د. سعد الشيخ
6.07K subscribers
28 photos
4 videos
8 files
22 links
فوائد حديثية ونقدية
Download Telegram
وقفات منهجية مع حاتم العوني - الحلقة (٣)
في مقدمة كتابه: "اليقيني والظني من الأخبار، سجال بين أبي الحسن الأشعري والمحدثين" ذكر حاتم العوني أنه واجه صعوبةً في تحرير مقالة الأشعري حول خبر الواحد، وذلك بسبب ضياع معظم مصنفات أبي الحسن، فالمصنفات المتوافرة بين أيدينا لا تعطي صورة متكاملة عن موقفه من خبر الآحاد؛ لذا ذكر العوني ضابطين لإكمال تصور منهج أبي الحسن استنادًا إلى تقريرات أصحابه، وهما:
الأول: القرب الزمني من عصره.
والثاني: أعيان المذهب الذين شُهد لهم بمعرفة أقوال الأشعري وكتبه ومقالاته.

وتحقق هذان الضابطان في ثلاث شخصيات أشعرية كما ذكر العوني، وهم: أبو بكر الباقلاني (٤٠٣ هـ)، وأبو بكر ابن فورك (٤٠٦ هـ)، وأبو إسحاق الإسفراييني (٤١٨ هـ)، فهؤلاء جميعًا من تلاميذ أبي الحسن الباهلي، تلميذ الأشعري. واختار تلاميذ تلاميذ أبي الحسن الأشعري، لأنه لم يصلنا من مصنفات تلاميذ الأشعري المباشرين شيء.

وبقطع النظر عن وجاهة هذين الضابطين، وما يواجهانه من إشكالات في تحرير مقالة الأشعري خاصة؛ لما بين المذكورين أنفسهم من اختلافات حول خبر الواحد، فإن العوني لم يتبع نفس المنهج في تحرير مذهب الإمام أحمد في فهم معاني الصفات عندما نسبه إلى التفويض، وعندما رفض تقريرات تلاميذ الإمام أحمد ممن توفرت فيه الضابطان المذكوران.

فإذا أخذنا بالضابط الأول، نجد أن أشهر تلاميذ أحمد المباشرين، مثل ابنه عبد الله، وعثمان بن سعيد الدارمي، وحرب بن إسماعيل الكرماني، أو تلاميذ تلاميذه مثل ابن خزيمة وأبي بكر الخلال، هم غالبًا من أهل الإثبات. وقد اتفق كثير من نفاة الأشعرية والماتريدية على أنهم يُعتبرون مجسمة، مثل عبد الله بن أحمد والدارمي وابن خزيمة، وهو ما ذكره الرازي والكوثري وغيرهم.

أما إذا أخذنا بالضابط الثاني، فإن أعيان العلماء المشهورين بمعرفة مذهب الإمام أحمد من الطبقات المتقدمة، مثل البربهاري (٣٢٩ هـ)، وابن بطة (٣٨٧ هـ)، وابن منده (٣٩٥ هـ)، وأبي عبد الله ابن حامد (٤٠٣ هـ) وغيرهم، جميعهم من أهل الإثبات، بل بعضهم مال إلى توضيح الإثبات أكثر.

ومع ذلك، يصر العوني على أن مذهب أحمد هو التفويض! وهذا مع استبعاد تقريرات ابن تيمية المتفق على منزلته في المذهب، والاعتماد على تقريراته العقدية كما نقل عنه منقح المذهب العلامة المرداوي في تحرير مذهب الإمام أحمد في الأفعال الاختيارية.

وهكذا يظهر أن العوني في تناقض مستمر مع نفسه ومع قواعده!
وقفات منهجية مع حاتم العوني - الحلقة (٤)
حاتم العوني في محاولته لتفسير أقوال العلماء يُظهر خللًا واضحًا في الفهم والاستدلال، حيث ينقل نصوصهم ثم يعيد تفسيرها بما يناقض منطوقها الصريح. 
مثال ذلك: ما ورد في كتابه الظني واليقيني من الأخبار (ص97)، حيث نسب إلى المحدثين قولًا يخالف تمامًا ما أكده أبو المظفر السمعاني في رده على المبتدعة.

نص كلام أبي المظفر السمعاني:
أورد أبو المظفر السمعاني كلام أهل البدع: «إن أخبار الآحاد لا تُقبل (فيما طريقه العلم)»، ثم ردّ عليهم بقوله: «وهذا رأس شغَب المبتدعة في رد الأخبار، وطلب الدليل من النظر والاعتبار». 
وبعد ذلك قرر موقف أهل الحديث بوضوح تام فقال: «فنقول وبالله التوفيق: إنّ الخبر إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه الثقات والأئمة، وأسندوه خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلقته الأمة بالقبول = فإنه يوجب العلم (فيما سبيلُه العلم)، وهذا قول عامة أهل الحديث، والمتقنين القائمين على السنّة».

