حَدِيثُ النَّفْسِ
قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ
هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ دَعْوَةٌ لِجَمِيعِ الْعُصَاةِ مِنَ الْكَفَرَةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ، وَإِخْبَارٌ بِأَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لِمَنْ تَابَ مِنْهَا وَرَجَعَ عَنْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَهْمَا كَانَتْ وَإِنْ كَثُرَتْ وَكَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ. وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ هَذِهِ [الْآيَةِ] عَلَى غَيْرِ تَوْبَةٍ ؛ لِأَنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ لِمَنْ لَمْ يَتُبْ مِنْهُ.
رَوَى الإمَامُ أَحْمَد -وَ تَفَرّدَ بِهِ- عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسة قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، شَيْخٌ كَبِيرٌ يُدَعِّمُ عَلَى عَصًا لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي غَدَرَاتٍ وَفَجَرَاتٍ، فَهَلْ يُغْفَرُ لِي؟ فَقَالَ: "أَلَسْتَ تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله؟ " قَالَ: بَلَى، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ: "قَدْ غُفِرَ لك غدراتك وفجراتك".
رَوَى الإمَامُ أَحْمَد -وَ تَفَرّدَ بِهِ- عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسة قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، شَيْخٌ كَبِيرٌ يُدَعِّمُ عَلَى عَصًا لَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي غَدَرَاتٍ وَفَجَرَاتٍ، فَهَلْ يُغْفَرُ لِي؟ فَقَالَ: "أَلَسْتَ تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله؟ " قَالَ: بَلَى، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ: "قَدْ غُفِرَ لك غدراتك وفجراتك".
[مِنْ تَفْسِيرِ اِبْنِ كَثِير ]
❤4
حَدِيثُ النَّفْسِ
لَا إِلَهَ إِلَّا الله
لَيْسَتْ لَفْظَةً لَا مَعْنَى لَهَا أَوْ لَا مَدْلُولَ لَهَا، بَلْ هِيَ لَفْظَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَعْظَمِ الْمَعَانِي وَأَجَلِّ الْمَقَاصِدِ وَأَنْبَلِ الْغَايَاتِ.
❤1
حَدِيثُ النَّفْسِ
لَيْسَتْ لَفْظَةً لَا مَعْنَى لَهَا أَوْ لَا مَدْلُولَ لَهَا، بَلْ هِيَ لَفْظَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَعْظَمِ الْمَعَانِي وَأَجَلِّ الْمَقَاصِدِ وَأَنْبَلِ الْغَايَاتِ.
يَقُولُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الْبَدْرُ فِي شَرْحِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ:
...وَإِذَا عُلِمَ هَذَا فَلْيُعْلَمْ أَنَّ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ لَا تَكْفِي مِنْ قَائِلِهَا إِلَّا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِمَعْنَاهَا، عَارِفًا بِمَدْلُولِهَا، مُحَقِّقًا لِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ الْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ؛ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ، لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْعَمَلِ بِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَلَا بُدَّ أَيْضًا مِنَ الصِّدْقِ لِيَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا حَقًّا.
أَمَّا أَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي مَا هِيَ هَذِهِ الْكَلِمَةُ، وَلَا يَدْرِي عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تَدُلُّ، أَوْ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَيَعْرِفُ مَعْنَاهَا لَكِنَّهُ يَنْقُضُهَا بِأَعْمَالِهِ بِأَفْعَالِ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، أَوْ يَنْطِقُ بِهَا وَلَيْسَ صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ، هَذَا كُلُّهُ لَا يَكْفِي، لَا بُدَّ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالصِّدْقِ.
وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى أَهَمِّيَّتِهَا فِي الشَّهَادَةِ قَالُوا: «بِالْعِلْمِ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقَةِ النَّصَارَى، وَبِالْعَمَلِ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقَةِ الْيَهُودِ، وَبِالصِّدْقِ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقَةِ الْمُنَافِقِينَ».
فَإِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خَرَجَ عَنْ طَرِيقَةِ النَّصَارَى الَّذِينَ يَعْمَلُونَ وَلَا يَعْلَمُونَ، وَبِالْعَمَلِ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقَةِ الْيَهُودِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَلَا يَعْمَلُونَ، وَبِالصِّدْقِ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقَةِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ مَا لَا يُبْطِنُونَ.
فَلَا بُدَّ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْعَمَلِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الصِّدْقِ لِيَكُونَ مَنْ شَهِدَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ أَهْلِهَا حَقًّا وَصِدْقًا، وَلِهَذَا لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَعْنَى «لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ»، وَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ لِلَّهِ وَإِفْرَادِهِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ.
