سيكون درس الموطأ في الساعة 10 ليلاً بإذن الله، ويُؤجل درس النزهة إلى يوم آخر لضيق الوقت، حتى تنتظم الدروس قريبا إن شاء الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. سأتوقف مؤقتًا عن إلقاء الدروس المباشرة لإنجاز بعض الأعمال المستعجلة، وخلال هذه الفترة سأقوم بتسجيل الدروس ونشرها هنا وعلى اليوتيوب، مع استمرار الصفحة التفاعلية في استقبال الأسئلة والإجابة عليها.
إلى قلوبٍ أنهكها الوجع.. إلى الأمهات الثكالى اللواتي سكبْنَ دموعَ الصبرِ على فراقِ الأحبّة.. إلى آباءٍ انحنت ظهورهم تحت وطأةِ الغيابِ والقهر.. إلى ذوي المعتقلين الذين أذابهم الشوقُ وأحرقَهم الانتظار.. إلى المهجّرين الذين قذفتهم نيران الظلم إلى المنافي والشتات.. إلى المجاهدين الشعث الغبر الذين حملوا أرواحهم على أكفّهم فداءً للدين والأرض..
مباركٌ لكم هذا النصر الذي جاء بعد جراحٍ نازفة ودماءٍ زكيةٍ لم تجف.. تقبّل الله منكم كل قطرة دمٍ سالت، وكل دمعةٍ انحدرت، وكل دعوةٍ صدرت من قلبٍ مكلوم..
فاللهم اجعل هذا الفرجَ بدايةَ العزّ والكرامة، وثبّت خطى المستضعفين، وارحم شهداءنا، وطيّب قلوب المهجّرين بعودتهم إلى ديارهم مرفوعي الرؤوس، عاجلاً غير آجل.
مباركٌ لكم هذا النصر الذي جاء بعد جراحٍ نازفة ودماءٍ زكيةٍ لم تجف.. تقبّل الله منكم كل قطرة دمٍ سالت، وكل دمعةٍ انحدرت، وكل دعوةٍ صدرت من قلبٍ مكلوم..
فاللهم اجعل هذا الفرجَ بدايةَ العزّ والكرامة، وثبّت خطى المستضعفين، وارحم شهداءنا، وطيّب قلوب المهجّرين بعودتهم إلى ديارهم مرفوعي الرؤوس، عاجلاً غير آجل.
وقفات منهجية مع حاتم العوني - الحلقة (١)
حاتم العوني غير أمين فيما يحكيه عن منهج نقاد الحديث، وينبغي الحذر مما ينفرد به، خصوصاً في مؤلفاته الأخيرة، فقد دفعته خصومته مع السلفيين إلى استخدام أساليب غير علمية في أبحاثه، كما ظهر ذلك جلياً في كتابه: "اليقيني والظني من الأخبار - سجال بين المحدثين وأبي الحسن الأشعري". فقد تضمن هذا الكتاب أنواعاً من الخيانة العلمية والانحياز والأدلجة، وهو –في تقديري– أسوأ من كتابه الآخر "تكفير أهل الشهادتين"، الذي تبنى فيه مذهب غلاة الجهمية ونسبه زوراً إلى أهل الحديث.
ومن الأمثلة الدالة على سوء فهمه وتحريفه لكلام المحدثين، ما أورده عن ابن أبي حاتم في كتاب "العلل" (1392) في حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، في مسألة اليمين مع الشاهد.
وقد ذكر ابن أبي حاتم أن سهيلًا حدّث بهذا الحديث ربيعةَ، ثم نسيَ سهيلٌ، فأنكر أنه حدّث به، فسأل ابنُ أبي حاتم أباه: «فليس نسيانُ سهيلٍ دافعًا لما حكى عنه ربيعةُ، وربيعةُ ثقةٌ، والرجل يحدّث بالحديث وينسى؟».
فأجاب أبو حاتم: «أجل هكذا هو، ولكن لم نرَ أن يتبعه متابعٌ على روايته، وقد روى عن سهيل جماعةٌ كثيرة؛ ليس عند أحد منهم هذا الحديث».
فسأله ابن أبي حاتم: «إنه تقول بخبر الواحد؟!».
فقال أبو حاتم: «أجل، غير أني لا أدري لهذا الحديث أصلًا عن أبي هريرة أعتبِرُ به، وهذا أصلٌ من الأصول، لم يُتابَع عليه ربيعة».
فساق العوني هذا الكلام كدليل على: «علم المحدثين باختلاف مراتب الأخبار، وأن منها ما يفيد اليقين، ومنها ما يفيد الظن».
قلت: إن أبا حاتم في وادٍ، والعوني في وادٍ آخر!
فأبو حاتم يتحدث عن تفرد الثقة بحديثٍ يتعلق بأصل من أصول الأحكام، وهو موضع ريبة عند النقاد، حتى لو كان المتفرد ثقة، وهذا منهج معروف عند النقاد، الذين كانوا يتوقفون أحياناً في تفردات كبار المحدثين كمالك وغيره!