وتابع قائلًا: «وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال، ولا بد من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به = شيء اخترعته القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار، وإنما تلقّفه منهم بعض الفقهاء الذي لم يكن لهم في العلم قدم ثابت، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول». 

ثم ألزم الجميع بقبول خبر الواحد بقوله: «ولو أنصفت الفِرَقُ من الأمة لأقرُّوا بأنّ خبر الواحد يوجبُ العلمَ، فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد».
ثم ذكر ما تستدل به كل فرقة على صحة ما ذهبوا إليه بخبر الواحد.

ويلاحظ في هذا النص أمران ظاهران:
١- أن المبتدعة قيدوا رفضهم الاحتجاج بخبر الآحاد فيما طريقه العلم، أي: أنهم يرفضون خبر الآحاد في المسائل العقدية التي يعتبرونها مسائل يقينية لا تثبت إلا بالتواتر، بينما يقبلون خبر الآحاد في مسائل الظن، مثل الأحكام وأفعال المكلفين، التي تُثبت بخبر الآحاد المفيد للظن.
٢- أن أبا المظفر شنّع على هذا التفريق ووصفه بأنه: «رأس شغَب المبتدعة في رد الأخبار». أي أن السمعاني اعتبر هذا التفريق بين ما طريقه العلم وما سبيله الظن هو أساس شغب المبتدعة في رفض الأخبار، حيث يسعون إلى ردها بطلب الدليل من النظر والاعتبار بدلاً من قبول الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم.
تفسير العوني:
نقل العوني هذا النص، ولكن فسره بطريقة فاضحة تناقض صريح كلام السمعاني، فبينما كان السمعاني يوجه انتقادًا حادًا للمبتدعة بسبب تفريقهم بين أخبار العلم وأخبار الظن في القبول؛ جاء العوني فوضع "المحدثين" مكان "المبتدعة"! فقال: «فهنا يقرر أبو المظفر السمعاني أن (المحدثين لا يقبلون خبر آحاد فيما سبيله العلم)، أي فيما يكون مفاده يقينيًا، إلا أن يكون يقينيًا، فإذا تلقاه أهل الحديث بالقبول، وهو خبرٌ مما سبيله العلم، دل على أن ثبوته عندهم ثبوت يقيني».

والآن، قارن بين قول السمعاني الذي حكاه عن المبتدعة: «إن أخبار الآحاد لا تُقبل فيما طريقه العلم»، وبين قول العوني: «فهنا يقرر أبو المظفر السمعاني أن (المحدثين) لا يقبلون خبر آحاد فيما سبيله العلم»؛ تجد أن العوني قد جعل مقالة المبتدعة التي انتقدها السمعاني وشنّع على أصحابها قائلًا: «وهذا رأس شغَب المبتدعة في رد الأخبار» هي نفسها مقالة المحدثين!
وبهذا، يتضح أن العوني أساء فهم النص، ليس فقط بإعادة تفسيره بما يناقض منطوقه، ولكن أيضًا بجعل قول المبتدعة الذي شنع عليه السمعاني قولًا للمحدثين أنفسهم!

ثم يعبر العوني عن أسفه بسبب ما يزعمه من خطأ الناس في فهم كلام أبي المظفر السمعاني، فيقول: «ومن المؤسف أننا نجد كلام أبي المظفر السمعاني هذا قد غُلط في فهمه، فحُمل على أنه ممن يقول بإفادة خبر الآحاد العلم مطلقًا، مع أنه لم يقل هنا عبارةً واحدة تدل على هذا الإطلاق، بل تقييده لما أفاد اليقين بقرينة (ما تلقته الأمة بالقبول) جاء صريحًا في كلامه كما يراه كل ناظر مدقق. وأجد أن أحد أهم مفاتيح فهم كلامه فهمًا صحيحًا، بعد تصريحه بأنه إنما يتحدث عن خبرٍ تلقته الأمة بالقبول، وليس مطلق خبر الآحاد: هو الوقوف عند قوله: «فيما سبيله العلم» وتأمل أثر هذه العبارة في فهم كلامه». انتهى كلام العوني.

