د. سعد الشيخ
6.07K subscribers
28 photos
4 videos
8 files
22 links
فوائد حديثية ونقدية
Download Telegram
Live stream finished (1 hour)
هذا كلامٌ لا يُشتغل به ولا يُلتفت إليه، والحجج التي ذكرها المعترض ضعيفةٌ مهلهلة لا تدل على مطلوبه، فمن ذلك:

١) «لأنّ الألباني يصحح الحديث مرة، ومرة يضعفه».
وعلى التسليم بما قال، وهو مسلّم له بالجملة، لكن لا يُسلّم له بأنه فعله في كثير من المواضع؛ لأن الكثرة والقلة نسبية، تُقدّر بالنسبة إلى كثرة أحكام الناقد وقلته، والألباني رحمه الله مكثر من الأحكام النقدية، فهو عرضة للخطأ أكثر من غيره، فتُحتمل منه الأوهام والتراجعات وتغيُّر الاجتهاد كما يُحتمل من الحافظ المكثر الذي يحفظ ثلاثين ألف حديث أن يخطئ في مئة أو أكثر منها، في حين أن الخطأ في هذا العدد من المقل يضرُّه بل ربما يُسقطه!

قلت: على التسليم بما قال، فإن تغيُّر أحكام الناقد ليس دليلًا على سقوط أحكامه النقدية إلا عند من لا يفهم هذا الشأن ولم يمارس أحكام نقاد الحديث؛ لأن تغيُّر اجتهاد الناقد، سواء في الحكم على الأخبار أو في الحكم على الرواة، أمرٌ طبيعي، وخلافه هو المستغرَب بل الشاذ، وهذا يُعد عندهم من البدهيات، حتى إنهم يقررونه للمبتدئين في المتون الأولية، كما قال الذهبي في الموقظة: «بل الحافظ الواحد يتغير اجتهاده، في الحديث الواحد، فيومًا يصفه بالصحة، ويومًا يصفه بالحسن، ولربما استضعفه». فلو كان تغيُّر اجتهاد الناقد، في حدود ما يُحتمل، مستلزمًا لفقد الثقة بأحكامه؛ لما سلم لنا أحد من نقاد الحديث!

٢) «لأن أسلوب كلامه غير مرضي، ففي كلامه إساءة أدب في حق السلف، فلا اعتبار له».
قلت: هذا كلام إنشائي لا طائل تحته، وفيه إجمال، فلم يوضح مقصوده بالسلف، ومعنى إساءة الأدب إليهم. فإن كان يقصد مخالفته مَن قبله، أو شدّته على من خالفه ممن تقدّمه، فهذا كثير في أحكام نقاد الحديث ولم يختص به الألباني. ثم لو سُلم له بذلك، فهذا لا يتنافى مع حجية أحكامه النقدية؛ لأن مدار الأمر على الأهلية والتزام قواعد النقد، فإذا تحققت فيه فلا يضرُّه أسلوبه الخشن أو ما أسماه بإساءة الأدب.

٣) «ليس وظيفتنا أن نصحح حديثا أو نضعفه، بل علينا نقل أقوال الجهابذة فقط في الحكم على الحديث».
قلت: وهذا أليق بالفقيه أمثال هذا المعترض، فحقه تقليد أحكام نقاد الحديث لجهله بهذا الشأن، أما من عنده أهلية النقد فهو غير ملزم بأحكام غيره إلا في حدود ضيقة، وبسط هذا في غير هذا الموضع. والحافظ ابن حجر نفسه خالف نقاد الحديث الأوائل في كثير من أحكامه النقدية، فهذا المعترض يحتج بما ينقض عليه حجته؛ لأن اعتراضه مبني على المناكفات المذهبية لا على التحقيق العلمي.
ثم إن معرفة أحكام نقاد الحديث الأوائل ليس بالأمر الهين؛ لأن أحكامهم الصريحة على الأحاديث قليلة، وغالب أحكامهم جُملية تُفهم من خلال استيعاب مناهجهم في التصنيف وشروطهم في كتبهم، ولا يميز هذا إلا العارف بهذا الشأن، فوق أن كثيرًا من كتب المتأخرين لا يمكن استخلاص أحكام النقاد عليها، فيلزم دراستها وفحصها والحكم عليها.
موعد درسنا الساعة 10 ليلًا بإذن الله.
والفصل الذي سيتم التعليق عليه:
من بداية قول المصنف: «فإن خف الضبط؛ أي: قلّ» إلى قوله: «فلله الحمد على ما ألهم وعلّم».
حتى تنتفع بالدرس: اقرأ الفصل المشار إليه، وحدّد ما لم تفهمه أو ما أشكل عليك فهمه، ولا تأت وأنت خالي الذهن.
Live stream started
Live stream finished (1 hour)
من طرائف المحدثين:
كان عبّاد بن يعقوب الرواجني، وهو من شيوخ البخاري، شيعيًا مفرط غاليًا بل نُسب إلى الرفض، وهو الذي روى حديث: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه»!.
قال صالح جزرة: «كان عبّاد يشتم عثمان رضي الله عنه، وسمعته يقول: الله أعدلُ من أن يُدخل طلحة والزبير الجنَّة، قاتلا عليًا بعد أن بايعاه».
وقال ابن جرير: «سمعته يقول: من لم يبرأ في صلاته كل يوم من أعداء آل محمد؛ حُشر معهم».

