نشر بعض المؤدلجين نصًا لابن السبكي يشكّك فيه بمنقولات ابن تيمية ويوجب التوقف فيما تفرد به! مشيرًا إلى عدم أمانته فيما ينسبه للناس من نصوص ومقالات!
وعندي: أنّ نسبة نص إلى مصنّف يختلف عن نسبة مقالة لطائفة، فالثانية يقع فيها قدرٌ من التوسع والتساهل ما لا يقع في الأولى من الاحتراز والتوثيق والالتزام بالنقل الحرفي غالبًا، وإن كان قد يقع خللٌ في هذه أيضًا بسبب النقل بالمعنى لا تعمد الكذب.
والفرق بين السياقين كبير.
وابن تيمية ثقةٌ ثبتٌ في منقولاته باتفاق الناس، ولا عبرة بكلام ابن السبكي فليس هو من أهل هذا الشأن مع تعصبه المعروف ضد ابن تيمية، ومن الطرائف: أن الكوثري اتهم ابن تيمية بالكذب؛ لأنه نسب للباقلاني في كتابه التمهيد نصوصا لم يجدها في المطبوع منه، ثم طبع الكتاب بتحقيق رجل نصراني فظهرت فيه تلك النصوص!
وأما ما ينسبه ابن تيمية إلى مخالفيه من مقالات؛ فهذا لا يوصف فيه بالكذب إذا نسب إليهم ما لا يقولون به لاعتبارات سيأتي ذكرها، وابن السبكي نفسه ينسب للحنابلة شنائع لا يقولون بها!!
وهذا من مزالق كثير ممن يدعي التحقيق، وهو لا يفهم أصلا مدرك قول العالم وطريقة نسبته الأقوال، فحتى مع التسليم بثبوت خطئه فليس من الضروري أن يكون متعمدًا الكذب، فقد ينسب إلى مخالفيه ما فهمه هو من مقالاتهم، وقد ينسب إليهم قولًا بطريق الإلزام والمحاققة، أو بما بلغه عنهم ولم يُمحص، أو بما يقوله أفراد منهم ثم صار مهجورا، ونحو ذلك من الاعتبارات، وهذا في الطوائف والنظّار كثير، لا تختص به طائفة دون أخرى:
فقد نسبت الأشعريةُ للحنابلة مقالات شنيعة لا يقولون بها، ونسب بعضُ الحنابلة للأشعرية شنائع لا يقولون بها، ونسبت المعتزلة لأهل الحديث وللأشعرية مقالات لا يقولون بها، ونسب أهل السنة والأشعرية للمعتزلة مقالات مهجورة نسبوا فيها مخالفيهم إلى الكذب عليهم، كما نقل القاضي عبد الجبار في المغني عن واصل بن عطاء أنه قال: خصومنا يكذبون علينا يزعمون أننا ننفي عذاب القبر!
وللخصومات المذهبية مدخلٌ كبيرٌ في التشويش على تصورات العلماء في نسبة المقالات لخصومهم، مثل ما نسب ابن حجر الهيتمي، الفقيه الشافعي، مقالات كاذبة إلى ابن تيمية، وكما نسب بعض الحنابلة المتأخرين لمحمد بن عبد الوهاب من أكاذيب كادعاء النبوة ونحو ذلك! فكثرة الإشاعات والخصومات وثقة العالم بما ينقله إليه بعضُ الناس من غير تمحيص وتثبُّت؛ توقعه في مثل هذه المزالق! وقد يضطرب موقفه بحسب ما تبلغه من الأخبار كاضطراب ابن الأمير الصنعاني من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب! وقد وقع للشاميين من الوقوع في أبي حنيفة من هذا الجنس كثير! والله المستعان.
وعندي: أنّ نسبة نص إلى مصنّف يختلف عن نسبة مقالة لطائفة، فالثانية يقع فيها قدرٌ من التوسع والتساهل ما لا يقع في الأولى من الاحتراز والتوثيق والالتزام بالنقل الحرفي غالبًا، وإن كان قد يقع خللٌ في هذه أيضًا بسبب النقل بالمعنى لا تعمد الكذب.
والفرق بين السياقين كبير.
وابن تيمية ثقةٌ ثبتٌ في منقولاته باتفاق الناس، ولا عبرة بكلام ابن السبكي فليس هو من أهل هذا الشأن مع تعصبه المعروف ضد ابن تيمية، ومن الطرائف: أن الكوثري اتهم ابن تيمية بالكذب؛ لأنه نسب للباقلاني في كتابه التمهيد نصوصا لم يجدها في المطبوع منه، ثم طبع الكتاب بتحقيق رجل نصراني فظهرت فيه تلك النصوص!
