حَدِيثُ النَّفْسِ
449 subscribers
25 photos
1 file
13 links
الكَلِمَةُ كَالطّيْر، إنْ أطْلَقْتَهَا عَادَتْ إِلَيْك!
Download Telegram
•°
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَبَعْدُ:
حَيَّا اللَّهُ إِخْوَتِي الْكِرَامَ، وَطُلَّابَ الْعِلْمِ فِي قَنَاةِ (زَادِ طَالِبِ الْعِلْمِ).

نَزُفُّ إِلَيْكُمْ بُشْرَى قُرْبِ اكْتِمَالِ ثُلَّةٍ مِنَ الْمَشَارِيعِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْمُؤَلَّفَاتِ التَّأْصِيلِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَ إِخْرَاجُ الْعِلْمِ فِي قَالَبٍ حَسَنٍ هُوَ مِنْ تَمَامِ نُصْحِ الْأُمَّةِ وَتَيْسِيرِ السُّبُلِ لِطَالِبِيهِ؛ فَإِنَّنَا نُعْلِنُ عَنْ حَاجَتِنَا لِلتَّعَاوُنِ مَعَ (مُصَمِّمٍ مُحْتَرِفٍ) يَشْتَغِلُ بِتَصْمِيمِ وَإِخْرَاجِ الْكُتُبِ الْإِلِكْتُرُونِيَّةِ بِصِيغَةِ (PDF).

📌 الشُّرُوطُ وَالْمُوَاصَفَاتُ الْمَطْلُوبَةُ:

• الِاحْتِرَافِيَّةُ الْعَالِيَةُ فِي بَرَامِجِ التَّنْسِيقِ النَّصِّيِّ وَالتَّصْمِيمِ (مِثْلَ InDesign وَغَيْرِهِ).

• الذَّوْقُ الرَّفِيعُ فِي إِخْرَاجِ الْكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ (تَنْسِيقُ الْهَوَامِشِ، ضَبْطُ الْخُطُوطِ الْعَرَبِيَّةِ الْأَصِيلَةِ، وَتَرْتِيبُ الْفَهَارِسِ).

• الْأَمَانَةُ، وَالِالْتِزَامُ بِالْمَوَاعِيدِ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْعَمَلِ عَلَى مَشَارِيعَ مُتَعَدِّدَةٍ بِإِذْنِ اللَّهِ.

فَمَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ الْكَفَاءَةَ وَالْأَهْلِيَّةَ، وَأَرَادَ التَّعَاوُنَ مَعَنَا، فَلْيَتَوَاصَلْ معِي مُبَاشَرَةً عَبْرَ حِسَابِي عَلَى الرَّابِطِ التَّالِي:
[@noonandqalam]

⚠️ تَنْبِيهٌ: يُرْجَى مِنَ الْإِخْوَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ إِرْفَاقُ (نَمَاذِجَ مِنْ سَابِقِ أَعْمَالِهِمْ) فِي إِخْرَاجِ الْكُتُبِ لِتَقْيِيمِهَا.

وَسَدَّدَ اللَّهُ الْخُطَى، وَبَارَكَ فِي الْجُهُودِ.
°
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ.
.
2
حَدِيثُ النَّفْسِ
إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ
°
مِنَ الْمَبَادِئِ الَّتِي رَبَّيْتُ نَفْسِي عَلَيْهَا، وَأَلْزَمْتُهَا بِهَا إِلْزَامَ الْمُؤَدِّبِ لا إِلْزَامَ الْهَوَى، أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ لِسَانِي كَذِبٌ قَطُّ؛ فَإِنِّي رَأَيْتُ الْكَذِبَ أَوَّلَ مَا يَبْدَأُ كَلِمَةً يُسْتَسَاغُ مَخْرَجُهَا، ثُمَّ لَا يَزَالُ يَتَدَرَّجُ بِصَاحِبِهِ حَتَّى يَصِيرَ خُلُقًا مِنْ أَخْلَاقِهِ، فَإِذَا هُوَ بَعْدَ حِينٍ لَا يَكْذِبُ بِلسَانِهِ فَقَطْ، بَلْ يَكْذِبُ فِي مَرُوءَتِهِ وَعَزِيمَتِهِ وَكَرَامَتِهِ. فَأَبَيْتُ لِنَفْسِي أَنْ تُذَلَّ بِهَذَا الدَّاءِ، وَوَطَّنْتُهَا عَلَى أَنْ تَقُولَ الْحَقَّ دَائِمًا، وَلَوْ جَاءَ الْحَقُّ مُرًّا فِي الْفَمِ كَدَوَاءٍ شَدِيدِ الطَّعْمِ؛ فَإِنَّ الدَّوَاءَ الْمُرَّ شِفَاءٌ، وَأَمَّا الْكَذِبُ فَحَلَاوَتُهُ الْمَوْهُومَةُ سُمٌّ بَطِيءٌ فِي الضَّمِيرِ.