ومن الطرائف:
قال محمد بن المظفر الحافظ: «حدثنا القاسم المطرّز، قال: دخلتُ على عبّاد بالكوفة، وكان يمتحنُ الطلبة، فقال: من حفر البحر؟
قلت: الله.
قال: هو كذاك، ولكن مَن حفره؟
قلت: يذكرُ الشيخُ.
قال: حفره علي، فمن أجراه؟
قلت: الله.
قال: هو كذلك، ولكن من أجراه؟
قلت: يفيدني الشيخُ.
قال: أجراه الحسين.
وكان ضريرًا، فرأيت سيفًا وحجَفَة.
فقلت: لمن هذا؟
قال: أعددته لأقاتل به مع المهدي.
فلما فرغت من سماع ما أردت، دخلت عليه، فقال: من حفر البحر؟
قلت: حفره معاوية رضي الله عنه، وأجراه عمرو بن العاص.
ثم وثبتُ وعدوتُ، فجعل يصيح: أدركوا الفاسق عدو الله، فاقتلوه».
قال الذهبي: «إسنادها صحيح، وما أدري كيف تسمّحوا في الأخذ عمن هذا حاله؟ وإنما وثقوا بصدقه».
خطر المترفّضين المنتسبين إلى أهل السُّنَّةِ أشدُّ من خطر الرافضة؛ لأنهم يتترسون بمتراس التصوُّف وحب أهل البيت، وهم معروفون يتزعمهم الغماريون والمتأثرون بهم، وقد طال طعنهم إلى الإمام البخاري وكتابه الجامع الصحيح، فوصفه كبيرهم الذي علمهم الرفض، أعني: أحمد الغماري، بأنه نويصبي صغير!
وقال أخوه عبد العزيز: معاذ الله أن يكون الكتاب الذي يخرج حديث حريز بن عثمان وعمران بن حطان مقتصرًا على الصحيح، ولو أجمع على ذلك الإنس والجان! مع أنه لما استمات في توثيق الحارث الأعور رجع إلى قاعدة البخاري ونقاد الحديث في الفرق بين التوثيق والابتداع! لكنه لما أطال لسانه على البخاري لتخريج حديث حريز نسي قاعدته في الحارث الأعور!

ومدار شغبهم على ثلاث شبهات:
1- تحايد الإمام البخاري عن بعض رموز أهل البيت وعلى رأسهم إمام أهل البيت وفقيههم جعفر بن محمد الصادق؛ فلم يخرج له في صحيحه شيئًا ولم يحتج به مع احتجاجه بمن دونه في العدالة والضبط!
2- وتنكّب الرواية عن أعيان شيعة أهل البيت ومحبيهم مع احتجاجه بأعدائهم من رموز النواصب ومبغضي علي رضي الله عنه.
3- وكتَمَ كثيرًا من فضائل أمير المؤمنين علي وأهل بيته.

هذه خلاصة شبهات القوم التي أطال فيها المترفِّض ابن عقيل الحضرمي وأبان عن ضعف تحصيله بالصناعة الحديثية وبأسس توثيق الرواة وتجريحهم عند نقاد الحديث وأظهر عن دسيسة باطنه وسوء قصده وسخف عقله، لكن القوم لفرط جهلهم ينقادون لكل رويبضة يغذّي نفوسهم المريضة بالتعصب الطائفي البغيض!

وهذه شبهات متهافتة ساقطة منشؤها الجهل بمنهج الإمام البخاري في اختيار الرواة الذي لا يرتبط بعقائدهم وأفكارهم ما داموا في إطار الإسلام والصدق وضبط الحديث، وهذا أشهر من أن أتكلف للتدليل عليه، لكننا في زمنٍ نكدٍ نضطر فيه إلى توضيح الواضحات، والله المستعان.
وبما أنَّ هؤلاء المترفّضة من أشباه الأنعام الذين لا يفقهون دقائق أسس اختيار الرواة عند البخاري، وأسباب ترك بعض الثقات مع الاحتجاج ببعض الضعفاء لنكات حديثية وفقهية؛ فسأسلك معهم أسلوبًا يفهمونه، فأقول:

إن لم يخرج البخاري لجعفر في صحيحه، فإنه لم يخرج لمن هم خير من جعفر، كبعض الصحابة رضي الله عنه، وغالب مادة الدارقطني في الإلزامات هي لترك البخاري أحاديث الوحدان من الصحابة وتجاوز عددهم سبعون صحابيًا، ولم يخرج أيضًا لبعض أعيان أهل السُّنَّة وحفّاظهم وبعضُهم أتقن من جعفر بمراحل، ومنهم مَن أخرج عنه حديثًا أو حديثين فقط! وبعضُهم استشهد بهم ولم يحتج بهم، فلم يخرّج مثلًا:
1- لرأس أهل السُّنَّةِ وإمامهم أحمد بن حنبل إلا حديثًا واحدًا وآخر بواسطة!

2- ولم يرو لإمام أهل الجرح والتعديل: يحيى بن معين إلا حديثًا واحدًا مسندًا توبع عليه، وأثران موقوفان قرنه في أحدهما بصدقة بن الفضل!

3- ولم يحتج بنُعَيم بن حمّاد وإنما روى له مقرونًا بغيره في موضعين، وقد كان نُعيم صلبًا في السُّنَّةِ شديدًا على الجهمية وعلى أهل الرأي، ومات في محنة القرآن في الحبس وأوصى أن يُدفن في قيوده، وقال: إني مخاصم، ومع أنه شيخ البخاري وأثنى على حسن اعتقاده واحتج بكلامه في "خلق أفعال العباد" فلم يحتج به في الصحيح، مع احتجاجه بشيوخه الروافض الخبثاء الذين كانوا يجاهرون بشتم عثمان ومعاوية، رضي الله عنهما، كما سيأتي!

4- ولم يخرّج للشافعي شيئًا حتى في روايته لأحاديث الموطأ، مع أن الشافعي يحفظ حديث مالك جيدًا، وهذه من الأمور التي استغربها كثيرٌ من أهل العلم في صنيع الإمام البخاري، حتى كتب في هذه المسألة الخطيب البغدادي رسالة أسماها: "مسألة الاحتجاج بالشافعي"، وتعرض لهذه المسألة تحت عنوان: "سبب ترك البخاري الرواية عن الشافعي رحمهما الله".

