د. سعد الشيخ
6.07K subscribers
28 photos
4 videos
8 files
22 links
فوائد حديثية ونقدية
Download Telegram
Live stream finished (1 hour)
تجدون في هذا الرابط الدورس العشرة المنجزة في شرح نزهة النظر وستضاف إليها المجالس القادمة تباعا إن شاء الله تعالى
https://ar.islamway.net/collection/19728
وهذه صفحتي على موقع طريق الإسلام تجدون فيها بإذن الله مع الوقت كل ما أكتب من مقالات أو فوائد أو أبحاث أو كتب يمكن نشرها بإذن الله تعالى
صلاة الحسن والحسين خلف مروان وقبولهما عطايا معاوية:

١- قال الإمام الشافعي في الأم: حدثتا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد: أنَّ الحسن والحسين كانا يصلِّيان خلف مروان، قال: فقال أما كانا يصلِّيان إذا رجعا إلى منازلهما؟ فقال: لا والله ما كانا يزيدان على صلاة الأئمة.

قلت: هذا إسنادٌ صحيحٌ إلى جعفر، وإرسال جعفر له لا يضر؛ لأنه في أمرٍ يخصُّ آباءه فلا ريب أنّه حدّثه به مَن شهد ذلك من آبائه.

٢- وقال ابن أبي شيبة في المصنف: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أنَّ الحسن والحسين كانا يقبلان جوائز معاوية.

قلت: في هذين الأثرين حقيقتان:
الأولى: إبطال دعوى المترفضين في عدم صحة إيمان أمراء بني أمية والجزم بأنهم منافقون يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، فلولا اعتقاد الحسن والحسين بصحة إسلام مروان بن الحكم لم يصليا بصلاته ثم لا يعيدان إذا رجعا؛ لأن من لا تصح صلاته لنفسه لكفره؛ فلا تصح لغيره.

والثانية: إحسان معاوية إلى أبناء علي وإكرامهم وإجراء العطايا والهدايا لهم على عكس أبناء عمومتهم من العباسيين الذين انقلبوا عليهم ونكلوا بهم وأسرفوا في قتلهم وضيّقوا على مَن لم يخرج منهم عليهم! بل كانت خصومة الأمويين مع العلويين أكثر مروءة وشرفًا من خصومة العباسيين مع العلويين!
عن الوضاع المصري المترفِّض: محمود سعيد ممدوح!
شارك هذا الوضاعُ كذّابًا آخر قبوريًا في أقبح حركةِ وضعٍ في العصر الحديث عندما تواطئا على وضع جزءٍ كاملٍ على المحدث عبد الرزاق الصنعاني؛ لأن فيه حديث النور الموضوع الذي حكم عليه نقاد الحديث بالوضع ونسبه بعضُ المتأخرين خطأ إلى مصنف عبد الرزاق. وقدَّم له هذا الوضاع، كعادته في الاستكثار من الإجازات الفارغة بلا سماعٍ ولا فهمٍ ولا معرفةٍ بالأسانيد وتواريخ الرواة؛ تقدمةً بأسانيده إلى عبد الرزاق! مع أنَّ في إسناده إلى عبد الرزاق ما يشير إلى كذبه فيه، فقد جاء في إسناده: .... عن عبد الله بن سالم البصري، عن الزيادي. وعبد الله بن سالم ولد سنة 1048، والزيادي توفي سنة 1024، فبينهما مفاوز تتيه فيها القطا! وهذا نموذج من حال أسانيد هذا الوضاع المُسنِد[!!!!]

وبعد افتضاح أمره وكشف حال الجزء المنسوب كذبًا إلى عبد الرزاق؛ كتبَ اعتذارًا باردًا ليحفظ ما تبقى من ماء وجهه وليدفع عن نفسه تهمة الوضع! فجاء بما يضحك الثكلى! فقال: «تقرَّر في علوم الحديث أنَّ راوي الموضوعات أو المنكرات ليس بوضَّاعٍ ولا منكر الحديث؛ فادعاءُ الوضع عليَّ أو عَلَى الشيخ الدكتور عيسى بن مانع الحميري، خطأ قبيحٌ. وجُلُّ الحُفَّاظ رَووا الموضوعات والمنكرات والواهيات، ولم يُتَّهموا بالكذب أو الوضع».

