كتاب التمييز للإمام مسلم من أفضل المداخل التطبيقية لفهم مباحث العلة عند الأئمة النقاد وطريقتهم العملية في كشف أوهام الثقات، ومن أَولى ما يبتدأ به طالبُ علمِ الحديث في علم نقد السنة.
وذلك لأسباب كثيرة، منها:
١- لاختصاره وسهولة عبارته، فهو على صغر حجمه عظيم النفع كثير الفائدة، مع أنه لم يصلنا كاملًا، والقطعة الموجودة بين أيدينا مختصرة من الأصل، لكنها تفي بالمقصود.
٢-لكثرة تطبيقاته العملية وتنويع أمثلته الشاملة لأكثر أجناس العلة، مع تركيز ملحوظ على نقد المتون.
٣- لذكره أصول وقواعد في التعليل تساعد الباحث على كشف علل الأحاديث، مثل: قاعدة المخالفة بين الرواة، وتفرد الراوي المحتمل وغير المحتمل، وزيادة الراوي على من شاركه في الرواية، وغير ذلك.
٤- بيان قرائن الترجيح التي اعتمدها النقاد في الترجيح بين الأخبار المتعارضة؛ كالترجيح بالأكثر، أو الأحفظ، أو الاختصاص بالشيخ، وغير ذلك من وجوه الترجيح.
٥- حسن العرض والترتيب للمادة العلمية، وهذا جزء من شخصية الإمام مسلم في مصنفاته؛ فإنه في كتابه هذا:
يحدد العلة، ويبين سببها، وينص على موضعها، ولا يكتفي بالإشارات الخفية، كما يصنع البخاري في تاريخه، وأبو حاتم والدارقطني في عللهما.
وهذا شرح مفصّل عليه، راعيت فيه خطوات النقد العملية، تسهيلًا على المبتدئين لفهم مباحث الكتاب، وأصل هذه الدروس هو دورة علمية قُدِّمت لطلاب جامعة مانيسوتا تحت إشراف مدرسة الحديث العراقية، وهي منشورة مرئيةً على موقعهم في اليوتيوب، والله الموفق.
وذلك لأسباب كثيرة، منها:
١- لاختصاره وسهولة عبارته، فهو على صغر حجمه عظيم النفع كثير الفائدة، مع أنه لم يصلنا كاملًا، والقطعة الموجودة بين أيدينا مختصرة من الأصل، لكنها تفي بالمقصود.
٢-لكثرة تطبيقاته العملية وتنويع أمثلته الشاملة لأكثر أجناس العلة، مع تركيز ملحوظ على نقد المتون.
٣- لذكره أصول وقواعد في التعليل تساعد الباحث على كشف علل الأحاديث، مثل: قاعدة المخالفة بين الرواة، وتفرد الراوي المحتمل وغير المحتمل، وزيادة الراوي على من شاركه في الرواية، وغير ذلك.
٤- بيان قرائن الترجيح التي اعتمدها النقاد في الترجيح بين الأخبار المتعارضة؛ كالترجيح بالأكثر، أو الأحفظ، أو الاختصاص بالشيخ، وغير ذلك من وجوه الترجيح.
٥- حسن العرض والترتيب للمادة العلمية، وهذا جزء من شخصية الإمام مسلم في مصنفاته؛ فإنه في كتابه هذا:
يحدد العلة، ويبين سببها، وينص على موضعها، ولا يكتفي بالإشارات الخفية، كما يصنع البخاري في تاريخه، وأبو حاتم والدارقطني في عللهما.
وهذا شرح مفصّل عليه، راعيت فيه خطوات النقد العملية، تسهيلًا على المبتدئين لفهم مباحث الكتاب، وأصل هذه الدروس هو دورة علمية قُدِّمت لطلاب جامعة مانيسوتا تحت إشراف مدرسة الحديث العراقية، وهي منشورة مرئيةً على موقعهم في اليوتيوب، والله الموفق.
بإذن الله، سأعوض درس الموطأ الذي تم اعتذاري عنه يوم السبت الماضي، وذلك في الساعة العاشرة مساءً من هذا اليوم.
سيكون درس النزهة في الساعة 10 ليلاً بإذن الله، ويُؤجل درس الموطأ إلى يوم آخر لضيق الوقت. وبإذن الله، في الأيام القادمة سينتظم درس الموطأ.