وأما ما ينسبه ابن تيمية إلى مخالفيه من مقالات؛ فهذا لا يوصف فيه بالكذب إذا نسب إليهم ما لا يقولون به لاعتبارات سيأتي ذكرها، وابن السبكي نفسه ينسب للحنابلة شنائع لا يقولون بها!!
وهذا من مزالق كثير ممن يدعي التحقيق، وهو لا يفهم أصلا مدرك قول العالم وطريقة نسبته الأقوال، فحتى مع التسليم بثبوت خطئه فليس من الضروري أن يكون متعمدًا الكذب، فقد ينسب إلى مخالفيه ما فهمه هو من مقالاتهم، وقد ينسب إليهم قولًا بطريق الإلزام والمحاققة، أو بما بلغه عنهم ولم يُمحص، أو بما يقوله أفراد منهم ثم صار مهجورا، ونحو ذلك من الاعتبارات، وهذا في الطوائف والنظّار كثير، لا تختص به طائفة دون أخرى:
فقد نسبت الأشعريةُ للحنابلة مقالات شنيعة لا يقولون بها، ونسب بعضُ الحنابلة للأشعرية شنائع لا يقولون بها، ونسبت المعتزلة لأهل الحديث وللأشعرية مقالات لا يقولون بها، ونسب أهل السنة والأشعرية للمعتزلة مقالات مهجورة نسبوا فيها مخالفيهم إلى الكذب عليهم، كما نقل القاضي عبد الجبار في المغني عن واصل بن عطاء أنه قال: خصومنا يكذبون علينا يزعمون أننا ننفي عذاب القبر!
وللخصومات المذهبية مدخلٌ كبيرٌ في التشويش على تصورات العلماء في نسبة المقالات لخصومهم، مثل ما نسب ابن حجر الهيتمي، الفقيه الشافعي، مقالات كاذبة إلى ابن تيمية، وكما نسب بعض الحنابلة المتأخرين لمحمد بن عبد الوهاب من أكاذيب كادعاء النبوة ونحو ذلك! فكثرة الإشاعات والخصومات وثقة العالم بما ينقله إليه بعضُ الناس من غير تمحيص وتثبُّت؛ توقعه في مثل هذه المزالق! وقد يضطرب موقفه بحسب ما تبلغه من الأخبار كاضطراب ابن الأمير الصنعاني من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب! وقد وقع للشاميين من الوقوع في أبي حنيفة من هذا الجنس كثير! والله المستعان.
الفصل الذي سيتم التعليق عليه في درس الغد من نزهة النظر:
من بداية قول المصنف: «وتتفاوت رتبه؛ أي: الصحيح» إلى قوله: «لا سيما إذا كان في إسناده مَن فيه مقال».
حتى تنتفع بالدرس: اقرأ الفصل المشار إليه، وحدّد ما لم تفهمه أو ما أشكل عليه فهمه، ولا تأت وأنت خالي الذهن.
من بداية قول المصنف: «وتتفاوت رتبه؛ أي: الصحيح» إلى قوله: «لا سيما إذا كان في إسناده مَن فيه مقال».
حتى تنتفع بالدرس: اقرأ الفصل المشار إليه، وحدّد ما لم تفهمه أو ما أشكل عليه فهمه، ولا تأت وأنت خالي الذهن.
ليس كلُّ مَن أخرج له البخاريُّ بإسناده يكون حجةً عنده، فقد أخرج لرواةٍ تكلّم هو فيهم وأخرج أحاديثهم في المتابعات، مثل أُبَي بن العباس بن سهل، والحسن بن عمارة الكوفي، وزهير بن محمد التميمي، وعطاء بن السائب، وسعيد بن أبي عروبة، وعباد بن راشد التميمي، وعبد الله بن زياد بن سمعان، وغيرهم.
وليس كلُّ حجة عنده في بابٍ كان حجةً في بقية الأبواب، فقد يحتج ببعض الرواة في أبواب الرقاق والمناقب والآداب ونحوها، ولا يحتج بهم في الأحكام إلا ما توبعوا عليه، كفليح بن سليمان مثلا، فقد قال الحافظ في الفتح: «ولم يخرج البخاري من حديثه في الأحكام إلا ما توبع عليه، وأخرج له في المواعظ والآداب وما شاكلها طائفة من أفراده». فاحتجاج البخاري بفليح مخصوص بهذه الأبواب لا مطلقًا.