فانظر لهذا الأنوك كيف لا يميز بين رواية أسانيد موضوعة وبين خلَق الأسانيد الموضوعة! فهل مثل هذا يُوثق بعقله فضلا عن أهليته! فما قيمة تحصيله المعرفي "المزعوم" وهو لم يقدر على كشف جزءٍ كاملٍ موضوع! ما فائدة تخصصه الحديثي وإجازاته الفارغة التي صدّع بها رؤوسنا!

ولو سكت لكان خيرًا له؛ لأنَّ الكذّاب حتى لو صحت توبته فلا تصح روايته على التحقيق، فكيف بمن لم تصح توبته! ولو ذهبنا بهذا الوضاع إلى أقصى درجات إحسان الظن الساذجة، فحذفنا اسمه من قائمة الوضاعين واعتذرنا عنه بشدّة غفلته وفحش خطئه؛ لكان في أحسن أحواله متروكًا، وفرضٌ على من يكتب ذيلًا على ميزان الاعتدال، لكشف وضّاعي عصرنا، أن يفتتح تذييله باسم هذا الوضاع وصاحبه!

والراجح عندي من حال هذا الوضاع أنه تعمّد وضع هذا الجزء وليس ذلك عن جهلٍ وغفلة؛ لأن تلاعُب هذا الوضاع بالأسانيد وتركيبها وخلق أسماء وهمية مكشوف عند المتخصصين، وتتبُّع ذلك يخرج بي عن مقصود هذا المنشور، وليس هو موضوعي، لكن يكفي أن تعرفَ أنَّ هذا الوضاع ذكرَ في كتابه "تشنيف الأسماع بشيوخ الإجازة والسماع" الذي ترجم فيه لأسماء شيوخ محمد ياسين الفاداني، أسماءَ خلقٍ من الرواة لم يخلقهم الله، بل وترجم لهم! ولـمَّا تعقّبه الناسُ وبيّنوا كذبه ووضعه لأسماء وهمية وأسانيد أسطورية؛ حذف هذه التراجم من كتابه المذكور في الطبعة التالية دون أدنى إشارة إلى سبب حذف هذه التراجم! ولو اكتفى هذا الوضاع بهذه الأسماء الوهمية لتلمّس له أشبهُ الأنعام معاذير تخلّصه من هذه الورطات، لكنَّه سدَّ عليهم كل منفذ حين ترجم لكل واحدٍ من هذه الشخصيات الوهمية التي لم يخلقها الله!

عودةً إلى موضوعي، كتبتُ منذ أيامٍ منشورًا عن أسباب عدول الإمام البخاري عن جعفر بن محمد الصادق في صحيحه، وسلكتُ فيه مسلك الإلزام؛ لأنه أمعن في إسكات هؤلاء المترفضين عن توزيع تهم النصب على الإمام البخاري ونقاد الحديث، وأعرضتُ عن ذكر تفاصيل الأسباب النقدية الموضوعية لعدول الإمام البخاري عن جعفر؛ لأن هذا الموضوع أكبر من عقل هذا الوضاع الجاهل ومن يشبهه ويقربه في الجهالة، مكتفيًا بذلك الإلزام. وفعلًا ألجمَتْ هذه الإلزاماتُ أذناب الغماريين فحاصوا حيصة الحمير ولم يحيروا جوابًا، ثم كتب هذا الوضاع جوابًا باردًا عن منشوري يرد به عليَّ ولم يذكر اسمي، وكان لطيفًا في ردّه؛ لأنه لم يكن عنده ما يردُّ به علي، وكأنه كتبه محرجًا تحت ضغط الغماريين ولو استكثارًا من الكلام وثرثرة فارغة! فلما لم أجد عنده شيئًا؛ أعرضتُ عنه.