فابن أبي حاتم وصف تفرد ربيعة عن سهيل بهذا الحديث بخبر الواحد؛ لأنه لا يُروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، مع احتياجه لمتابِع يشدُّه وينفي عنه الغرابة؛ لأنه يتعلق بأحد أصول الأحكام التي لا تحتمل انفراد مثل ربيعة به، فتلقف العوني هذا الوصف وأوهمَ أن مراد أبي حاتم من خبر الواحد يتطابق مع مراد المتكلمين!
والحقيقة أن مراد أبي حاتم بخبر الواحد يختلف تماماً عن مراد المتكلمين، فالمتكلمون –الذين يحاول العوني المساواة أو المقاربة بينهم وبين المحدثين– يقصدون بخبر الواحد ما لم يبلغ المتواتر، حتى لو رُوي بعشرات الأسانيد، طالما لم يفد العلم الضروري أو النظري عند بعضهم، بينما المحدثون لا يعتبرون الحديث الذي له متابعات وتعددت أسانيده فردًا، والعوني هنا يخلط بين مفهوم الفرد وخبر الواحد، فيحمل خبر الواحد، الذي يعني الحديث الذي يتفرد بروايته شخص واحد عند أبي حاتم، على ما يُقابل المتواتر عند المتكلمين، وهذا خلط فاضح وتدليس قبيح!
حاتم العوني غير أمين فيما يحكيه عن منهج نقاد الحديث، وينبغي الحذر مما ينفرد به، خصوصاً في مؤلفاته الأخيرة، فقد دفعته خصومته مع السلفيين إلى استخدام أساليب غير علمية في أبحاثه، كما ظهر ذلك جلياً في كتابه: "اليقيني والظني من الأخبار - سجال بين المحدثين وأبي الحسن الأشعري". فقد تضمن هذا الكتاب أنواعاً من الخيانة العلمية والانحياز والأدلجة، وهو –في تقديري– أسوأ من كتابه الآخر "تكفير أهل الشهادتين"، الذي تبنى فيه مذهب غلاة الجهمية ونسبه زوراً إلى أهل الحديث.
ومن الأمثلة الدالة على سوء فهمه وتحريفه لكلام المحدثين، ما أورده عن ابن أبي حاتم في كتاب "العلل" (1392) في حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، في مسألة اليمين مع الشاهد.
وقد ذكر ابن أبي حاتم أن سهيلًا حدّث بهذا الحديث ربيعةَ، ثم نسيَ سهيلٌ، فأنكر أنه حدّث به، فسأل ابنُ أبي حاتم أباه: «فليس نسيانُ سهيلٍ دافعًا لما حكى عنه ربيعةُ، وربيعةُ ثقةٌ، والرجل يحدّث بالحديث وينسى؟».
فأجاب أبو حاتم: «أجل هكذا هو، ولكن لم نرَ أن يتبعه متابعٌ على روايته، وقد روى عن سهيل جماعةٌ كثيرة؛ ليس عند أحد منهم هذا الحديث».
فسأله ابن أبي حاتم: «إنه تقول بخبر الواحد؟!».
فقال أبو حاتم: «أجل، غير أني لا أدري لهذا الحديث أصلًا عن أبي هريرة أعتبِرُ به، وهذا أصلٌ من الأصول، لم يُتابَع عليه ربيعة».
فساق العوني هذا الكلام كدليل على: «علم المحدثين باختلاف مراتب الأخبار، وأن منها ما يفيد اليقين، ومنها ما يفيد الظن».
قلت: إن أبا حاتم في وادٍ، والعوني في وادٍ آخر!
فأبو حاتم يتحدث عن تفرد الثقة بحديثٍ يتعلق بأصل من أصول الأحكام، وهو موضع ريبة عند النقاد، حتى لو كان المتفرد ثقة، وهذا منهج معروف عند النقاد، الذين كانوا يتوقفون أحياناً في تفردات كبار المحدثين كمالك وغيره!
فابن أبي حاتم وصف تفرد ربيعة عن سهيل بهذا الحديث بخبر الواحد؛ لأنه لا يُروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، مع احتياجه لمتابِع يشدُّه وينفي عنه الغرابة؛ لأنه يتعلق بأحد أصول الأحكام التي لا تحتمل انفراد مثل ربيعة به، فتلقف العوني هذا الوصف وأوهمَ أن مراد أبي حاتم من خبر الواحد يتطابق مع مراد المتكلمين!
والحقيقة أن مراد أبي حاتم بخبر الواحد يختلف تماماً عن مراد المتكلمين، فالمتكلمون –الذين يحاول العوني المساواة أو المقاربة بينهم وبين المحدثين– يقصدون بخبر الواحد ما لم يبلغ المتواتر، حتى لو رُوي بعشرات الأسانيد، طالما لم يفد العلم الضروري أو النظري عند بعضهم، بينما المحدثون لا يعتبرون الحديث الذي له متابعات وتعددت أسانيده فردًا، والعوني هنا يخلط بين مفهوم الفرد وخبر الواحد، فيحمل خبر الواحد، الذي يعني الحديث الذي يتفرد بروايته شخص واحد عند أبي حاتم، على ما يُقابل المتواتر عند المتكلمين، وهذا خلط فاضح وتدليس قبيح!