قلت: مرة أخرى يظهر العوني سوء الفهم في التعامل مع نصوص الأئمة، إذ التقط عبارة: «تلقته الأمة بالقبول» ليجعلها شرطًا لإفادة خبر الآحاد للعلم، زاعمًا أن أبا المظفر لا يرى خبر الآحاد مفيدًا للعلم إلا إذا تلقته الأمة بالقبول، وهو بمعنى المتواتر عند المتكلمين أو قريبًا منه، أما إذا لم تتلقه الأمة بالقبول، فهو عنده ظني. وهذا الفهم مغلوط، بل يعد انتزاعًا للكلام من سياقه الصحيح، فعند النظر في كلام أبي المظفر يتضح أن قوله: «إنّ الخبر:
 ١- إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
٢- ورواه الثقات والأئمة. 
٣- وأسندوه خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
٤- وتلقته الأمة بالقبول = فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم»، ليس تفريقًا بين ما يفيد العلم وما لا يفيده، بل هو تفصيل لعملية إثبات صحة الحديث.
فقوله: «تلقته الأمة بالقبول» ليس قيدًا لإفادة العلم، بل هو نتيجة لما تحقق من شروط الصحة، فالحديث لا يُحتج به إلا إذا صح من حيث السند والمتن، وصحته لا تتحقق إلا إذا رواه الثقات والأئمة، وأسندوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما قبول الأمة له، فهو دليل إضافي على عدم وجود معارض له، سواء كان ذلك من جهة النسخ، أو تعارضه مع عمل الأمة، أو وجود ما هو أقوى منه؛ لأن الحديث قد يصح لكن لا يكون عليه العمل للاعتبارات التي تقدمت.

فما ذهب إليه العوني من حصر إفادة العلم في الأحاديث التي تلقاها الأمة بالقبول، وتفسيره لعبارة أبي المظفر: «فيما سبيله العلم»، يتنافى مع ما أراده أبو المظفر، إذ إن السمعاني يرد هنا على المبتدعة الذين قصروا إفادة العلم على المتواتر وحده، بالمفهوم الكلامي، وأراد بعبارته إثبات أن خبر الآحاد الصحيح، إذا توافرت فيه شروط القبول عند المحدثين، فإنه يوجب العلم أيضًا فيما سبيله العلم، بل ألزم الفِرق جميعًا بهذا القول، وأنهم إذا أنصفوا أنفسهم: «لأقرُّوا بأن خبر الواحد يوجبُ العلمَ، فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد».

ويتضح من ذلك: أن العوني لا يتعامل مع النصوص بحياد، بل يعيد صياغتها وفقًا لما يناسب فهمه المعوّج، ثم ينسب للمحدثين ما هو في الواقع قول المبتدعة الذين رد عليهم أبو المظفر! وهذه مفارقة عجيبة لشخص ألف كتابًا بعنوان "ضوابط فهم كلام العلماء"، وهو أول من يحتاج إلى ضوابط لفهم كلامهم!
وقفات منهجية مع حاتم العوني - الحلقة (٥)
في كتابه "المنهج المقترح"، شنّ العوني هجومًا حادًّا لا هوادة فيه على من نسب للإمام الشافعي تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد، أو القول بأن أخبار الآحاد توجب العمل دون العلم، وقد استغرق في هذا الهجوم من الصفحة (102) إلى (158)، مستعرضًا نصوصًا مطولة من مناظرات الشافعي مع خصمه المتكلم، ليثبت ـ بحماس مثير للإعجاب ـ بطلان هذا التقسيم وشروطه الأساسية، كشرط العدد الكبير واستحالة التواطؤ على الكذب ببُعد البلدان. وكل ذلك، بالطبع، معروف وثابت في كتب الشافعي: "الرسالة" و"جماع العلم".

لكن النقطة الأبرز في هذا الكرّ والفرّ الفكري كانت في تفنيد استغلال بعض المتأخرين لتقسيم الإمام الشافعي للأخبار إلى (خبر العامة) و(خبر الخاصة)، زاعمين أنه يتفق مع تقسيم المتكلمين. هنا وقف العوني موقف المدافع المغوار، مستخدمًا أدواته البلاغية في تفنيد هذا الربط، وأورد نصوصًا عديدة، كان منها:
١- في الصفحة (104)، يقول العوني بنبرة العالم المتيقن: «والذي نخرج به من هذا، أن ما يقابل (خبر الآحاد) عند الشافعي، من تلك الألفاظ التي استخدمها فيما يقابله = ليس هو (المتواتر) عند الأصوليين بكل ما يحويه معناه عندهم؛ لأن ـ وانتبه لما بعد لأن ـ الذي يقابل (السنة المجتمع عليها) و(خبر العامة عن العامة) ليس هو (خبر الآحاد) وحده، بل هو (خبر الآحاد) وبعض من (المتواتر) أو (المتواتر) جله!!!».