ثم وجدتُه في صفحة أحد الغماريين يتهمني بالنصب على طريقة أسلافه الرافضة مع أنه وصفني قبل ذلك بالأخ ولم يتهمني بهذه التهمة المؤدلجة، وقد صوّر ذلك الغماريُّ منشوري عن صلاة الحسن والحسين خلف مروان وقبولهما عطايا معاوية، ثم قال –تحت عنوان: الوهابية النواصب-:

«هنا نجد سعد الشيخ أحد النواصب كتب منذ أسابيع يرد على من تكلم عن البخاري وعن عدم روايته عن الآل. ولما كان السياق هو نصرة البخاري لم يتردد في التقليل من قيمة مرويات جعفر فذكر أنها قليلة الفائدة، لأن أكثرها مراسيل عن آبائه، وما سمعه لا يخلو من علل، لكنه لما أراد اليوم أن يعظم شأن بني أمية وخصوصا مروان الأثيم لم يجد بدا من الاستناد على مرسل جعفر نفسه وأن إرساله لا يضر ونسي ما قاله قبل أسابيع.
قال: وبما أن المرسل منقطع الإسناد فإنه لجأ إلى تقويته بالإنشائيات فاعتمد على (لا ريب) وهل تُصحح الروايات ب(لا ريب)؟ نعم تُصحح بذلك إذا كانت في سبيل تعظيم الأمويين. وإذا صحح الرواية خلص إلى مراده، وهو صلاة الحسنين خلف مروان دليل على صحة إيمان أمراء بني أمية وهذا هو الخبل والهبد عينه.
أولا: صلاة الحسنين خلف مروان وغيره لا تدل البتة على صحة إيمانهم.
ثانيا: لما أورد العقلاء غير المتلاعبين فعل الحسنين لم يستدلوا به على صحة إيمان المجرمين لأنهم لم يكونوا نواصب، فالشافعي أورده تحت قوله: وقد صلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خلف من لا يحمدون فعاله من السلطان وغيره، واستدل بفعل ابن عمر والحسنين. وهكذا ترى العقلاء يوردون الفعل ويستدلون به على أن مروان ليس ممن تُحمد أفعاله وسيرته. ويأتي النواصب المتلاعبون بالدين بنفس الفعل ويستدلون به على صحة إيمان مروان ...» انتهى المقصود من كلامه.

وواضح أن هذا المترفض بليدٌ لا يفهم الكلام؛ لأن الغرض من منشوري دفع تكفير أمراء بني أمية واتهامهم بالنفاق العملي الأكبر الذي لا يصح معه عمل ولا ينفع فيه إظهار الإسلام، كما يتواقح شيخهم أحمد الغماري، وليس في إثبات صلاحهم ومدح أفعالهم، والفرق بين الأمرين كبير لمن يفهم! ولو فهم هذا المترفضُ كلامَ الشافعي لما اعترض به عليَّ؛ لأنَّ الشافعي أورد هذا الأثر ليستدل به على مشروعية الصلاة خلف أمراء الجور الذي لا يخرجهم جورهم عن الإسلام، ومعاوية ومروان وأمراء بني أمية عندكم كفارٌ منافقون لم يصح دخولهم في الإسلام أصلًا، فالشافعي في واد وهذا المترفض في واد!

والفقه في هذا الأثر ظاهرٌ، وهو اعتقاد الحسنين بصحة إيمان مروان؛ وإلا فما ينبغي أن يصليا خلف منافقٍ لا يعتقد بتوحيد الله ورسالة محمد صلى الله عليه وسلم، مع ثبوت علمهما بذلك؛ لأنَّ الصلاة خلف الكافر باطلة بالإجماع، والكلام عن كمال الإيمان الواجب الذي هو شرطٌ لصحة الإيمان وليس عن كمال الإيمان المستحب، وقد كان يحتمل أن يصليا خلف مروان تقيةً كما يلهج به الروافض ثم يعيدان؛ فنفى ذلك جعفرٌ وجزم بأنهما كانا لا يعيدان!