وقفات منهجية مع حاتم العوني - الحلقة (٢)
رد العوني على العوني:
قال حاتم العوني في المنهج المقترح (ص100): «وهكذا يظهر أن هذا التقسيم للأحاديث إلى متواتر وآحاد، إنما نشأ من فكرٍ أثيمٍ، وعقليةٍ فاسدة، وبيدِ البدعة، وعلى عين أعداء السُّنَّة، الذين لا يسعون إلا لرفضِ السُّنَنِ، واستعبادِ النَّاسِ لفلسفةِ اليونان، بدلًا من دينِ الرَّحمن. ومن هذا يظهر أيضًا: أن هذا التقسيم إنما نشأ في آخر القرن الهجري الثاني وأوائل القرن الثالث، على يد بِشر المريسي ومَن على شاكلته من جهميةٍ ومعتزلة».
ولكن في مفاجأة من العيار الثقيل، نجد العوني في اليقيني والظني من الأخبار بين المحدثين والأشعري (ص83) يقول: «فإذا عدنا للتأكيد على علم متقدمي أهل الحديث بتقسيم الحديث إلى متواتر وآحاد، وإلى خوضهم غمار النقاش في حجيته: نقف مع الإمام البخاري (256هـ) حيث عقد كتابًا في صحيحه بعنوان: «كتاب أخبار الآحاد»، ويجعل أول باب فيه هو: «باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام».
وفي ص95، يضيف: «وسبق أن ذكرنا موقفَ أبي حاتم الرازي أيضًا من حديث القضاء بالشاهد واليمين، وأنه صرّح فيه بأنه إنما توقف عن الاحتجاج به؛ لأنه (خبرُ آحادٍ ظنيٍّ) في أصلٍ من أصول الأحكام. فإذا فعل المحدثون ذلك في الخبر من أحاديث الأحكام، فماذا سيفعلون إذا كان الحديثُ في أصلٍ عقدي من أصول الدين العظمى؟!».
ويختتم العوني، بعد المقارنة بين منهج المحدثين والأشعري، بإعلان منهج مشترك بينهما، حيث يتفقان في تقسيم الأخبار إلى ثلاثة أنواع:
1. متواتر معنوي: يُفيد العلم الاضطراري.
2. آحاد قاصر عن شروط التواتر: لكنه يفيد العلم النظري الاستدلالي بالقرائن.
3. آحاد صحيح الإسناد: إلا أنه لا يصل إلى درجة إفادة العلم النظري، وإنما يُفيد غلبة الظن.
وهكذا، التقسيم الذي قيل عنه إنه: «نشأ من فكر أثيم، وعقلية فاسدة، وبيد البدعة، وعلى عين أعداء السنة» لم يكتفِ بالبقاء، بل ترقى ليصبح منهجًا معتمدًا لدى المحدثين! بل الأدهى أنه حجز له مقاعد شرفية في "صحيح البخاري" و"علل ابن أبي حاتم"، وكأنه من نسل الاجتهادات النبيلة لا من بدع الجهمية والمعتزلة.
وبعد أن كان هذا التقسيم: «إنما نشأ في آخر القرن الهجري الثاني وأوائل القرن الثالث، على يد بِشر المريسي ومَن على شاكلته من جهميةٍ ومعتزلة». فقد أصبح فجأة منهجًا أصيلًا في مصنفات المحدثين، ويبدو أنه تعلّم فنون التكيّف الاجتماعي، فأصبح مقبولًا بين المحدثين، ومتجولًا في مصنفاتهم وصحاحهم وكأن شيئًا لم يكن. ولله في خلقه شؤون، وفي تقلب المفاهيم طرائف لا تنتهي!
رد العوني على العوني:
قال حاتم العوني في المنهج المقترح (ص100): «وهكذا يظهر أن هذا التقسيم للأحاديث إلى متواتر وآحاد، إنما نشأ من فكرٍ أثيمٍ، وعقليةٍ فاسدة، وبيدِ البدعة، وعلى عين أعداء السُّنَّة، الذين لا يسعون إلا لرفضِ السُّنَنِ، واستعبادِ النَّاسِ لفلسفةِ اليونان، بدلًا من دينِ الرَّحمن. ومن هذا يظهر أيضًا: أن هذا التقسيم إنما نشأ في آخر القرن الهجري الثاني وأوائل القرن الثالث، على يد بِشر المريسي ومَن على شاكلته من جهميةٍ ومعتزلة».
ولكن في مفاجأة من العيار الثقيل، نجد العوني في اليقيني والظني من الأخبار بين المحدثين والأشعري (ص83) يقول: «فإذا عدنا للتأكيد على علم متقدمي أهل الحديث بتقسيم الحديث إلى متواتر وآحاد، وإلى خوضهم غمار النقاش في حجيته: نقف مع الإمام البخاري (256هـ) حيث عقد كتابًا في صحيحه بعنوان: «كتاب أخبار الآحاد»، ويجعل أول باب فيه هو: «باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام».