#فوائد_حديثية (٣٠).
وليس كلُّ حجة عنده في بابٍ كان حجةً في بقية الأبواب، فقد يحتج ببعض الرواة في أبواب الرقاق والمناقب والآداب ونحوها، ولا يحتج بهم في الأحكام إلا ما توبعوا عليه، كفليح بن سليمان مثلا، فقد قال الحافظ في الفتح: «ولم يخرج البخاري من حديثه في الأحكام إلا ما توبع عليه، وأخرج له في المواعظ والآداب وما شاكلها طائفة من أفراده». فاحتجاج البخاري بفليح مخصوص بهذه الأبواب لا مطلقًا.
#فوائد_حديثية (٣٠).
غدًا لا يوجد درس لتتفرغوا للصيام والدعاء .. إلى أمل اللقاء بكم في السبت الذي يليه إن شاء الله .. تقبل الله منا ومنكم وكل عام وأنتم بخير.
هذا كلامٌ لا يُشتغل به ولا يُلتفت إليه، والحجج التي ذكرها المعترض ضعيفةٌ مهلهلة لا تدل على مطلوبه، فمن ذلك:
١) «لأنّ الألباني يصحح الحديث مرة، ومرة يضعفه».
وعلى التسليم بما قال، وهو مسلّم له بالجملة، لكن لا يُسلّم له بأنه فعله في كثير من المواضع؛ لأن الكثرة والقلة نسبية، تُقدّر بالنسبة إلى كثرة أحكام الناقد وقلته، والألباني رحمه الله مكثر من الأحكام النقدية، فهو عرضة للخطأ أكثر من غيره، فتُحتمل منه الأوهام والتراجعات وتغيُّر الاجتهاد كما يُحتمل من الحافظ المكثر الذي يحفظ ثلاثين ألف حديث أن يخطئ في مئة أو أكثر منها، في حين أن الخطأ في هذا العدد من المقل يضرُّه بل ربما يُسقطه!
قلت: على التسليم بما قال، فإن تغيُّر أحكام الناقد ليس دليلًا على سقوط أحكامه النقدية إلا عند من لا يفهم هذا الشأن ولم يمارس أحكام نقاد الحديث؛ لأن تغيُّر اجتهاد الناقد، سواء في الحكم على الأخبار أو في الحكم على الرواة، أمرٌ طبيعي، وخلافه هو المستغرَب بل الشاذ، وهذا يُعد عندهم من البدهيات، حتى إنهم يقررونه للمبتدئين في المتون الأولية، كما قال الذهبي في الموقظة: «بل الحافظ الواحد يتغير اجتهاده، في الحديث الواحد، فيومًا يصفه بالصحة، ويومًا يصفه بالحسن، ولربما استضعفه». فلو كان تغيُّر اجتهاد الناقد، في حدود ما يُحتمل، مستلزمًا لفقد الثقة بأحكامه؛ لما سلم لنا أحد من نقاد الحديث!
٢) «لأن أسلوب كلامه غير مرضي، ففي كلامه إساءة أدب في حق السلف، فلا اعتبار له».
قلت: هذا كلام إنشائي لا طائل تحته، وفيه إجمال، فلم يوضح مقصوده بالسلف، ومعنى إساءة الأدب إليهم. فإن كان يقصد مخالفته مَن قبله، أو شدّته على من خالفه ممن تقدّمه، فهذا كثير في أحكام نقاد الحديث ولم يختص به الألباني. ثم لو سُلم له بذلك، فهذا لا يتنافى مع حجية أحكامه النقدية؛ لأن مدار الأمر على الأهلية والتزام قواعد النقد، فإذا تحققت فيه فلا يضرُّه أسلوبه الخشن أو ما أسماه بإساءة الأدب.
٣) «ليس وظيفتنا أن نصحح حديثا أو نضعفه، بل علينا نقل أقوال الجهابذة فقط في الحكم على الحديث».
قلت: وهذا أليق بالفقيه أمثال هذا المعترض، فحقه تقليد أحكام نقاد الحديث لجهله بهذا الشأن، أما من عنده أهلية النقد فهو غير ملزم بأحكام غيره إلا في حدود ضيقة، وبسط هذا في غير هذا الموضع. والحافظ ابن حجر نفسه خالف نقاد الحديث الأوائل في كثير من أحكامه النقدية، فهذا المعترض يحتج بما ينقض عليه حجته؛ لأن اعتراضه مبني على المناكفات المذهبية لا على التحقيق العلمي.