.
...وَإِذَا عُلِمَ هَذَا فَلْيُعْلَمْ أَنَّ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ لَا تَكْفِي مِنْ قَائِلِهَا إِلَّا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِمَعْنَاهَا، عَارِفًا بِمَدْلُولِهَا، مُحَقِّقًا لِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ الْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ؛ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ، لَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْعَمَلِ بِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، وَلَا بُدَّ أَيْضًا مِنَ الصِّدْقِ لِيَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا حَقًّا.
أَمَّا أَنْ يَشْهَدَ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَهُوَ لَا يَدْرِي مَا هِيَ هَذِهِ الْكَلِمَةُ، وَلَا يَدْرِي عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تَدُلُّ، أَوْ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَيَعْرِفُ مَعْنَاهَا لَكِنَّهُ يَنْقُضُهَا بِأَعْمَالِهِ بِأَفْعَالِ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، أَوْ يَنْطِقُ بِهَا وَلَيْسَ صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ، هَذَا كُلُّهُ لَا يَكْفِي، لَا بُدَّ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالصِّدْقِ.
وَلِهَذَا قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى أَهَمِّيَّتِهَا فِي الشَّهَادَةِ قَالُوا: «بِالْعِلْمِ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقَةِ النَّصَارَى، وَبِالْعَمَلِ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقَةِ الْيَهُودِ، وَبِالصِّدْقِ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقَةِ الْمُنَافِقِينَ».
فَإِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ خَرَجَ عَنْ طَرِيقَةِ النَّصَارَى الَّذِينَ يَعْمَلُونَ وَلَا يَعْلَمُونَ، وَبِالْعَمَلِ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقَةِ الْيَهُودِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَلَا يَعْمَلُونَ، وَبِالصِّدْقِ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقَةِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ مَا لَا يُبْطِنُونَ.
فَلَا بُدَّ مِنَ الْعِلْمِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الْعَمَلِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الصِّدْقِ لِيَكُونَ مَنْ شَهِدَ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ أَهْلِهَا حَقًّا وَصِدْقًا، وَلِهَذَا لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَعْنَى «لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ»، وَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ لِلَّهِ وَإِفْرَادِهِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ.
.
❤2
حَدِيثُ النَّفْسِ
مَعْرِفَةِ مَعْنَى «لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ»
• رُكْنَا لَا إِلٰهَ إِلَّا الله:
لَهَا رُكْنَانِ: الرُّكْنُ الْأَوَّلُ النَّفْيُ، وَالرُّكْنُ الثَّانِي الْإِثْبَاتُ.
وَالْمُرَادُ بِالنَّفْيِ: نَفْيُ الْأُلُوهِيَّةِ عَمَّا سِوَى الله تَعَالَى مِنْ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ.
وَالْمُرَادُ بِالْإِثْبَاتِ: إِثْبَاتُ الْأُلُوهِيَّةِ للهِ سُبْحَانَهُ، فَهُوَ الْإِلٰهُ الْحَقُّ، وَمَا سِوَاهُ مِنَ الْآلِهَةِ الَّتِي اتَّخَذَهَا الْمُشْرِكُونَ فَكُلُّهَا بَاطِلَةٌ،
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الْحَجِّ: ٦٢].
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ:
لَهَا رُكْنَانِ: الرُّكْنُ الْأَوَّلُ النَّفْيُ، وَالرُّكْنُ الثَّانِي الْإِثْبَاتُ.
وَالْمُرَادُ بِالنَّفْيِ: نَفْيُ الْأُلُوهِيَّةِ عَمَّا سِوَى الله تَعَالَى مِنْ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ.
وَالْمُرَادُ بِالْإِثْبَاتِ: إِثْبَاتُ الْأُلُوهِيَّةِ للهِ سُبْحَانَهُ، فَهُوَ الْإِلٰهُ الْحَقُّ، وَمَا سِوَاهُ مِنَ الْآلِهَةِ الَّتِي اتَّخَذَهَا الْمُشْرِكُونَ فَكُلُّهَا بَاطِلَةٌ،
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الْحَجِّ: ٦٢].