٢- وبعد جولة طويلة في نقل نصوص الشافعي مع خصمه، يصل العوني إلى ذروة التأكيد في الصفحة (118) قائلًا: «فلا يقال بعد هذا: إن الإمام الشافعي ممن قسم الأحاديث إلى (متواتر) و(آحاد)! أو أنه كان راضياً عن (المتواتر) بشروطه عند الأصوليين!! كيف؟! وهو الهاجر لاسمه، الناقض لشروطه، المجانب لاعتباره!!!».
ثم قال: «وهنا أكون قد انتهيت من ذكر الأدلة القواطع والبراهين السواطع على أن الإمام الشافعي ليس ممن قسم الأخبار إلى (متواتر) و(آحاد) ، بل إنه كان يرد هذا التقسيم ويعيبه كما رأيت.
وعلى هذا فما جاء في كلام الشافعي، من تقسيم السنن إلى: (خبر عامةٍ عن عامة) أو (سنةٍ مجتمع عليها)، ويقابل هذا القسم (خبر الخاصة) = فإنه لا يعني به التقسيم المشهور عن الأصوليين، فليس القسم الأول عنده هو (المتواتر)، ولا الثاني هو (الآحاد) عندهم.
ومن ثمّ فليس حكم (خبر العامة عن العامة) هو حكم (المواتر)، ولا حكم (خبر الخاصة) هو حكم (خبر الآحاد) نفسه عن الأصوليين!».

٣- في الصفحة (148) يردّ العوني بحزم على من قال إن الشافعي يرى أن خبر الواحد يفيد الظن دون العلم قائلًا: «من زعم أن الإمام الشافعي يقول بأن (خبر الواحد) العدل يفيد الظن دون العلم، فقد أخطأ عليه خطأ بيّنًا!».

٤- وفي الصفحة (149)، يؤكد العوني بنبرة صارمة: «دعوى أن الشافعي يقول بإفادة (خبر الواحد) العدل للظن دون العلم، خطأ بيّن عليه».

٥- وفي الصفحة (153)، يعود العوني ليبرهن ـ لمن ما زال لديه أدنى شك ـ أن الشافعي يرى أن خبر الواحد يفيد العلم، قائلاً: «يؤكد الشافعي أن (خبر الواحد) مفيد للعلم في كتابه (اختلافه ومالك)، حيث ذكر مناظرته مع من رفض خبر الواحد إذا خالف فتوى بعض الصحابة». وهكذا يخرج العوني منتصرًا في معركته الفكرية ضد خصوم الشافعي، أو هكذا ظنّ!

لكن المفاجأة الكبرى ـ التي تُدخل القارئ في دوّامة من الحيرة والضحك ـ تظهر في كتابه الآخر "اليقيني والظني من الأخبار"، حيث يتبنّى العوني القول الذي أمضى صفحات طويلة في تفنيده في "المنهج المقترح"! ففي الصفحة (75)، يقول بكل هدوء وثقة: «هذا الإمام الشافعي يصرّح بهذا التقسيم في مواطن عديدة من كتابه الرسالة، ومن ذلك قوله...» ثم يستدل بنفس تقسيم الشافعي إلى (خبر عامة) و(خبر خاصة)، والذي كان محور هجومه السابق، مدعيًا أن الشافعي يوافق تقسيم المتكلمين والأصوليين!

والطريف ـ بل المحزن ـ أنه فسّر خبر الخاصة عند الشافعي بقوله: «خبر الخاصة عند الإمام الشافعي: هو الآحاد». وهو ذات القول الذي أمضى صفحات في إبطاله سابقًا، من مثل قوله: «فليس القسم الأول عنده هو (المتواتر)، ولا الثاني هو (الآحاد) عندهم. ومن ثمّ فليس حكم (خبر العامة عن العامة) هو حكم (المواتر)، ولا حكم (خبر الخاصة) هو حكم (خبر الآحاد) نفسه عند الأصوليين!».

لكن الطامة لم تتوقف هنا، بل يختتم العوني كلامه قائلًا: «فهذا تقرير واضح من الإمام الشافعي: أن السنة منها ما يفيد اليقين، ومنها ما لا يفيده» وكأن العوني نسي: «الأدلة القواطع والبراهين السواطع» التي ساقها في كتابه الأول، ليُصرّ الآن على رأي يناقض كل ما دافع عنه بضراوة!