سيكون درس الموطأ في الساعة 10 ليلاً بإذن الله، ويُؤجل درس النزهة إلى يوم آخر لضيق الوقت، حتى تنتظم الدروس قريبا إن شاء الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. سأتوقف مؤقتًا عن إلقاء الدروس المباشرة لإنجاز بعض الأعمال المستعجلة، وخلال هذه الفترة سأقوم بتسجيل الدروس ونشرها هنا وعلى اليوتيوب، مع استمرار الصفحة التفاعلية في استقبال الأسئلة والإجابة عليها.
إلى قلوبٍ أنهكها الوجع.. إلى الأمهات الثكالى اللواتي سكبْنَ دموعَ الصبرِ على فراقِ الأحبّة.. إلى آباءٍ انحنت ظهورهم تحت وطأةِ الغيابِ والقهر.. إلى ذوي المعتقلين الذين أذابهم الشوقُ وأحرقَهم الانتظار.. إلى المهجّرين الذين قذفتهم نيران الظلم إلى المنافي والشتات.. إلى المجاهدين الشعث الغبر الذين حملوا أرواحهم على أكفّهم فداءً للدين والأرض..
مباركٌ لكم هذا النصر الذي جاء بعد جراحٍ نازفة ودماءٍ زكيةٍ لم تجف.. تقبّل الله منكم كل قطرة دمٍ سالت، وكل دمعةٍ انحدرت، وكل دعوةٍ صدرت من قلبٍ مكلوم..
فاللهم اجعل هذا الفرجَ بدايةَ العزّ والكرامة، وثبّت خطى المستضعفين، وارحم شهداءنا، وطيّب قلوب المهجّرين بعودتهم إلى ديارهم مرفوعي الرؤوس، عاجلاً غير آجل.
مباركٌ لكم هذا النصر الذي جاء بعد جراحٍ نازفة ودماءٍ زكيةٍ لم تجف.. تقبّل الله منكم كل قطرة دمٍ سالت، وكل دمعةٍ انحدرت، وكل دعوةٍ صدرت من قلبٍ مكلوم..
فاللهم اجعل هذا الفرجَ بدايةَ العزّ والكرامة، وثبّت خطى المستضعفين، وارحم شهداءنا، وطيّب قلوب المهجّرين بعودتهم إلى ديارهم مرفوعي الرؤوس، عاجلاً غير آجل.
وقفات منهجية مع حاتم العوني - الحلقة (١)
حاتم العوني غير أمين فيما يحكيه عن منهج نقاد الحديث، وينبغي الحذر مما ينفرد به، خصوصاً في مؤلفاته الأخيرة، فقد دفعته خصومته مع السلفيين إلى استخدام أساليب غير علمية في أبحاثه، كما ظهر ذلك جلياً في كتابه: "اليقيني والظني من الأخبار - سجال بين المحدثين وأبي الحسن الأشعري". فقد تضمن هذا الكتاب أنواعاً من الخيانة العلمية والانحياز والأدلجة، وهو –في تقديري– أسوأ من كتابه الآخر "تكفير أهل الشهادتين"، الذي تبنى فيه مذهب غلاة الجهمية ونسبه زوراً إلى أهل الحديث.
ومن الأمثلة الدالة على سوء فهمه وتحريفه لكلام المحدثين، ما أورده عن ابن أبي حاتم في كتاب "العلل" (1392) في حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، في مسألة اليمين مع الشاهد.
وقد ذكر ابن أبي حاتم أن سهيلًا حدّث بهذا الحديث ربيعةَ، ثم نسيَ سهيلٌ، فأنكر أنه حدّث به، فسأل ابنُ أبي حاتم أباه: «فليس نسيانُ سهيلٍ دافعًا لما حكى عنه ربيعةُ، وربيعةُ ثقةٌ، والرجل يحدّث بالحديث وينسى؟».
فأجاب أبو حاتم: «أجل هكذا هو، ولكن لم نرَ أن يتبعه متابعٌ على روايته، وقد روى عن سهيل جماعةٌ كثيرة؛ ليس عند أحد منهم هذا الحديث».
فسأله ابن أبي حاتم: «إنه تقول بخبر الواحد؟!».
فقال أبو حاتم: «أجل، غير أني لا أدري لهذا الحديث أصلًا عن أبي هريرة أعتبِرُ به، وهذا أصلٌ من الأصول، لم يُتابَع عليه ربيعة».