ثم إن معرفة أحكام نقاد الحديث الأوائل ليس بالأمر الهين؛ لأن أحكامهم الصريحة على الأحاديث قليلة، وغالب أحكامهم جُملية تُفهم من خلال استيعاب مناهجهم في التصنيف وشروطهم في كتبهم، ولا يميز هذا إلا العارف بهذا الشأن، فوق أن كثيرًا من كتب المتأخرين لا يمكن استخلاص أحكام النقاد عليها، فيلزم دراستها وفحصها والحكم عليها.
١) «لأنّ الألباني يصحح الحديث مرة، ومرة يضعفه».
وعلى التسليم بما قال، وهو مسلّم له بالجملة، لكن لا يُسلّم له بأنه فعله في كثير من المواضع؛ لأن الكثرة والقلة نسبية، تُقدّر بالنسبة إلى كثرة أحكام الناقد وقلته، والألباني رحمه الله مكثر من الأحكام النقدية، فهو عرضة للخطأ أكثر من غيره، فتُحتمل منه الأوهام والتراجعات وتغيُّر الاجتهاد كما يُحتمل من الحافظ المكثر الذي يحفظ ثلاثين ألف حديث أن يخطئ في مئة أو أكثر منها، في حين أن الخطأ في هذا العدد من المقل يضرُّه بل ربما يُسقطه!
قلت: على التسليم بما قال، فإن تغيُّر أحكام الناقد ليس دليلًا على سقوط أحكامه النقدية إلا عند من لا يفهم هذا الشأن ولم يمارس أحكام نقاد الحديث؛ لأن تغيُّر اجتهاد الناقد، سواء في الحكم على الأخبار أو في الحكم على الرواة، أمرٌ طبيعي، وخلافه هو المستغرَب بل الشاذ، وهذا يُعد عندهم من البدهيات، حتى إنهم يقررونه للمبتدئين في المتون الأولية، كما قال الذهبي في الموقظة: «بل الحافظ الواحد يتغير اجتهاده، في الحديث الواحد، فيومًا يصفه بالصحة، ويومًا يصفه بالحسن، ولربما استضعفه». فلو كان تغيُّر اجتهاد الناقد، في حدود ما يُحتمل، مستلزمًا لفقد الثقة بأحكامه؛ لما سلم لنا أحد من نقاد الحديث!
٢) «لأن أسلوب كلامه غير مرضي، ففي كلامه إساءة أدب في حق السلف، فلا اعتبار له».
قلت: هذا كلام إنشائي لا طائل تحته، وفيه إجمال، فلم يوضح مقصوده بالسلف، ومعنى إساءة الأدب إليهم. فإن كان يقصد مخالفته مَن قبله، أو شدّته على من خالفه ممن تقدّمه، فهذا كثير في أحكام نقاد الحديث ولم يختص به الألباني. ثم لو سُلم له بذلك، فهذا لا يتنافى مع حجية أحكامه النقدية؛ لأن مدار الأمر على الأهلية والتزام قواعد النقد، فإذا تحققت فيه فلا يضرُّه أسلوبه الخشن أو ما أسماه بإساءة الأدب.
٣) «ليس وظيفتنا أن نصحح حديثا أو نضعفه، بل علينا نقل أقوال الجهابذة فقط في الحكم على الحديث».
قلت: وهذا أليق بالفقيه أمثال هذا المعترض، فحقه تقليد أحكام نقاد الحديث لجهله بهذا الشأن، أما من عنده أهلية النقد فهو غير ملزم بأحكام غيره إلا في حدود ضيقة، وبسط هذا في غير هذا الموضع. والحافظ ابن حجر نفسه خالف نقاد الحديث الأوائل في كثير من أحكامه النقدية، فهذا المعترض يحتج بما ينقض عليه حجته؛ لأن اعتراضه مبني على المناكفات المذهبية لا على التحقيق العلمي.
ثم إن معرفة أحكام نقاد الحديث الأوائل ليس بالأمر الهين؛ لأن أحكامهم الصريحة على الأحاديث قليلة، وغالب أحكامهم جُملية تُفهم من خلال استيعاب مناهجهم في التصنيف وشروطهم في كتبهم، ولا يميز هذا إلا العارف بهذا الشأن، فوق أن كثيرًا من كتب المتأخرين لا يمكن استخلاص أحكام النقاد عليها، فيلزم دراستها وفحصها والحكم عليها.
