د. سعد الشيخ
6.07K subscribers
28 photos
4 videos
8 files
22 links
فوائد حديثية ونقدية
Download Telegram
إفادة الخبر الخاص -بتعبير الإمام الشافعي- للعلم أو للظن لا تحصل لغير الناقد الذي يمتلك أدوات التمييز بين الصحيح والضعيف من الأخبار، أما عامة الناس، بما فيهم الفقهاء والأصوليون، فيلزمهم تقليد الناقد في ذلك والثقة بحكمه، وعليه فإن تقسيم الأخبار الخاصة إلى ما يفيد العلم أو الظن تقسيم نسبي يعتمد على حال المتلقي وليس تقسيمًا موضوعيًا ثابتًا، إذ لا يتحقق العلم بثبوت خبر عن النبي ﷺ إلا للناقد الذي يحيط علمًا بطرق الثبوت وأوصاف الصحة، وهو ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية.

وبهذا التحقيق يتبين بطلان تقسيم الأحاديث إلى متواتر وآحاد بناءً على تلك القسمة الموضوعية التي اعتمدت على عدد الرواة فقط دون النظر في أحوالهم أو ما يقوم في نفس الناقد من القرائن التي تقود إلى العلم أو الظن؛ ذلك أن إفادة الخبر للعلم أو الظن ليست صفة ذاتية ملازمة للحديث نفسه، بل هي مرتبطة بشكل كبير بحال المتلقي أو الناقد وبقدرته على التحقق والتمييز.
#فوائد_حديثية (٤٠)
نستأنف الدروس يوم السبت القادم، إن شاء الله، حيث يبدأ درس الموطأ الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة، يليه مباشرة درس نزهة النظر.
وقفات منهحية مع حاتم العوني - الحلقة (٦)
د. حاتم العوني - حفظه الله من التناقضات - قرر أن يلقي علينا درسًا في الدقة العلمية، منتقدًا ابن تيمية؛ لأنه نقد كتاب "مجرد مقالات أبي الحسن الأشعري" لابن فورك، بسبب أن ابن فورك لم يلتزم بنقل ألفاظ أبي الحسن، بل كما قال ابن تيمية: «ربما نسب إليه ما كان يعتقد أنه الحق»، فصاغ مواضع من الكتاب بما فهمه من كلام أبي الحسن، فوقعت له أوهام.
وهنا، تعقّبه د. العوني في حاشية الصفحة (12) قائلًا: «إنَّ نقل الإجماع عن العلماء فيما لا إجماع فيه، بناءً على الظنِّ الخاطئ، أشدُّ خطأً من نسبة رأي لعالم للظن بأنه الحق الذي لا يخالفه أحد».

وبقطع النظر عن الإشارة التي وردت من د. العوني إلى ابن تيمية، والتي يوحي فيها بأنه ينقل الإجماعات بناءً على ظنٍّ خاطئٍ لا عن استقراءٍ وتتبُّعٍ لمذاهب الناس وآرائهم، يمكننا التسليم بخطأ ابن تيمية في نقل الإجماعات بناءً على ظنونه الخاطئة؛ لكن ما يثير السخرية هنا هو أن هذا العالِم الموسوعي، الذي يتفاخر بميزان نقده الدقيق، وقع في نفس الخطأ الذي عابه على ابن تيمية!

في كتابه نفسه، في الصفحة (17)، قال د. العوني بكل ثقة: «اتفقت الأمة كلها على حجية السنَّة إجمالًا: محدثوها ومتكلموها، وأنها هي المصدر الثاني للتشريع مع القرآن الكريم. هذا ما لا خلاف في مجمل تقريره بين أهل العلم جميعًا». أي: محدثيها ومتكلميها.

مع أنَّ نقل إجماع المتكلمين في هذه المسألة من العُسر بمكان؛ لكثرة اختلافاتهم واضطراب آرائهم، ولتشعُّب مقالاتهم في موقفهم من الاحتجاج بالسُّنة، حتى لا يكاد يستقيم لهم مقال، فلا ينقل إجماعهم على حجية السنَّة بهذه الثقة، حتى ولو إجمالًا، إلا مجازف!

ومع ذلك، عندما نقلب صفحات الكتاب إلى الصفحة (29)، نجد د. العوني نفسه ينقل عن الإمام الشافعي ما يبطِل الإجماع الذي ذكره سابقًا! حيث يقول: «وقد دلَّت مناظرات الإمام الشافعي مع مخالفيه من أهل الكلام كما كان يسمِّيهم: على أنَّ لهم مقالات متعدّدة في تقسيم السنَّة وفي الاحتجاج بتلك الأقسام، حتى قال في فاتحة كلامه: "ثم ‌تفرَّق ‌أهلُ ‌الكلام في تثبيت الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرُّقاً، أمَّا بعضُهم فقد أكثر من التقليد والتخفيف من النظر والغفلة والاستعجال بالرِّياسة"».

ثم قال د. العوني: «فذكرَ الإمام الشافعي أنَّ من متكلِّمي عصره مَن كان يدّعي أنه لا يحتج إلا بالقرآن، ومنهم من أضاف إلى القرآن: خبر العامة عن العامة من مثل فرض الصلاة خمسًا في اليوم والليلة، ومنهم من اشترط إفادة العلم في خبر الآحاد ليحتج به، مما يعني أنه لا يحتج بالظنّي مطلقًا».

فهؤلاء المتكلمون الذين كان يناظرهم الشافعي لم يحتجوا بالسنة مطلقًا، لا إجمالًا ولا تفصيلًا، حتى خبر العامة عن العامة، الذي هو أقوى من متواتر المتكملين، لم يقبلوه! وهؤلاء المتكلمون الذين كان يناظرهم الشافعي هم مَن أسَّسُوا قواعد التفريق بين السنَّةِ التي يدافع عنها العوني في كتابه ويحاول تمييع النزاع حولها، وهم ليسوا أفرادًا يمكن الاستهانة برأيهم في الإجماع أو تجاهلهم وعدم الاعتداد بهم، بل كانوا علماء يناظرون الشافعي في التشكيك بالسنّة بأدلةٍ عقليةٍ صارت عمدة لمن جاء بعدهم.

