإمام مالك، حكم الدارقطني عليه بالبطلان». وأحال إلى لسان الميزان لابن حجر (رقم 1361). ثم قال: «فهو إسنادٌ شديد الضعف».
وعند الرجوع إلى لسان الميزان، نجد أن ابن حجر يقول: «وأورد له (يعني الدارقطني في الغرائب) حديثًا آخر عن الحُصَيني، عن ابن قتيبة، عن المسيّب بن عبد الكريم، عن أيوب بن صالح، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن أبي ذرّ حديثًا في ذَمّ الوِلاية، وقال: هذا باطل عن مالك، وسأذكره في ترجمة المسيّب».
وقول ابن حجر: «وسأذكره في ترجمة المسيّب»، يشير إلى أن الحمل في هذا الحديث الباطل على المسيّب بن عبد الكريم، وليس على أيوب بن صالح. وبالعودة إلى ترجمة المسيّب، وجدنا أن ابن حجر قال: «المسيّب بن عبد الكريم، عن أيوب بن صالح، وعنه ابن قتيبة، اتَّهمه الدارقطني، انتهى.
قال الدارقطني: حدثنا أبو بكرٍ صالحُ بن علي الحُصَيْني، حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة، حدثني المسيّب بن عبد الكريم، حدثني أيوب بن صالح، حدثني مالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: بينا عمر يكتال تَمْر صدقاتِ المسلمين … وفيه قول أبي ذر: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من عامل يلي شيئًا من أمور المسلمين، إلَّا أُتي به يوم القيامة مغلولةٌ يدُه إلى عنقه، حتى يفكَّه العدل، أو يُوبقَه الجَوْر …" الحديث.
وقال: هذا الحديث باطل عن مالك عن نافع، والمتهم بوضعه المسيبُ بن عبد الكريم، فإن أيوب بن صالح مستقيم الأمر، يروي عن مالك قطعةً من "الموطأ"، وَهِمَ في حديثٍ واحد، وابنُ قتيبة من الثقات». انتهى.
إذن، فالحمل في هذا الحديث الباطل على المسيّب بن عبد الكريم، لكنّ العوني اتهم أيوب بن صالح الرملي به! مع أن ابن حجر أشار في ترجمة أيوب إلى أن الحديث الذي حكم عليه الدارقطني بالبطلان سيأتي في ترجمة المسيب، مما يدل على أن الحمل عليه هو وليس على أيوب.
فإما أن العوني جاهل بأساسيات علم التراجم، أو أنه وقف على قول الدارقطني وتعمّد التضليل، وهما أمران أحلاهما مر! والله المستعان.
- رغم محاولة ابن حجر إسناد جميع معلقات البخاري، إلا أن بعضها فاتته ولم يقف لها على أسانيد.
- وكذلك في بلاغات مالك، فبرغم الجهد الذي بذله ابن عبد البر، فقد فاتته بعض البلاغات ولم يسندها.
- والأمر أوضح لدى الدارقطني، وقبله أبو حاتم، والبزار، وابن المديني، والعقيلي، وابن عدي، وغيرهم؛ إذ يذكرون روايات لم نقف عليها مسندة.
وفي هذا فوائد:
الأولى: أن التراث الحديثي الذي بين أيدينا مروي بأسانيد هي صفوة الأسانيد وأصحها وأشهرها، وقد فاتتنا أسانيد لا يضر فقدها، لكونها من باب التعزيز والشواهد.
الثانية: أن أصحاب كتب الغرائب والأفراد، كالبزار والدارقطني والطبراني وغيرهم، استقصوا الأسانيد المفردة، فظهر أن غالبها مردود.
الثالثة: أن نقاد الحديث الأوائل، كما كانت لديهم هذه الأسانيد، كانت لديهم أيضًا أصول أحاديث الرواة، وهذه الأصول لم تصلنا، وإن كانت موزعة في المصنفات الحديثية.
وبهذا يتبين سر تقديم أحكام النقاد الأوائل وأسباب الثقة فيها، إذ كانوا حفاظًا، وبين أيديهم أسانيد كثيرة، ومعهم أصول كتب الرواة، فضلًا عن مشاركتهم في عصر الرواية، وإخضاع الرواية والرواة لسلطتهم النقدية.
#فوائد_حديثية (٤١)
- وكذلك في بلاغات مالك، فبرغم الجهد الذي بذله ابن عبد البر، فقد فاتته بعض البلاغات ولم يسندها.
- والأمر أوضح لدى الدارقطني، وقبله أبو حاتم، والبزار، وابن المديني، والعقيلي، وابن عدي، وغيرهم؛ إذ يذكرون روايات لم نقف عليها مسندة.
وفي هذا فوائد:
الأولى: أن التراث الحديثي الذي بين أيدينا مروي بأسانيد هي صفوة الأسانيد وأصحها وأشهرها، وقد فاتتنا أسانيد لا يضر فقدها، لكونها من باب التعزيز والشواهد.
الثانية: أن أصحاب كتب الغرائب والأفراد، كالبزار والدارقطني والطبراني وغيرهم، استقصوا الأسانيد المفردة، فظهر أن غالبها مردود.
الثالثة: أن نقاد الحديث الأوائل، كما كانت لديهم هذه الأسانيد، كانت لديهم أيضًا أصول أحاديث الرواة، وهذه الأصول لم تصلنا، وإن كانت موزعة في المصنفات الحديثية.
وبهذا يتبين سر تقديم أحكام النقاد الأوائل وأسباب الثقة فيها، إذ كانوا حفاظًا، وبين أيديهم أسانيد كثيرة، ومعهم أصول كتب الرواة، فضلًا عن مشاركتهم في عصر الرواية، وإخضاع الرواية والرواة لسلطتهم النقدية.
#فوائد_حديثية (٤١)
نستأنف الدروس السبت القادم بإذن الله.
وتقبل الله منا ومنكم، وكل عام وأنتم بخير.
وتقبل الله منا ومنكم، وكل عام وأنتم بخير.