فساق العوني هذا الكلام كدليل على: «علم المحدثين باختلاف مراتب الأخبار، وأن منها ما يفيد اليقين، ومنها ما يفيد الظن».
قلت: إن أبا حاتم في وادٍ، والعوني في وادٍ آخر!
فأبو حاتم يتحدث عن تفرد الثقة بحديثٍ يتعلق بأصل من أصول الأحكام، وهو موضع ريبة عند النقاد، حتى لو كان المتفرد ثقة، وهذا منهج معروف عند النقاد، الذين كانوا يتوقفون أحياناً في تفردات كبار المحدثين كمالك وغيره!
فابن أبي حاتم وصف تفرد ربيعة عن سهيل بهذا الحديث بخبر الواحد؛ لأنه لا يُروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، مع احتياجه لمتابِع يشدُّه وينفي عنه الغرابة؛ لأنه يتعلق بأحد أصول الأحكام التي لا تحتمل انفراد مثل ربيعة به، فتلقف العوني هذا الوصف وأوهمَ أن مراد أبي حاتم من خبر الواحد يتطابق مع مراد المتكلمين!
والحقيقة أن مراد أبي حاتم بخبر الواحد يختلف تماماً عن مراد المتكلمين، فالمتكلمون –الذين يحاول العوني المساواة أو المقاربة بينهم وبين المحدثين– يقصدون بخبر الواحد ما لم يبلغ المتواتر، حتى لو رُوي بعشرات الأسانيد، طالما لم يفد العلم الضروري أو النظري عند بعضهم، بينما المحدثون لا يعتبرون الحديث الذي له متابعات وتعددت أسانيده فردًا، والعوني هنا يخلط بين مفهوم الفرد وخبر الواحد، فيحمل خبر الواحد، الذي يعني الحديث الذي يتفرد بروايته شخص واحد عند أبي حاتم، على ما يُقابل المتواتر عند المتكلمين، وهذا خلط فاضح وتدليس قبيح!
حاتم العوني غير أمين فيما يحكيه عن منهج نقاد الحديث، وينبغي الحذر مما ينفرد به، خصوصاً في مؤلفاته الأخيرة، فقد دفعته خصومته مع السلفيين إلى استخدام أساليب غير علمية في أبحاثه، كما ظهر ذلك جلياً في كتابه: "اليقيني والظني من الأخبار - سجال بين المحدثين وأبي الحسن الأشعري". فقد تضمن هذا الكتاب أنواعاً من الخيانة العلمية والانحياز والأدلجة، وهو –في تقديري– أسوأ من كتابه الآخر "تكفير أهل الشهادتين"، الذي تبنى فيه مذهب غلاة الجهمية ونسبه زوراً إلى أهل الحديث.
ومن الأمثلة الدالة على سوء فهمه وتحريفه لكلام المحدثين، ما أورده عن ابن أبي حاتم في كتاب "العلل" (1392) في حديث سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، في مسألة اليمين مع الشاهد.
وقد ذكر ابن أبي حاتم أن سهيلًا حدّث بهذا الحديث ربيعةَ، ثم نسيَ سهيلٌ، فأنكر أنه حدّث به، فسأل ابنُ أبي حاتم أباه: «فليس نسيانُ سهيلٍ دافعًا لما حكى عنه ربيعةُ، وربيعةُ ثقةٌ، والرجل يحدّث بالحديث وينسى؟».
فأجاب أبو حاتم: «أجل هكذا هو، ولكن لم نرَ أن يتبعه متابعٌ على روايته، وقد روى عن سهيل جماعةٌ كثيرة؛ ليس عند أحد منهم هذا الحديث».
فسأله ابن أبي حاتم: «إنه تقول بخبر الواحد؟!».
فقال أبو حاتم: «أجل، غير أني لا أدري لهذا الحديث أصلًا عن أبي هريرة أعتبِرُ به، وهذا أصلٌ من الأصول، لم يُتابَع عليه ربيعة».
فساق العوني هذا الكلام كدليل على: «علم المحدثين باختلاف مراتب الأخبار، وأن منها ما يفيد اليقين، ومنها ما يفيد الظن».
قلت: إن أبا حاتم في وادٍ، والعوني في وادٍ آخر!
فأبو حاتم يتحدث عن تفرد الثقة بحديثٍ يتعلق بأصل من أصول الأحكام، وهو موضع ريبة عند النقاد، حتى لو كان المتفرد ثقة، وهذا منهج معروف عند النقاد، الذين كانوا يتوقفون أحياناً في تفردات كبار المحدثين كمالك وغيره!