فأين ذهب إجماعك السابق يا د. حاتم؟ هل تسرّب بين الصفحات أم أنك قررت إدخال تقنية الإجماع المؤقت؟

والمفارقة الطريفة أن من ينتقد ابن تيمية بحجة أنه أخطأ في نقل الإجماع، هو نفسه لا يستطيع أن يثبت إجماعًا في كتابه إلا لينقضه بنفسه بعد عدة صفحات! يبدو أن د. العوني قرر أن يكون عالِمًا موسوعيًا لا ينافسه أحد... حتى في التناقضات!
مسلك د. العوني في إثبات حجية الإجماع الذي حكاه عن أهل الكلام:
نقل د. العوني لإثبات الإجماع المزعوم نقلَين يستحقان الوقوف عندهما لفهم مدى دقة استدلالاته وطريقة تفكيره الطريفة! يقول في الصفحة (17): «وهذا الإمام أبو بكر الجصاص الحنفي -أحمد بن علي الرازي (ت370ه)- وهو معدود في طبقات المعتزلة يحكي الإجماع على الاحتجاج بخبر الواحد، ويحكي الاحتجاج لحجيتها عن عيسى بن أبان الحنفي (ت221ه) المعدود في المعتزلة أيضًا، والذي له كتاب في (خبر الواحد)، حيث قال الجصاص: "ومن جهة الإجماع: أنه ‌لا ‌خلاف ‌في ‌الصدر الأول ومَن بعدهم، ومَن تابعهم، وأتباعهم، في قبول الأخبار في كثير من أمور الديانات.
والذي نبيّنه ما روي في الأخبار المتواترة من الصدر الأول، وأخبار الآحاد في ذلك، والعمل بها من غير نكير من أحد منهم على قائلها، ولا رد لها.
وقد أورد عيسى بن أبان من ذلك جملاً..."».

ثم قال د. العوني: «ثم ذكر أخبارًا استدل بها على احتجاج السلف بخبر الآحاد، ثم قال الجصاص: "ومما يدل على إجماع السلف على قبول الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: تفرد كل واحد منهم برواية شيء بعينه، خاصة دون غيره، ودعاء الناس إلى العمل به، ولو كان ذلك مستنكرا لأنكروه على رواتها، ومنعوهم منها، إذ كانوا كما وصفهم الله تعالى في كتابه {الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} [التوبة: 112]"». انتهى نقل د. العوني.

قلت: الجصاص هنا يحكي إجماع السلف على قبول خبر الواحد، وليس إجماع أصحابه (سواء كانوا فقهاء الحنفية أو متكلمي المعتزلة)، بل هو إشارة إلى إلزامهم بهذا الإجماع. ويظهر هذا من النص الذي تجاوزه د. حاتم العوني -ببراءة!- حيث قال الجصاص بعد أن ذكر جُملاً من احتجاج الصحابة بخبر الواحد نقلًا عن عيسى بن أبان: «وفي نظائر ذلك مما قبلوا من أخبار الآحاد مستفيضٌ ذلك عنهم، وعليه جرى أيضاً أمر التابعين ومن بعدهم، إلى أن نشأت فرقة فاجرة، قليلة الفقه، جاهلة بأصول الشريعة، فخالفت دلائل القرآن، وسنن النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع السلف والخلف في ذلك، إلى آرائهم، وعارضوها بنظر لو انفرد عن معارضة ما قدمنا من الدلائل لما أمكنهم به تصحيح مقالتهم».

فمن الواضح أن الجصاص لا ينقل إجماع المتكلمين على قبول خبر الواحد، كما يحاول د. العوني إثباته، بل ينقل الإجماع على ضد قولهم ليلزمهم به ويشنّع عليهم مخالفته، فانظر لطرافة الاستدلال!

وشبيهٌ بالجصاص ما نقله د. العوني عن أبي المظفّر السمعاني، حيث قال في الصفحة (ص19): «وقال أبو المظفر السمعاني: ‌ونشتغل ‌الآن ‌بالجواب عن قولهم فيما سبق: إن أخبار الآحاد لا تقبل فيما طريقه العلم، وهذا رأس شغب المبتدعة في رد الأخبار، وطلب الدليل من النظر، والاعتبار فنقول وبالله التوفيق: إن الخبر إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -‌‌ ورواه الثقات والأئمة، وأسندوه خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وتلقته الأمة بالقبول، فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم.

وهذا قول عامة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة، وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال، ولا بد من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به؛ شيء اخترعته القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار، وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم علَمٌ في العلم وقدمٌ ثابت، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول.

ولو أنصف الفِرَق من الأمة لأقروا بأن خبر الواحد يوجب العلم، فإنهم تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد:
- ترى أصحاب القدر يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة». وبقوله: «خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم».
- وترى أهل الإرجاء يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، قال، وإن زنى وإن سرق؟ قال: نعم، وإن زنى وإن سرق».
- وترى الرافضة يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم: «يُجاء بقومٍ من أصحابي فيسلك بهم ذات الشمال، فأقول أصيحابي أصيحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم».
- وترى الخوارج يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». وبقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن».

إلى غير هذا من الأحاديث التي يستدل لها أهل الفِرَق، ومشهور ومعلوم استدلال أهل السنة بالأحاديث ورجوعهم إليها، فهذا إجماع منهم على القول بأخبار الآحاد...».
قلت: من الواضح من سياق كلام أبي المظفر أنه لا يعدُّ من سمَّاهم بالقدرية والمعتزلة ضمن أهل الإجماع، بل يُلزمهم بإجماع أهل العلم مُبيِّنًا تناقضهم في الاحتجاج ببعض أخبار الآحاد بينما ينفون حجيتها، ولا شك أن هناك فرقًا كبيرًا بين من يُعتبر من أهل الإجماع وبين من يُلزم بالإجماع لأنه مخالف له، فكيف صار مخالف الإجماع من أهله؟! وكيف صار الإلزام إجماعًا؟!
ولي عودة قريبة مع استدلالاته الطريفة بهذا النص في موضعه إن شاء الله.
مَن فهم مبحث «القدر المشترك» في المعاني المشتركة بين الخالق والمخلوق = انحلت له إشكالات كثيرة كانت أصلاً في ضلال الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم كالأشعرية.

وقد أفاض شيخ الإسلام ابن تيمية في تبيينه وتوضيحه بما لم يُسبق إليه، وبما لا مزيد عليه، ولتوضيح هذا القدر المشترك في معاني الصفات بين الخالق والمخلوق وتقريبه، أقول: هو

١- [مفهوم]؛ أي: معنىً، فليس عينًا مشخصًا ولا جزءًا من جسمٍ في الخارج، والمفاهيم من خصائص الذهن، ينتزعها من الخارج بعد تجريدها من خصائص صفات المخلوق، فلا تتعدّى الذهن.

٢- [كلي]؛ أي: يصدق على أفرادٍ متعددين بالتفاضل لا بالتماثل، ويشمل حقائق ومصاديق مختلفة في الخارج، وهذه طبيعة الكليات عمومًا.
ومعنى هذا القيد: أن هذا الاشتراك في المعنى بين الخالق والمخلوق = لا يستلزم اشتراكهما في شيء من ماهية الصفة وكيفياتها الخارجية، فالاشتراك مختص بالمفاهيم الذهنية لا بالماهيات الخارجية.

٣- [ذهني]، فالذهن هو الذي يلحظ القدر المشترك في المعاني بين الغائب والشاهد، ثم يجرد الصفة من خصائص المخلوق، فيصيغ معنى مشتركًا يصح وصف الخالق والمخلوق به.
ومعنى هذا القيد: أن المعنى المشترك لا يتعدى الذهن، وإذا تجاوز الذهن انقطع الاشتراك؛ لأنه ليس في الخارج معنى مشترك، بل ليس فيه إلا المشخص المعين.