موعد درسنا الساعة 10 ليلًا بإذن الله.
والفصل الذي سيتم التعليق عليه:
من بداية قول المصنف: «فإن خف الضبط؛ أي: قلّ» إلى قوله: «فلله الحمد على ما ألهم وعلّم».
حتى تنتفع بالدرس: اقرأ الفصل المشار إليه، وحدّد ما لم تفهمه أو ما أشكل عليك فهمه، ولا تأت وأنت خالي الذهن.
والفصل الذي سيتم التعليق عليه:
من بداية قول المصنف: «فإن خف الضبط؛ أي: قلّ» إلى قوله: «فلله الحمد على ما ألهم وعلّم».
حتى تنتفع بالدرس: اقرأ الفصل المشار إليه، وحدّد ما لم تفهمه أو ما أشكل عليك فهمه، ولا تأت وأنت خالي الذهن.
من طرائف المحدثين:
كان عبّاد بن يعقوب الرواجني، وهو من شيوخ البخاري، شيعيًا مفرط غاليًا بل نُسب إلى الرفض، وهو الذي روى حديث: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه»!.
قال صالح جزرة: «كان عبّاد يشتم عثمان رضي الله عنه، وسمعته يقول: الله أعدلُ من أن يُدخل طلحة والزبير الجنَّة، قاتلا عليًا بعد أن بايعاه».
وقال ابن جرير: «سمعته يقول: من لم يبرأ في صلاته كل يوم من أعداء آل محمد؛ حُشر معهم».
ومن الطرائف:
قال محمد بن المظفر الحافظ: «حدثنا القاسم المطرّز، قال: دخلتُ على عبّاد بالكوفة، وكان يمتحنُ الطلبة، فقال: من حفر البحر؟
قلت: الله.
قال: هو كذاك، ولكن مَن حفره؟
قلت: يذكرُ الشيخُ.
قال: حفره علي، فمن أجراه؟
قلت: الله.
قال: هو كذلك، ولكن من أجراه؟
قلت: يفيدني الشيخُ.
قال: أجراه الحسين.
وكان ضريرًا، فرأيت سيفًا وحجَفَة.
فقلت: لمن هذا؟
قال: أعددته لأقاتل به مع المهدي.
فلما فرغت من سماع ما أردت، دخلت عليه، فقال: من حفر البحر؟
قلت: حفره معاوية رضي الله عنه، وأجراه عمرو بن العاص.
ثم وثبتُ وعدوتُ، فجعل يصيح: أدركوا الفاسق عدو الله، فاقتلوه».
قال الذهبي: «إسنادها صحيح، وما أدري كيف تسمّحوا في الأخذ عمن هذا حاله؟ وإنما وثقوا بصدقه».
كان عبّاد بن يعقوب الرواجني، وهو من شيوخ البخاري، شيعيًا مفرط غاليًا بل نُسب إلى الرفض، وهو الذي روى حديث: «إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه»!.
قال صالح جزرة: «كان عبّاد يشتم عثمان رضي الله عنه، وسمعته يقول: الله أعدلُ من أن يُدخل طلحة والزبير الجنَّة، قاتلا عليًا بعد أن بايعاه».
وقال ابن جرير: «سمعته يقول: من لم يبرأ في صلاته كل يوم من أعداء آل محمد؛ حُشر معهم».
ومن الطرائف:
قال محمد بن المظفر الحافظ: «حدثنا القاسم المطرّز، قال: دخلتُ على عبّاد بالكوفة، وكان يمتحنُ الطلبة، فقال: من حفر البحر؟
قلت: الله.
قال: هو كذاك، ولكن مَن حفره؟
قلت: يذكرُ الشيخُ.
قال: حفره علي، فمن أجراه؟
قلت: الله.
قال: هو كذلك، ولكن من أجراه؟
قلت: يفيدني الشيخُ.
قال: أجراه الحسين.
وكان ضريرًا، فرأيت سيفًا وحجَفَة.
فقلت: لمن هذا؟
قال: أعددته لأقاتل به مع المهدي.
فلما فرغت من سماع ما أردت، دخلت عليه، فقال: من حفر البحر؟
قلت: حفره معاوية رضي الله عنه، وأجراه عمرو بن العاص.
ثم وثبتُ وعدوتُ، فجعل يصيح: أدركوا الفاسق عدو الله، فاقتلوه».