وفي ص95، يضيف: «وسبق أن ذكرنا موقفَ أبي حاتم الرازي أيضًا من حديث القضاء بالشاهد واليمين، وأنه صرّح فيه بأنه إنما توقف عن الاحتجاج به؛ لأنه (خبرُ آحادٍ ظنيٍّ) في أصلٍ من أصول الأحكام. فإذا فعل المحدثون ذلك في الخبر من أحاديث الأحكام، فماذا سيفعلون إذا كان الحديثُ في أصلٍ عقدي من أصول الدين العظمى؟!».
ويختتم العوني، بعد المقارنة بين منهج المحدثين والأشعري، بإعلان منهج مشترك بينهما، حيث يتفقان في تقسيم الأخبار إلى ثلاثة أنواع:
1. متواتر معنوي: يُفيد العلم الاضطراري.
2. آحاد قاصر عن شروط التواتر: لكنه يفيد العلم النظري الاستدلالي بالقرائن.
3. آحاد صحيح الإسناد: إلا أنه لا يصل إلى درجة إفادة العلم النظري، وإنما يُفيد غلبة الظن.
وهكذا، التقسيم الذي قيل عنه إنه: «نشأ من فكر أثيم، وعقلية فاسدة، وبيد البدعة، وعلى عين أعداء السنة» لم يكتفِ بالبقاء، بل ترقى ليصبح منهجًا معتمدًا لدى المحدثين! بل الأدهى أنه حجز له مقاعد شرفية في "صحيح البخاري" و"علل ابن أبي حاتم"، وكأنه من نسل الاجتهادات النبيلة لا من بدع الجهمية والمعتزلة.
وبعد أن كان هذا التقسيم: «إنما نشأ في آخر القرن الهجري الثاني وأوائل القرن الثالث، على يد بِشر المريسي ومَن على شاكلته من جهميةٍ ومعتزلة». فقد أصبح فجأة منهجًا أصيلًا في مصنفات المحدثين، ويبدو أنه تعلّم فنون التكيّف الاجتماعي، فأصبح مقبولًا بين المحدثين، ومتجولًا في مصنفاتهم وصحاحهم وكأن شيئًا لم يكن. ولله في خلقه شؤون، وفي تقلب المفاهيم طرائف لا تنتهي!
وقفات منهجية مع حاتم العوني - الحلقة (٣)
في مقدمة كتابه: "اليقيني والظني من الأخبار، سجال بين أبي الحسن الأشعري والمحدثين" ذكر حاتم العوني أنه واجه صعوبةً في تحرير مقالة الأشعري حول خبر الواحد، وذلك بسبب ضياع معظم مصنفات أبي الحسن، فالمصنفات المتوافرة بين أيدينا لا تعطي صورة متكاملة عن موقفه من خبر الآحاد؛ لذا ذكر العوني ضابطين لإكمال تصور منهج أبي الحسن استنادًا إلى تقريرات أصحابه، وهما:
الأول: القرب الزمني من عصره.
والثاني: أعيان المذهب الذين شُهد لهم بمعرفة أقوال الأشعري وكتبه ومقالاته.
وتحقق هذان الضابطان في ثلاث شخصيات أشعرية كما ذكر العوني، وهم: أبو بكر الباقلاني (٤٠٣ هـ)، وأبو بكر ابن فورك (٤٠٦ هـ)، وأبو إسحاق الإسفراييني (٤١٨ هـ)، فهؤلاء جميعًا من تلاميذ أبي الحسن الباهلي، تلميذ الأشعري. واختار تلاميذ تلاميذ أبي الحسن الأشعري، لأنه لم يصلنا من مصنفات تلاميذ الأشعري المباشرين شيء.
وبقطع النظر عن وجاهة هذين الضابطين، وما يواجهانه من إشكالات في تحرير مقالة الأشعري خاصة؛ لما بين المذكورين أنفسهم من اختلافات حول خبر الواحد، فإن العوني لم يتبع نفس المنهج في تحرير مذهب الإمام أحمد في فهم معاني الصفات عندما نسبه إلى التفويض، وعندما رفض تقريرات تلاميذ الإمام أحمد ممن توفرت فيه الضابطان المذكوران.
فإذا أخذنا بالضابط الأول، نجد أن أشهر تلاميذ أحمد المباشرين، مثل ابنه عبد الله، وعثمان بن سعيد الدارمي، وحرب بن إسماعيل الكرماني، أو تلاميذ تلاميذه مثل ابن خزيمة وأبي بكر الخلال، هم غالبًا من أهل الإثبات. وقد اتفق كثير من نفاة الأشعرية والماتريدية على أنهم يُعتبرون مجسمة، مثل عبد الله بن أحمد والدارمي وابن خزيمة، وهو ما ذكره الرازي والكوثري وغيرهم.
أما إذا أخذنا بالضابط الثاني، فإن أعيان العلماء المشهورين بمعرفة مذهب الإمام أحمد من الطبقات المتقدمة، مثل البربهاري (٣٢٩ هـ)، وابن بطة (٣٨٧ هـ)، وابن منده (٣٩٥ هـ)، وأبي عبد الله ابن حامد (٤٠٣ هـ) وغيرهم، جميعهم من أهل الإثبات، بل بعضهم مال إلى توضيح الإثبات أكثر.