5- ولم يخرّج لأبي عُبَيد القاسم بن سلَّام، وهو إمامٌ كبيرٌ يكفي في بيان منزلته أنَّ ابن معين لما سُئل عن الكتابة عن أبي عبيد والسماع منه؛ تبسم، ثم قال: «مثلي يُسأل عن أبي عبيد! أبو عبيد يُسأل عن الناس!». وقال عباس بن محمد الدوري: سمعت أحمد بن حنبل يقول: «أبو عبيد! أبو عبيد! ممن يزداد عندنا كل يوم خيرًا».
ومع منزلة أبي عبيد العظيمة؛ فإن البخاري لم يحتج به في صحيحه، مع أنه ذكره في كتاب "القراءة خلف الإمام" وقرنه بكبار النقاد محتجًا بهم، فقال: «رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا عبيد، وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ما تركه أحد من المسلمين». قال البخاري: «من الناس بعدهم؟»!

6- ولم يحتج بحمّاد بن سلمة، مع أنه من أثبت الناس في ثابت البناني، وروايته عن ثابت عن أنس بن مالك من أصح الأسانيد عند أحمد وابن معين وغيرهما، وقد روى عنه الأئمة الكبار مثل: يحيى بن القطان، وابن مهدي، وابن المبارك، ومالك، والثوري، وهما من أقرانه، وشعبة وهو أسنُّ منه، وهو ثقة من أصلب الناس في السُّنَّة؛ لذلك قال أحمد وابن معين وابن المديني: «من ذكره بسوء فاتهمه على الإسلام؛ فإنه كان شديدًا على المبتدعة»، وأثنى عليه الأئمة ثناء عظيمًا،
قال الإمام أحمد: «حماد بن سلمة لا أعلم أحدًا أروى في الرد على أهل البدع منه». وقال حجاج بن المنهال: «حدثنا حماد بن سلمة، وكان من أئمة الدين».
وكان حماد بن سلمة محل إجلال وتقدير عند نقاد أهل السنة، بل كان الناقد يخاف أن يتكلم فيه لجلالته وهيبته، فقد حكى أبو الوليد الباجي: «سُئل النسائي عن حماد بن سلمة؛ فقال: لا بأس به، وقد كان قبل ذلك قال فيه: ثقة. قال القاسم بن مسعدة: فكلّمتُه فيه، فقال: ومن يجترئ يتكلم فيه!».
وكان مع صلابته في السُّنَّة وإتقانه لحديث ثابت البناني، مع ذلك لم يحتج به الإمام البخاري في صحيحه حتى عيب عليه ذلك أشد العيب وعرَّض به ابن حبان واتهمه بعدم إنصافه! قال الحافظ ابن حجر في التهذيب: «عرَّض ابنُ حبان بالبخاري لمجانبته حديث حماد بن سلمة، حيث يقول: لم يُنصف من عدل عن الاحتجاج به إلى الاحتجاج بفُلَيح وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار».

7- ولم يخرّج البخاري أيضًا: لميمون بن مهران، ولا لمحمد بن رُمح، ولا لأبي داود الطيالسي، ولا لداود بن أبي هند ... ولا لجماعة من الأثبات، بل لم يخرّج لكثير من الصحابة، فكان ماذا؟!

وإذا احتج البخاريُّ ببعض رموز النواصب من أعداء أهل البيت، فقد احتج أيضًا ببعض رموز الروافض وغلاة الشيعة من أعداء الصحابة! وبعضهم من شيوخه الذين وقف على بدعتهم بنفسه وسمع شتائمهم للصحابة بأذنيه ولم يمنعه ذلك من الاحتجاج بهم! ومن ذلك: ما ذكره الذهبي في السير عن أبي أحمد الحاكم قال: «حدثنا الحسين الغازي، قال: سألتُ البخاريَّ عن أبي غسان (النهدي مالك بن إسماعيل)، قال: وعن ماذا تسأل؟ قلت: التشيُّع، فقال: هو على مذهب أهل بلده، ولو رأيتم عُبَيد الله بن موسى، وأبا نُعَيم، وجماعة مشايخنا الكوفيين؛ لما سألتمونا عن أبي غسان!
قلت (الذهبي): وقد كان أبو نُعَيم، وعُبَيد الله معظِّمين لأبي بكر وعمر، وإنما ينالان من معاوية وذويه، رضي الله عن جميع الصحابة».
قلت: وأبو غسان الذي استصغر البخاري غلوه أمام غلو شيوخه الآخرين؛ كان شديد التشيع لكنه لم يكن شتامًا، لذلك استصغره البخاري أمام شيخه الآخر عبيد الله بن موسى العبسي! الذي كان رافضيًا خبيثًا شتّامًا، وقد أكثر عنه البخاري في صحيحه! قال ابن منده: «وكان معروفًا بالرفض، لم يدع أحدًا اسمه معاوية يدخل داره. فقيل: دخل عليه معاوية بن صالح الأشعري، فقال: ما اسمك؟ قال: معاوية. قال: والله لا حدّثتُكَ، ولا حدّثتُ قومًا أنت فيهم».

- ومن شيوخه الغلاة أيضًا: خالد القطواني، قال صالح جزرة: «ثقة إلا أنه كان متهمًا بالغلو في التشيع». ومن غلوه ما قاله أبو بكر الأَعين: «قلت له: عندك أحاديث في مناقب الصحابة؟ قال: قل في المثالب أو المثاقب؛ يعني بالمثلثة لا بالنون».