وَلَقَدْ وَجَدْتُ أَوَّلَ الطَّرِيقِ فِي هَذَا شَاقًّا؛ لِأَنَّ النَّفْسَ قَدِ اعْتَادَتْ مِنَ الْكَذِبِ بَابًا وَاسِعًا مِنَ الْمُعَاذِيرِ وَالْمَخَارِجِ، فَإِذَا أُغْلِقَ هَذَا الْبَابُ ضَاقَتْ بِهَا السُّبُلُ. غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ كُلَّمَا ضَاقَ صَدْرِي بِمَرَارَةِ الصِّدْقِ سَأَلْتُ نَفْسِي سُؤَالًا وَاحِدًا: مَا أَسْوَأُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ إِنْ قُلْتُ الْحَقَّ؟ فَكُنْتُ أَرَى أَنَّ أَكْثَرَ مَا أَخْشَاهُ إِنَّمَا هُوَ حَرَجٌ عَابِرٌ، أَوْ لَوْمٌ يَزُولُ، أَوْ مَوْقِفٌ يَمُرُّ كَمَا تَمُرُّ السَّحَابَةُ فِي السَّمَاءِ؛ فَأَقُولُ: وَأَيُّ شَيْءٍ هَذَا بِجَانِبِ إِثْمِ الْكَذِبِ وَخِسَّتِهِ؟ وَأَيُّ خُسَارَةٍ هَذِهِ إِذَا قِيسَتْ بِمَا يَفْقِدُهُ الْمَرْءُ مِنْ قَدْرِهِ فِي نَفْسِهِ؟

وَمِنْ يَوْمِئِذٍ صِرْتُ أَزِنُ كَلِمَتِي قَبْلَ أَنْ أُرْسِلَهَا، كَأَنَّ بَيْنَ قَلْبِي وَلِسَانِي مِيزَانًا خَفِيًّا لَا تَنْفُذُ مِنْهُ كَلِمَةٌ حَتَّى تُعْرَضَ عَلَيْهِ. فَإِنْ كَانَ فِيهَا صِدْقٌ خَرَجَتْ مُطْمَئِنَّةً، وَإِنْ كَانَ فِيهَا شُبْهَةُ زَلَلٍ رَدَدْتُهَا عَلَى نَفْسِي. وَهَكَذَا تَعَلَّمْتُ أَنَّ الْكَلِمَةَ لَيْسَتْ صَوْتًا يُلْقَى، بَلْ أَمَانَةً تُحْمَلُ، وَأَنَّ الْلِسَانَ إِنَّمَا خُلِقَ لِيَكُونَ تَرْجُمَانًا لِلْحَقِّ لا سِتَارًا لِلْبَاطِلِ.

ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الصِّدْقَ يُنْشِئُ فِي النَّفْسِ خُلُقًا لَمْ أَكُنْ أَطْلُبْهُ أَوَّلَ الْأَمْرِ، وَهُوَ الشَّجَاعَةُ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ فِي حَقِيقَتِهِ خَوْفٌ يَتَخَفَّى فِي ثَوْبِ الْحِيلَةِ، وَأَمَّا الصِّدْقُ فَقُوَّةٌ لَا تَحْتَاجُ إِلَى حِيلَةٍ. فَالَّذِي لَا يَكْذِبُ لَا يَخْشَى انْكَشَافَ قَوْلٍ وَلَا اضْطِرَابَ رِوَايَةٍ، بَلْ يَقِفُ ثَابِتًا؛ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُدَافِعُ عَنْهَا، فَهِيَ تُدَافَعُ عَنْ نَفْسِهَا بِنَفْسِهَا.

وَمَعَ الْأَيَّامِ شَعَرْتُ أَنَّ هَذَا الْخُلُقَ قَدْ أَعْطَى كَلِمَتِي وَزْنًا لَمْ أَكُنْ أَتَصَنَّعُهُ، وَأَنَّ النَّاسَ إِذَا سَمِعُوا مِنِّي قَوْلًا تَلَقَّوْهُ بِثِقَةٍ وَطُمَأْنِينَةٍ؛ لِأَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّ هَذَا الْلِسَانَ لَا يَعْرِفُ الْكَذِبَ طَرِيقًا إِلَيْهِ. فَكَانَ الصِّدْقُ فِي أَوَّلِهِ مُجَاهَدَةً لِلْنَّفْسِ، ثُمَّ صَارَ فِي آخِرِهِ كَرَامَةً لَهَا.

وَمَا زِلْتُ أَرَى أَنَّ مَرَارَةَ الْحَقِّ لَحْظَةٌ، وَلَكِنَّ ذُلَّ الْكَذِبِ حَيَاةٌ؛ وَأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَخْسَرُ بِالصِّدْقِ مَوْقِفًا، وَلَكِنَّهُ لَا يَخْسَرُ نَفْسَهُ، أَمَّا الْكَذِبُ فَإِنَّهُ قَدْ يُنْجِيهِ مِنْ مَوْقِفٍ صَغِيرٍ، ثُمَّ لَا يَلْبَثُ أَنْ يُوقِعَهُ فِي هَزِيمَةٍ كَبِيرَةٍ أَمَامَ ضَمِيرِهِ. وَلِذَلِكَ آَلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ أَحْتَمِلَ مَرَارَةَ الصِّدْقِ كُلَّمَا عُرِضَتْ، فَإِنَّ فِي تِلْكَ الْمَرَارَةِ عِزًّا، وَفِي اجْتِنَابِهَا ذُلًّا لَا يَلِيقُ بِامْرِئٍ أَرَادَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ الْمَرُوءَةِ.
.
2
زَادُ طَالِبِ العِلمِ•°
إِنَّمَا تَرَڪْتُ حَظَّ نَفْسِي وَعَفَوْتُ
°
مِنْ شِيَمِ النُّفُوسِ الكَبِيرَةِ خُلُقُ العَفْوِ؛ فَإِنَّ الانْتِقَامَ يَسِيرٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ جُرِحَتْ، أَمَّا الصَّفْحُ فَمُرْتَقًى لَا يَبْلُغُهُ إِلَّا مَنْ عَلَتْ هِمَّتُهُ عَلَى أَلَمِهَا. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا»؛ فَكَأَنَّ العَفْوَ فِي ظَاهِرِهِ تَنَازُلٌ، وَلَكِنَّهُ فِي حَقِيقَتِهِ رِفْعَةٌ، إِذْ يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ قَدْرَ صَاحِبِهِ فِي القُلُوبِ كَمَا يَرْفَعُهُ فِي مِيزَانِ الفَضْلِ.