وهذا يشبه، إلى حدٍّ ما، إلزام الناس لكم بصحة ولاية معاوية؛ لأنَّه لا ينبغي للحسن أن يتنازل عن الخلافة لمنافقٍ معلوم النفاق وهو قادرٌ على ذلك، لا سيما قد توفرت له من الشوكة والمنعة ما لم تتوفر لأبيه، حتى لقد قال الراوي -لَـمَّا رأى جيش الحسن-: «استقبل -والله- الحسنُ بنُ عليٍّ معاويةَ بكتائب أمثال الجبال» كما في الصحيح، فنزل عن ولايةٍ منصوصةٍ [!!] لطليقٍ منافق [!!] وأطلق يده في أهل بيته والمسلمين! وقد كان شيخه الوضاع محمود سعيد ممدوح يشير إلى اتهام عثمان بتمكين معاوية من رقاب الناس، بما ولّاه من ولاية الشام، فمن أحق بهذا الوصف: عثمان أم الحسن؟!

ثانيًا: المراسيل أنواع وليست في درجة واحدة في صلاحيتها للاحتجاج، وذلك بحسب ما يحتف بها من قرائن الترجيح، ولعل هذا المترفض لم يستفد من شيخه الوضاع في التمييز بين أنواع المراسيل عند مَن يحتج بها، وقد قبلتُ ها هنا مرسل جعفر وأبيه؛ لعدة قرائن ترقي الخبرين إلى درجة الثبوت، منها:
1- أنه في أمرٍ يخصُّ آباءهم مما لهم به معرفةٌ واطلاعٌ عادةً، وليس خبرًا عامًا يشترك فيه معهم غيرُهم.
2- الخبر في حكاية فعل الحسن والحسين وليس روايةً عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويُتسامح في الأولى، مع اعتبار القرائن الدالة على صحة مخرج المرسل، ما لا يُتسامح في الأخرى.

ثالثًا: لا علاقة للبخاري بما نحن فيه، فالبخاري عدل عن جعفر لأسباب نقدية موضوعية، منها: غلبة المراسيل على حديثه، وهذا لا ينازع فيه من يعرف أحاديث جعفر، حتى الرافضة ينبغي أن لا تنازع في هذا الأمر؛ لأن الأخبار القليلة المرفوعة التي يرويها الكليني وغيره عن جعفر هي مراسيل. والبخاري لا يحتج بالمراسيل، سواء علم مخرجها أو لم يُعلم، وأنا لم أصحح مرسل جعفر على شرط البخاري حتى تلزمنا بما لا يلزم! فافهم قبل أن تعترض!
بين الوضاع المصري: محمود سعيد ممدوح والمستشرق الألماني: هَرَلد موتسكي.

ذكرتُ في المنشور السابق تورط محمود سعيد ممدوح في أكبر عملية وضع في العصر الحديث عندما وضع هو وصاحبه القبوري المخرف عيسى الحميري جزءً كاملًا على لسان المحدث عبد الرزاق الصنعاني. ولولا أنّ بعض المتيقظين من أهل الحديث كشف عملية الدسِّ هذه؛ لراجت هذه الأحاديث الموضوعة بين الناس ولعمّت بها الفتنة، لا سيما أنها مصدّرة بأسانيد المحدث الكبير[!!!] والناقد النحرير[!!!] محمود سعيد ممدوح إلى عبد الرزاق!! فالحمد لله الذي جعل في كل عصرٍ عدولًا ينفونَ عن هذا الدين تحريفَ الغالينَ وانتحالَ المبطلينَ وتأويلَ الجاهلين!