ومع ذلك، يصر العوني على أن مذهب أحمد هو التفويض! وهذا مع استبعاد تقريرات ابن تيمية المتفق على منزلته في المذهب، والاعتماد على تقريراته العقدية كما نقل عنه منقح المذهب العلامة المرداوي في تحرير مذهب الإمام أحمد في الأفعال الاختيارية.
وهكذا يظهر أن العوني في تناقض مستمر مع نفسه ومع قواعده!
في مقدمة كتابه: "اليقيني والظني من الأخبار، سجال بين أبي الحسن الأشعري والمحدثين" ذكر حاتم العوني أنه واجه صعوبةً في تحرير مقالة الأشعري حول خبر الواحد، وذلك بسبب ضياع معظم مصنفات أبي الحسن، فالمصنفات المتوافرة بين أيدينا لا تعطي صورة متكاملة عن موقفه من خبر الآحاد؛ لذا ذكر العوني ضابطين لإكمال تصور منهج أبي الحسن استنادًا إلى تقريرات أصحابه، وهما:
الأول: القرب الزمني من عصره.
والثاني: أعيان المذهب الذين شُهد لهم بمعرفة أقوال الأشعري وكتبه ومقالاته.
وتحقق هذان الضابطان في ثلاث شخصيات أشعرية كما ذكر العوني، وهم: أبو بكر الباقلاني (٤٠٣ هـ)، وأبو بكر ابن فورك (٤٠٦ هـ)، وأبو إسحاق الإسفراييني (٤١٨ هـ)، فهؤلاء جميعًا من تلاميذ أبي الحسن الباهلي، تلميذ الأشعري. واختار تلاميذ تلاميذ أبي الحسن الأشعري، لأنه لم يصلنا من مصنفات تلاميذ الأشعري المباشرين شيء.
وبقطع النظر عن وجاهة هذين الضابطين، وما يواجهانه من إشكالات في تحرير مقالة الأشعري خاصة؛ لما بين المذكورين أنفسهم من اختلافات حول خبر الواحد، فإن العوني لم يتبع نفس المنهج في تحرير مذهب الإمام أحمد في فهم معاني الصفات عندما نسبه إلى التفويض، وعندما رفض تقريرات تلاميذ الإمام أحمد ممن توفرت فيه الضابطان المذكوران.
فإذا أخذنا بالضابط الأول، نجد أن أشهر تلاميذ أحمد المباشرين، مثل ابنه عبد الله، وعثمان بن سعيد الدارمي، وحرب بن إسماعيل الكرماني، أو تلاميذ تلاميذه مثل ابن خزيمة وأبي بكر الخلال، هم غالبًا من أهل الإثبات. وقد اتفق كثير من نفاة الأشعرية والماتريدية على أنهم يُعتبرون مجسمة، مثل عبد الله بن أحمد والدارمي وابن خزيمة، وهو ما ذكره الرازي والكوثري وغيرهم.
أما إذا أخذنا بالضابط الثاني، فإن أعيان العلماء المشهورين بمعرفة مذهب الإمام أحمد من الطبقات المتقدمة، مثل البربهاري (٣٢٩ هـ)، وابن بطة (٣٨٧ هـ)، وابن منده (٣٩٥ هـ)، وأبي عبد الله ابن حامد (٤٠٣ هـ) وغيرهم، جميعهم من أهل الإثبات، بل بعضهم مال إلى توضيح الإثبات أكثر.
ومع ذلك، يصر العوني على أن مذهب أحمد هو التفويض! وهذا مع استبعاد تقريرات ابن تيمية المتفق على منزلته في المذهب، والاعتماد على تقريراته العقدية كما نقل عنه منقح المذهب العلامة المرداوي في تحرير مذهب الإمام أحمد في الأفعال الاختيارية.
وهكذا يظهر أن العوني في تناقض مستمر مع نفسه ومع قواعده!
وقفات منهجية مع حاتم العوني - الحلقة (٤)
حاتم العوني في محاولته لتفسير أقوال العلماء يُظهر خللًا واضحًا في الفهم والاستدلال، حيث ينقل نصوصهم ثم يعيد تفسيرها بما يناقض منطوقها الصريح.
مثال ذلك: ما ورد في كتابه الظني واليقيني من الأخبار (ص97)، حيث نسب إلى المحدثين قولًا يخالف تمامًا ما أكده أبو المظفر السمعاني في رده على المبتدعة.
نص كلام أبي المظفر السمعاني:
أورد أبو المظفر السمعاني كلام أهل البدع: «إن أخبار الآحاد لا تُقبل (فيما طريقه العلم)»، ثم ردّ عليهم بقوله: «وهذا رأس شغَب المبتدعة في رد الأخبار، وطلب الدليل من النظر والاعتبار».
وبعد ذلك قرر موقف أهل الحديث بوضوح تام فقال: «فنقول وبالله التوفيق: إنّ الخبر إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه الثقات والأئمة، وأسندوه خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلقته الأمة بالقبول = فإنه يوجب العلم (فيما سبيلُه العلم)، وهذا قول عامة أهل الحديث، والمتقنين القائمين على السنّة».
وتابع قائلًا: «وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال، ولا بد من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به = شيء اخترعته القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار، وإنما تلقّفه منهم بعض الفقهاء الذي لم يكن لهم في العلم قدم ثابت، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول».