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾؛ فَكَأَنَّ اللَّهَ يُذَكِّرُ النَّاسَ بِأَنَّ العَلَاقَاتِ لَا تَقُومُ عَلَى مَحْضِ العَدْلِ، بَلْ يَقُومُ بُنْيَانُهَا عَلَى الفَضْلِ وَالتَّجَاوُزِ. فَمَنْ عَاشَ يَقْتَصُّ لِكُلِّ كَلِمَةٍ ضَاقَ صَدْرُهُ بِالدُّنْيَا، وَمَنْ تَعَوَّدَ العَفْوَ عَاشَ وَاسِعَ القَلْبِ كَرِيمَ النَّفْسِ.

وَإِنَّ مِنْ أَقْسَى الأَذَى أَنْ يُمَسَّ عِرْضُ المَرْءِ بِسُوءٍ؛ فَالكَلِمَةُ فِي هَذَا المَوْضِعِ سَهْمٌ خَفِيٌّ يُصِيبُ الكَرَامَةَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ السَّمْعَ. فَإِذَا قَدَرَ الإِنْسَانُ عَلَى الرَّدِّ فَعَفَا، وَاسْتَطَاعَ المُجَازَاةَ فَارْتَفَعَ عَنْهَا، فَإِنَّمَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى نَفْسٍ عَرَفَتْ قَدْرَهَا، فَأَبَتْ أَنْ تُنْزِلَهُ إِلَى صَغَائِرِ الخُصُومَاتِ، وَرَأَتْ أَنَّ كَرَامَتَهَا أَرْفَعُ مِنْ أَنْ تُجَادِلَ كُلَّ كَلِمَةٍ أَوْ تُلَاحِقَ كُلَّ ظَنٍّ.

وَقَدْ قِيلَ فِي تَصْوِيرِ هَذَا الخُلُقِ قَوْلٌ بَلِيغٌ:
إِنَّ التَّسَامُحَ عِطْرٌ تَطْبَعُهُ زَهْرَةُ البَنَفْسَجِ عَلَى القَدَمِ الَّتِي سَحَقَتْهَا؛ فَهكَذَا النَّفْسُ الكَرِيمَةُ، لَا تُجَازِي الأَذَى بِمِثْلِهِ، بَلْ تَدَعُ عَلَى مَوْضِعِهِ أَثَرَ فَضْلِهَا وَعِطْرَ مَرُوءَتِهَا.

فَالشُّكْرُ لِمَنْ عَفَا وَصَفَحَ، لَا سِيَّمَا عَمَّنْ تُكُلِّمَ فِي عِرْضِهِ بِسُوءٍ؛ فَإِنَّ هذَا مِنْ أَشْرَفِ مَقَامَاتِ الخُلُقِ، إِذْ هُوَ انْتِصَارٌ عَلَى النَّفْسِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ عَفْوًا عَنِ النَّاسِ، وَرِفْعَةٌ فِي المُرُوءَةِ لَا يَبْلُغُهَا إِلَّا مَنْ كَانَ كَبِيرًا فِي قَلْبِهِ، كَبِيرًا فِي خُلُقِهِ.
.
6
°
مِنْ آفَاتِ النَّفْسِ أَنْ تُحَمِّلَ كُلَّ كَلِمَةٍ مَا لَا تَحْتَمِلُ، وَأَنْ تُنْزِلَ كُلَّ مَوْقِفٍ مَنْزِلَةَ القَضَايَا العُظْمَى، فَكَأَنَّهَا تَعِيشُ فِي مَحْكَمَةٍ لَا فِي حَيَاةٍ؛ تُفَتِّشُ فِي الأَلْفَاظِ عَنْ جِنَايَاتِهَا، وَتُقِيمُ عَلَى المَعَانِي حَدَّ الشِّدَّةِ وَالصَّرَامَةِ. وَلَوْ أَنَّ المَرْءَ وَقَفَ عِنْدَ كُلِّ لَفْظَةٍ يُحَاسِبُهَا، وَعِنْدَ كُلِّ مَوْقِفٍ يُدَقِّقُ فِيهِ، لَضَاقَ صَدْرُهُ بِالحَيَاةِ حَتَّى يَمُوتَ غَمًّا قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ أَجَلًا.

وَمَا الحَيَاةُ -فِي كَثِيرٍ مِنْ شُؤُونِهَا- إِلَّا أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُؤْخَذَ كُلُّهَا بِوَجْهٍ عَابِسٍ، وَأَيْسَرُ مِنْ أَنْ تُحْمَلَ كُلُّهَا عَلَى مَحْمَلِ الجِدِّ؛ فَإِنَّ مِنَ الحِكْمَةِ أَنْ يُمَرِّرَ الإِنْسَانُ بَعْضَ مَا يَمُرُّ بِهِ بِضَحْكَةٍ خَفِيفَةٍ، أَوْ تَأْوِيلٍ لَطِيفٍ، كَأَنَّهُ يَرُدُّ قَسْوَةَ الوَاقِعِ بِلِينِ طَبْعِهِ، وَيُطْفِئُ حِدَّةَ المَعَانِي بِحَرَارَةِ رُوحِهِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ السَّذَاجَةِ، بَلْ مِنْ فِقْهِ النَّفْسِ؛ إِذْ لَيْسَ كُلُّ مَا يُقَالُ يُرَادُ بِهِ مَا يُفْهَمُ، وَلَا كُلُّ مَا يُفْهَمُ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى ظَاهِرِهِ.