عودة إلى مقارنة شيقة بين الوضاع المصري وهرلد موتسكي:

كتب هذا المستشرق الألماني بحثًا بعنوان: «بدايات الفقه الإسلامي وتطوره في مكة حتى منتصف القرن الهجري الثاني» تدور فكرة هذا البحث حول التحقق من صحة المنهج النقدي للمحدثين والتثبُّت من قدرته على تمييز الأخبار الصحيحة وتنقيتها من الأخبار المزوّرة، وهي دراسة تاريخية صرفة تهدف إلى إثبات مصداقية المصنفات الحديثية القديمة وما تضمنته من الروايات من خلال دراسة عينة تمثل أقدم المصنفات الحديثية.

جعل هذا المستشرق ميدان دراسته هو "مصنف عبد الرزاق الصنعاني" وأخذ عينة من كتابَي "النكاح والطلاق" وأخذ يدرس أسانيد عبد الرزاق من خلال قرائن ومعايير ذكية جدًا تشبه ما يُسمّى عند المحدثين بقانون الاعتبار وعرض حديث الراوي على من وافقه من الرواة الآخرين، فأثبت صحة نسبة الروايات في مصنف عبد الرزاق إليه، ثم صحة ما نسبه عبد الرزاق إلى شيوخه كالثوري وابن جريج، ثم إلى شيوخهم كعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار، ثم صحة ما نسبه عطاء وعمرو إلى الصحابة، في دراسة نقدية تاريخية ممتعة خاضها مستشرق ليس معه "أسانيد"، ولا "إجازات"، ولا "شهادة دكتوراه في الاتجاهات الحديثية"!!

استطاع هذا المستشرق أن يثبت صحة نسبة الروايات إلى مصنف عبد الرزاق بهذه الطريقة العقلية الفطرية مع أنه لم يدرس طرائق النقد عن المحدثين ولا ضيّع عمره في دراسة كتب الرجال والعلل وكيفية نقد الرواة والمرويات!

قارن ما قام به هذا المستشرق بقول هذا الوضاع الجاهل بعد اكتشاف أمره: «لم يكن العبد الضعيف يعتقد في ذلك الوقت بوضع أو اختلاق هذا الجزء بل يعتقد صحة نسبته»!!! يعني بالمكشوف: كنت جاهلًا عاميًا ليس عندي حصيلة معرفية نقدية أتمكن بها من كشف هذا الجزء الموضوع، حتى كشفه لي أهل الاختصاص، ثم استيقظ حسي النقدي بعد عامين من انتشار هذا الجزء الموضوع، فكتبتُ اعتذارًا باردًا يرفع عني تهمة الوضع ويثبت تهمة الجهل والغفلة!

ليت هذا الوضاع استفاد من طريقة هرلد موتسكي في كيفية التثبت من نسبة المرويات إلى مصنفيها، وترك عنه الاشتغال بأسانيده الفارغة إلى عبد الرزاق!
هذا تلخيص للدروس العشرة الأولى لبعض زملائكم جزاه الله خيرا.
لا تجد مجتمعًا نقديًا تتبع سير حركة الرواية وصاحبَها منذ نشأتِها وأخضعَها لسلطة النقد والفحص والتفتيش مثل مجتمع التابعين فمَن بعدهم، حتى اكتملت قواعدُ النقدِ في صورته المنهجية النهائية على يد شعبة بن الحجاج وتلاميذه يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ثم تلاميذهم أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني وأبي حفص الفلاس، ثم تلاميذهم البخاري ومسلم والذُّهلي وأبي زرعة وأبي حاتم .. إلى أن خُتم باب المعرفة بقواعد النقد وعلل الحديث على طريقة النقاد الأوائل بالدارقطني، ولم يأت بعده من يجري في مضماره.