ثم ألزم الجميع بقبول خبر الواحد بقوله: «ولو أنصفت الفِرَقُ من الأمة لأقرُّوا بأنّ خبر الواحد يوجبُ العلمَ، فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد».
ثم ذكر ما تستدل به كل فرقة على صحة ما ذهبوا إليه بخبر الواحد.
ويلاحظ في هذا النص أمران ظاهران:
١- أن المبتدعة قيدوا رفضهم الاحتجاج بخبر الآحاد فيما طريقه العلم، أي: أنهم يرفضون خبر الآحاد في المسائل العقدية التي يعتبرونها مسائل يقينية لا تثبت إلا بالتواتر، بينما يقبلون خبر الآحاد في مسائل الظن، مثل الأحكام وأفعال المكلفين، التي تُثبت بخبر الآحاد المفيد للظن.
٢- أن أبا المظفر شنّع على هذا التفريق ووصفه بأنه: «رأس شغَب المبتدعة في رد الأخبار». أي أن السمعاني اعتبر هذا التفريق بين ما طريقه العلم وما سبيله الظن هو أساس شغب المبتدعة في رفض الأخبار، حيث يسعون إلى ردها بطلب الدليل من النظر والاعتبار بدلاً من قبول الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم.
تفسير العوني:
نقل العوني هذا النص، ولكن فسره بطريقة فاضحة تناقض صريح كلام السمعاني، فبينما كان السمعاني يوجه انتقادًا حادًا للمبتدعة بسبب تفريقهم بين أخبار العلم وأخبار الظن في القبول؛ جاء العوني فوضع "المحدثين" مكان "المبتدعة"! فقال: «فهنا يقرر أبو المظفر السمعاني أن (المحدثين لا يقبلون خبر آحاد فيما سبيله العلم)، أي فيما يكون مفاده يقينيًا، إلا أن يكون يقينيًا، فإذا تلقاه أهل الحديث بالقبول، وهو خبرٌ مما سبيله العلم، دل على أن ثبوته عندهم ثبوت يقيني».
والآن، قارن بين قول السمعاني الذي حكاه عن المبتدعة: «إن أخبار الآحاد لا تُقبل فيما طريقه العلم»، وبين قول العوني: «فهنا يقرر أبو المظفر السمعاني أن (المحدثين) لا يقبلون خبر آحاد فيما سبيله العلم»؛ تجد أن العوني قد جعل مقالة المبتدعة التي انتقدها السمعاني وشنّع على أصحابها قائلًا: «وهذا رأس شغَب المبتدعة في رد الأخبار» هي نفسها مقالة المحدثين!
وبهذا، يتضح أن العوني أساء فهم النص، ليس فقط بإعادة تفسيره بما يناقض منطوقه، ولكن أيضًا بجعل قول المبتدعة الذي شنع عليه السمعاني قولًا للمحدثين أنفسهم!
ثم يعبر العوني عن أسفه بسبب ما يزعمه من خطأ الناس في فهم كلام أبي المظفر السمعاني، فيقول: «ومن المؤسف أننا نجد كلام أبي المظفر السمعاني هذا قد غُلط في فهمه، فحُمل على أنه ممن يقول بإفادة خبر الآحاد العلم مطلقًا، مع أنه لم يقل هنا عبارةً واحدة تدل على هذا الإطلاق، بل تقييده لما أفاد اليقين بقرينة (ما تلقته الأمة بالقبول) جاء صريحًا في كلامه كما يراه كل ناظر مدقق. وأجد أن أحد أهم مفاتيح فهم كلامه فهمًا صحيحًا، بعد تصريحه بأنه إنما يتحدث عن خبرٍ تلقته الأمة بالقبول، وليس مطلق خبر الآحاد: هو الوقوف عند قوله: «فيما سبيله العلم» وتأمل أثر هذه العبارة في فهم كلامه». انتهى كلام العوني.
قلت: مرة أخرى يظهر العوني سوء الفهم في التعامل مع نصوص الأئمة، إذ التقط عبارة: «تلقته الأمة بالقبول» ليجعلها شرطًا لإفادة خبر الآحاد للعلم، زاعمًا أن أبا المظفر لا يرى خبر الآحاد مفيدًا للعلم إلا إذا تلقته الأمة بالقبول، وهو بمعنى المتواتر عند المتكلمين أو قريبًا منه، أما إذا لم تتلقه الأمة بالقبول، فهو عنده ظني. وهذا الفهم مغلوط، بل يعد انتزاعًا للكلام من سياقه الصحيح، فعند النظر في كلام أبي المظفر يتضح أن قوله: «إنّ الخبر:
حاتم العوني في محاولته لتفسير أقوال العلماء يُظهر خللًا واضحًا في الفهم والاستدلال، حيث ينقل نصوصهم ثم يعيد تفسيرها بما يناقض منطوقها الصريح.
مثال ذلك: ما ورد في كتابه الظني واليقيني من الأخبار (ص97)، حيث نسب إلى المحدثين قولًا يخالف تمامًا ما أكده أبو المظفر السمعاني في رده على المبتدعة.