والأدهى من ذلك: أن العوني يحيل في كتابه الجديد "اليقيني والظني" إلى كتابه "المنهج المقترح"، مما يوحي بأنه يرى أن الكتابين مكملان لبعضهما، بينما هما في الواقع أشبه بخطّين متوازيين لا يلتقيان إلا عند نقطة التناقض الصريح!
فإذا لم يكن هذا تناقضًا واضحًا، فهو تخبط فكري يُدرّس، وربما يُستشهد به مستقبلاً في كتابه: "ضوابط فهم كلام العلماء"!
إفادة الخبر الخاص -بتعبير الإمام الشافعي- للعلم أو للظن لا تحصل لغير الناقد الذي يمتلك أدوات التمييز بين الصحيح والضعيف من الأخبار، أما عامة الناس، بما فيهم الفقهاء والأصوليون، فيلزمهم تقليد الناقد في ذلك والثقة بحكمه، وعليه فإن تقسيم الأخبار الخاصة إلى ما يفيد العلم أو الظن تقسيم نسبي يعتمد على حال المتلقي وليس تقسيمًا موضوعيًا ثابتًا، إذ لا يتحقق العلم بثبوت خبر عن النبي ﷺ إلا للناقد الذي يحيط علمًا بطرق الثبوت وأوصاف الصحة، وهو ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية.

وبهذا التحقيق يتبين بطلان تقسيم الأحاديث إلى متواتر وآحاد بناءً على تلك القسمة الموضوعية التي اعتمدت على عدد الرواة فقط دون النظر في أحوالهم أو ما يقوم في نفس الناقد من القرائن التي تقود إلى العلم أو الظن؛ ذلك أن إفادة الخبر للعلم أو الظن ليست صفة ذاتية ملازمة للحديث نفسه، بل هي مرتبطة بشكل كبير بحال المتلقي أو الناقد وبقدرته على التحقق والتمييز.
#فوائد_حديثية (٤٠)
نستأنف الدروس يوم السبت القادم، إن شاء الله، حيث يبدأ درس الموطأ الساعة 9 مساءً بتوقيت مكة المكرمة، يليه مباشرة درس نزهة النظر.
وقفات منهحية مع حاتم العوني - الحلقة (٦)
د. حاتم العوني - حفظه الله من التناقضات - قرر أن يلقي علينا درسًا في الدقة العلمية، منتقدًا ابن تيمية؛ لأنه نقد كتاب "مجرد مقالات أبي الحسن الأشعري" لابن فورك، بسبب أن ابن فورك لم يلتزم بنقل ألفاظ أبي الحسن، بل كما قال ابن تيمية: «ربما نسب إليه ما كان يعتقد أنه الحق»، فصاغ مواضع من الكتاب بما فهمه من كلام أبي الحسن، فوقعت له أوهام.
وهنا، تعقّبه د. العوني في حاشية الصفحة (12) قائلًا: «إنَّ نقل الإجماع عن العلماء فيما لا إجماع فيه، بناءً على الظنِّ الخاطئ، أشدُّ خطأً من نسبة رأي لعالم للظن بأنه الحق الذي لا يخالفه أحد».

وبقطع النظر عن الإشارة التي وردت من د. العوني إلى ابن تيمية، والتي يوحي فيها بأنه ينقل الإجماعات بناءً على ظنٍّ خاطئٍ لا عن استقراءٍ وتتبُّعٍ لمذاهب الناس وآرائهم، يمكننا التسليم بخطأ ابن تيمية في نقل الإجماعات بناءً على ظنونه الخاطئة؛ لكن ما يثير السخرية هنا هو أن هذا العالِم الموسوعي، الذي يتفاخر بميزان نقده الدقيق، وقع في نفس الخطأ الذي عابه على ابن تيمية!

في كتابه نفسه، في الصفحة (17)، قال د. العوني بكل ثقة: «اتفقت الأمة كلها على حجية السنَّة إجمالًا: محدثوها ومتكلموها، وأنها هي المصدر الثاني للتشريع مع القرآن الكريم. هذا ما لا خلاف في مجمل تقريره بين أهل العلم جميعًا». أي: محدثيها ومتكلميها.

مع أنَّ نقل إجماع المتكلمين في هذه المسألة من العُسر بمكان؛ لكثرة اختلافاتهم واضطراب آرائهم، ولتشعُّب مقالاتهم في موقفهم من الاحتجاج بالسُّنة، حتى لا يكاد يستقيم لهم مقال، فلا ينقل إجماعهم على حجية السنَّة بهذه الثقة، حتى ولو إجمالًا، إلا مجازف!

ومع ذلك، عندما نقلب صفحات الكتاب إلى الصفحة (29)، نجد د. العوني نفسه ينقل عن الإمام الشافعي ما يبطِل الإجماع الذي ذكره سابقًا! حيث يقول: «وقد دلَّت مناظرات الإمام الشافعي مع مخالفيه من أهل الكلام كما كان يسمِّيهم: على أنَّ لهم مقالات متعدّدة في تقسيم السنَّة وفي الاحتجاج بتلك الأقسام، حتى قال في فاتحة كلامه: "ثم ‌تفرَّق ‌أهلُ ‌الكلام في تثبيت الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تفرُّقاً، أمَّا بعضُهم فقد أكثر من التقليد والتخفيف من النظر والغفلة والاستعجال بالرِّياسة"».