٤- [منتزع من الشاهد]، فلا يمكن معرفة المعبود، ولا تمييز صفاته، ولا فهم الخطاب إلا بمعرفة الشاهد وقياس الغائب عليه عن طريق لحاظ الذهن معنى مشتركًا بينهما بعد تجريده من خصائص صفات المخلوق.

وانتزاع المفاهيم "الكلية" من الشاهد هو مقول جميع الطوائف، بل جميع العقلاء، ويمتنع معرفة المعبود وفهم صفاته بدون معرفة معاني هذه الصفات في الشاهد.

والمثالية الأفلاطونية والمعارف القبلية الخرافية لم يرتضها حتى فلاسفة الغرب الملاحدة مثل شابنهاور وغيره.
وقد نص المتكلمون على أن الاشتراك في المفاهيم الكلية المنتزعة من الخارج = لا يلزم منها الاشتراك في الماهيات والحقائق الخارجية.
قبر التفويض: نماذج من استدلالات الإمام البخاري لإثبات معاني الصفات الخبرية:

عقد الإمام البخاري في كتاب التوحيد (والرد على الجهمية) من صحيحه: «باب قول الله تعالى: {لِمَا خلقتُ بيَديّ}»، وأورد فيه الأحاديث التالية: (سأقتصر على الشاهد فقط):

١- حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجمع الله المؤمنين يوم القيامة كذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى ‌يُرِيحَنَا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم، أمَا ترى الناس؟! ((خلقك الله بيده))...».

٢- حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «((يد الله)) مَلأَى لَا ‌يَغِيضُهَا نفقةٌ، سحّاء الليلَ والنهارَ»، وقال: «أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؛ فإنه لم يغِضْ ما في ((يده))، وقال: «عرشه على الماء، ((وبيده الأخرى)) الميزان ((يخفِضُ ويرفَع))».

٣- حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله ((يقبِضُ)) يوم القيامة الأرضَ، وتكون السماوات ((بيمينه))، ثم يقول: أنا الملك».

٤- حديث عبد الله بن مسعود: أن يهودياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا محمد، إن الله يمسك السماوات على ((إصبع))، والأرضين على ((إصبع))، والجبال على ((إصبع))، والشجر على ((إصبع))، والخلائق على ((إصبع))، ثم يقول: أنا الملك. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قرأ: {وما قدروا الله حق قدره}. قال عبد الله: «فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجباً وتصديقاً له».

تأمل أخي المفوض:
١- أورد البخاري مرويات صفة اليدين في كتاب التوحيد والرد على الجهمية، فهو يستدل لعقيدته، ويرد على مخالفيه من الجهمية، ويعتبر ذلك جزءًا من التوحيد.

٢- الباب في إثبات اليدين، لكن البخاري لم يقتصر على ذكر لفظ "اليدين" فقط، بل أورد صفات أخرى لها تعلق باليدين في الشاهد تدل على ثبوت يدين حقيقيتين، مثل: (القبض) و(البسط) و(اليمين) و(الأصابع) و(اليد الأخرى). أفليس في هذا دلالة ظاهرة على إثبات البخاري لمعاني هذه الصفات، وفهمها وفقًا للقدر المشترك بين الخالق والمخلوق، مع نفي المماثلة؟!

٣- وإلا، فلو لم يكن يفهم معاني هذه الصفات، ولم يثبتها على ظاهرها المنتزع من الشاهد، فكيف يثبت اليدين بمرويات: الأصابع، واليمين، واليد الأخرى، والقبض، والبسط، والرفع، والخفض؟! فما الجامع بين هذه الصفات؟! ولماذا استدل البخاري بها في باب إثبات اليدين تحديدًا، دون أن يوردها في باب إثبات الوجه أو العين، مع أنه عقد لهما أبوابًا أيضًا في كتاب التوحيد؟!

ومع قبر التفويض... قبر التأويل:
فهذا القبض، والبسط، والوقوف عن يمين الرحمن، ووضع السماوات على إصبع والجبال على إصبع، وذكر إحدى اليدين ثم قوله: وبيده الأخرى = ممتنع فيه اليد المجازية، سواء كانت بمعنى القدرة أو بمعنى النعمة؛ فإنها لا يتصرف فيها هذا التصرف، هذه لغة العرب، نظمهم ونثرهم، هل تجدون فيها ذلك أصلاً؟!
Live stream started
Live stream finished (1 hour)
Live stream started
Live stream finished (55 minutes)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله جميعًا. أعتذر عن درسَي «الموطأ» و«النزهة» يوم السبت القادم، على أن نستأنف اللقاء في السبت الذي يليه بإذن الله، ثم تتوقف الدروس إلى ما بعد رمضان، إن شاء الله.
تنبيهات على أغلاط د. حاتم العوني في تخريج ونقد أثر الإمام مالك في الاستواء.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فهذا بحثٌ مختصرٌ تعقبتُ فيه حاتم العوني في نقده للطرق الواردة عن الإمام مالك في كتابه: "الاستواء معلوم"، وقد اقتصرتُ فيه على بيان أغلاطه النقدية وكيفية تعامله مع بعض الروايات الصحيحة بمنهجٍ متعنّتٍ بعيدٍ عن مناهج نقاد الحديث، ولم أتطرق إلى طريقة فهمه وتحليله لأثر الإمام مالك ومنهجه في تفسيره؛ لأن تتبُّع ذلك يطول، فالواقع أن الرجل قد جمع كل البلايا في كتابه هذا، والله المستعان.

التنبيه الأول: لا يُؤخذ بروايةٍ واحدةٍ فقط مع صحة الروايات الأخرى؛ بحجة أنها أصح ما ورد عن الإمام مالك، بل يتم الجمع بين الروايات ما لم يظهر تنافر في المعنى أو يمتنع الجمع بينها، أما مع إمكان الجمع وفق قواعد المحدثين بلا تعنُّت، فلا يُلجأ إلى الترجيح مع صحة الأسانيد؛ لأن الجمع أَولى من توهيم الثقات بغير حجةٍ كافية، وهذا من بدهيات قواعد اختلاف الأسانيد عند نقاد الحديث.

قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح (ص ٣٦٨): «الاختلاف عند الحفاظ لا يضرُّ إذا قامت القرائن على ترجيح إحدى الروايات، أو أمكن الجمع على قواعدهم».

فعلى التسليم بأن رواية عبد الله بن وهب هي أصح ما ورد عن الإمام مالك كما يزعم العوني؛ فإن هذا لا يوجب رد الروايات الأخرى؛ لعدم الاختلاف المؤثر بين الروايات، إذ لم تختلف مدلولات ألفاظها اختلافًا قادحًا يمنع أن تُردَّ إلى معنى واحد، أو معانٍ يقرب بعضُها من بعض.