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ:
فَدَلَالَةُ لَا إِلٰهَ إِلَّا الله عَلَى إِثْبَاتِ الْإِلٰهِيَّةِ أَعْظَمُ مِنْ دَلَالَةِ قَوْلِهِ: (الله إِلٰهٌ)، وَهَذَا لِأَنَّ قَوْلَ (الله إِلٰهٌ) لَا يَنْفِي الْإِلٰهِيَّةَ عَمَّا سِوَاهُ، بِخِلَافِ قَوْلِ: لَا إِلٰهَ إِلَّا الله، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي حَصْرَ الْأُلُوهِيَّةِ وَنَفْيَهَا عَمَّا سِوَاهُ، وَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا فَاحِشًا كَذَلِكَ مَنْ فَسَّرَ الْإِلٰهَ بِأَنَّهُ الْقَادِرُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ فَقَطْ.
❤1
حَدِيثُ النَّفْسِ
• رُكْنَا لَا إِلٰهَ إِلَّا الله: لَهَا رُكْنَانِ: الرُّكْنُ الْأَوَّلُ النَّفْيُ، وَالرُّكْنُ الثَّانِي الْإِثْبَاتُ. وَالْمُرَادُ بِالنَّفْيِ: نَفْيُ الْأُلُوهِيَّةِ عَمَّا سِوَى الله تَعَالَى مِنْ سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ. وَالْمُرَادُ بِالْإِثْبَاتِ: إِثْبَاتُ…
• وَأَمَّا شُرُوطُ لَا إِلٰهَ إِلَّا الله: فَإِنَّهَا لَا تَنْفَعُ قَائِلَهَا إِلَّا بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ:
- الْأَوَّلُ: الْعِلْمُ بِمَعْنَاهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَمَنْ نَطَقَ بِهَا وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا وَمُقْتَضَاهَا فَإِنَّهَا لَا تَنْفَعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، كَالَّذِي يَتَكَلَّمُ بِلُغَةٍ لَا يَفْهَمُهَا.
- الثَّانِي: الْيَقِينُ، وَهُوَ كَمَالُ الْعِلْمِ بِهَا الْمُنَافِي لِلشَّكِّ وَالرَّيْبِ.
- الثَّالِثُ: الْإِخْلَاصُ الْمُنَافِي لِلشِّرْكِ، وَهُوَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ.
- الرَّابِعُ: الصِّدْقُ الْمُنَافِي لِلنِّفَاقِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَهَا بِأَلْسِنَتِهِمْ غَيْرَ مُعْتَقِدِينَ لِمَدْلُولِهَا.
- الْخَامِسُ: الْمَحَبَّةُ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَلِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وَالسُّرُورُ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا عَلَيْهِ الْمُنَافِقُونَ.
- السَّادِسُ: الِانْقِيَادُ بِأَدَاءِ حُقُوقِهَا، وَهِيَ الْأَعْمَالُ الْوَاجِبَةُ إِخْلَاصًا لِلَّهِ وَطَلَبًا لِمَرْضَاتِهِ، وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَاهَا.
- السَّابِعُ: الْقَبُولُ الْمُنَافِي لِلرَّدِّ، وَذَلِكَ بِالِانْقِيَادِ لِأَوَامِرِ اللَّهِ وَتَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ.
- الْأَوَّلُ: الْعِلْمُ بِمَعْنَاهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَمَنْ نَطَقَ بِهَا وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا وَمُقْتَضَاهَا فَإِنَّهَا لَا تَنْفَعُهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، كَالَّذِي يَتَكَلَّمُ بِلُغَةٍ لَا يَفْهَمُهَا.
- الثَّانِي: الْيَقِينُ، وَهُوَ كَمَالُ الْعِلْمِ بِهَا الْمُنَافِي لِلشَّكِّ وَالرَّيْبِ.
- الثَّالِثُ: الْإِخْلَاصُ الْمُنَافِي لِلشِّرْكِ، وَهُوَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ.
- الرَّابِعُ: الصِّدْقُ الْمُنَافِي لِلنِّفَاقِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَهَا بِأَلْسِنَتِهِمْ غَيْرَ مُعْتَقِدِينَ لِمَدْلُولِهَا.
- الْخَامِسُ: الْمَحَبَّةُ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَلِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وَالسُّرُورُ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا عَلَيْهِ الْمُنَافِقُونَ.
- السَّادِسُ: الِانْقِيَادُ بِأَدَاءِ حُقُوقِهَا، وَهِيَ الْأَعْمَالُ الْوَاجِبَةُ إِخْلَاصًا لِلَّهِ وَطَلَبًا لِمَرْضَاتِهِ، وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَاهَا.
- السَّابِعُ: الْقَبُولُ الْمُنَافِي لِلرَّدِّ، وَذَلِكَ بِالِانْقِيَادِ لِأَوَامِرِ اللَّهِ وَتَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ.