نص كلام أبي المظفر السمعاني:
أورد أبو المظفر السمعاني كلام أهل البدع: «إن أخبار الآحاد لا تُقبل (فيما طريقه العلم)»، ثم ردّ عليهم بقوله: «وهذا رأس شغَب المبتدعة في رد الأخبار، وطلب الدليل من النظر والاعتبار».
وبعد ذلك قرر موقف أهل الحديث بوضوح تام فقال: «فنقول وبالله التوفيق: إنّ الخبر إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورواه الثقات والأئمة، وأسندوه خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلقته الأمة بالقبول = فإنه يوجب العلم (فيما سبيلُه العلم)، وهذا قول عامة أهل الحديث، والمتقنين القائمين على السنّة».
وتابع قائلًا: «وإنما هذا القول الذي يذكر أن خبر الواحد لا يفيد العلم بحال، ولا بد من نقله بطريق التواتر لوقوع العلم به = شيء اخترعته القدرية والمعتزلة، وكان قصدهم منه رد الأخبار، وإنما تلقّفه منهم بعض الفقهاء الذي لم يكن لهم في العلم قدم ثابت، ولم يقفوا على مقصودهم من هذا القول».
ثم ألزم الجميع بقبول خبر الواحد بقوله: «ولو أنصفت الفِرَقُ من الأمة لأقرُّوا بأنّ خبر الواحد يوجبُ العلمَ، فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد».
ثم ذكر ما تستدل به كل فرقة على صحة ما ذهبوا إليه بخبر الواحد.
ويلاحظ في هذا النص أمران ظاهران:
١- أن المبتدعة قيدوا رفضهم الاحتجاج بخبر الآحاد فيما طريقه العلم، أي: أنهم يرفضون خبر الآحاد في المسائل العقدية التي يعتبرونها مسائل يقينية لا تثبت إلا بالتواتر، بينما يقبلون خبر الآحاد في مسائل الظن، مثل الأحكام وأفعال المكلفين، التي تُثبت بخبر الآحاد المفيد للظن.
٢- أن أبا المظفر شنّع على هذا التفريق ووصفه بأنه: «رأس شغَب المبتدعة في رد الأخبار». أي أن السمعاني اعتبر هذا التفريق بين ما طريقه العلم وما سبيله الظن هو أساس شغب المبتدعة في رفض الأخبار، حيث يسعون إلى ردها بطلب الدليل من النظر والاعتبار بدلاً من قبول الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم.
تفسير العوني:
نقل العوني هذا النص، ولكن فسره بطريقة فاضحة تناقض صريح كلام السمعاني، فبينما كان السمعاني يوجه انتقادًا حادًا للمبتدعة بسبب تفريقهم بين أخبار العلم وأخبار الظن في القبول؛ جاء العوني فوضع "المحدثين" مكان "المبتدعة"! فقال: «فهنا يقرر أبو المظفر السمعاني أن (المحدثين لا يقبلون خبر آحاد فيما سبيله العلم)، أي فيما يكون مفاده يقينيًا، إلا أن يكون يقينيًا، فإذا تلقاه أهل الحديث بالقبول، وهو خبرٌ مما سبيله العلم، دل على أن ثبوته عندهم ثبوت يقيني».
والآن، قارن بين قول السمعاني الذي حكاه عن المبتدعة: «إن أخبار الآحاد لا تُقبل فيما طريقه العلم»، وبين قول العوني: «فهنا يقرر أبو المظفر السمعاني أن (المحدثين) لا يقبلون خبر آحاد فيما سبيله العلم»؛ تجد أن العوني قد جعل مقالة المبتدعة التي انتقدها السمعاني وشنّع على أصحابها قائلًا: «وهذا رأس شغَب المبتدعة في رد الأخبار» هي نفسها مقالة المحدثين!
وبهذا، يتضح أن العوني أساء فهم النص، ليس فقط بإعادة تفسيره بما يناقض منطوقه، ولكن أيضًا بجعل قول المبتدعة الذي شنع عليه السمعاني قولًا للمحدثين أنفسهم!
ثم يعبر العوني عن أسفه بسبب ما يزعمه من خطأ الناس في فهم كلام أبي المظفر السمعاني، فيقول: «ومن المؤسف أننا نجد كلام أبي المظفر السمعاني هذا قد غُلط في فهمه، فحُمل على أنه ممن يقول بإفادة خبر الآحاد العلم مطلقًا، مع أنه لم يقل هنا عبارةً واحدة تدل على هذا الإطلاق، بل تقييده لما أفاد اليقين بقرينة (ما تلقته الأمة بالقبول) جاء صريحًا في كلامه كما يراه كل ناظر مدقق. وأجد أن أحد أهم مفاتيح فهم كلامه فهمًا صحيحًا، بعد تصريحه بأنه إنما يتحدث عن خبرٍ تلقته الأمة بالقبول، وليس مطلق خبر الآحاد: هو الوقوف عند قوله: «فيما سبيله العلم» وتأمل أثر هذه العبارة في فهم كلامه». انتهى كلام العوني.