التنبيه الثاني: لا يُسلّم للعوني بأن رواية عبد الله بن وهب هي أصح ما ورد عن الإمام مالك؛ لأنّها من رواية أحمد بن محمد بن إسماعيل بن مهران، عن أبيه. وأبوه (محمد بن إسماعيل بن مهران الإسماعيلي النيسابوري، ويُكنى بأبي بكر الإسماعيلي، وهو غير الجُرجاني الحافظ): قد تغيّر بآخره، وخَرِس فكان لا يقدر أن يحرّك لسانه إلا بــ (لا) في مقام نعم!

قال أبو أحمد الحاكم في الأسماء والكنى (1/406، رقم ‌‌835) في ترجمته: «تغيّر بأخرة».
وقال أبو عبد الله الحاكم، كما في تلخيص تاريخ نيسابور (ص٥٢)-: «توفي رحمه الله في ذي الحجة، في سنه خمس وتسعين ومائتين، وقيل: لا يصح سماع من سمع من الإسماعيلي بعد التسع والثمانين، وأنه كان لا يقدر أن يحرّك لسانه إلا بــ (لا)، وكان إذا قيل له: كما قرأنا؟ قال: لا لا لا، مقام نعم، وتحرّك رأسه».

وقال ابن حجر في لسان الميزان (6/575، رقم ‌‌6510): «قال الحاكم في "التاريخ" في ترجمته: قال ابنه أحمد: مرض أبي في صفر سنة تسع وثمانين، وبقي في مرضه إلى أن توفي في ذي الحجة سنة خمس وتسعين ومئتين.
قال الحاكم: عهدت مشايخنا لا يصحِّحون سماعَ الذين سمعوا من الإِسماعيلي -يعني هذا- بعد التَسع والثمانين، فإنه كان لا يقدر أن يحرِّك لسانه إلَّا بـ "لا"، فكان إذا قُرِئ عليه قيل له: كما قرأنا؟ قال: لا.
وسمعت عبد الله بن سويد الثقةَ المأمونَ يتأَسَّف غير مرة على ما فاته من الإِسماعيلي، ثم يقول: أدركناه وقد أخذَتْه اللَّقْوَة، وبقي فيها إلى آخر عمره، قلت له: بلغني أنه كان يشير برأسه، فقال: ما كان يقدر أن يحرِّك رأسه».

قلت: فهل مثل هذا الراوي، على جلالته قبل أن يخرس ويتغيّر، يمكن الاطمئنان إلى صحة روايته؟! وقد طالت فترة خرسه وتغيُّرِهِ ست سنوات، ولا نعلم إن كان ابنُه قد سمع منه هذا الأثر قبل هذا التغيير أم بعده؟ وعليه؛ فلا يمكن اعتبار هذه الرواية هي أصح الروايات خصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أن الراوي قد خرس وتغيّر في آخر عمره!

وبسبب ذلك؛ أورده الذهبي في الميزان (3/485، رقم ‌‌7243)، وقال فيه: «صدوق مشهور، ولكنه أُسكِتَ قبل موته بست سنين، فالآخذ عنه فيها ضعيف».

لذا؛ فإن الأرجح عندي: أن رواية يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري هي أصح ما ورد عن الإمام مالك، كما سيأتي في التنبيه الرابع.

التنبيه الثالث: شكّك العوني في صحة رواية تلميذ الإمام مالك: عبد الله بن عبد الحكم، عن الإمام مالك، رغم إقراره بثبوت سماعه الموطأ وغيره من مالك. وعلى الرغم من عدم الخلاف معه في هذا الأمر، إلا أنه شكّك في سماع عبد الله بن عبد الحكم هذا الأثر تحديدًا من مالك.

وحجة العوني في ذلك هي: أن ابن عبد الحكم كان يروي مسائل مالك عن عبد الله بن وهب وأشهب وغيرهما، وبما أن عبد الله بن وهب قد روى هذا الأثر عن مالك بلفظٍ مختلف عن رواية ابن أبي عبد الحكم؛ فاستدل العوني بذلك على احتمال أن يكون ابن عبد الحكم قد سمعه من عبد الله بن وهب؛ فأسقطه من الإسناد، وأخلّ بنقل المعنى!

وأكّد هذا بما نقله عن ابن عبد البر أنه قال: «سمع من مالك سماعًا نحو ثلاثة أجزاء، وسمع "الموطأ"، ثم روى عن ابن وهب، وابن القاسم، وأشهب كثيرًا من رأي مالك، وصنّف كتابًا اختصر فيه تلك الأسمعة بألفاظ مقرّبة، ثم اختصره». والجواب عن هذا من وجوه:
الوجه الأول: ليس كل ما يرويه عبد الله بن عبد الحكم عن مالك يجب أن يكون منقولًا من عبد الله بن وهب، بل الأصل أن ما يرويه ابن عبد الحكم عن مالك هو مما سمعه منه مباشرة، ما لم تدل القرائن على خلاف ذلك، والقرائن تشير إلى أنه قد سمع هذا الأثر من مالك؛ لأنه يذكر تفاصيل لم تذكرها رواية عبد الله بن وهب، مثل سؤال مالك عن النزول والاستواء معًا، بينما اقتصر ابن وهب على سؤال الاستواء فقط.

الوجه الثاني: أنه قد توبع على هذا اللفظ، وشاركه غيرُه من تلاميذ مالك في القدر الذي لم يروه عبد الله بن وهب، وكلُّهم قد ذكروا تفاصيل لم يذكرها عبد الله بن وهب في روايته، وهذا يدل على أن ابن عبد الحكم قد روى شيئًا لم يروه عبد الله بن وهب، والزيادة من الثقة مقبولة إذا كان حافظًا.

الوجه الثالث: عبد الله بن عبد الحكم كان فقيهًا متمكنًا وعارفًا بآراء مالك وأقواله المختلفة، بل كان دقيقًا في منقولاته؛ مما يبعد معه أن يغيّر الأثر أو يخل بمعناه، حتى على التسليم بأنه قد سمعه من ابن وهب؛ لأنه: «كان أعلم أصحاب مالك بمختلف قوله، وأفضتْ إليه رياسة الطائفة المالكية بعد أشهب، وروى عن مالك الموطأ سماعًا». كما قال ابن خلكان في وفيات الأعيان (3/34).

الوجه الرابع: لا يوجد اختلاف جوهري في المعنى بين رواية عبد الله بن وهب ورواية عبد الله بن عبد الحكم، فلا يمكن رد روايته بحجة اختلاف الألفاظ، طالما أن المعنى متقارب غير متناقض، وما بمثل هذا تُعلّ الروايات الصحيحة!

التنبيه الرابع: أعلّ العوني رواية يحيى بن يحيى النيسابوري بجهالة (أبي جعفر أحمد بن زيرك اليزدي)، وقال بأنه لم يقف على ترجمته، وأنه رجع إلى كتابَين معاصِرَين اعتنيا بجمع شيوخ أبي الشيخ الأصبهاني، فلم يترجما له ولم يأتيا على اسمه.