وَهَذِهِ الشُّرُوطُ قَدِ اسْتَنْبَطَهَا الْعُلَمَاءُ مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الَّتِي جَاءَتْ بِخُصُوصِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الْعَظِيمَةِ، وَبَيَانِ حُقُوقِهَا وَقُيُودِهَا، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ لَفْظٍ يُقَالُ بِاللِّسَانِ.
❤2
4_5841289534129578290.pdf
1.2 MB
وَنُرَشِّحُ لَكُمْ هَذِهِ الْوَرَقَات:
لِمَعَالِي الدُّكْتُورِ الشَّيْخ صَالِح الْفَوْزَان،
فَلَا غِنَى لِمُسْلِمٍ عَنْهَا.
مَعْنَى لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَمُقْتَضَاهَا وَآثَارُهَا عَلَى الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ.
لِمَعَالِي الدُّكْتُورِ الشَّيْخ صَالِح الْفَوْزَان،
فَلَا غِنَى لِمُسْلِمٍ عَنْهَا.
حَدِيثُ النَّفْسِ
وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ٥٤ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ٥٥ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ٥٦ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ٥٧ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ٥٨ بَلَىٰ قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ٥٩
-
اِسْتَحَثَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عِبَادَهُ إِلَى الْمُسَارَعَةِ إِلَى التَّوْبَةِ، فَقَالَ: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أَيِ: ارْجِعُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَسْلِمُوا لَهُ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أَيْ: بَادِرُوا بِالتَّوْبَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ قَبْلَ حُلُولِ النِّقْمَةِ.
﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وَهُوَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أَيْ: مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُونَ وَلَا تَشْعُرُونَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَتَحَسَّرُ الْمُجْرِمُ الْمُفَرِّطُ فِي التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ، وَيَوَدُّ لَوْ كَانَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ الْمُخْلِصِينَ الْمُطِيعِينَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا كَانَ عَمَلِي فِي الدُّنْيَا عَمَلَ سَاخِرٍ مُسْتَهْزِئٍ غَيْرِ مُوقِنٍ مُصَدِّقٍ. ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أَيْ: تَوَدُّ أَنْ لَوْ أُعِيدَتْ إِلَى الدَّارِ فَتُحْسِنُ الْعَمَلَ.
اِسْتَحَثَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عِبَادَهُ إِلَى الْمُسَارَعَةِ إِلَى التَّوْبَةِ، فَقَالَ: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أَيِ: ارْجِعُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَسْلِمُوا لَهُ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أَيْ: بَادِرُوا بِالتَّوْبَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ قَبْلَ حُلُولِ النِّقْمَةِ.
﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وَهُوَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أَيْ: مِنْ حَيْثُ لَا تَعْلَمُونَ وَلَا تَشْعُرُونَ. ثُمَّ قَالَ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أَيْ: يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَتَحَسَّرُ الْمُجْرِمُ الْمُفَرِّطُ فِي التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ، وَيَوَدُّ لَوْ كَانَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ الْمُخْلِصِينَ الْمُطِيعِينَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ أَيْ: إِنَّمَا كَانَ عَمَلِي فِي الدُّنْيَا عَمَلَ سَاخِرٍ مُسْتَهْزِئٍ غَيْرِ مُوقِنٍ مُصَدِّقٍ. ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أَيْ: تَوَدُّ أَنْ لَوْ أُعِيدَتْ إِلَى الدَّارِ فَتُحْسِنُ الْعَمَلَ.
[ تَفْسِيرُ اِبْنِ كَثِيرٍ ]
❤1
حَدِيثُ النَّفْسِ
- اِسْتَحَثَّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عِبَادَهُ إِلَى الْمُسَارَعَةِ إِلَى التَّوْبَةِ، فَقَالَ: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أَيِ: ارْجِعُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَسْلِمُوا لَهُ، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾…
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ:
كُلُّ أَهْلِ النَّارِ يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي؟! فَتَكُونُ عَلَيْهِ حَسْرَةٌ. قَالَ: وَكُلُّ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ فَيَقُولُ: لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي! قَالَ: فَيَكُونُ لَهُ الشُّكْرُ.
❤1
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ الله:
«مَنْ نَافَسَكَ فِي دِينِكَ فَنَافِسْهُ،
وَمَنْ نَافَسَكَ فِي دُنْيَاكَ فَأَلْقِهَا فِي نَحْرِهِ».
-
°°
إِذَا عَلَّمْتَ وَلَدًا، فَقَدْ عَلَّمْتَ فَردًا
وَإِذَا عَلَّمْتَ بِنْتًا، فَقَدْ عَلَّمْتَ أُمَّةً
إِذَا عَلَّمْتَ وَلَدًا، فَقَدْ عَلَّمْتَ فَردًا
وَإِذَا عَلَّمْتَ بِنْتًا، فَقَدْ عَلَّمْتَ أُمَّةً
عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَادِيس رَحِمَهُ الله.