وقد بلغ النقد ذروته والتثبُّت أعلى درجاته عندما استحلف عَبيدةُ السلماني، وهو تابعي، عليَّ ابن أبي طالب، رضي الله عنه، لمّا حدّث بحديث الخوارج أثناء مسيره لقتالهم، فقال عَبيدة لعلي: «يا أمير المؤمنين، آلله الذي لا إله إلا هو لسمعتَ هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: إي والله الذي لا إله إلا هو. حتى استحلفه ثلاثًا وهو يحلف له». أخرجه البخاري (٦٩٣٠)، ومسلم (١٠٦٦).

ولا يزاود أحدٌ على عَبيدة في حبه لعلي وتعظيمه له وإيمانه الجازم بصدقه وعدالته، كيف! وهو من خواص أصحاب علي وشهد معه حروبه وكان عامله في منطقة الفرات، وعدّه الشيعة من أصحاب علي وشيعته، ومع ذلك لم يمنعه منزلة علي عنده أن يطلب التثبُّت منه في أقوى صوره وهو الاستحلاف، ولم يكتف بمرة حتى استحلفه ثلاثًا!! وهذا الموقف من أشد صور النقد المبكّر وأوضحه وأقساه! وكأنه قام في نفسه ريبة من هذا الحديث لما يوهمه من تقوية موقف علي، رضي الله عنه، وهو خارج بجيشه لقتال الخوارج!

وهكذا .. فالتعظيم والاحترام شيء، والنقد والاستدراك وطلب التثبُّت شيء آخر؛ لذلك أجابه علي، رضي الله عنه، إلى طلبه بكل لطف وتلقائية، ولم ينهره ولم يستفزه طلبُ الاستحلاف، في موقف جليل مهيب يجعل سلطة النقد فوق الجميع!

فإذا كان التثبُّت متوجهًا إلى مثل علي رضي الله، في فضله وسابقته وتقدُّمه، فكيف سيكون موقفهم النقدي ممن لم يُعرف بالصحبة، أو عُرف بها ولكنه لم يُعرف بالرواية! وإذا كان تفشّي الخطأ في مثل هذا المجتمع النقدي بعيدًا؛ ليقظتهم واحترازهم وإخضاعهم روايات الكبار للنقد والتفتيش، فكيف بتفشّي الأحاديث الموضوعة والأخبار الواهية!

وإذا كان هذا حال النقد المبكّر مع تواضعه وعدم اكتمال وسائله وآليته، فكيف بسلطة النقد الممنهجة الصارمة التي تأسست بعد ذلك وأخضعت جميع المرويات لقانون الاعتبار واشتراط الموافقة ونبذ الانفراد إلا في حالات نادرة دلت القرائن على قبول انفرادهم فاحتملوها منهم، وقد يردون تفردات الكبار أحيانًا!
#فوائد_حديثية (٣٤)
جاء في تاريخ ابن معين برواية ابن محرز (٢/٣٩) قال: سمعتُ يحيى بن معين يقول: «قال لي إسماعيل ابنُ عُلَيّة يومًا: كيف حديثي؟
قلت له: أنت مستقيم الحديث.
فقال لي: وكيف علمتم ذاك؟
قلت له: عارضنا بها أحاديثَ الناس؛ فرأيناها مستقيمة.
فقال: الحمد لله، فلم يزل يقول الحمد لله ويحمد ربه حتى دخل دار بشر بن معروف..».

قلت: وفي هذه الحكاية عدة فوائد، منها:
١- وجود سلطة نقدية مصاحبة لحركة الرواية ومراقبة لخط سيرها تحتفظ بأرشيف الراوي منذ طلبه الحديث حتى وفاته محصية عليه جميع محطات حياته والتغيرات التي طرأت عليه، فتعرف عنه كل شيء: بياناته الشخصية، تاريخ سماعه من الشيوخ، البلدان التي رحل إليها، مواطن القوة والضعف في روايته، توّرطه بشيء من عيوب الرواية كالتدليس ونحوه، معرفة الأحوال الاستثنائية كطروء اختلاط ونحوه، وغير ذلك من وسائل التفتيش التام لكل راو من اللحظة التي بدأ فيها طلب الحديث وحتى وفاته.