قلت: قد روى عنه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3/14، رقم 1300) فقال: «حدثنا أبو جعفر بن زيرك المروزي ...». فربما تصحّف المروزي عند البيهقي إلى اليزدي، وهذا يعني أنه معروف لدى المحدثين، فقد روى عنه اثنان من أجلّة الحفاظ الكبار المتقنين، كأبي الشيخ الأصبهاني، وابن أبي عاصم.

ومع ذلك، فالمعوّل ليس على روايته، وإنما على رواية أحد الحفّاظ الكبار ممن تابعه، والعوني لم يقف على هذه المتابعة الصحيحة، فردّ رواية يحيى بن يحيى بجهالة أبي جعفر ابن زيرك!

فقد قال ابن منده- كما في العلو للذهبي (ص168، رقم ٤٥٥)-: أنبأ محمد بن يعقوب الشيباني، حدثنا محمد بن عمرو بن النضر، حدثنا يحيى بن يحيى، قال: كنت عند مالك فجاءه رجلٌ فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، فأطرق، ثم قال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة».

قلت: ومحمد بن يعقوب الشيباني هذا، هو أبو عبد الله الأخرم الحافظ الحجة، الذي قال فيه الذهبي في السير (15/466، رقم ‌‌263): «الإمام، الحافظ، المتقن، الحجة، أبو عبد الله محمد بن يعقوب بن يوسف الشيباني النيسابوري بن الأخرم ... وقال الحاكم: كان صدر أهل الحديث ببلدنا بعد ابن الشَّرقي، يحفظ ويفهم، وصنف كتاب (المستخرج على الصحيحين)، وصنف (المسند الكبير)، وسأله أبو العباس السراج أن يخرج له كتابا على (صحيح مسلم) ففعل...».

وعليه: فرواية يحيى بن يحيى النيسابوري صحيحة لا غبار عليها، وإنما أعلّها العوني لعدم وقوفه على هذه الطريق، بل هي أصح من رواية عبد الله بن وهب التي زعم العوني أنها أصح الروايات؛ لأن رجال إسنادها كلهم ثقات حفّاظ لم يُغمزوا بشيء.

وأما قول الألباني في مختصر العلو (ص ١٨٠): »رجاله ثقات غير ابن النضر هذا فلم أعرفه».

قلت: بل هو حافظٌ معروف، قد ترجم له الذهبي في تاريخه (6/819، رقم 489) وقال: «محمد بن عمرو بن النضر، أبو علي الحرشي النيسابوري، ‌قشمرد. سمع حفص بن عبد الله السلمي، وعبدان بن عثمان، والقعنبي، وجماعة. وطال عمره، وتفرد عن حفص. وكان صدوقًا مقبولًا. روى عنه محمد بن صالح بن هانئ، ويحيى بن محمد العنبري، ودعلج السجزي، وآخرون. توفي سنة سبع وثمانين».

وترجم له الحافظ ابن حجر ووصفه بالحافظ، فقال في نزهة الألباب في الألقاب (2/91، رقم 2249): «قشمرد: هو محمد بن عمرو بن النضر النيسابوري، الحافظ، ويُقال له: كشمرد بالكاف».

التنبيه الخامس: تعنّت العوني في إعمال دقائق قواعد الرواية على هذا الأثر عن مالك، وكأنه يتعامل مع أحاديث الأحكام والحلال والحرام، أو مع مرويات الإيمان وأصول الاعتقاد! وأخذ بأشد المذاهب تثبُّتًا في قضايا السماع، وحتى مع هذا التعنُّت لم يستقم له إعلال ما يريد!

فمثلًا: أعلّ رواية محمد بن النعمان بن عبد السلام، الثقة العابد الزاهد، عن الإمام مالك بالانقطاع؛ لأنه لا تُعرف له رواية عن مالك! مع أنه لم ينف أحدٌ من النقاد سماعه من مالك، وسماعه من مالك ممكن.
وما ذكره العوني نقلًا عن الذهبي بأنه: «لم يسمع من أبيه لصغره»، مع أنّ أباه قد توفي سنة (183ه)، أي: بعد وفاة مالك (179ه) بأربع سنين، مما يُستبعد معه السماع من مالك من باب أولى؛ فليس حجة كافية لنفي السماع، لا سيما وقد اختُلف في وفاة أبيه النعمان بن عبد السلام، فقد قال أبو الشيخ في طبقات المحدثين بأصبهان (2/5)، وأبو نعيم في تاريخ أصبهان (2/ ٣٠٣) في ترجمة النعمان هذا: «توفي سنة ثلاث وثمانين ومائة، وقيل: سبعين». أي: سنة ثلاث (وسبعين) ومائة، وعلى هذا فيكون قد مات مالكٌ بعده بست سنوات، فيكون سماع محمد بن النعمان من مالك ممكنًا جدًا، لا سيما أن محمد بن النعمان قد ذكر في نفس روايته ما يدل على ثبوت سماعه من مالك؛ إذ قال: «فجعلنا ننتظر ما يأمر به، فرفع رأسه، فقال: الاستواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول...». فهو هنا يتحدث عن حضوره للمجلس ويروي ما سمعه، وهذا يؤكد سماعه من مالك. والله أعلم.

أما كون هذا أصبهاني ومالك مدني، فمن أين له الرواية عنه؟! فأقول: قد ذكر الذهبي في ترجمته أنه رحل وسمع من سفيان بن عيينة، فما المانع أن يكون قد سمع من مالك أيضًا في رحلته؟!

التنبيه السادس: أعلَّ العوني رواية ‌أيوب ‌بن ‌صالح الرَّملي عن مالك؛ لقول ابن عَدِيٍّ فيه: «روى عن مالك ما لم يُتابعه عليه، بلغني عن يحيى بن معين أنه ضعّفه».

ولم يُسنِد ابن عدي بلاغه هذا، فلا يُعوّل عليه، ثم هو معارَض بتوثيق الدارقطني له، وابنُ عَدِيٍّ نفسه لم يضعّفه وإنما أورده في "كامله"؛ لأنه خالف أصحاب مالك في حديثٍ واحد وصله عن مالك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن أنس بن مالك: جاء أعرابيٌّ فبال في المسجد، فذكر الحديث.

قال ابن عدي: «لا أعلم وصله عن مالك غير أيوب بن صالح هذا، وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد: أن أعرابيًا جاء فبال في المسجد، ولم يذكر في إسناده أنس».

قلت: وهذا ليس جرحًا تُرد به روايته عند أحدٍ من نقاد الحديث، كيف وقد وثّقه الدارقطني فقال: «أيوب بن صالح: مستقيم الأمر، يروي عن مالك قطعة من "الموطأ"، وهم في حديثٍ واحد». كما في لسان الميزان لابن حجر (8/69، رقم ‌‌7752). ووهمه في حديثٍ واحدٍ دليلٌ على ضبطه بالجملة، وللدارقطني خبرةٌ بالرواة عن مالك، واختلاف أصحابه عليه، وقوله فيهم هو المعتَمد.