- ومن شيوخه أيضًا: عبّاد بن يعقوب الرواجني، وكان شيعيًا مفرطًا غاليًا بل نسب إلى الرفض، وهو الذي روى حديث: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه»! قال صالح جزرة: «كان عبّاد يشتم عثمان رضي الله عنه، وسمعته يقول: الله أعدلُ من أن يُدخل طلحة والزبير الجنَّة، قاتلا عليًا بعد أن بايعاه». وقال ابن جرير: «سمعته يقول: من لم يبرأ في صلاته كل يوم من أعداء آل محمد؛ حُشر معهم». وقال الذهبي: «من غلاة الشيعة ورؤوس البدع».

- ومن شيوخه أيضًا: علي بن الجعد، وكان شيعيًا غاليًا يسيء القول في عثمان ومعاوية، وقد أدركه مسلم فأعرض عنه ولم يخرج عنه شيئًا. قال العقيلي: «قلت لعبد الله بن أحمد بن حنبل: لمَ لمْ تكتب عن علي بن الجعد؟ فقال: نهاني أبي أن أذهب إليه، فكان يبلغه عنه أنه تناول أصحاب النبي ». وقال أبو داود: «وُسم بميسم سوء، قال: ما ضرّني أن يعذّب الله معاوية، وقال: ابن عمر ذاك الصبي». وقال هارون بن سفيان المستملي، المعروف بالديك: «كنت عند علي بن الجعد، فذكر عثمان بن عفان، فقال: أخذ من بيت المال مائة ألف درهم بغير حق. فقلت: لا والله ما أخذها، ولئن كان أخذها ما أخذها إلا بحق، قال: لا والله ما أخذها إلا بغير حق. قلت: لا والله ما أخذها إلا بحق».

هؤلاء جماعةٌ من شيوخه الغلاة، أما من فوقهم من غلاة الشيعة والروافض فحدّث ولا حرج، وقد بلغ عدد رواة الشيعة الذين روى لهم البخاري (39) راويًا، سبعةٌ منهم روى لهم تعليقًا، ووافقه مسلم على الاحتجاج بـــ (35) راويًا منهم، والغلاة منهم (15) راويًا، بعضهم نُسب للرفض وشتم الصحابة وتكفير بعض أعيانهم كعثمان ومعاوية، وعدد شيوخه المباشرين ثمانية وأكثرهم من غلاة الشيعة بل نُسب بعضهم للرفض، وبعض الرواة الذين احتج بهم كانوا رأسًا في التشيع مثل أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، إليه تُنسب فرقة الهاشمية؛ وهي إحدى فِرق الكيسانية، ثم يأتي مترفض مطموس البصر والبصيرة ويقول: البخاري فيه نصبٌ وعداءٌ لأهل البيت؛ لأنه يحتج بالنواصب ويعرض عن شيعة أهل البيت!
أما دعوى كتمانه لكثير من فضائل علي وأهل بيته، فهذه كذبةٌ صلعاء، والإمام البخاري اقتصر على ما صح من فضائلهم، وأعرض عن المناكير والضعاف التي اغتر بظاهر أسانيدها كثير من المتأخرين من ذوي النفوس الرخوة، بل أطلق بعضهم تواتر أخبار مروية من طرق منكرة وضعيفة على طريقة المتكلمين والأصوليين في عدِّ كل ما تعددت طرقه من الأخبار متواترًا ولو كانت مروية بأسانيد منكرة ومتهافتة!

وقد عقد الإمام البخاري أبوابًا في فضائل علي وأهل بيته، ومن ذلك:
1- «باب مناقب علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي أبي الحسن رضي الله عنه»، أورد تحته جملة من فضائله الثابتة، ثم أورد فضائل بقية أهل بيته مفردًا مناقبهم؛ فقال:
2- «باب مناقب قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنقبة فاطمة عليها السلام بنت النبي صلى الله عليه وسلم».
3- «باب مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما».
4- «باب مناقب فاطمة عليها السلام».
وساق لكل واحدٍ منهم ما صح من فضائلهم ومناقبهم رضي الله عنهم وأرضاهم.

فإن لم يقنع المترفّضون بما رواه البخاري في فضائل علي وأهل بيته وجعلوا ذلك سببًا في تهمته بالانحراف عنه، فماذا يقولون في بعض السابقين الأولين بل في بعض المبشرين الذين لم يخرج البخاري في فضائلهم شيئًا!

أفلا يعلم هؤلاء المنتحلون للعلم أن الإمام البخاري لم يخرج في فضائل عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد شيئًا! بل ألا يعلم هؤلاء الذين ينسبون الإمام البخاري إلى الميل إلى أعداء أهل البيت أنه لم يذكر في فضائل معاوية شيئًا! بل عقد في كتاب مناقب الصحابة: "باب ذكر معاوية" ثم ذكر شهادة ابن عباس له بالفقه، ولم يذكر حديثًا واحدًا في فضائله! مع أنه قد ورد أحاديث كثيرة في فضائل معاوية وإن كان في بعضها مقالًا لكنهم يتسامحون في رواية الفضائل، فكان يمكن للبخاري أن يخرج في فضائل معاوية ما يتسامحون في روايته في هذا الباب من دون أن ينكر عليه أحد، لو أنه كان ميّالًا لأعداء علي كما يتخرّص به المترفضون!
#فوائد_حديثية (٣١)
واضح أن هذا الرافضي👆، صاحب المنشور، عامي بليد لا يفهم في مذهبه فضلًا عن فهم مباني المحدثين التي هي أجنبية عنه وعن بني طائفته، ولا يشك من له أدنى اشتغال بكتب الرافضة الروائية: أن جرح الرواة وتوثيقهم عند القوم طائفيٌ شللي! وليس موضوعيًا، بل قد اشترطوا في تعريفهم للحديث الصحيح عندهم: أن يكون الراوي إماميًا، لا ثقة فحسب! ومع ذلك تناقضوا واضطربوا، فاحتجوا بالفطحية ومن يسمونهم بالعامة وغيرهم من رواة الطوائف غير الإمامية!!