وَقَدْ قِيلَ: إِذَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الدُّنْيَا شَيْئًا مِنْ لُطْفِكَ، زَادَتْ هِيَ عَلَيْكَ شَيْئًا مِنْ قَسْوَتِهَا؛ فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ أَنْ تَكُونَ أَنْتَ مَصْدَرَ اللُّطْفِ، لَا مَوْضِعَ الأَلَمِ. وَانْظُرْ دَائِمًا إِلَى النِّصْفِ المُمتَلِئِ مِنَ الكَأْسِ، فَإِنَّ العَيْنَ الَّتِي اعْتَادَتْ أَنْ تَرَى النَّقْصَ لَا تُبْصِرُ الكَمَالَ، وَالقَلْبَ الَّذِي يَطْلُبُ العَثَرَاتِ لَا يَقَعُ إِلَّا عَلَيْهَا.

وَقَدْ أَحْسَنَ إيليا أبو ماضي إِذْ قَالَ:
كُنْ جَمِيلًا تَرَ الوُجُودَ جَمِيلًا

فَلَيْسَ الجَمَالُ فِيمَا تَرَاهُ فَحَسْبُ، بَلْ فِيمَا تَرَى بِهِ؛ فَإِنْ حَمَلْتَ الأُمُورَ عَلَى أَحْسَنِ وُجُوهِهَا خَفَّتْ عَلَيْكَ، وَإِنْ أَثْقَلْتَهَا بِسُوءِ الظَّنِّ وَالتَّشَدُّدِ، أَثْقَلَتْكَ حَتَّى تَنُوءَ بِهَا رُوحُكَ.

فَدَعْ عَنْكَ التَّكَلُّفَ فِي مُحَاسَبَةِ كُلِّ خَاطِرٍ، وَخُذْ مِنَ الحَيَاةِ مَا صَفَا، وَمَرِّرْ مَا كَدَرَ بِضَحْكَةٍ أَوْ تَغَافُلٍ كَرِيمٍ؛ فَإِنَّ التَّغَافُلَ لَيْسَ غَفْلَةً، بَلْ هُوَ أَدَبُ النَّفْسِ حِينَ تَأْبَى أَنْ تُرْهِقَهَا بِمَا لَا يَسْتَحِقُّ. وَمَنْ عَاشَ هَكَذَا، عَاشَ خَفِيفَ الرُّوحِ، وَاسِعَ الصَّدْرِ، لَا تَقْتُلُهُ التَّفَاصِيلُ، وَلَا تُثْقِلُهُ الحَيَاةُ.
.
2
•°
"يُمْكِنُكَ أَنْ تَكُونَ أَجْمَلَ دَرَجَاتِ اللَّوْنِ الأَخْضَرِ، لَكِنَّكَ لَنْ تَكُونَ كَافِيًا أَبَدًا لِشَخْصٍ لَوْنُهُ المُفَضَّلُ الأَزْرَقُ".


مَا قِيمَةُ الضِّيَاءِ فِي عَيْنٍ أَطْبَقَتْ جَفْنَيْهَا عَلَى الظَّلَامِ اخْتِيَارًا؟ وَمَا عَسَى أَنْ يَصْنَعَ الرَّبِيعُ بِجَمَالِهِ وَفِتْنَتِهِ إِذَا نَزَلَ بِسَاحَةِ قَلْبٍ لَا يَرَى الجَمَالَ إِلَّا فِي شُحُوبِ الخَرِيفِ؟

إِنَّ هَذَا الَّذِي يَبْذُلُ نُضْرَةَ خُضْرَتِهِ، وَيَسْتَعْصِرُ مِنْ رُوحِهِ أَبْهَى أَصْبَاغِ الوُجُودِ لِيُرْضِيَ عَيْنًا لَا تَنْظُرُ إِلَيْهِ إِلَّا بِمِرْآةِ غَيْرِهِ، إِنَّمَا هُوَ كَمَنْ يَكْتُبُ بِمَاءِ الذَّهَبِ عَلَى صَفْحَةِ المَاءِ؛ ضَيَاعٌ لِلْجَوْهَرِ، وَمَسْكَنَةٌ فِي المَجْهُودِ، وَإِهَانَةٌ لِسِرِّ الصَّنْعَةِ الإِلَهِيَّةِ فِي نَفْسِهِ.

يَا هَذَا..
إِنَّ الكَمَالَ فِي ذَاتِكَ لَيْسَ نَقْصًا فِيكَ إِذَا لَمْ يُدْرِكْهُ الضَّرِيرُ، بَلْ هُوَ تَمَامُ الحُجَّةِ عَلَيْهِ.

فَلَا تَبْذُلْ كَمَالَكَ قُرْبَانًا لِمَنْ لَا يَعْرِفُ قِيمَةَ القُرْبِ؛ فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ جِنَايَاتِ المَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يُحَاوِلَ إِقْنَاعَ الصَّخْرِ بِأَنَّهُ رَيْحَانٌ، أَوْ يَرْجُوَ مِنَ اللَّوْنِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ اللَّوْنِ لِيَرْضَى عَنْهُ مَنْ لَا يُرْضِيهِ إِلَّا العَدَمُ.