ثم إن أيوب بن صالح يروي هنا واقعةً حضرها بنفسه، فدواعي ضبطه للقصة قوية، لا يروي إسنادًا يحتوي على سلسلة من الرجال قد تكون عرضة للوهم أو الخطأ، فقد روى ابن عبد البر في التمهيد (5/١٦٣) عن بقي بن مخلد، قال: وحدَّثنا أيُّوبُ بنُ صالح المَخزوميُّ بالرَّملَة، قال: «كنا عند مالكٍ إذ جاءَه عراقيٌّ، فقال له: يا أبا عبدِ الله، مسألةٌ أُريدُ أن أسألَك عنها. فطَأْطَأَ مالكٌ رأسَه، فقال له: يا أبا عبد الله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}. كيف استَوى؟ قال: ‌سألتَ ‌عن ‌غيرِ ‌مجهول، وتكَلَّمتَ في غيرِ معقول، إنَّك امرؤُ سوءٍ، أخرِجوه. فأخَذُوا بضَبْعَيْه فأخرَجوه».

الخاتمة:
من خلال ما تم استعراضه من ملاحظات حول منهج حاتم العوني في تخريج ونقد أثر الإمام مالك في الاستواء، يتبين أن منهجه النقدي يعاني من عدد من الثغرات التي تؤثر على دقته وموضوعيته، من ذلك:

١- التعسف في رفض الروايات الصحيحة: فالعوني يميل إلى رفض الروايات الصحيحة بناءً على اختلافات بسيطة في الألفاظ، دون مراعاة أن الاختلاف بين الألفاظ قد لا يكون مؤثرًا في المعنى.

٢- التسرع في الترجيح: اعتمد العوني على ترجيح رواية واحدة على سائر الروايات الأخرى الصحيحة دون أن يستوفي النقد المطلوب، فقام بترجيح رواية عبد الله بن وهب رغم وجود ما يغمز في صحة إسناده، فضلًا عن ترجيحه على ما سواه من الأسانيد الثابتة.

٣- التشكيك فيمن ثبت سماعه من مالك: فشكك العوني في صحة رواية عبد الله بن عبد الحكم رغم وجود القرائن التي تدل على أنه سمع الأثر مباشرة من الإمام مالك، فأصر العوني على أن عبد الله بن عبد الحكم قد سمع الأثر من عبد الله بن وهب، مع عدم وجود ما يدل على ذلك.

٤- التشدد في إعمال قواعد الرواية في هذا الأثر: فالعوني تمسك بشكل مفرط بأدق القواعد في النقد، بشكل قد يؤدي إلى إسقاط روايات صحيحة، فضلا عن مثل هذا الأثر عن مالك، فمثلًا في رواية محمد بن النعمان بن عبد السلام، رغم قرائن أدلة تشير إلى إمكانية سماعه من مالك، أصر على أن السماع غير ممكن دون تقديم دليل قطعي يثبت ذلك.

٥- عدم وقوفه على بعض المتابعات الصحيحة التي تغيّر من حكمه النقدي، كما في رواية يحيى بن يحيى النيسابوري. وهذا يدل على ضعف استقرائه.

بالمجمل، منهج العوني يظهر فيه نوع من التعسف والتحامل على بعض الروايات من غير استيفاء للقرائن الكافية التي تدعم صحتها، مما يؤثر على دقة التحليل النقدي الذي قام به.

سعد الشيخ.
أحد الأزهريين ممن فتح عينه على علوم الحديث مؤخرًا، وكان قريبًا يقوّي رواية كُسير بعوير = انتقد بحثي حول أغاليط حاتم العوني، لكنه لم يجد ما يمكنه دفعه إلا محاولة ردّ ما ذكرتُه عن الطعن في رواية ابن أبي بكر الإسماعيلي النيسابوري عن أبيه، الذي تغيّر وأُصيب بالخرس قبل وفاته بست سنوات، وهو غمزٌ أنزل إسنادَ رواية ابن وهب عندي عن كونه أصح الأسانيد الواردة عن الإمام مالك، خلافًا لما زعمه العوني.

فقال المذكور في تعقيبه: «لا أدري كيف يتعامى المرء عن صيغة الأداء الواردة في الإسناد، ويتغابى عن فهمها، وهي بكلِّ وضوحٍ: «حدَّثنا أَبِي»، الدَّالَّة على أنه سمع هذه الرواية من لَفْظ أبيه، أفلا تكفيك هذه الصيغة في معرفة أنه سَمِعَها من أبيه قبل أن يصيبه الخرس؟!».

قلت: غاية علم هذا المسكين لا تتعدى الدوران في فلك كتب المصطلح، لذلك جعل دلالة التحديث على السماع من لفظ الشيخ ضربة لازب، وكأنّ هذه الصيغة لا تُستعمل إلا في السماع من لفظ الشيخ، مع أنّ المتقدمين كالإمام أحمد والبخاري وغيرهما استعملوها في السماع وفي العرض على الشيخ على السواء.

وقد كان الناس يعرضون على الإسماعيلي هذا، فيحرّك لهم برأسه مع اختلاط نفيه بإقراره عليهم، وهذا العرض وحده يجيز لهم أن يقولوا: "حدثنا"؛ لأنهم لم يلتزموا أن لا يستعملوا هذه الصيغة إلا في السماع من لفظ الشيخ، بل التفريق بين صيغ الأداء من مباحث المتأخرين، ومع ذلك فقد نص أهل الاصطلاح على أن بعض الرواة يقول في القراءة على الشيخ: "حدثنا"، كما قال ابن دقيق العيد: «ومن الناس من أجاز فيما يقرؤه الراوي على الشيخ».

فيظل الإشكال قائمًا حتى مع تصريح الابن بالسماع؛ لاحتمال أن يكون قد أخذ عنه بعد تغيُّره، لا سيما أننا نتحدث عن أثرٍ، لا عن حديثٍ يُحرص عليه في أوائل السماع.

ثم إن تغيّر الشيخ لم يقتصر على إصابته بالخرس، بل شمل أيضًا ضعف حفظه الملازم للتغير، وعليه فإن الإشكال لا يزول حتى مع التصريح بالسماع من لفظه؛ لاحتمال أن يكون ابنُه قد سمعه منه في بدايات تغيُّره، قبل أن تتمكن منه اللّقوة، إذ إن المرض لا يبدأ فجأة، بل يستمر حتى يستحكم.

وقد تغافل صاحب الرد عن أنّ غرضي لم يكن توهين رواية الإسماعيلي، بل بيان أنها ليست الأصح؛ لأن النزاع مع العوني كان حول أصح الروايات، وهذا الغمز في الراوي، وإن لم يُعل الحديث، فإنه يؤثر على مرتبته في الترجيح.