ويدل على سخافة كلام هذا الرافضي جملة أمور:

الأمر الأول: زعمه أن اشتهار رواة الشيعة بالصدق والفضل هو الذي فرض على المحدثين قبول مروياتهم، وليس بسبب موضوعية المحدثين وإنصافهم، وهذا يدل على مستوى هابط جدًا من المعرفة؛ لأن نقاد الحديث لم يفرقوا في توثيق المبدّعين من الرواة بين شيعي وناصبي وخارجي ومرجئ وجهمي، فكل من تحقق فيه الصدق وضبط الحديث من هؤلاء وثقوهم واحتجوا بهم، ولا فرق عندهم بين شيعي أو ناصبي!

ولو كان صدق الرواة واشتهارهم بالفضل هو مدار قبول حديث الراوي؛ لما ضعّفوا عشرات الأئمة المشهود لهم بالصدق والديانة والإمامة في السُّنّة وتجنبوا الرواية عنهم! مع احتجاجهم بالمبتدعة وأهل الأهواء! وقد روى مسلم في مقدمة صحيحه بإسناده إلى أبي الزناد قال: «أدركتُ بالمدينة مائة كلهم مأمون، ما يُؤخذ عنهم الحديث، يُقال: ليس من أهله»، وقريب منه قاله الإمام مالك.

الأمر الثاني: زعمه حاجة المحدثين إلى رواة الشيعة هي السبب في توثيقهم والرواية عنهم، لا لكونهم ثقات في الحديث، وهذه الدعوى أسخف من التي قبلها؛ لأن حاجة المحدثين إلى غير رواة الشيعة كحاجتهم إلى رواة الشيعة سواء، فلا فرق بين الشيعي والناصبي!

ولو كان مجرد الحاجة هي مدار قبول الراوي عندهم، وليس الصدق وضبط الحديث؛ لاحتاجوا إلى توثيق بعض مَن جرحوهم من المنتسبين إلى أهل الحديث، لا سيما فيما يروونه في تقوية مذاهب المحدثين وذم غيرهم، كالأحاديث الواردة في ذم الفِرق كالقدرية والرافضة والمرجئة، والأحاديث الواردة في تقسيم الإيمان إلى قول وعمل، والأحاديث الواردة في فضائل معاوية وبني أمية، وغير ذلك من الأخبار التي فيها تقوية لمذاهب أهل الحديث وحاجة لحسم الخلاف مع خصومهم.

الأمر الثالث: زعمه أن قلة رواة غير الشيعة في كتبهم دليل على حصول كفايتهم برواتهم واستغنائهم عن غيرهم، وهذه خرطةٌ كبيرة، فالقوم ليس لهم اشتغال برواية الأحاديث أصلا، وأكثر رواتهم مجهولين وأسانيدهم منقطعة انقطاعًا ظاهرًا! وليس عندهم قانون نقدي يزنون به رواتهم، ولا ما يميزون به بين الصحيح والضعيف والمقبول والمردود إلا ما تابعوا فيه نقاد أهل الحديث، ومع ذلك فقد احتجوا بغير الإمامي!!

والعجب من هؤلاء القوم: فإذا تجنّب المحدثون الرواية عن المبتدعة اتهموهم بالتعصب الطائفي وعدم الإنصاف، وإذا احتجوا بهم قالوا لحاجتهم إليهم!!
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
نقد الحديث عند الرافضة في 20 ثانية!
أعتذر عن درس الغد لظرف طارئ، وسأسجله خلال الأسبوع وأرفعه إن شاء الله.
تشيُّع الإمام البخاري وانحرافه عن الصحابة!! قراءة (مؤدلجة) مضادة للقراءة الغمارية!

البخاري «كان فيه نوع انحراف (عن الصحابة) وميل لأعدائهم (الروافض)»، يدل على ذلك جملة أمور، منها:
1- إكثاره من الاحتجاج بعتاة الروافض وغلاة الشيعة الشتَّامين لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ملئ صحيحه من الاحتجاج بأمثال هؤلاء الغلاة، بل كان بعضهم يُظِهرُ تكفيرَ معاوية ويشتم عثمان رضي الله عنهما؛ فلم يحجزه الورع من الاحتجاج بهم والإكثار عنهم كشيوخه الخبثاء: عبيد الله العبسي، وعبّاد بن يعقوب الرواجني، وخالد القطواني وغيرهم من رموز الروافض المجاهرين بشتم الصحابة وإعلان سوء مذهبهم، في الوقت الذي ترك الاحتجاج فيه بشيخه الصابر المحتسب الثابث في محنة خلق القرآن نُعَيم بن حمّاد، وبرؤوس محدّثي أهل السُّنَّة الذين كانوا شجى في حلوق المبتدعة، كحمّاد بن سلمة وأبي عبيد القاسم بن سلّام وغيرهما.

فبالله عليك: ما عذر البخاري في ترك حديث حماد بن سلمة، وقد أقر نقاد الحديث كلُّهم على أنه من أثبت أهل الأرض في ثابت البُنَاني، كما نقله مسلم في التمييز وغيره، وثابت من أثبت الناس في أنس بن مالك، وحديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس من أصح الأسانيد وأقواها عند أحمد وابن معين وغيرهما! وشرط البخاري هو إخراج أصح الأسانيد وأقواها، فما هو عذره في ترك حديث حمّاد بن سلمة عن ثابت مع احتجاجه بمن دونه من أمثال هؤلاء الروافض الخبثاء إلا إعراضه عن رموز أهل السُّنَّة! فهل هناك حجة أظهر في تشيُّعه وميله إلى أعداء الصحابة من هذ التصرُّف!