ثم قال د. العوني: «فذكرَ الإمام الشافعي أنَّ من متكلِّمي عصره مَن كان يدّعي أنه لا يحتج إلا بالقرآن، ومنهم من أضاف إلى القرآن: خبر العامة عن العامة من مثل فرض الصلاة خمسًا في اليوم والليلة، ومنهم من اشترط إفادة العلم في خبر الآحاد ليحتج به، مما يعني أنه لا يحتج بالظنّي مطلقًا».

فهؤلاء المتكلمون الذين كان يناظرهم الشافعي لم يحتجوا بالسنة مطلقًا، لا إجمالًا ولا تفصيلًا، حتى خبر العامة عن العامة، الذي هو أقوى من متواتر المتكملين، لم يقبلوه! وهؤلاء المتكلمون الذين كان يناظرهم الشافعي هم مَن أسَّسُوا قواعد التفريق بين السنَّةِ التي يدافع عنها العوني في كتابه ويحاول تمييع النزاع حولها، وهم ليسوا أفرادًا يمكن الاستهانة برأيهم في الإجماع أو تجاهلهم وعدم الاعتداد بهم، بل كانوا علماء يناظرون الشافعي في التشكيك بالسنّة بأدلةٍ عقليةٍ صارت عمدة لمن جاء بعدهم.

فأين ذهب إجماعك السابق يا د. حاتم؟ هل تسرّب بين الصفحات أم أنك قررت إدخال تقنية الإجماع المؤقت؟

والمفارقة الطريفة أن من ينتقد ابن تيمية بحجة أنه أخطأ في نقل الإجماع، هو نفسه لا يستطيع أن يثبت إجماعًا في كتابه إلا لينقضه بنفسه بعد عدة صفحات! يبدو أن د. العوني قرر أن يكون عالِمًا موسوعيًا لا ينافسه أحد... حتى في التناقضات!
مسلك د. العوني في إثبات حجية الإجماع الذي حكاه عن أهل الكلام:
نقل د. العوني لإثبات الإجماع المزعوم نقلَين يستحقان الوقوف عندهما لفهم مدى دقة استدلالاته وطريقة تفكيره الطريفة! يقول في الصفحة (17): «وهذا الإمام أبو بكر الجصاص الحنفي -أحمد بن علي الرازي (ت370ه)- وهو معدود في طبقات المعتزلة يحكي الإجماع على الاحتجاج بخبر الواحد، ويحكي الاحتجاج لحجيتها عن عيسى بن أبان الحنفي (ت221ه) المعدود في المعتزلة أيضًا، والذي له كتاب في (خبر الواحد)، حيث قال الجصاص: "ومن جهة الإجماع: أنه ‌لا ‌خلاف ‌في ‌الصدر الأول ومَن بعدهم، ومَن تابعهم، وأتباعهم، في قبول الأخبار في كثير من أمور الديانات.
والذي نبيّنه ما روي في الأخبار المتواترة من الصدر الأول، وأخبار الآحاد في ذلك، والعمل بها من غير نكير من أحد منهم على قائلها، ولا رد لها.
وقد أورد عيسى بن أبان من ذلك جملاً..."».

ثم قال د. العوني: «ثم ذكر أخبارًا استدل بها على احتجاج السلف بخبر الآحاد، ثم قال الجصاص: "ومما يدل على إجماع السلف على قبول الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: تفرد كل واحد منهم برواية شيء بعينه، خاصة دون غيره، ودعاء الناس إلى العمل به، ولو كان ذلك مستنكرا لأنكروه على رواتها، ومنعوهم منها، إذ كانوا كما وصفهم الله تعالى في كتابه {الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ} [التوبة: 112]"». انتهى نقل د. العوني.

قلت: الجصاص هنا يحكي إجماع السلف على قبول خبر الواحد، وليس إجماع أصحابه (سواء كانوا فقهاء الحنفية أو متكلمي المعتزلة)، بل هو إشارة إلى إلزامهم بهذا الإجماع. ويظهر هذا من النص الذي تجاوزه د. حاتم العوني -ببراءة!- حيث قال الجصاص بعد أن ذكر جُملاً من احتجاج الصحابة بخبر الواحد نقلًا عن عيسى بن أبان: «وفي نظائر ذلك مما قبلوا من أخبار الآحاد مستفيضٌ ذلك عنهم، وعليه جرى أيضاً أمر التابعين ومن بعدهم، إلى أن نشأت فرقة فاجرة، قليلة الفقه، جاهلة بأصول الشريعة، فخالفت دلائل القرآن، وسنن النبي صلى الله عليه وسلم وإجماع السلف والخلف في ذلك، إلى آرائهم، وعارضوها بنظر لو انفرد عن معارضة ما قدمنا من الدلائل لما أمكنهم به تصحيح مقالتهم».