ولذلك قلت بعد ذلك: «لذا؛ فإن الأرجح عندي أن رواية يحيى بن يحيى التميمي النيسابوري هي أصح ما ورد عن الإمام مالك».

فالبحث متعلق ببيان الرواية الأرجح، وليس بتوهين رواية الإسماعيلي، وذلك الغمز في روايته، إن لم يُعل حديثه، فلا أقل من أن يُؤخر مرتبته في الترجيح، فافهم ولا تغالط!

هذا باختصار، وفي التعليقات رد الأستاذ عمرو بسيوني على المذكور، وفيه كفاية.
الأستاذ عمرو البسيوني ردا على المذكور:

جزاكم الله خيرا.
ولكن لا يخفى أن حدثني ليست نصا في السماع من الشيخ بلفظه يعني في الأخذ عنه سماعا، بل تستعمل عند كثير من المحدثين في السماع وفي العرض، وهي من مسائل صيغ التحمل التي اشتهر الخلاف فيها، ولم يعرف تخصيص حدثنا بالسماع وأخبرنا بالعرض وأنبانا بالإجازة إلا بعد ذلك بعصور كما هو مقرر، فكثير من المحدثين يسوي بين حدثنا وأخبرنا، كما هو مذهب البخاري وبوب عليه، وعليه عامة الحجازيين والكوفيين، نعم المشهور أن المشارقة يفرقون بين حدثنا وأخبرنا، ولكن هذا ليس نصا في أن المحدث المعين يفرق بينهما بحيث يستلزم من حدثني أنه تحمل بالسماع لا بالعرض، على أن مذهب مالك والمدنيين التسوية بينهما، وهؤلاء الرواة من الذين جودوا حديث مالك وعرفوا برواية حديثه فلا يبعد وإن كانوا نيسابورية أن يكونوا آخذين بمذهبه ومذهب المدنيين والبخاري وغيرهم كما تقدم في التسوية، فالمقصود أن "حدثنا" لم ترفع الاحتمال في هذا البحث أن يكون التحمل عرضا وقراءة، فلابد من مزيد قرينة في الإسناد أو المتن تبين أنه بالسماع من لفظ الشيخ بإملاء أو من دون إملاء، كما في البينة التي أثبت بها الباحث المشار إليه بسماع محمد بن النعمان من مالك بتصريح الراوي بمجلس مالك ووصفه فدفع ما حاول الدكتور حاتم أن يقرره من الانقطاع بينه وبين مالك، فهذه هي القرائن المقبولة في هذا البحث.
وبذلك فالاحتمال كاف في الخدش الذي ليس غرضه توهين رواية ابن وهب أصلا، ولكن بيان رتبتها وأنها ليست سالمة من كل احتمال ككثير من الروايات الأخرى، بل على ذلك فرواية يحيى بن يحيى في مرتبتها لا تقل عنها.
على أن منهج الدكتور حاتم الذي كان ممن شهره بالتفريق بين البحث الإسنادي في الروايات التاريخية والحديث النبوي، بل وفي بعض أنواع الحديث بعضها عن بعض؛ يأبى تلك الطريقة التي سلكها في هذا الكتاب، وهذا نفسه من مصاديق التحيز.

"التخصيص مروي عن أكابر النقاد" هذا موضوع الخلاف يا سيدنا، فليس هذا أكثر من حكايته. المقصود أنه لم يعرف التخصيص يعني اصطلاحا عاما إلا في القرون اللاحقة، وهذا كلهم نصوا عليه، يعني صار متفقا على التفريق، أما قبله فالخلاف ثابت مستقر بل هو مذهب مالك والبخاري وأحمد وغيرهم وكفى بهم في رياسة هذه الصناعة في تلك الطبقة.
أما محل البحث: فمجرد العرض على الشيخ لا يستلزم أن يكون من أصله، بل قد يكون من حفظه، ولو سلم أنه من أصله فلا يستلزم عصمة الراوي في القراءة من التغيير أو القراءة بالمعنى مع تسليم احتمال أن يكون قرأ على شيخه وقد خرس ويقول نعم لا، فليست لديك بينة أن إقرار الشيخ الأخرس في العرض بهذه الحالة كاف، وللفقهاء والمحدثين بحوث في الأخرس وإشارته المفهمة وعدمها. وعليه: فهو دليل تطرق إليه احتمال. 
وأقول: ليس هذا الاحتمال عندي قادحا، ولكن هو احتمال، فيقابل باحتمال رواية يحيى، فالمقصود أن جعل رواية ابن وهب أصلا عاصما ومحاكمة غيرها إليها وطرح ألفاظها وعدم التفات إلى الجمع؛ فيه ما فيه.
واعلم أنني من حيث الأصل لا إشكال عندي في قبول كل الروايات، ولكن الشيخ حاتم حاقّ في بحث ألفاظ، وتشدد وبالغ، فلما ركب الصعب، فعليه أن يركبه فيما له وما عليه، لا أن يغض عما له، ويتعنت فيما عليه، هكذا فلتكن المحاقة. والله العالم.

الموضوع بسيط مولانا، يتلخص في أن المنشور فوق يدور حول نقطة واحدة: (لا أدري كيف يتعامى المرء عن صيغة الأداء الواردة في الإسناد، ويتغابى عن فهمها، وهي بكلِّ وضوحٍ: «حدَّثنا أَبِي»، الدَّالَّة على أنه سمع هذه الرواية من لَفْظ أبيه، أفلا تكفيك هذه الصيغة في معرفة أنه سَمِعَها من أبيه قبل أن يصيبه الخرس؟! )
فهذا الجوهر المذكور فوق ليس بتام، بل أقول: ليس بمسلَّم كما بينته في كلامي. 
وكون القرائن تدفع الاحتمالات فهذا حق، ونحن نقول بهذا، ولذلك أنا نصصت أن الاحتمال ليس بقادح عندي، فليس الغرض رد رواية ابن وهب، لكن رد دعوى الشريف أنها أصل يحاكم إليها ما سواها من الروايات، وأن ما سواها دونها، وهذا ليس بمسلم، ومجرد الخدش كاف في هذا المقام لأن البحث بحث ترجيح تفصيلي وليس بحث إثبات إجمالي، ولذا يفرقون بين المتفق عليه والمختلف فيه وبين القطعي والظني مع كون الجميع في دائرة الصحيح، فالنص ثابت على كل تقدير، ولا تنافي في رواياته بحيث يأبى الجمع بلا تكلف كي يصار إلى الترجيح كما سلك هذا المؤلف. ناهيك أن المقرر أن أكثر الحديث النبوي مروي بالمعنى كما نص غير واحد من الحفاظ كالسيوطي وغيره، فكيف برواية الإمام مالك؟ فمن تأمل هذا عرف أن محاولة ترجيح ألفاظ على ألفاظ بهذه الطريقة العسرة وكون النص من أصل مضبوط من عدمه، ليس بمؤثر في هذا البحث أصالةً.
وكفاية يا مولانا إني فوِّت موضوع: "سأسلم لكم تنزلًا مولانا أنها مترددة بين السماع والعرض"، فهذا لا مجال للتنزل فيه، بل هو تسليم واقعي لأن هذه "مسألة" في علم أصول الحديث، وليس رأيا أو توجيها :)
من تلاعب إبليس بدين هؤلاء الجهمية:
تذكرتُ سجالًا جرى بيني وبين ذلك المتعالم الأزهري حول الأثر الذي رواه جامع بن سوادة، عن مطرف بن عبد الله اليساري، عن مالك بن أنس، أنه سُئل عن حديث: «إن الله ينزل في الليل إلى سماء الدنيا»، فقال مالك: «يتنزّل أمرُه».