2- تنكُّب فضائل معاوية رضي الله عنه، فلم يخرّج له في صحيحه ولو فضيلة واحدة! بل حتى لَـمَّا جاء إلى ذكره في مناقب الصحابة لم يقل: "باب ما جاء في مناقب معاوية"، بل قال: "باب ما جاء في ذكر معاوية"، فاستخسر عليه حتى كلمة "منقبة"! ولم يخرّج في فضله حديثًا مرفوعًا وإنما أورد شهادة ابن عباس له بالفقه، ولعله لولا مجاملة أهل الحديث وخوفه من سطوتهم؛ لنبذ هذا الباب من مناقب الصحابة بجملته، ولَـمَا أورده بهذه الصورة الباهتة التي هي إلى المثالب أقرب منها إلى المناقب لمن يفهم!

مع أنَّ الفضائل الواردة في معاوية كثير منها أسانيدها جياد وهي أصح من كثير مما ورد في فضائل علي، بل أصح من أحاديث فُلَيح بن سليمان وإسماعيل بن أبي أويس وغيرهما، وحتى لو لم يصح عنده شيءٌ؛ فإنهم يتساهلون في رواية الفضائل، فكان يمكن أن يورد في فضله ما أورده مسلم في صحيحه مثلًا من حديث ابن عباس قال: «كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله، ثلاث أعطنيهن. قال: نعم»، وذكر منها: «ومعاوية تجعله ‌كاتبًا بين يديك. قال: نعم».

وهذا إسنادٌ صحيح، ومتن هذه الفقرة صحيح؛ لأن كتابة معاوية للوحي أمرٌ ثابتٌ يقينًا، وهذه من الفضائل الجليلة أن يستأمن النبيُّ صلى الله عليه وسلم معاوية على كتابة الوحي، فما عذر البخاري في تخريج هذا الحديث الذي احتج به مسلم وتواتر ثبوته عن معاوية، لولا انحرافه عنه! بل الفاقعة:

3- أنه احتج في صحيحه بأخبار تمثل أساس مقالة التشيُّع وعليها يقوم الخطاب الشيعي، مثل الأخبار التي تنصر عليًا في حروبه التي خاضها ضد بعض الصحابة في الجمل وصفّين، كقول عمار بن باسر: «إن عائشة قد سارت إلى البصرة، ووالله إنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ولكنَّ الله تبارك وتعالى ‌ابتلاكم، ليعلم إياه تطيعون أم هي؟». فما معنى تخريج هذا الحديث الذي ينصر رؤية أحد أطراف النزاع؟! ومعلوم أنَّ عمارًا كان جنديًا في جيش علي وأحد خصوم جيش أم المؤمنين وطلحة والزبير، فقال هذه المقالة في أم المؤمنين لاعتقاده أنه على حق وهي على باطل، وأم المؤمنين وطلحة والزُّبير ما خرجوا إلا في الحق وللحق، فهذا أقل ما يُقال فيه أنه مما اختلفت فيه أنظار الصحابة واجتهادهم، والكل يطلب الحق ويحرص عليه ويجتهد في الوصول إليه، فما معنى أن تحتج بقول عمار ضد أم المؤمنين وهو خصمها في هذه المعركة والمفترض أن لا يُقبل قوله فيها، ثم تعرض عن أقوال طلحة والزبير في جيش علي المؤلف من قَتَلة عثمان وهي مروية عند ابن أبي شيبة وغيره بأسانيد أصح وأعلى من أسانيدك!

وأخرج أيضًا حديث أبي سعيد الخدري: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية» وهذه الجملة ثابتة في بعض نسخ الصحيح، كنسخة كريمة والصغاني، ولا ينفع بعض المشاغبين سقوطها في نسخ بعض الشرَّاح؛ فإن المثبت مقدم على النافي لزيادة علمه، وهذا الحديث يمثل عمود فقرة التشيُّع، مع أن في إسناده كلامًا كان ينبغي أن يعرض عنه البخاري بالذات ولو صححه غيره! ألا يدل هذا كله على تشيُّع الرجل وانحرافه عن أم المؤمنين وعن معاوية ومن معهما من الصحابة!
أما بعد:
فهذا الذي تقدم أخي القارئ لا يمثل رؤيتي في الإمام البخاري، بل هو عندي إمام من أئمة السنة والجماعة، وإنما تقمصتُ شخصية أحمد الغماري في كلامه عن الإمام البخاري، ونقلت نص كلامه بين معقوفتين لكن غيّرت فيه: الانحراف عن أهل البيت إلى الانحراف عن الصحابة، والميل إلى أعداء أهل البيت إلى الميل إلى أعداء الصحابة، وحاولت أن أقرأ البخاري قراءة معاكسة من وجهة نظر مخالِفة يتهم فيها البخاريَّ بالتشيع، حتى أُثبت أن القراءة المؤدلجة لصحيح البخاري مفتوحة لكل قراءة لا تتوسل الأدوات البحثية النزيهة للوصول إلى اختيار البخاري كما أراده هو وليس كما يريد القارئ المؤدلج، وأثبت في الوقت نفسه سلامة صحيح البخاري من هذه القراءات المؤدلجة!

والقصد من هذه القراءة: نقض كلام الغماريين والمترفضين في نسبة الإمام البخاري إلى النصب والانحراف عن علي وأهل بيته، وقلب الطاولة عليهم بإثبات عكس ما ذهبوا إليه لو قرأنا البخاري قراءة مؤدلجة مشوهة مثلهم!

والصواب أن احتجاج الإمام البخاري بعتاة الروافض أو بعتاة النواصب، أو بغيرهما من سائر المبتدعة، احتجاج حديثي محض، ولا علاقة له ببدعتهما، لأن مدار قبول الراوي عنده هو الضبط وصدق اللهجة، بصرف النظر عن عقيدة الراوي وفكره، وعلى هذا الأساس كان يحتج بأصناف المبتدعة.