قِفْ عِنْدَ حُدُودِ ذَاتِكَ وَقْفَةَ المُعْتَزِّ بِخَصَائِصِهِ؛ فَإِنَّ شَرَفَ الجَوْهَرِ فِي ثَبَاتِ لَوْنِهِ لَا فِي تَلَوُّنِهِ كَالحِرْبَاءِ. وَاعْلَمْ أَنَّ أَرْزَاقَ الأَرْوَاحِ كَمَقَادِيرِ الأَبْدَانِ، فَلِكُلِّ حُسْنٍ عَيْنٌ هِيَ أَهْلُهُ، وَلِكُلِّ قَلْبٍ مَيْلٌ هُوَ قَدَرُهُ. فَمَا ضَرَّ النَّجْمَ فِي عُلَاهُ أَنَّ الضَّرِيرَ لَا يُبْصِرُهُ؟ وَمَا عَابَ المِسْكَ أَنَّ الَّذِي لَا شَمَّ لَهُ يُنْكِرُهُ؟

إِنَّمَا خُلِقْتَ لِتُتِمَّ نَقِيصَةَ نَفْسِكَ، لَا لِتُكْمِلَ أَهْوَاءَ الخَلْقِ؛ فَإِذَا أَنْكَرَكَ «أَزْرَقُ» الهَوَى وَأَنْتَ «أَخْضَرُ» الوَفَاءِ، فَاعْلَمْ أَنَّ العَيْبَ فِي مِرْآتِهِ لَا فِي وَجْهِكَ الصَّبِيحِ. فَمَنْ عَرَفَ كَمَالَهُ الذَّاتِيَّ اسْتَغْنَى بِجَمَالِ جَوْهَرِهِ عَنِ اسْتِجْدَاءِ القَبُولِ مِنْ عُيُونٍ حُجِبَتْ عَنِ الرُّؤْيَةِ.
.
1
•°
هٰذِهِ نَفْثَةٌ مِنْ رُوحِ العِفَّةِ، وَصُورَةٌ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ لِسَانُ حَالِ كُلِّ فَتَاةٍ صَاغَتِ الرِّقَّةُ لُبَّهَا، وَالتَّقْوَى مِحْرَابَهَا :

« أَنَا لَا أَبْحَثُ فِي زِحَامِ الوُجُودِ عَنْ ظِلِّ رَجُلٍ، بَلْ عَنْ حَقِيقَةِ الرُّجُولَةِ الَّتِي اكْتَمَلَتْ فِيهَا شَمَائِلُ النُّبْلِ حَتَّى غَدَتْ مَلَاذًا. أُرِيدُ ذَلِكَ الَّذِي يَلْبَسُ الحَزْمَ ثَوْبًا سَابِغًا، فَإِذَا مَسَّ شَغَافَ قَلْبِي اسْتَحَالَ الحَزْمُ حَنِينًا دَافِقًا؛ كَالسَّيْفِ الصَّقِيلِ فِي غِمْدِهِ، مَهِيبٌ فِي نَصْرِهِ، رَحِيمٌ فِي لَمْسِهِ. رَجُلٌ يَرَى المَسْؤُولِيَّةَ طَوْقًا مِنْ نُورٍ يُزَيِّنُ عَاتِقَهُ، لَا قَيْدًا مِنْ حَدِيدٍ يُغِلُّ إِرَادَتَهُ؛ فَيَكُونُ لِي هُوَ المَأْمَنَ الَّذِي تَنْحَسِرُ عِنْدَ أَعْتَابِهِ عَوَاصِفُ الدَّهْرِ، وَتَذُوبُ فِي حِمَاهُ هَوَاجِسُ الخَوْفِ.

إِنَّنِي أُنْثَى خُلِقْتُ مِنْ طِينَةِ الحَنَانِ، وَرُكِّبَ فِيَّ طَبْعُ الرِّقَّةِ كَخَيْطِ الفَجْرِ فِي غَسَقِ اللَّيْلِ؛ فَمَنْ كَانَ لِي ذَلِكَ الطَّوْدَ الأَشَمَّ الَّذِي يَذُودُ عَنْ حِيَاضِ رُوحِي، فَإِنِّي أَبْذُلُ لَهُ مِنَ الوِدَادِ مَا لَا يَفْنَى. سَأَكُونُ لَهُ السَّكَنَ الَّذِي تَنْكَسِرُ عِنْدَهُ أَمْوَاجُ نَصَبِهِ، وَالمَلْجَأَ الَّذِي يَضَعُ فِيهِ أَوْزَارَ كَدْحِهِ؛ فَمَا يَطَأُ حِمَى بَيْتِي إِلَّا وَيَجِدُ السَّكِينَةَ تَرْفُرِفُ كَأَجْنِحَةِ المَلَائِكَةِ.

بِإِذْنِ اللَّهِ، لَنْ يَجِدَ مِنِّي عَنَاءً يُثْقِلُهُ، وَلَا كَدَرًا يَفُتُّ فِي عَضُدِهِ، بَلْ سَأَكُونُ لَهُ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَرْمَدُ، وَبَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى قَلْبِهِ مِنْ لَوَافِحِ الحَيَاةِ. سَأَبْنِي لَهُ مِنْ حَنَانِي جَنَّةً دُنْيَوِيَّةً؛ ثِمَارُهَا المَوَدَّةُ، وَظِلَالُهَا الرَّحْمَةُ، وَعِطْرُهَا الرِّفْقُ؛ جَنَّةً يَنْسَى فِيهَا وَعْثَاءَ الطَّرِيقِ، وَيَسْتَرِيحُ فِي فَيْئِهَا مِنْ وَعُورَةِ المَسِيرِ.