زَادُ المُسْتَفْتِي•.
ولا يُغتر بفتوى من شذَّ عن هذا التأصيل مهما جَلَّ قَدْرُهُ.
فَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَع.
بَـارَكَ اللهُ فِي الشَّيْـخَيْـنِ.
❤1
°
«إِذَا أَتَاكَ خَلِيلٌ بَعْدَ مَنْدَمَةٍ
مِنْهُ عَلَىٰ مَا مَضَىٰ مِنْ زَلَّةٍ فَهُنِ
وَإِنْ صَفَحْتَ فَلا تَعْرِضْ بِمَعْتَبَةٍ
فَالْعَتْبُ يُفْسِدُ مَا قَدَّمْتَ مِنْ حَسَنِ».
.
«إِذَا أَتَاكَ خَلِيلٌ بَعْدَ مَنْدَمَةٍ
مِنْهُ عَلَىٰ مَا مَضَىٰ مِنْ زَلَّةٍ فَهُنِ
وَإِنْ صَفَحْتَ فَلا تَعْرِضْ بِمَعْتَبَةٍ
فَالْعَتْبُ يُفْسِدُ مَا قَدَّمْتَ مِنْ حَسَنِ».
.
❤2
Forwarded from زَادُ طَالِبِ العِلمِ•°
•°
💎 [فَائِدَةٌ نَفْسِيَّةٌ تُڪْتَبُ بِمَاءِ الْعُيُونِ: عَنِ انْڪِسَارِ الْقَلْبِ وَفِتْنَةِ الِانْسِحَابِ] 💎
مِنْ أَشَدِّ مَا يَعْتَصِرُ قَلْبَ طَالِبِ الْعِلْمِ وَيَسْتَنْزِفُ طَاقَتَهُ النَّفْسِيَّةَ: أَنْ تَنْغَلِقَ فِي وَجْهِهِ أَبْوَابُ الدُّنْيَا الْمُبَاحَةِ (ڪَرِزْقٍ، أَوْ زَوَاجٍ، أَوْ مَطْلَبٍ دُنْيَوِيٍّ مُلِحٍّ)، فَيَشْعُرُ بِمَرَارَةِ "الرَّفْضِ" وَتَوَالِي الْخَيْبَاتِ، حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَيْهِ أَنَّ نَفْسَهُ قَدِ احْتَرَقَتْ، وَأَنَّ طَاقَتَهُ لِلْعَطَاءِ قَدْ نَفِدَتْ.
وَهُنَا تَأْتِي (الضَّرْبَةُ النَّفْسِيَّةُ الْقَاضِيَةُ) مِنْ مَڪَايِدِ الشَّيْطَانِ؛ إِذْ يُوهِمُهُ أَنَّ دَوَاءَهُ فِي "الْعُزْلَةِ وَالِانْسِحَابِ"، فَتُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ تَرْكَ ثُغُورِ الدَّعْوَةِ، وَإِيقَافَ دُرُوسِهِ، وَالِانْزِوَاءَ عَنْ نَفْعِ النَّاسِ بِحُجَّةِ: "فَاقِدُ الشَّيْءِ لَا يُعْطِيهِ، وَأَنَا مُحَطَّمٌ مِنَ الدَّاخِلِ".
وَالْفِقْهُ النَّفْسِيُّ الرَّصِينُ يَقُولُ: ڪَلَّا! بَلْ «فَاقِدُ الشَّيْءِ إِذَا ڪَانَ صَادِقًا.. هُوَ أَڪْثَرُ مَنْ يُعْطِيهِ بِلَوْعَةٍ وَصِدْقٍ».
إِنَّ مَنْعَ اللَّهِ لَكَ هُوَ عَيْنُ الْعَطَاءِ؛ فَلَرُبَّمَا صَرَفَ عَنْكَ مَبَاهِجَ شَتَّى، وَأَغْلَقَ دُونَكَ أَبْوَابًا طَرَقْتَهَا طَوِيلًا؛ لِيَسْتَخْلِصَكَ لِنَفْسِهِ، وَلِيَبْقَى قَلْبُكَ مُعَلَّقًا بِنَشْرِ عِلْمِهِ خَالِصًا لَيْسَ فِيهِ شِرْڪَةٌ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ.