ونفس الأمر في فضائل معاوية لم يصح عنده فيه شيء، ولو صح شيء على شرطه لأخرجه، ولم يعب عليه أحد من أهل الحديث ذلك، لأن الأمر متعلق بمنهجه في النقد وليس بميله عن معاوية.
#فوائد_حديثية (٣٢)
إضاءات في معرفة الحكم على الحديث لغير المتخصصين:
١- أن يكون الحديثُ مخرّجًا في الكتب الستّة، فهذا أقوى أنواع التصحيح، ويوجد قرابة (١٢٤) حديثًا اتفق عليها أصحاب الكتب الستة.

٢- يليه في القوة: أن يكون مخرّجًا في «الصحيحين»، أو في «أحدهما»، أو في «موطأ مالك»، فإذا اجتمع مالكٌ مع الشيخين أو مع أحدهما؛ فخذ به وأنت مغمض العينين لتثبُّتهم في التصحيح، وكذا لو كان الحديث في «موطأ مالك» وحده، بشرط أن يكون مسندًا، فخذه وأنت مطمئن البال.

٣- إذا احتجَّ بالحديث أصحابُ السُّنَن، ولم تكن له علّة ظاهرة، ووافقه تصحيحُ الترمذي؛ فهو صحيح.

٤- إذا احتجَّ بالحديث: الحُمَيدي في «مسنده»، أو النسائي في «المجتبى»، أو البيهقي في «السُّنَن الصغرى»، فهو صحيح غالبًا؛ لأنَّ أصحابها بالغوا في الانتقاء والتحرّي.

٥- إذا احتجَّ بالحديث أحدُ أصحابِ الكتب التي اشترطت الصحة، كصحيح ابن خزيمة، وابن حبَّان، والحاكم، وابن الجارود؛ لأن هذه الكتب -مع الضياء في المختارة- اشترطت أن لا تخرّج إلا الصحيح، وهؤلاء متفاوتون في الالتزام بشرط الصحة العام، ثم بالوفاء بشروطهم في كتبهم، وأقوى هذه الكتب شرطًا: ابن خزيمة، ثم ابن الجارود، ثم ابن حبان وتصحيحه بالجملة معتبر مالم يُخالف، وأضعفُها شرطًا: الحاكم، ثم الضياء.

٦- إذا احتجَّ بالحديث فقهاءُ أهلِ الحديث، كأحمد والشافعي وإسحاق والأوزاعي والليث وسفيان وغيرهم، وأثبتوا به حكمًا شرعيًا، فهو صحيح إذا لم يكن له علّة ظاهرة؛ لأنهم لا يحتجون غالبًا إلا بما يصلح للاحتجاج، فإن استشهدوا بما لم يصح، فهو مقبولٌ في أحسن أحواله لاعتضاده بغيره، والعلة إمّا مدروءة، أو غير قادحة.

٧- إذا صحّح الحديثَ بعضُ المشتغلين بنقد الحديث من المتأخرين، كابن رجب أو ابن عبد الهادي أو الذهبي، فتصحيحهم بالجملة قوي، خاصة ابن رجب وابن عبد الهادي، وهؤلاء أقوى نفَسًا في التصحيح من المصريين أمثال: العراقي وابنه، والزيلعي، وابن حجر، والبوصيري، والسخاوي.

٨- إذا صحح الحديث بعضُ المتأخرين كالسيوطي والمنذري والهيثمي والمُنَاوي، أو بعضُ المعاصرين كالألباني وشاكر وشُعيب والغُماري، وكان الحديث مخرجًا في دواوين الحديث المشهورة كالسنن والمسانيد ونحوها، ولم يكن له علة ظاهرة، فخذ به، وبعض هؤلاء أقوى نفَسًا من بعض، وأكثرهم تثبتًا شعيب الأرناؤوط، ويليه الألباني، وأفرطهم السيوطي فلا يكاد يصحح إلا الضعاف والواهيات، أما الهيثمي فهو قليل الأحكام النقدية وإنما يذكر حال رجال الإسناد، وهو صاحب أوهام كثيرة لا سيما فيمن ينسبهم لرجال الصحيح، ومثله أو قريب منه المنذري.

٩- إذا كان الحديثُ أصلًا في بابه وعمدة في معناه، ثم لم يحتج به أصحاب السنن وفقهاء أهل الحديث، بل احتجوا في الباب بقول صاحب أو بقياس ظاهر ونحو ذلك، فهو معلول؛ لأنهم لا يعدلون عن الحديث إلى ما دونه إلا لعلة فيه، مثل احتجاج أحمد في المسح على الجوربين بأقوال بعض الصحابة وبالقياس على الخفين مع ورود ذلك في حديث المغيرة من رواية عبد الرحمن بن ثروان.

١٠- إذا لم تجد الحديث في مصنفات السنّة الأصول المشاهير، كالصحاح والسنن والمسانيد والمصنفات، ووجدته في الكتب المعللة والغرائب كمسند البزار وسنن الدارقطني والمعجم الأوسط للطبراني، أو في كتب التواريخ كتاريخ البخاري أو تاريخ بغداد أو تاريخ دمشق، أو كتب الضعفاء كالكامل لابن عدي والضعفاء الكبير للعقيلي والمجروحين لابن حبان والميزان للذهبي، فارمِ به فإنّه معلول، ولا تغتر بظاهر إسناده إذا كان مستقيما.
#فوائد_حديثية (٣٣)
تفويض معنى ما يُشكل على الإنسان من أفراد أو آحاد أخبار الصفات، إذا كانت أصوله في الاستدلال سليمة ولم يتلوث بالمنظومات الكلامية المحيّدة للوحي عن الاحتجاج في الإلهيات = مذهب سلفي معتبر، حكاه ابن تيمية وغيره.