فَيَا رَبُّ، لَا تَكِلْنِي إِلَّا لِقَلْبٍ يَرَى فِي (رُجُولَتِهِ) سِيَاجًا لِـ(أُنُوثَتِي)، وَيَرَى فِي (قُوَّتِهِ) مِدَادَهُ الَّذِي يَكْتُبُ بِهِ آيَاتِ الرِّعَايَةِ؛ لِنَكُونَ مَعًا كَالنَّغَمِ وَالوَتَرِ، لَا يَكْتَمِلُ لَحْنُ الحَيَاةِ إِلَّا بِائْتِلَافِهِمَا فِي مِيثَاقٍ حَفَّتْهُ بَرَكَاتُ الرَّحْمَنِ، وَبَارَكَتْهُ عِنَايَةُ مَنْ جَعَلَ بَيْنَ القُلُوبِ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً​​​».​
.
2
•°
إِنَّ مِنْ أَهْوَنِ الخَلَائِقِ مَنْ كَانَ كَالصَّفْحَةِ البَيْضَاءِ تَقْرَؤُهَا العُيُونُ فِي لَمْحَةٍ، وَمِنْ أَثْمَنِ الكُنُوزِ مَا غَابَ عَنِ الأَبْصَارِ فِي غَيَاهِبِ الأَرْضِ حَتَّى يُتْعِبَ مَنْ يَرُومُ نَيْلَهُ. فَوَاعَجَبًا لِمَنْ يَجْعَلُ رُوحَهُ (كِتَابًا مَفْتُوحًا) يَقْرَأُ فِيهِ القَاصِي وَالدَّانِي، وَمَا عَلِمَ أَنَّ الكَلِمَةَ إِذَا شَاعَتْ ضَاعَتْ، وَأَنَّ النَّفْسَ إِذَا اسْتُبِيحَتْ هَانَتْ!

إِنَّ فِي الغُمُوضِ هَيْبَةً كَجَلَالِ اللَّيْلِ؛ فَاللَّيْلُ مَهِيبٌ لِأَنَّهُ لَا يُفْصِحُ عَمَّا فِيهِ، وَالسِّرُّ مَصُونٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ بَعْدُ لِسَانًا يَخُونُهُ. فَالإِنْسَانُ الَّذِي لَا تَنْفُذُ إِلَى أَعْمَاقِهِ السِّهَامُ، وَلَا تُحِيطُ بِكُنْهِهِ الظُّنُونُ، هُوَ الإِنْسَانُ الَّذِي يَمْلِكُ (قُوَّةَ الحُضُورِ). إِنَّ الغُمُوضَ لَيْسَ خِدَاعًا، بَلْ هُوَ (حِصْنُ الرُّوحِ)؛ هُوَ تِلْكَ المَسَافَةُ المُقَدَّسَةُ الَّتِي يَضَعُهَا المَرْءُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ العَالَمِ، لِيَحْمِيَ صَفَاءَ فِطْرَتِهِ مِنْ كَدَرِ الأَلْسِنَةِ، وَنَقَاءَ سَرِيرَتِهِ مِنْ فُضُولِ الأَعْيُنِ.

يَا لَيْتَ كُلَّ امْرِئٍ يَعْلَمُ أَنَّ (الوُضُوحَ الزَّائِدَ) هُوَ فِي الحَقِيقَةِ نَوْعٌ مِنْ (الضَّيَاعِ الزَّائِدِ)؛ فَمَا اسْتَبَانَ شَيْءٌ لِكُلِّ النَّاسِ إِلَّا وَأَصْبَحَ عَادِيًّا مَمْلُولًا. أَمَّا النَّفْسُ الَّتِي تَلُوذُ بِبَعْضِ الغُمُوضِ، فَهِيَ كَالبَحْرِ العَظِيمِ؛ يَرَى النَّاسُ سَطْحَهُ الهَادِئَ، وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا فِي قَاعِهِ مِنْ دُرٍّ مَكْنُونٍ أَوْ لُؤْلُؤٍ مَصُونٍ.

كُنْ لُغْزًا لَا يُحَلُّ، وَطِلْسِمًا لَا يُفَكُّ إِلَّا بِـ (مِفْتَاحِ الصِّدْقِ) عِنْدَ مَنْ يَسْتَحِقُّ. لَا تَكُنْ مَكْشُوفًا حَتَّى لِلنُّورِ، بَلِ اجْعَلْ فِي نَفْسِكَ (زَوَايَا مُظَلَّلَةً) لَا يَطَّلِعُ عَلَى مَكْنُونِهَا إِلَّا عَلَّامُ الغُيُوبِ.

إِنَّ القُوَّةَ كُلَّ القُوَّةِ فِي أَنْ تَظَلَّ (كِتَابًا) يَقْرَأُ النَّاسُ عُنْوَانَهُ، وَتَظَلُّ حِكَايَتُهُ سِرًّا بَيْنَكَ وَبَيْنَ خَالِقِكَ.
.
"
وعاشَرتُها، فإذا هي أضبطُ النساء، وأحسنُهنَّ تدبيرًا، وأشفقُهنَّ عليَّ، وأحبُّهنَّ لي؛ وإذا راحتي وطاعتي أوَّلُ أمرِها وآخِرُه، وإذا عقلُها وذكاؤها يُظهِران لي من جمالِ معانيها ما لا يزالُ يَكثرُ ويَكثر، فجعلَ القُبحُ يَقِلُّ ويَقِل، وزالَ القُبحُ باعتيادي رُؤيتَه، وبقيتِ المعاني على جمالِها، وصارت لي هذه الزوجةُ هي المرأةَ وفوق المرأة.