وجامع بن سوادة هذا: اتهمه الذهبي بالوضع، ووافقه ابن حجر، وأورد ابن الجوزي حديثًا له في موضوعاته، فأراد ذلك المتعالم أن يقوّي روايته هذه برواية حبيب بن أبي حبيب، المتفق على تكذيبه بين نقاد الحديث!

والغرض من إعادة نشر ردّي عليه: أن أُبيّن أن هذا الرجل متلاعب بدينه، يصحح ويضعف بداعية هواه لا بسلوك قواعد النقد، فإذا كان الخبر فيه تقوية لبدعته، وكان مثخنًا بالعلل والنكارة؛ استماتَ في تثبيته، وسلك كلّ وعرٍ وسهلٍ لتصحيحه، ولو بمتابعة كذّاب لكذّاب مثله! أما إذا كان الخبر فيه مجانبة لبدعته، وكان صحيحًا مجوّدًا، استنفر في إعلاله وتضعيفه، وبحث له عن أدنى علّة ليوهنه، كما في انتصاره لحاتم العوني، الذي أعلَّ أسانيد صحيحة مجوّدة عن الإمام مالك، كرواية يحيى بن يحيى النيسابوري، وعبد الله بن عبد الحكم، ومحمد بن النعمان بن عبد السلام، وأيوب بن صالح الرملي؛ بطرقٍ ملتوية نبهتُ عليها في بحثي السابق.


والآن إلى المنشور الذي رددتُ به على ذلك المتعالم الأزهري، وقراءة موفقة:

كتب بعض المتعالمين الأزهريين ردّاً على منشوري عن أثر مالكٍ في تأويل حديث النزول الذي نسبه له جامع بن سوادة؛ فزاد ضغثًا على إبالة!
وكنتُ قد علّمتُه سابقًا: أن لا يخوض فيما لا يُحسن، حتى لا يُضحك على نفسه العقلاء، لكن يأبى إلا أن يفضح نفسه!

تقويةُ خبرِ كذّابٍ بخبرِ مَن هو أكذب منه! هذا هو الإبداع الجديد في الصناعة النقدية عند هذا المتعالم! تمخّض الأزهر فولد صلاحًا!
كتبَ هذا المتعالم: «كعادته -يقصدني- يوهم أتباعه أن تأويل الإمام مالك لخبر النزول لا يروى عنه إلا بهذا الإسناد، وفيه "جامع بن سوادة"، وجامع هذا ضعَّفه الدارقطني، وحكم عليه ابن الجوزي بالجهالة، وحسَّن له الجورقاني، وسوف أتجاوز جميع هذا مُقرًّا له ضعف هذا الطريق».
قلت: جيد أنك اعترفتَ بضعف هذا الطريق، ولم تقع في فخ "الحمزاوي"! الذي وقع فيه بعض فحول النقاد[!!] قبلك!

قال: «والذي يعنيني الآن هو؛ هل هذا التأويل لا يروى عن مالك إلا بهذا الإسناد؟ الجواب: لا، بل له إسناد آخر، إن لم يكن مقبولًا بنفسه، فإنه يرتقي بالخبر السابق إلى مقام الحجية».

قلت: لنرَ ما هو هذا الإسناد السحري!
قال الذهبي في السير (8/105): «قال ابن عدي: حدثنا محمد بن هارون بن حسان، حدثنا صالح بن أيوب، حدثنا حبيب بن أبي حبيب، حدثني مالك، قال: يتنزل ربنا -تبارك وتعالى- أمره، فأما هو فدائم لا يزول. قال صالح: فذكرت ذلك ليحيى بن بُكَيْر، فقال: حسنٌ والله، ولم أسمعه من مالك».

هذا هو الإسناد الذي بشّر به صاحبُنا، وراويه "حبيب بن أبي حبيب كاتب مالك" -دعك من جهالة شيخ ابن عدي، وصالح بن أيوب-: لم يجمع نقاد الحديث على تكذيب راوٍ كما أجمعوا على تكذيبه، بل وُصف بأنه «من أكذب الناس!»، وهذه من الصيغ الدالة على المبالغة في الكذب!
وصاحبنا يعرف ذلك، ومع هذا لم يستح من الاستدلال به، زاعمًا أنَّه تلميذ مالك، وله به مزيد اختصاص، وتكذيب النقاد له مخصوصٌ بما يرويه عن مالك من الأحاديث، أما ما ينقله من رأيه فهو مقبول القول فيه! هكذا قال!

وهذه دعوى لم يُسبق إليها، ونعوذ بالله من الهوى والزيغ، وأن ننسب الأكاذيب للأئمة لنصرة قناعاتنا الحزبية!. ومَن يكذب في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو لحديث غيره أكذب، ونقاد الحديث يتهمون من يكذب في حديث الناس، وإن لم يكذب في الحديث النبوي، ويجرحونه بذلك؛ لأنَّ من لا يتورع عن الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلن يتورع عن الكذب عن سواه.

وحبيب ثبت كذبه على مالك في الأمرين، في حديثه وفي رأيه، وفي نفس حديث النزول هذا! فقد قال السبكي في كتابه القبيح "السيف الصقيل" (ص128): «روى الضراب في هذا الكتاب قال: حدثنا عمر بن الربيع، ثنا أبو أسامة، ثنا ابن أبي زيد، عن أبيه، عن حبيب كاتب مالك قال: سُئل مالك بن أنس عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة) قال: ينزل أمرُه كلَّ سحَر، وأما هو فهو دائم لا يزول، وهو بكل مكان».

قلت: وهذه الزيادة "وهو بكل مكان" التي نسبها هذا الأفّاك لمالك تدل دلالة قاطعة على كذبه وافترائه، وحاشا الإمام مالك أن يقول بقول الجهمية الحلولية، وهو الذي قال بأسانيد محفوظة: «الله في السماء»، كما قال أبو داود في مسائله (1699): حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا سُرَيج بن النعمان قال: حدثنا عبد اللَّه بن نافع قال: قال مالك: «اللَّه تبارك وتعالى في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان». ورواه عبد اللَّه أيضًا في العلل (4783) عن أبيه به، وهذا الإسناد سبيكة ذهبية!