فَيَا أَيُّهَا الْمُرَابِطُ عَلَى ثَغْرِ السُّنَّةِ: إِيَّاكَ أَنْ تَجْعَلَ جِرَاحَكَ الدُّنْيَوِيَّةَ سَبَبًا فِي هَزِيمَتِكَ الدَّعْوِيَّةِ. (إِنَّ بَلْسَمَ الْأَرْوَاحِ وَسِرَّ انْشِرَاحِ الصُّدُورِ) يَڪْمُنُ فِي مُدَاوَاةِ نَزِيفِ قَلْبِكَ بِسَقْيِ قُلُوبِ الْآخَرِينَ بِمَاءِ الْوَحْيِ. اسْتَمِرَّ فِي عَطَائِكَ، وَلَا تَنْسَحِبْ مِنْ مَيْدَانِكَ، فَوَاللَّهِ لَا يُجْبَرُ ڪَسْرُ الصُّدُورِ بِمِثْلِ جَبْرِ خَوَاطِرِ الْخَلْقِ بِدَلَالَتِهِمْ عَلَى الْخَالِقِ.
دَعِ الدُّنْيَا تَرْفُضْكَ ڪَمَا تَشَاءُ، وَاسْتَغْنِ بِقَبُولِ اللَّهِ لَكَ؛ صَادِعًا بِالْحَقِّ، نَاصِحًا لِلْخَلْقِ، مُتَجَاوِزًا لِحُظُوظِ النَّفْسِ الضَّيِّقَةِ إِلَى رِحَابِ الْأَجْرِ الْمُتَّسِعَةِ.
ڪتبه: أبو أنسٍ -عفا اللَّه عنه-.
💎 [فَائِدَةٌ نَفْسِيَّةٌ تُڪْتَبُ بِمَاءِ الْعُيُونِ: عَنِ انْڪِسَارِ الْقَلْبِ وَفِتْنَةِ الِانْسِحَابِ] 💎
مِنْ أَشَدِّ مَا يَعْتَصِرُ قَلْبَ طَالِبِ الْعِلْمِ وَيَسْتَنْزِفُ طَاقَتَهُ النَّفْسِيَّةَ: أَنْ تَنْغَلِقَ فِي وَجْهِهِ أَبْوَابُ الدُّنْيَا الْمُبَاحَةِ (ڪَرِزْقٍ، أَوْ زَوَاجٍ، أَوْ مَطْلَبٍ دُنْيَوِيٍّ مُلِحٍّ)، فَيَشْعُرُ بِمَرَارَةِ "الرَّفْضِ" وَتَوَالِي الْخَيْبَاتِ، حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَيْهِ أَنَّ نَفْسَهُ قَدِ احْتَرَقَتْ، وَأَنَّ طَاقَتَهُ لِلْعَطَاءِ قَدْ نَفِدَتْ.
وَهُنَا تَأْتِي (الضَّرْبَةُ النَّفْسِيَّةُ الْقَاضِيَةُ) مِنْ مَڪَايِدِ الشَّيْطَانِ؛ إِذْ يُوهِمُهُ أَنَّ دَوَاءَهُ فِي "الْعُزْلَةِ وَالِانْسِحَابِ"، فَتُسَوِّلُ لَهُ نَفْسُهُ تَرْكَ ثُغُورِ الدَّعْوَةِ، وَإِيقَافَ دُرُوسِهِ، وَالِانْزِوَاءَ عَنْ نَفْعِ النَّاسِ بِحُجَّةِ: "فَاقِدُ الشَّيْءِ لَا يُعْطِيهِ، وَأَنَا مُحَطَّمٌ مِنَ الدَّاخِلِ".
وَالْفِقْهُ النَّفْسِيُّ الرَّصِينُ يَقُولُ: ڪَلَّا! بَلْ «فَاقِدُ الشَّيْءِ إِذَا ڪَانَ صَادِقًا.. هُوَ أَڪْثَرُ مَنْ يُعْطِيهِ بِلَوْعَةٍ وَصِدْقٍ».
إِنَّ مَنْعَ اللَّهِ لَكَ هُوَ عَيْنُ الْعَطَاءِ؛ فَلَرُبَّمَا صَرَفَ عَنْكَ مَبَاهِجَ شَتَّى، وَأَغْلَقَ دُونَكَ أَبْوَابًا طَرَقْتَهَا طَوِيلًا؛ لِيَسْتَخْلِصَكَ لِنَفْسِهِ، وَلِيَبْقَى قَلْبُكَ مُعَلَّقًا بِنَشْرِ عِلْمِهِ خَالِصًا لَيْسَ فِيهِ شِرْڪَةٌ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ.