فابن أبي حاتم وصف تفرد ربيعة عن سهيل بهذا الحديث بخبر الواحد؛ لأنه لا يُروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، مع احتياجه لمتابِع يشدُّه وينفي عنه الغرابة؛ لأنه يتعلق بأحد أصول الأحكام التي لا تحتمل انفراد مثل ربيعة به، فتلقف العوني هذا الوصف وأوهمَ أن مراد أبي حاتم من خبر الواحد يتطابق مع مراد المتكلمين!
والحقيقة أن مراد أبي حاتم بخبر الواحد يختلف تماماً عن مراد المتكلمين، فالمتكلمون –الذين يحاول العوني المساواة أو المقاربة بينهم وبين المحدثين– يقصدون بخبر الواحد ما لم يبلغ المتواتر، حتى لو رُوي بعشرات الأسانيد، طالما لم يفد العلم الضروري أو النظري عند بعضهم، بينما المحدثون لا يعتبرون الحديث الذي له متابعات وتعددت أسانيده فردًا، والعوني هنا يخلط بين مفهوم الفرد وخبر الواحد، فيحمل خبر الواحد، الذي يعني الحديث الذي يتفرد بروايته شخص واحد عند أبي حاتم، على ما يُقابل المتواتر عند المتكلمين، وهذا خلط فاضح وتدليس قبيح!
وقفات منهجية مع حاتم العوني - الحلقة (٢)
رد العوني على العوني:
قال حاتم العوني في المنهج المقترح (ص100): «وهكذا يظهر أن هذا التقسيم للأحاديث إلى متواتر وآحاد، إنما نشأ من فكرٍ أثيمٍ، وعقليةٍ فاسدة، وبيدِ البدعة، وعلى عين أعداء السُّنَّة، الذين لا يسعون إلا لرفضِ السُّنَنِ، واستعبادِ النَّاسِ لفلسفةِ اليونان، بدلًا من دينِ الرَّحمن. ومن هذا يظهر أيضًا: أن هذا التقسيم إنما نشأ في آخر القرن الهجري الثاني وأوائل القرن الثالث، على يد بِشر المريسي ومَن على شاكلته من جهميةٍ ومعتزلة».
ولكن في مفاجأة من العيار الثقيل، نجد العوني في اليقيني والظني من الأخبار بين المحدثين والأشعري (ص83) يقول: «فإذا عدنا للتأكيد على علم متقدمي أهل الحديث بتقسيم الحديث إلى متواتر وآحاد، وإلى خوضهم غمار النقاش في حجيته: نقف مع الإمام البخاري (256هـ) حيث عقد كتابًا في صحيحه بعنوان: «كتاب أخبار الآحاد»، ويجعل أول باب فيه هو: «باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام».
وفي ص95، يضيف: «وسبق أن ذكرنا موقفَ أبي حاتم الرازي أيضًا من حديث القضاء بالشاهد واليمين، وأنه صرّح فيه بأنه إنما توقف عن الاحتجاج به؛ لأنه (خبرُ آحادٍ ظنيٍّ) في أصلٍ من أصول الأحكام. فإذا فعل المحدثون ذلك في الخبر من أحاديث الأحكام، فماذا سيفعلون إذا كان الحديثُ في أصلٍ عقدي من أصول الدين العظمى؟!».
ويختتم العوني، بعد المقارنة بين منهج المحدثين والأشعري، بإعلان منهج مشترك بينهما، حيث يتفقان في تقسيم الأخبار إلى ثلاثة أنواع:
1. متواتر معنوي: يُفيد العلم الاضطراري.
2. آحاد قاصر عن شروط التواتر: لكنه يفيد العلم النظري الاستدلالي بالقرائن.
3. آحاد صحيح الإسناد: إلا أنه لا يصل إلى درجة إفادة العلم النظري، وإنما يُفيد غلبة الظن.
وهكذا، التقسيم الذي قيل عنه إنه: «نشأ من فكر أثيم، وعقلية فاسدة، وبيد البدعة، وعلى عين أعداء السنة» لم يكتفِ بالبقاء، بل ترقى ليصبح منهجًا معتمدًا لدى المحدثين! بل الأدهى أنه حجز له مقاعد شرفية في "صحيح البخاري" و"علل ابن أبي حاتم"، وكأنه من نسل الاجتهادات النبيلة لا من بدع الجهمية والمعتزلة.