٢- خضوع الرواة لهذه السلطة النقدية واستسلامهم لما يصدره النقادُ فيهم من جرح أو تعديل، طوعًا أو كرهًا، حتى إن الراوي كبير الشأن ربما عرض نفسه على الناقد ليعرف درجته في سلّم الجرح والتعديل! فانظر لجلالة مثلِ ابن عُلية الذي يمثل أمتن حلقة في سلسلة الإسناد البصري كيف يعرض نفسه على إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين ليصدر فيه حكمه النقدي، ثم يلهج لسانه بالشكر لله ويحمد ربه طول الطريق حتى دخل دار بشر بن معروف؛ لأن ابن معين قال فيه: أنت مستقيم الحديث!

ومن لا يعلم أثر هذا الحكم النقدي في نفس الراوي قد يستغرب ردة فعله أو يصفها بالمبالغة، فتخيل معي لو أنَّ يحيى بن معين تكلّم في ابن عُلية وغمز حديثه ووصفه بعدم الاستقامة، هل تعرف ما معنى هذا؟ معناه: إهدار تاريخه الروائي الذي أنفق فيه سني عمره وشقي في تحصيله وفارق لأجله الأهل والبلاد وكابد الجوع والمشقة وقطع آلاف الكيلو مترات لسماع فلان وفلان .. ثم بكلمة واحدة من الناقد يُهدر هذا الجهد كله! أو يغمزه على أسوء أحواله!

٣- تحديد يحيى بن معين الوسيلة التي حكم بها على ابن عُلية بأنه مستقيم الحديث، وهي عرض حديثه على مرويات الثقات والموازنة بينها من خلال عملية إحصاء دقيقة لمروياته وتحديد نسبة موافقته للثقات ومخالفتهم لهم وإغرابهم عنهم، وعلى أساس هذه النسبة منحه الرتبة التي استحقها. وهي وسيلة عقلية فطرية فوق أنها موضوعية محايدة.

٤- من خصائص نقاد عصر الرواية: أنهم حفاظٌ ونقادٌ في نفس الوقت، فالناقد حافظٌ ولا بد، ومشاركٌ في الرواية ولا بد، فابن معين عرف أن ابن عُليّة مستقيم الحديث؛ لأنه كان يحفظ حديثه وحديث أقرانه، بل الناقد أحفظ في كثير من الأحيان لحديث الراوي من الراوي نفسه، وهذا بخلاف غيرهم من نقاد العلوم الأخرى، فنقاد الشعر مثلا، قد ينقد شعرَ فلان وفلان ولا يكون حافظًا لكل أشعاره، وقد يكون ناقدًا كبيرًا لكنه لا يحسن أن ينظم الشعر!
#فوائد_حديثية (٣٥)
كان مالكٌ رحمه الله يخرّج أحاديث في موطئه بأسانيده النظيفة العالية ويعمل بخلافها؛ إشارة إلى علمه بهذه الأحاديث حتى لا يُحتج بها عليه! 

وقد أوردوا على الإمام أحمد بعض الأحاديث التي تعارض ظاهرُها ما ذهب إليه في مسألة من المسائل، فقال: «صبيانٌ نحن لا نعرف هذه الأحاديث!!».

وذكر الترمذي أن كل أحاديث كتابه معمول بها عند فقهاء أهل الحديث أو عند بعضهم، مع أن كثيرًا منها ضعيفة الإسناد، وهو نفسه يحكم عليها بالضعف ثم يقول: عليها العمل، واستثنى من كتابه أربعة أحاديث قال: تركوا العمل بها، مع أن أسانيدها صحيحة! 

وقد صح عند جماعة من فقهاء أهل الحديث بالكوفة أحاديث الجهر بالتسمية، وكانوا يعدلون عنها إلى العمل بما عليه أهل بلدهم من الإسرار بها. وتتبع هذا عند فقهاء أهل الحديث يطول.