قلت: مرة أخرى يظهر العوني سوء الفهم في التعامل مع نصوص الأئمة، إذ التقط عبارة: «تلقته الأمة بالقبول» ليجعلها شرطًا لإفادة خبر الآحاد للعلم، زاعمًا أن أبا المظفر لا يرى خبر الآحاد مفيدًا للعلم إلا إذا تلقته الأمة بالقبول، وهو بمعنى المتواتر عند المتكلمين أو قريبًا منه، أما إذا لم تتلقه الأمة بالقبول، فهو عنده ظني. وهذا الفهم مغلوط، بل يعد انتزاعًا للكلام من سياقه الصحيح، فعند النظر في كلام أبي المظفر يتضح أن قوله: «إنّ الخبر:
١- إذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
٢- ورواه الثقات والأئمة.
٣- وأسندوه خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
٤- وتلقته الأمة بالقبول = فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم»، ليس تفريقًا بين ما يفيد العلم وما لا يفيده، بل هو تفصيل لعملية إثبات صحة الحديث.
فقوله: «تلقته الأمة بالقبول» ليس قيدًا لإفادة العلم، بل هو نتيجة لما تحقق من شروط الصحة، فالحديث لا يُحتج به إلا إذا صح من حيث السند والمتن، وصحته لا تتحقق إلا إذا رواه الثقات والأئمة، وأسندوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما قبول الأمة له، فهو دليل إضافي على عدم وجود معارض له، سواء كان ذلك من جهة النسخ، أو تعارضه مع عمل الأمة، أو وجود ما هو أقوى منه؛ لأن الحديث قد يصح لكن لا يكون عليه العمل للاعتبارات التي تقدمت.
فما ذهب إليه العوني من حصر إفادة العلم في الأحاديث التي تلقاها الأمة بالقبول، وتفسيره لعبارة أبي المظفر: «فيما سبيله العلم»، يتنافى مع ما أراده أبو المظفر، إذ إن السمعاني يرد هنا على المبتدعة الذين قصروا إفادة العلم على المتواتر وحده، بالمفهوم الكلامي، وأراد بعبارته إثبات أن خبر الآحاد الصحيح، إذا توافرت فيه شروط القبول عند المحدثين، فإنه يوجب العلم أيضًا فيما سبيله العلم، بل ألزم الفِرق جميعًا بهذا القول، وأنهم إذا أنصفوا أنفسهم: «لأقرُّوا بأن خبر الواحد يوجبُ العلمَ، فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد».
ويتضح من ذلك: أن العوني لا يتعامل مع النصوص بحياد، بل يعيد صياغتها وفقًا لما يناسب فهمه المعوّج، ثم ينسب للمحدثين ما هو في الواقع قول المبتدعة الذين رد عليهم أبو المظفر! وهذه مفارقة عجيبة لشخص ألف كتابًا بعنوان "ضوابط فهم كلام العلماء"، وهو أول من يحتاج إلى ضوابط لفهم كلامهم!
٢- ورواه الثقات والأئمة.
٣- وأسندوه خلفهم عن سلفهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
٤- وتلقته الأمة بالقبول = فإنه يوجب العلم فيما سبيله العلم»، ليس تفريقًا بين ما يفيد العلم وما لا يفيده، بل هو تفصيل لعملية إثبات صحة الحديث.
فقوله: «تلقته الأمة بالقبول» ليس قيدًا لإفادة العلم، بل هو نتيجة لما تحقق من شروط الصحة، فالحديث لا يُحتج به إلا إذا صح من حيث السند والمتن، وصحته لا تتحقق إلا إذا رواه الثقات والأئمة، وأسندوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما قبول الأمة له، فهو دليل إضافي على عدم وجود معارض له، سواء كان ذلك من جهة النسخ، أو تعارضه مع عمل الأمة، أو وجود ما هو أقوى منه؛ لأن الحديث قد يصح لكن لا يكون عليه العمل للاعتبارات التي تقدمت.
فما ذهب إليه العوني من حصر إفادة العلم في الأحاديث التي تلقاها الأمة بالقبول، وتفسيره لعبارة أبي المظفر: «فيما سبيله العلم»، يتنافى مع ما أراده أبو المظفر، إذ إن السمعاني يرد هنا على المبتدعة الذين قصروا إفادة العلم على المتواتر وحده، بالمفهوم الكلامي، وأراد بعبارته إثبات أن خبر الآحاد الصحيح، إذا توافرت فيه شروط القبول عند المحدثين، فإنه يوجب العلم أيضًا فيما سبيله العلم، بل ألزم الفِرق جميعًا بهذا القول، وأنهم إذا أنصفوا أنفسهم: «لأقرُّوا بأن خبر الواحد يوجبُ العلمَ، فإنك تراهم مع اختلافهم في طرائقهم وعقائدهم يستدل كل فريق منهم على صحة ما يذهب إليه بالخبر الواحد».
ويتضح من ذلك: أن العوني لا يتعامل مع النصوص بحياد، بل يعيد صياغتها وفقًا لما يناسب فهمه المعوّج، ثم ينسب للمحدثين ما هو في الواقع قول المبتدعة الذين رد عليهم أبو المظفر! وهذه مفارقة عجيبة لشخص ألف كتابًا بعنوان "ضوابط فهم كلام العلماء"، وهو أول من يحتاج إلى ضوابط لفهم كلامهم!