قال الذهبي: «إسنادها صحيح، وما أدري كيف تسمّحوا في الأخذ عمن هذا حاله؟ وإنما وثقوا بصدقه».
خطر المترفّضين المنتسبين إلى أهل السُّنَّةِ أشدُّ من خطر الرافضة؛ لأنهم يتترسون بمتراس التصوُّف وحب أهل البيت، وهم معروفون يتزعمهم الغماريون والمتأثرون بهم، وقد طال طعنهم إلى الإمام البخاري وكتابه الجامع الصحيح، فوصفه كبيرهم الذي علمهم الرفض، أعني: أحمد الغماري، بأنه نويصبي صغير!
وقال أخوه عبد العزيز: معاذ الله أن يكون الكتاب الذي يخرج حديث حريز بن عثمان وعمران بن حطان مقتصرًا على الصحيح، ولو أجمع على ذلك الإنس والجان! مع أنه لما استمات في توثيق الحارث الأعور رجع إلى قاعدة البخاري ونقاد الحديث في الفرق بين التوثيق والابتداع! لكنه لما أطال لسانه على البخاري لتخريج حديث حريز نسي قاعدته في الحارث الأعور!
ومدار شغبهم على ثلاث شبهات:
1- تحايد الإمام البخاري عن بعض رموز أهل البيت وعلى رأسهم إمام أهل البيت وفقيههم جعفر بن محمد الصادق؛ فلم يخرج له في صحيحه شيئًا ولم يحتج به مع احتجاجه بمن دونه في العدالة والضبط!
2- وتنكّب الرواية عن أعيان شيعة أهل البيت ومحبيهم مع احتجاجه بأعدائهم من رموز النواصب ومبغضي علي رضي الله عنه.
3- وكتَمَ كثيرًا من فضائل أمير المؤمنين علي وأهل بيته.
هذه خلاصة شبهات القوم التي أطال فيها المترفِّض ابن عقيل الحضرمي وأبان عن ضعف تحصيله بالصناعة الحديثية وبأسس توثيق الرواة وتجريحهم عند نقاد الحديث وأظهر عن دسيسة باطنه وسوء قصده وسخف عقله، لكن القوم لفرط جهلهم ينقادون لكل رويبضة يغذّي نفوسهم المريضة بالتعصب الطائفي البغيض!
وهذه شبهات متهافتة ساقطة منشؤها الجهل بمنهج الإمام البخاري في اختيار الرواة الذي لا يرتبط بعقائدهم وأفكارهم ما داموا في إطار الإسلام والصدق وضبط الحديث، وهذا أشهر من أن أتكلف للتدليل عليه، لكننا في زمنٍ نكدٍ نضطر فيه إلى توضيح الواضحات، والله المستعان.
وبما أنَّ هؤلاء المترفّضة من أشباه الأنعام الذين لا يفقهون دقائق أسس اختيار الرواة عند البخاري، وأسباب ترك بعض الثقات مع الاحتجاج ببعض الضعفاء لنكات حديثية وفقهية؛ فسأسلك معهم أسلوبًا يفهمونه، فأقول:
• إن لم يخرج البخاري لجعفر في صحيحه، فإنه لم يخرج لمن هم خير من جعفر، كبعض الصحابة رضي الله عنه، وغالب مادة الدارقطني في الإلزامات هي لترك البخاري أحاديث الوحدان من الصحابة وتجاوز عددهم سبعون صحابيًا، ولم يخرج أيضًا لبعض أعيان أهل السُّنَّة وحفّاظهم وبعضُهم أتقن من جعفر بمراحل، ومنهم مَن أخرج عنه حديثًا أو حديثين فقط! وبعضُهم استشهد بهم ولم يحتج بهم، فلم يخرّج مثلًا:
1- لرأس أهل السُّنَّةِ وإمامهم أحمد بن حنبل إلا حديثًا واحدًا وآخر بواسطة!
2- ولم يرو لإمام أهل الجرح والتعديل: يحيى بن معين إلا حديثًا واحدًا مسندًا توبع عليه، وأثران موقوفان قرنه في أحدهما بصدقة بن الفضل!
3- ولم يحتج بنُعَيم بن حمّاد وإنما روى له مقرونًا بغيره في موضعين، وقد كان نُعيم صلبًا في السُّنَّةِ شديدًا على الجهمية وعلى أهل الرأي، ومات في محنة القرآن في الحبس وأوصى أن يُدفن في قيوده، وقال: إني مخاصم، ومع أنه شيخ البخاري وأثنى على حسن اعتقاده واحتج بكلامه في "خلق أفعال العباد" فلم يحتج به في الصحيح، مع احتجاجه بشيوخه الروافض الخبثاء الذين كانوا يجاهرون بشتم عثمان ومعاوية، رضي الله عنهما، كما سيأتي!