[قُبحٌ جميل || وحي القلم للرافعيّ]
2
•°
أيّتُها الفتاة، إنَّ صِدقَ الحياةِ تحت مظاهرِها لا في مظاهرِها التي تَكذبُ أكثرَ مما تَصدُق؛ فساعِدي الطبيعةَ واحجُبي أخلاقَكِ عن الرجل؛ لتعملَ هذه الطبيعةُ فيه بقوّتين دافعتَين: منها ومنكِ، فيَسرُعُ انقلابُه إليكِ وبحثُه عنك؛ وقد يجدُ الفاسقُ فاسقاتٍ وبغايا، ولكنَّ الرجُلَ الصحيحَ الرجولةِ لن يجدَ غيرَك.

وإنما سُفورُكِ وسُفورُ أخلاقِك إفسادٌ لتدبيرِ الطبيعة، وتمكينٌ للرجُلِ نفسِه أن يُرجِفَ بكِ الظن، ويُسيءَ فيكِ الرأي؛ وعقابُكِ على ذلك ما أنتِ فيه من الكسادِ والبَوار؛ عقابُ الطبيعةِ لمُستقبلكِ بالحِرمان، وعقابُ أفكارِكِ لنفسِك بالألم!

[تربيةٌ لؤلؤيَّة || وحي القلم للرافعيّ]

- يَقُولُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي حَدِيثِهِ عَنْ أُخْتِهِ :
«وَكَانَتْ بِي بَرَّةً رَفِيقَةً مُحْسِنَةً، جَزَاهَا اللَّهُ تَعَالَى عَنِّي خَيْرًا، فَلَقَدِ انْتَفَعْتُ بِهَا وَبِآدَابِهَا مَعَ صِغَرِ سِنِّهَا، وَكَانَتْ قَارِئَةً كَاتِبَةً أُعْجُوبَةً فِي الذَّكَاءِ، وَهِيَ أُمِّي بَعْدَ أُمِّي، أُصِبْتُ بِهَا!».

مَا أَجْمَلَ هَذَا الأَثَرَ وَمَا أَنْدَى هَذَا الوَفَاءَ! إِنَّ كَلِمَاتِ الحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ فِي أُخْتِهِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ رِثَاءٍ لِغَائِبٍ، بَلْ هِيَ «شَهَادَةُ مِيلَادٍ» لِلْمَرْأَةِ الَّتِي جَمَعَتْ بَيْنَ جَلَالِ العِلْمِ وَرِقَّةِ الأُنُوثَةِ، وَبَيْنَ حِدَّةِ الذَّكَاءِ وَفِقْهِ الإِحْسَانِ.

إِلَى فَتَاةِ اليَوْمِ: وَصِيَّةُ الرُّوحِ


«يَا أُخْتَاهُ، لِيَكُنْ لِسَانُ حَالِكِ هُوَ الاقْتِدَاءُ بِهَذَا النَّمُوذَجِ الفَذِّ، فَإِلَيْكِ نَصِيحَتِي فِي حُرُوفٍ مِنْ نُورٍ:

العِلْمُ زِينَةُ العَقْلِ: لَا تَكُونِي عَابِرَةً فِي هَذِهِ الحَيَاةِ، بَلْ كُونِي (قَارِئَةً كَاتِبَةً)؛ اجْعَلِي مِنْ عَقْلِكِ مِحْبَرًا لِلعِلْمِ النَّافِعِ، فَجَمَالُ المَرْأَةِ يَذْبُلُ، وَعِلْمُهَا وَأَدَبُهَا يَزْدَادَانِ مَعَ الأَيَّامِ رُواءً.

الرِّفْقُ مِفْتَاحُ القُلُوبِ: كُونِي (رَفِيقَةً مُحْسِنَةً)؛ فَالأُنُوثَةُ الَّتِي لَا رِفْقَ فِيهَا كَالشَّجَرَةِ بِلَا ثَمَرٍ. إِنَّ الرِّفْقَ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ مِنْكِ (سَكَنًا) تَأْوِي إِلَيْهِ النُّفُوسُ المُتْعَبَةُ، وَتجِدُ فِيهِ بَرْدَ اليَقِينِ.

الذَّكَاءُ المَصُونُ: لَا تَظُنِّي أَنَّ الِالْتِزَامَ بِالدِّينِ يَعْنِي غِيَابَ الفِطْنَةِ؛ بَلْ كُونِي (أُعْجُوبَةً فِي الذَّكَاءِ)؛ تَعْرِفُ مَوَاضِعَ الكَلَامِ، وَتُدْرِكُ مَقَاصِدَ الأَفْعَالِ، وَتُدِيرُ مَمْلَكَتَهَا بِحِكْمَةِ العَارِفَةِ بِاللَّهِ.

الأَدَبُ هُوَ الحِجَابُ الأَسْمَى: لَقَدِ انْتَفَعَ الحَافِظُ بِـ(آدَابِهَا) قَبْلَ عِلْمِهَا؛ فَالأَدَبُ هُوَ العِطْرُ الَّذِي يَفُوحُ مِنَ الأُنْثَى الدَّيّنَة، فَيُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهَا بِصَمْتِ حَيَائِهَا وَقُوَّةِ فِعْلِهَا.

فَكُونِي كَأُخْتِ الحَافِظِ: عَقْلًا رَزِينًا، وَقَلْبًا أُنْثَوِيًّا حَنُونًا، وَرُوحًا لَا تُنْسَى إِذَا غَابَتْ.

.