الشاهد من هذه الآثار أمور:
١- لا تعجل بالاعتراض على الأئمة فيما عارضوا فيه ظواهر النصوص، وابحث عن سبب عدولهم؛ لأن لهم نظرًا في الترجيح بين الأدلة يقصر فهمك عنه. 
٢- الدليل عند أهل العلم أوسع من النص، والمشكلة عند بعض المعترضين أنه يحصر الدليل في النص، مع أن الدليل أوسع من ذلك، وهو نفسه يقر بأن القياس الصحيح المنضبط، مثلًا، دليلٌ معتد به عند جماهير أهل الفقه والحديث حجة في إثبات الأحكام، فإذا لم يجد دليلًا سمعيًا في مسألة أطلق القول بنفي وجود الدليل! هذا مع التسليم له بنفي وجود الدليل السمعي أصلا.
٣- لا يلزم من كون المقبول إسنادًا عند فقهاء أهل الحديث أن يكون معمولًا به عندهم؛ لاحتمال المعارضة أو النسخ أو التأويل، كما لا يلزم من كون المردود إسنادًا عندهم أن يكون مطّرحًا؛ لاعتضاد معناه بإجماع أو قول صاحب أو قياس جلي. ولذلك؛ فقد يحتجون بما لا يصح عندهم، وقد يتركون العمل بما صح للاعتبارات السابقة. ‏وهذا هو التكامل المعرفي في التعامل مع النصوص، ثبوتًا واستدلالًا.
ما من ناقدٍ من نقاد الحديث إلا ووقع منه تساهل في مواضع، بما فيهم البخاري ومسلم، يستوي في هذا: الحكم على الأحاديث والحكم على الرجال، والعبرة بغلبة حكم الناقد أو بكثرة تساهله لا ببعض أحكامه، والغالب على أحكام الترمذي الاستقامة وموافقة نقاد الحديث إلا في القليل الذي لا يسلم منه أحد، وقد وجدتُه يعلّل أحاديث صححها الشيخان أو أحدهما، ويتكلم في رواةٍ احتج بهما الشيخان أو أحدهما، ونفَسه في نقد الروة معتدل بالجملة، لكنه يلين العبارة في الراوي فيظهر بمظهر المتساهل! 

فلا يستقيم انتزاعُ وصفٍ عام من أمثلة قليلة وبناء تصنيف كلي عليه، ثم نزع الثقة بأحكام الترمذي بدعوى تساهله في التصحيح، بل ربما قدم بعضُ الناس أحكام المعاصرين على حكمه! والغريب أن يصف الترمذي بالتساهل في التصحيح من هو غارقٌ في تصحيح المنكرات من المتأخرين والمعاصرين! 
 
 ثم إن الترمذي يجري في التصحيح على الأبواب لا على مجرد الإسناد، وهذا ملحظ ينبغي التفطن له في الأحاديث التي تُعقّب فيها. 

وهذا فيما يصرح فيه بقوله: «حسن صحيح»، أو «حسن صحيح غريب»، أما ما يحسّنه فقط، أو يقرن معه: «حسن غريب»، وهو أضعف من مجرد قوله: «حسن»؛ فله فيه اصطلاح خاص لا يجري على قاعدة المتأخرين في التحسين؛ لأنه لم يشترط سوى رفع التهمة عن الراوي، فلا يحسن رميه بالتساهل لتحسينه أحاديث أقوام ضعفاء؛ لأنه لم يشترط توثيق الراوي لما يحسّنه من أحاديث.
#فوائد_حديثية (٣٦)
درسنا الساعة 10 ليلًا بإذن الله، وسيكون هذا هو الموعد الثابت بعد اليوم، وينضم إليه درس آخر في التعليق على موطأ مالك برواية أبي مصعب الزهري نحدد موعده قريبًا إن شاء الله.
Live stream started