4- ولم يخرّج للشافعي شيئًا حتى في روايته لأحاديث الموطأ، مع أن الشافعي يحفظ حديث مالك جيدًا، وهذه من الأمور التي استغربها كثيرٌ من أهل العلم في صنيع الإمام البخاري، حتى كتب في هذه المسألة الخطيب البغدادي رسالة أسماها: "مسألة الاحتجاج بالشافعي"، وتعرض لهذه المسألة تحت عنوان: "سبب ترك البخاري الرواية عن الشافعي رحمهما الله".
5- ولم يخرّج لأبي عُبَيد القاسم بن سلَّام، وهو إمامٌ كبيرٌ يكفي في بيان منزلته أنَّ ابن معين لما سُئل عن الكتابة عن أبي عبيد والسماع منه؛ تبسم، ثم قال: «مثلي يُسأل عن أبي عبيد! أبو عبيد يُسأل عن الناس!». وقال عباس بن محمد الدوري: سمعت أحمد بن حنبل يقول: «أبو عبيد! أبو عبيد! ممن يزداد عندنا كل يوم خيرًا».
ومع منزلة أبي عبيد العظيمة؛ فإن البخاري لم يحتج به في صحيحه، مع أنه ذكره في كتاب "القراءة خلف الإمام" وقرنه بكبار النقاد محتجًا بهم، فقال: «رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا عبيد، وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ما تركه أحد من المسلمين». قال البخاري: «من الناس بعدهم؟»!
6- ولم يحتج بحمّاد بن سلمة، مع أنه من أثبت الناس في ثابت البناني، وروايته عن ثابت عن أنس بن مالك من أصح الأسانيد عند أحمد وابن معين وغيرهما، وقد روى عنه الأئمة الكبار مثل: يحيى بن القطان، وابن مهدي، وابن المبارك، ومالك، والثوري، وهما من أقرانه، وشعبة وهو أسنُّ منه، وهو ثقة من أصلب الناس في السُّنَّة؛ لذلك قال أحمد وابن معين وابن المديني: «من ذكره بسوء فاتهمه على الإسلام؛ فإنه كان شديدًا على المبتدعة»، وأثنى عليه الأئمة ثناء عظيمًا،
وقال أخوه عبد العزيز: معاذ الله أن يكون الكتاب الذي يخرج حديث حريز بن عثمان وعمران بن حطان مقتصرًا على الصحيح، ولو أجمع على ذلك الإنس والجان! مع أنه لما استمات في توثيق الحارث الأعور رجع إلى قاعدة البخاري ونقاد الحديث في الفرق بين التوثيق والابتداع! لكنه لما أطال لسانه على البخاري لتخريج حديث حريز نسي قاعدته في الحارث الأعور!
ومدار شغبهم على ثلاث شبهات:
1- تحايد الإمام البخاري عن بعض رموز أهل البيت وعلى رأسهم إمام أهل البيت وفقيههم جعفر بن محمد الصادق؛ فلم يخرج له في صحيحه شيئًا ولم يحتج به مع احتجاجه بمن دونه في العدالة والضبط!
2- وتنكّب الرواية عن أعيان شيعة أهل البيت ومحبيهم مع احتجاجه بأعدائهم من رموز النواصب ومبغضي علي رضي الله عنه.
3- وكتَمَ كثيرًا من فضائل أمير المؤمنين علي وأهل بيته.
هذه خلاصة شبهات القوم التي أطال فيها المترفِّض ابن عقيل الحضرمي وأبان عن ضعف تحصيله بالصناعة الحديثية وبأسس توثيق الرواة وتجريحهم عند نقاد الحديث وأظهر عن دسيسة باطنه وسوء قصده وسخف عقله، لكن القوم لفرط جهلهم ينقادون لكل رويبضة يغذّي نفوسهم المريضة بالتعصب الطائفي البغيض!
وهذه شبهات متهافتة ساقطة منشؤها الجهل بمنهج الإمام البخاري في اختيار الرواة الذي لا يرتبط بعقائدهم وأفكارهم ما داموا في إطار الإسلام والصدق وضبط الحديث، وهذا أشهر من أن أتكلف للتدليل عليه، لكننا في زمنٍ نكدٍ نضطر فيه إلى توضيح الواضحات، والله المستعان.