«إِذَا قَامَتِ الزَّوْجَةُ بِوَظِيفَتِهَا فِي بَيْتِهَا كَمَا يَنْبَغِي, مَلَأَتْهُ أُنْسًا وَرَاحَةً وَسَكِينَةً وَحُبُورًا، فَسَيَّدَتْ زَوْجَهَا وَعَطَفَتْ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَصَارَتْ سَبَبًا فِي نَجَاحِ زَوْجِهَا وَصَلَاحِ أَوْلَادِهَا. وَقَدِيمًا قَالُوا: وَرَاءَ كُلِّ رَجُلٍ عَظِيمٍ امْرَأَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَدْفَعُهُ إِلَى الْمَكَارِمِ، وَتُسَكِّنُ وَحْشَتَهُ الَّتِي تُلَاحِقُهُ وَهُوَ يَسْعَى فِي الْأَرْضِ، وَتَصْنَعُ الأَمَانَ لِأَوْلَادِهِ، وَتُعَلِّمُهُمُ الدِّينَ وَالْمُرُوءَةَ وَالْمَكَارِمَ»

- الجَوَاهِرُ مِنْ أَخْبَارِ النِّسَاءِ فِي القُرْآنِ.

لا بُدَّ أن تكون إنسانًا عاليًا لكي تُربِّي جِيلًا عاليًا.
د. محمد أبو موسى.
حَدِيثُ النَّفْسِ
❀ لا بُدَّ أن تكون إنسانًا عاليًا لكي تُربِّي جِيلًا عاليًا. د. محمد أبو موسى.

فلسفةُ العُلُوِّ: حينَ تكونينَ يا أُخيّةُ سماءً:

​إنَّ العُلُوَّ الذي عناهُ الدُكتور ليس عُلُوَّ المَنصبِ أو مباهاةَ المظهر، بل هو عُلُوُّ الهِمَّةِ، وطهارةُ المَعدنِ، ورسوخُ اليقين. فكيف لقلبٍ يا أُختاه سكنَ إلى سفاسفِ الأمور، واقتاتت رُوحُه على لغوِ الحديث، وتركَ فِكرَه نهباً لكلِّ ريح، أنْ يبنيَ طوداً شامخاً أو يُنبتَ غصناً باسقاً؟

​إنَّ التربيةَ يا رفيقةَ الروح هي فَيضٌ؛ ولا يفيضُ الإناءُ إلا بما فيه، فإذا امتلأَ قلبُكِ عظمةً وترفعاً عن الدنايا، فاضَ ذلك في نبراتِ صوتكِ، وفي صمتِ حَيائكِ، وفي جلالِ فعلكِ، فيتربى الجيلُ على رُؤيتكِ قبل أن يتربى على كلامكِ، فالعُلُوُّ يُعدي، كما أنَّ السُّفولَ يُعدي.
.

و إليكِ هذه الكلماتِ من قلبِ أختِك، لنمضي معاً نحو ذلك الإنسانِ العالي :


❀ ​عُلوُّ المنهج (أصلُنا الثابت):
لا يرتفعُ بنا البناءُ يا طيّبة إلا بقوةِ القواعد؛ فاجعلي مِعراجكِ الوحيينِ الكتاب والسنة بفهمِ سلفِ الأمة. إنَّ الفتاةَ التي تستمدُّ عِزَّها من خالقِها هي وحدَها التي تملكُ مناعةً ضدَّ أوحالِ الابتذال و تياراتِ التغريبِ والهوان.

❀ ​عُلوُّ الفِكر (صيانةُ مَملكتِكِ):
لا ترضي أن يكونَ عَقلكِ مَخزناً للتفاهات. كوني تلك القارئةَ الحصيفة، والباحثةَ عن "اللباب" لا عن "القشور". الإنسانُ العالي هو مَن يملكُ فِكراً يُميزُ به بين النورِ والسراب.

❀ ​عُلوُّ النفس (أنفةُ الحياء):
الحياءُ فينا يا أختي ليس انكساراً، بل هو ترفعٌ ممدوح؛ أنْ تعِزَّ عليكِ نفسكِ فلا تضعيها إلا في مَواضعِ التكريم، و ترفعٌ عن أن يُرى منكِ ما يَشين، أو يُسمعَ منكِ ما يَهون. كوني كالنجمِ في السماء؛ يُرى ضياؤُه، ويَعزُّ على الأيدي مَناؤُه.

❀​ عُلوُّ الغاية (التربية بالقدوة):
أعدِّي نفسكِ لتكونيأُمّاً منذ الآن، ليس بالمعنى البيولوجي فحسب، بل بالمعنى الرسالي. اسألي نفسكِ: "هل أريدُ لابني أو ابنتي أن يكونا نُسخةً مني؟". إن كان الجوابُ "نعم"، فقد سلكتِ طريقَ العُلُوّ.

❀ ​عُلوُّ السَّمْت (جمالُ السكينة):
اجعلي حضوركِ ينبعُ من الوقار لا من الضجيج. الإنسانُ العالي هادئٌ كالفجر، رزينٌ كالجبل، بليغٌ حتى في صمته. فجمالُ الأنوثةِ الحق في ذلك الحِجابِ الرُّوحي الذي يفرضُ الإجلالَ فرضاً.

خاتمةُ المودة:

"يا رفيقةَ الدرب، إنَّ الأممَ لا تُبنى في المصانع، بل تُبنى في حُجورِ الأمهات العاليات، فكوني أنتِ تلكَ السماءَ التي نتطلعُ إليها ويؤمّلها الجيل، لنتعلمَ معاً كيف يكونُ التحليقُ بعيداً عن أوحالِ الأرض.
.
4