فمن الواضح أن الجصاص لا ينقل إجماع المتكلمين على قبول خبر الواحد، كما يحاول د. العوني إثباته، بل ينقل الإجماع على ضد قولهم ليلزمهم به ويشنّع عليهم مخالفته، فانظر لطرافة الاستدلال!

وشبيهٌ بالجصاص ما نقله د. العوني عن أبي المظفّر السمعاني، حيث قال في الصفحة (ص19): «وقال أبو المظفر السمعاني: ‌ونشتغل ‌الآن ‌بالجواب عن قولهم فيما سبق: إن أخبار الآحاد لا تقبل فيما طريقه العلم، وهذا رأس شغب المبتدعة في رد الأخبار، وطلب الدليل من النظر، والاعتبار فنقول وبالله التوفيق: إن الخبر إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -‌‌ ورواه الثقات والأئمة، وأسندوه خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وتلقته الأمة بالقبول، فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم.

وهذا قول عامة أهل الحديث والمتقنين من القائمين على السنة، وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال، ولا بد من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به؛ شيء اخترعته القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار، وتلقفه منهم بعض الفقهاء الذين لم يكن لهم علَمٌ في العلم وقدمٌ ثابت، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول.

ولو أنصف الفِرَق من الأمة لأقروا بأن خبر الواحد يوجب العلم، فإنهم تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد:
- ترى أصحاب القدر يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة». وبقوله: «خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم».
- وترى أهل الإرجاء يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، قال، وإن زنى وإن سرق؟ قال: نعم، وإن زنى وإن سرق».
- وترى الرافضة يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم: «يُجاء بقومٍ من أصحابي فيسلك بهم ذات الشمال، فأقول أصيحابي أصيحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم».
- وترى الخوارج يستدلون بقوله صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». وبقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن».

إلى غير هذا من الأحاديث التي يستدل لها أهل الفِرَق، ومشهور ومعلوم استدلال أهل السنة بالأحاديث ورجوعهم إليها، فهذا إجماع منهم على القول بأخبار الآحاد...».
قلت: من الواضح من سياق كلام أبي المظفر أنه لا يعدُّ من سمَّاهم بالقدرية والمعتزلة ضمن أهل الإجماع، بل يُلزمهم بإجماع أهل العلم مُبيِّنًا تناقضهم في الاحتجاج ببعض أخبار الآحاد بينما ينفون حجيتها، ولا شك أن هناك فرقًا كبيرًا بين من يُعتبر من أهل الإجماع وبين من يُلزم بالإجماع لأنه مخالف له، فكيف صار مخالف الإجماع من أهله؟! وكيف صار الإلزام إجماعًا؟!
ولي عودة قريبة مع استدلالاته الطريفة بهذا النص في موضعه إن شاء الله.
مَن فهم مبحث «القدر المشترك» في المعاني المشتركة بين الخالق والمخلوق = انحلت له إشكالات كثيرة كانت أصلاً في ضلال الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم كالأشعرية.

وقد أفاض شيخ الإسلام ابن تيمية في تبيينه وتوضيحه بما لم يُسبق إليه، وبما لا مزيد عليه، ولتوضيح هذا القدر المشترك في معاني الصفات بين الخالق والمخلوق وتقريبه، أقول: هو

١- [مفهوم]؛ أي: معنىً، فليس عينًا مشخصًا ولا جزءًا من جسمٍ في الخارج، والمفاهيم من خصائص الذهن، ينتزعها من الخارج بعد تجريدها من خصائص صفات المخلوق، فلا تتعدّى الذهن.

٢- [كلي]؛ أي: يصدق على أفرادٍ متعددين بالتفاضل لا بالتماثل، ويشمل حقائق ومصاديق مختلفة في الخارج، وهذه طبيعة الكليات عمومًا.
ومعنى هذا القيد: أن هذا الاشتراك في المعنى بين الخالق والمخلوق = لا يستلزم اشتراكهما في شيء من ماهية الصفة وكيفياتها الخارجية، فالاشتراك مختص بالمفاهيم الذهنية لا بالماهيات الخارجية.

٣- [ذهني]، فالذهن هو الذي يلحظ القدر المشترك في المعاني بين الغائب والشاهد، ثم يجرد الصفة من خصائص المخلوق، فيصيغ معنى مشتركًا يصح وصف الخالق والمخلوق به.
ومعنى هذا القيد: أن المعنى المشترك لا يتعدى الذهن، وإذا تجاوز الذهن انقطع الاشتراك؛ لأنه ليس في الخارج معنى مشترك، بل ليس فيه إلا المشخص المعين.