فَيَا أَيُّهَا الْمُرَابِطُ عَلَى ثَغْرِ السُّنَّةِ: إِيَّاكَ أَنْ تَجْعَلَ جِرَاحَكَ الدُّنْيَوِيَّةَ سَبَبًا فِي هَزِيمَتِكَ الدَّعْوِيَّةِ. (إِنَّ بَلْسَمَ الْأَرْوَاحِ وَسِرَّ انْشِرَاحِ الصُّدُورِ) يَڪْمُنُ فِي مُدَاوَاةِ نَزِيفِ قَلْبِكَ بِسَقْيِ قُلُوبِ الْآخَرِينَ بِمَاءِ الْوَحْيِ. اسْتَمِرَّ فِي عَطَائِكَ، وَلَا تَنْسَحِبْ مِنْ مَيْدَانِكَ، فَوَاللَّهِ لَا يُجْبَرُ ڪَسْرُ الصُّدُورِ بِمِثْلِ جَبْرِ خَوَاطِرِ الْخَلْقِ بِدَلَالَتِهِمْ عَلَى الْخَالِقِ.
دَعِ الدُّنْيَا تَرْفُضْكَ ڪَمَا تَشَاءُ، وَاسْتَغْنِ بِقَبُولِ اللَّهِ لَكَ؛ صَادِعًا بِالْحَقِّ، نَاصِحًا لِلْخَلْقِ، مُتَجَاوِزًا لِحُظُوظِ النَّفْسِ الضَّيِّقَةِ إِلَى رِحَابِ الْأَجْرِ الْمُتَّسِعَةِ.
ڪتبه: أبو أنسٍ -عفا اللَّه عنه-.
❤2
•°
قَالَ الْعَلَّامَةُ صَالِحٌ الْفَوْزَانُ -حَفِظَهُ اللهُ - :
فَقَدْ يَصُومُ الصَّائِمُ وَيَشْتَدُّ جُوعُهُ وَعَطَشُهُ وَيَشْتَدُّ تَعَبُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَجْرٌ عِنْدَ الله - عَزَّ وَجَلَّ - بِسَبَبِ أَنَّهُ:
قَالَ الْعَلَّامَةُ صَالِحٌ الْفَوْزَانُ -حَفِظَهُ اللهُ - :
فَقَدْ يَصُومُ الصَّائِمُ وَيَشْتَدُّ جُوعُهُ وَعَطَشُهُ وَيَشْتَدُّ تَعَبُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَجْرٌ عِنْدَ الله - عَزَّ وَجَلَّ - بِسَبَبِ أَنَّهُ:
• سَلَّطَ لِسَانَهُ فِي الْكَلَامِ الْحَرَامِ.فَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يَصُمْ، وَإِنَّمَا تَرَكَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ فَقَطْ، فَهُوَ يَتْعَبُ بِلَا فَائِدَةٍ، فَالصِّيَامُ يَشْمَلُ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ:
• وَسَلَّطَ نَظَرَهُ عَلَى النَّظَرِ الْحَرَامِ.
• وَسَلَّطَ أُذُنَيْهِ عَلَى اسْتِمَاعِ الْمُحَرَّمِ.
• صِيَامَ الْبَطْنِ عَنِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَسَائِرِ الْمُفَطِّرَاتِ.
• وَصِيَامَ السَّمْعِ عَنْ كُلِّ كَلَامٍ مُحَرَّمٍ.
• وَصِيَامَ النَّظَرِ عَنْ كُلِّ مَا حَرَّمَ الله النَّظَرَ إِلَيْهِ.
• وَصِيَامَ اللِّسَانِ عَنِ النُّطْقِ بِالْفُحْشِ وَالْآثَامِ، فَتَصُومُ جَمِيعُ جَوَارِحِهِ.
مَجَالِسُ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَارَكِ.
'
«إذَا كَانَ قَلْبِي لَا يُصَاحِبُ هِمَّتِي
فَمَا هُوَ لِي قَلبٌ وَلَا أَنَا صَاحِبُه».
«إذَا كَانَ قَلْبِي لَا يُصَاحِبُ هِمَّتِي
فَمَا هُوَ لِي قَلبٌ وَلَا أَنَا صَاحِبُه».
الرّافعيّ.
❤4
وَمَا اسْتَفْتَحَ عَبْدٌ غَيْبَ الْبِشَارَاتِ بِمِثْلِ جَبْهَةٍ سَاجِدَةٍ.
وَالدُّعَاءُ بَعْدَ كَثْرَةِ الذِّكْرِ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ.
وَالدُّعَاءُ بَعْدَ كَثْرَةِ الذِّكْرِ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ.