وبعد أن كان هذا التقسيم: «إنما نشأ في آخر القرن الهجري الثاني وأوائل القرن الثالث، على يد بِشر المريسي ومَن على شاكلته من جهميةٍ ومعتزلة». فقد أصبح فجأة منهجًا أصيلًا في مصنفات المحدثين، ويبدو أنه تعلّم فنون التكيّف الاجتماعي، فأصبح مقبولًا بين المحدثين، ومتجولًا في مصنفاتهم وصحاحهم وكأن شيئًا لم يكن. ولله في خلقه شؤون، وفي تقلب المفاهيم طرائف لا تنتهي!
رد العوني على العوني:
قال حاتم العوني في المنهج المقترح (ص100): «وهكذا يظهر أن هذا التقسيم للأحاديث إلى متواتر وآحاد، إنما نشأ من فكرٍ أثيمٍ، وعقليةٍ فاسدة، وبيدِ البدعة، وعلى عين أعداء السُّنَّة، الذين لا يسعون إلا لرفضِ السُّنَنِ، واستعبادِ النَّاسِ لفلسفةِ اليونان، بدلًا من دينِ الرَّحمن. ومن هذا يظهر أيضًا: أن هذا التقسيم إنما نشأ في آخر القرن الهجري الثاني وأوائل القرن الثالث، على يد بِشر المريسي ومَن على شاكلته من جهميةٍ ومعتزلة».
ولكن في مفاجأة من العيار الثقيل، نجد العوني في اليقيني والظني من الأخبار بين المحدثين والأشعري (ص83) يقول: «فإذا عدنا للتأكيد على علم متقدمي أهل الحديث بتقسيم الحديث إلى متواتر وآحاد، وإلى خوضهم غمار النقاش في حجيته: نقف مع الإمام البخاري (256هـ) حيث عقد كتابًا في صحيحه بعنوان: «كتاب أخبار الآحاد»، ويجعل أول باب فيه هو: «باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الأذان والصلاة والصوم والفرائض والأحكام».
وفي ص95، يضيف: «وسبق أن ذكرنا موقفَ أبي حاتم الرازي أيضًا من حديث القضاء بالشاهد واليمين، وأنه صرّح فيه بأنه إنما توقف عن الاحتجاج به؛ لأنه (خبرُ آحادٍ ظنيٍّ) في أصلٍ من أصول الأحكام. فإذا فعل المحدثون ذلك في الخبر من أحاديث الأحكام، فماذا سيفعلون إذا كان الحديثُ في أصلٍ عقدي من أصول الدين العظمى؟!».
ويختتم العوني، بعد المقارنة بين منهج المحدثين والأشعري، بإعلان منهج مشترك بينهما، حيث يتفقان في تقسيم الأخبار إلى ثلاثة أنواع:
1. متواتر معنوي: يُفيد العلم الاضطراري.
2. آحاد قاصر عن شروط التواتر: لكنه يفيد العلم النظري الاستدلالي بالقرائن.
3. آحاد صحيح الإسناد: إلا أنه لا يصل إلى درجة إفادة العلم النظري، وإنما يُفيد غلبة الظن.
وهكذا، التقسيم الذي قيل عنه إنه: «نشأ من فكر أثيم، وعقلية فاسدة، وبيد البدعة، وعلى عين أعداء السنة» لم يكتفِ بالبقاء، بل ترقى ليصبح منهجًا معتمدًا لدى المحدثين! بل الأدهى أنه حجز له مقاعد شرفية في "صحيح البخاري" و"علل ابن أبي حاتم"، وكأنه من نسل الاجتهادات النبيلة لا من بدع الجهمية والمعتزلة.
وبعد أن كان هذا التقسيم: «إنما نشأ في آخر القرن الهجري الثاني وأوائل القرن الثالث، على يد بِشر المريسي ومَن على شاكلته من جهميةٍ ومعتزلة». فقد أصبح فجأة منهجًا أصيلًا في مصنفات المحدثين، ويبدو أنه تعلّم فنون التكيّف الاجتماعي، فأصبح مقبولًا بين المحدثين، ومتجولًا في مصنفاتهم وصحاحهم وكأن شيئًا لم يكن. ولله في خلقه شؤون، وفي تقلب المفاهيم طرائف لا تنتهي!