وحمْلُ الناس على أن يسيروا في جميع الصفات بمنهج واحد غير سديد؛ لاختلاف طبيعة الصفات ومورد أدلتها وتفاضل أفهام الناس، فليس الصفات التي يتوارد على إثباتها العقل والنقل والفطرة، كبعض الصفات التي لا يدل عليها إلا السمع ويشتبه معناها على بعض أفاضل المثبتين فضلًا عن غيرهم.

فهل تتصور أنَّ إمامًا مثل ابن خزيمة المشهور بالإثبات ينفي الصورة، في حين يتهم أحمد من ينفيها بالتجهُّم! بينما لا تجد مثل هذا الاختلاف بينهم فيما توارد على إثباته السمع والعقل كالعلو والكلام والرؤية ونحوها من الصفات التي كانت محل اشتباك شديد مع الجهمية بسبب أصولهم الكلامية ونبذهم للوحي.

وخذ العبرة أيضًا في اختلافهم فيمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، مع إجماعهم على أنَّ القرآن كلام الله غير مخلوق، وتأمل أثر هذا الاشتباه في محنة الإمام البخاري؛ لتعلم خطورة حمل الناس على قولٍ واحدٍ فيما وقع فيه الاشتباه بينهم.

ومن صور هذا الاشتباه: اختلافهم في بعض النصوص؛ هل هي من نصوص الصفات أو مؤوّلة بسياقها، كحديث الهرولة، والملَل، والرداء، وغير ذلك.

ولا بد مع ذلك التنبيه على ثلاثة أمور:
١- أن يعتقد أن هذا التفويض استثناء وليس الأصل، بل هو أمر خاص به؛ لما أشكل عليه معنى هذه الصفة.
٢- أن يعتقد أن الصفة معلومة المعنى في ذاتها يعلمها غيره من أهل العلم وليست مجهولة المعنى في نفس الأمر.
٣- ألّا ينكر على من أخذ بقول السلف في تفسيرها.

تنبيه آخر: ليس المراد مما سبق تسويغ مذهب التفويض الطلسمي، فهذا أصل بدعي أُحدث لتحييد الوحي عن الاستدلال.
تشنيع بعض الأشعرية المعاصرين، كالمعتوه عبد القادر الحسين، على شيخ الإسلام ابن تيمية لنفيه المجاز في اللغة، بصرف النظر عن تحرير مذهبه في هذا، لا ينفعهم بشيء؛ لأنه يلزمهم التشنيع نفسه فيما يثبتونه من الصفات ويجرونه على ظاهره وينفون المجاز عنه ويدفعونه ويبدّعون من يصرف اللفظ عن حقيقته وظاهره إلى مجازه وباطنه! فالنزاع ليس في ثبوت عموم المجاز أو نفيه، فتلك قضية لغوية تبحث في مظانها، بل في حمل خصوص نصوص الصفات عليه ودفع الحقيقة مع تأكيد القرائن اللفظية على إرادة الحقيقة دون المجاز.

ولابد أن تعلم أن قضية تأويل الصفات أو إجرائها على ظاهرها خاضعة لأصول المتكلمين وليست لسياق الكلام وقرائن تحديد مراد المتكلم، يؤكد هذا: تسليطُهم التأويلَ على ما ينفونه من الصفات دون ما يثبون، مع أنّ دلالة إرادة الحقيقة والظاهر فيما ينفون آكد من دلالتها فيما يثبتون.

وكونهم يسلطون التأويل على النصوص التي لا تتوافق مع عقائدهم الكلامية دون ما تتوافق، يجعل عملية التأويل هذه "أداة وظيفية للتخلص من دلالات النصوص" وليست عملية بيانية لتفسير الوحي وفق قواعد اللغة ودلالات الألفاظ، وإلا ففرقٌ بين ما يُتأول وما لا يُتأول من جهة القرائن اللفظية في القرآن والسنة.

وفي حقيقة الأمر؛ فإن القرائن الكلامية التي يسمونها بالقرائن العقلية هي التي تتحكم بعملية التأويل والصرف أولا وآخرا، واللغة مجرد خادم مطواع!

ويتوهم بعض من لم يخبر عقائد المتكلمين أنّ انطلاق أهل الكلام في رفض ظواهر نصوص الصفات التي لا تجري على قواعدهم في الإثبات هو لغموض دلالة هذه النصوص وخفائها واشتباهها وعدم وضوحها، وهذا وهم كبير؛ لأن المتكلمين لم ينطلقوا في بناء عقائدهم على النصوص حتى ينتفعوا بتقسيم دلالات الكلام من حيث الوضوح والخفاء إلى (نص، وظاهر، ومجمل) بل هذا التقسيم مجاله عندهم الفروع والمسائل العملية، أما المطالب الكبرى والعقائد اليقينية فطريقة إثباتها عندهم هي الاحتجاج بالنظريات الكلامية التي يسمونها بالأدلة العقلية، فهذه القرائن العقلية هي مستندهم في صرف النصوص عن ظواهرها الموهمة للتجسيم، على اختلاف شديد في تحديد مفهوم الجسم عندهم أيضا، وقد نصوا على امتناع الاحتجاج بالوحي في الإلهيات حتى لا يستلزم الدور الممتنع!

بل أكد الرازي على أن النص، من حيث هو مؤلف من حروف وكلمات، ولو كان وحيًا، لا يمكن الاطمئنان إلى دلالته لعدم إفادته اليقين بمراد المتكلم به، يعني بصريح العبارة: لا ثقة بدلالة النصوص أصلًا، حتى لو كانت في أعلى درجات البيان والوضوح!