وبما أنَّ هؤلاء المترفّضة من أشباه الأنعام الذين لا يفقهون دقائق أسس اختيار الرواة عند البخاري، وأسباب ترك بعض الثقات مع الاحتجاج ببعض الضعفاء لنكات حديثية وفقهية؛ فسأسلك معهم أسلوبًا يفهمونه، فأقول:
• إن لم يخرج البخاري لجعفر في صحيحه، فإنه لم يخرج لمن هم خير من جعفر، كبعض الصحابة رضي الله عنه، وغالب مادة الدارقطني في الإلزامات هي لترك البخاري أحاديث الوحدان من الصحابة وتجاوز عددهم سبعون صحابيًا، ولم يخرج أيضًا لبعض أعيان أهل السُّنَّة وحفّاظهم وبعضُهم أتقن من جعفر بمراحل، ومنهم مَن أخرج عنه حديثًا أو حديثين فقط! وبعضُهم استشهد بهم ولم يحتج بهم، فلم يخرّج مثلًا:
1- لرأس أهل السُّنَّةِ وإمامهم أحمد بن حنبل إلا حديثًا واحدًا وآخر بواسطة!
2- ولم يرو لإمام أهل الجرح والتعديل: يحيى بن معين إلا حديثًا واحدًا مسندًا توبع عليه، وأثران موقوفان قرنه في أحدهما بصدقة بن الفضل!
3- ولم يحتج بنُعَيم بن حمّاد وإنما روى له مقرونًا بغيره في موضعين، وقد كان نُعيم صلبًا في السُّنَّةِ شديدًا على الجهمية وعلى أهل الرأي، ومات في محنة القرآن في الحبس وأوصى أن يُدفن في قيوده، وقال: إني مخاصم، ومع أنه شيخ البخاري وأثنى على حسن اعتقاده واحتج بكلامه في "خلق أفعال العباد" فلم يحتج به في الصحيح، مع احتجاجه بشيوخه الروافض الخبثاء الذين كانوا يجاهرون بشتم عثمان ومعاوية، رضي الله عنهما، كما سيأتي!
4- ولم يخرّج للشافعي شيئًا حتى في روايته لأحاديث الموطأ، مع أن الشافعي يحفظ حديث مالك جيدًا، وهذه من الأمور التي استغربها كثيرٌ من أهل العلم في صنيع الإمام البخاري، حتى كتب في هذه المسألة الخطيب البغدادي رسالة أسماها: "مسألة الاحتجاج بالشافعي"، وتعرض لهذه المسألة تحت عنوان: "سبب ترك البخاري الرواية عن الشافعي رحمهما الله".
5- ولم يخرّج لأبي عُبَيد القاسم بن سلَّام، وهو إمامٌ كبيرٌ يكفي في بيان منزلته أنَّ ابن معين لما سُئل عن الكتابة عن أبي عبيد والسماع منه؛ تبسم، ثم قال: «مثلي يُسأل عن أبي عبيد! أبو عبيد يُسأل عن الناس!». وقال عباس بن محمد الدوري: سمعت أحمد بن حنبل يقول: «أبو عبيد! أبو عبيد! ممن يزداد عندنا كل يوم خيرًا».
ومع منزلة أبي عبيد العظيمة؛ فإن البخاري لم يحتج به في صحيحه، مع أنه ذكره في كتاب "القراءة خلف الإمام" وقرنه بكبار النقاد محتجًا بهم، فقال: «رأيت أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وإسحاق بن راهويه، وأبا عبيد، وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ما تركه أحد من المسلمين». قال البخاري: «من الناس بعدهم؟»!
6- ولم يحتج بحمّاد بن سلمة، مع أنه من أثبت الناس في ثابت البناني، وروايته عن ثابت عن أنس بن مالك من أصح الأسانيد عند أحمد وابن معين وغيرهما، وقد روى عنه الأئمة الكبار مثل: يحيى بن القطان، وابن مهدي، وابن المبارك، ومالك، والثوري، وهما من أقرانه، وشعبة وهو أسنُّ منه، وهو ثقة من أصلب الناس في السُّنَّة؛ لذلك قال أحمد وابن معين وابن المديني: «من ذكره بسوء فاتهمه على الإسلام؛ فإنه كان شديدًا على المبتدعة»، وأثنى عليه الأئمة ثناء عظيمًا،