٤- [منتزع من الشاهد]، فلا يمكن معرفة المعبود، ولا تمييز صفاته، ولا فهم الخطاب إلا بمعرفة الشاهد وقياس الغائب عليه عن طريق لحاظ الذهن معنى مشتركًا بينهما بعد تجريده من خصائص صفات المخلوق.

وانتزاع المفاهيم "الكلية" من الشاهد هو مقول جميع الطوائف، بل جميع العقلاء، ويمتنع معرفة المعبود وفهم صفاته بدون معرفة معاني هذه الصفات في الشاهد.

والمثالية الأفلاطونية والمعارف القبلية الخرافية لم يرتضها حتى فلاسفة الغرب الملاحدة مثل شابنهاور وغيره.
وقد نص المتكلمون على أن الاشتراك في المفاهيم الكلية المنتزعة من الخارج = لا يلزم منها الاشتراك في الماهيات والحقائق الخارجية.
قبر التفويض: نماذج من استدلالات الإمام البخاري لإثبات معاني الصفات الخبرية:

عقد الإمام البخاري في كتاب التوحيد (والرد على الجهمية) من صحيحه: «باب قول الله تعالى: {لِمَا خلقتُ بيَديّ}»، وأورد فيه الأحاديث التالية: (سأقتصر على الشاهد فقط):

١- حديث أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يجمع الله المؤمنين يوم القيامة كذلك، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى ‌يُرِيحَنَا من مكاننا هذا، فيأتون آدم فيقولون: يا آدم، أمَا ترى الناس؟! ((خلقك الله بيده))...».

٢- حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «((يد الله)) مَلأَى لَا ‌يَغِيضُهَا نفقةٌ، سحّاء الليلَ والنهارَ»، وقال: «أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؛ فإنه لم يغِضْ ما في ((يده))، وقال: «عرشه على الماء، ((وبيده الأخرى)) الميزان ((يخفِضُ ويرفَع))».

٣- حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله ((يقبِضُ)) يوم القيامة الأرضَ، وتكون السماوات ((بيمينه))، ثم يقول: أنا الملك».

٤- حديث عبد الله بن مسعود: أن يهودياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا محمد، إن الله يمسك السماوات على ((إصبع))، والأرضين على ((إصبع))، والجبال على ((إصبع))، والشجر على ((إصبع))، والخلائق على ((إصبع))، ثم يقول: أنا الملك. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قرأ: {وما قدروا الله حق قدره}. قال عبد الله: «فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجباً وتصديقاً له».

تأمل أخي المفوض:
١- أورد البخاري مرويات صفة اليدين في كتاب التوحيد والرد على الجهمية، فهو يستدل لعقيدته، ويرد على مخالفيه من الجهمية، ويعتبر ذلك جزءًا من التوحيد.

٢- الباب في إثبات اليدين، لكن البخاري لم يقتصر على ذكر لفظ "اليدين" فقط، بل أورد صفات أخرى لها تعلق باليدين في الشاهد تدل على ثبوت يدين حقيقيتين، مثل: (القبض) و(البسط) و(اليمين) و(الأصابع) و(اليد الأخرى). أفليس في هذا دلالة ظاهرة على إثبات البخاري لمعاني هذه الصفات، وفهمها وفقًا للقدر المشترك بين الخالق والمخلوق، مع نفي المماثلة؟!

٣- وإلا، فلو لم يكن يفهم معاني هذه الصفات، ولم يثبتها على ظاهرها المنتزع من الشاهد، فكيف يثبت اليدين بمرويات: الأصابع، واليمين، واليد الأخرى، والقبض، والبسط، والرفع، والخفض؟! فما الجامع بين هذه الصفات؟! ولماذا استدل البخاري بها في باب إثبات اليدين تحديدًا، دون أن يوردها في باب إثبات الوجه أو العين، مع أنه عقد لهما أبوابًا أيضًا في كتاب التوحيد؟!

ومع قبر التفويض... قبر التأويل:
فهذا القبض، والبسط، والوقوف عن يمين الرحمن، ووضع السماوات على إصبع والجبال على إصبع، وذكر إحدى اليدين ثم قوله: وبيده الأخرى = ممتنع فيه اليد المجازية، سواء كانت بمعنى القدرة أو بمعنى النعمة؛ فإنها لا يتصرف فيها هذا التصرف، هذه لغة العرب، نظمهم ونثرهم، هل تجدون فيها ذلك أصلاً؟!
Live stream started
Live stream finished (1 hour)
Live stream started