❤1
مِنْ لَطَائِفِ التَّفْسِيرِ، قَوْلُ الْإِمَامِ الْقُشَيْرِيِّ، عَنْ قَوْلِ نَبِيِّنَا سُلَيْمَانَ عَنِ الْهُدْهُدِ:
﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
قَالَ: الْعَذَابُ الشَّدِيدُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يُحِبُّ، فَإِنَّ الْفُرْقَةَ عَنِ الْحَبِيبِ تَجْعَلُ الْمَرْءَ كَأَنَّمَا يَتَنَفَّسُ مِنْ خَرْمِ إِبْرَةٍ!
وَقَالَتِ الْعَرَبُ: فَقْدُ الْأَحِبَّةِ غُرْبَةٌ!
﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.
قَالَ: الْعَذَابُ الشَّدِيدُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ يُحِبُّ، فَإِنَّ الْفُرْقَةَ عَنِ الْحَبِيبِ تَجْعَلُ الْمَرْءَ كَأَنَّمَا يَتَنَفَّسُ مِنْ خَرْمِ إِبْرَةٍ!
وَقَالَتِ الْعَرَبُ: فَقْدُ الْأَحِبَّةِ غُرْبَةٌ!
❤4
-
«مَا أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا إِلَّا زَالَتْ عَنْهُ نِعْمَةٌ مِنَ الله بِحَسَبِ ذَلِكَ الذَّنْبِ، فَإِنْ تَابَ وَرَاجَعَ رَجَعَتْ إِلَيْهِ أَوْ مِثْلُهَا».
•
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ الله:
«مَا أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا إِلَّا زَالَتْ عَنْهُ نِعْمَةٌ مِنَ الله بِحَسَبِ ذَلِكَ الذَّنْبِ، فَإِنْ تَابَ وَرَاجَعَ رَجَعَتْ إِلَيْهِ أَوْ مِثْلُهَا».
•
❤1
°
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾
«حَقُّ تُقَاتِهِ: أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَأَنْ يُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ، وَأَنْ يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى».
هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّقُوهُ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَأَنْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى ذَلِكَ وَيَثْبُتُوا عَلَيْهِ وَيَسْتَقِيمُوا إِلَى الْمَمَاتِ، فَإِنَّ مَنْ عَاشَ عَلَى شَيْءٍ مَاتَ عَلَيْهِ، فَمَنْ كَانَ فِي حَالِ صِحَّتِهِ وَنَشَاطِهِ وَإِمْكَانِهِ مُدَاوِمًا لِتَقْوَى رَبِّهِ وَطَاعَتِهِ، مُنِيبًا إِلَيْهِ عَلَى الدَّوَامِ، ثَبَّتَهُ الله عِنْدَ مَوْتِهِ، وَرَزَقَهُ حُسْنَ الْخَاتِمَةِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ بَيَانٌ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ تَعَالَى مِنَ التَّقْوَى، وَأَمَّا مَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ مِنْهَا، فَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
وَتَفَاصِيلُ التَّقْوَى الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، يَجْمَعُهَا فِعْلُ مَا أَمَرَ الله بِهِ، وَتَرْكُ كُلِّ مَا نَهَى الله عَنْهُ.
-
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾
قَالَ السَّلَفُ كَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِ:
«حَقُّ تُقَاتِهِ: أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَأَنْ يُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ، وَأَنْ يُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى».
وَقَالَ السَّعْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ:
هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّقُوهُ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَأَنْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى ذَلِكَ وَيَثْبُتُوا عَلَيْهِ وَيَسْتَقِيمُوا إِلَى الْمَمَاتِ، فَإِنَّ مَنْ عَاشَ عَلَى شَيْءٍ مَاتَ عَلَيْهِ، فَمَنْ كَانَ فِي حَالِ صِحَّتِهِ وَنَشَاطِهِ وَإِمْكَانِهِ مُدَاوِمًا لِتَقْوَى رَبِّهِ وَطَاعَتِهِ، مُنِيبًا إِلَيْهِ عَلَى الدَّوَامِ، ثَبَّتَهُ الله عِنْدَ مَوْتِهِ، وَرَزَقَهُ حُسْنَ الْخَاتِمَةِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ بَيَانٌ لِمَا يَسْتَحِقُّهُ تَعَالَى مِنَ التَّقْوَى، وَأَمَّا مَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ مِنْهَا، فَكَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
وَتَفَاصِيلُ التَّقْوَى الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، يَجْمَعُهَا فِعْلُ مَا أَمَرَ الله بِهِ، وَتَرْكُ كُلِّ مَا نَهَى الله عَنْهُ.
-