تأكد بأنك عندما تعمل خيرًا، وتلقيه بحرًا،
ستجرفه الأمواج إلى شاطئك مجددًا ولو بعد حين،
فافعل الخير وليقع حيث يقع، فإن وقع في أهله فهم أهله،
وإن وقع في غير أهله فأنت أهله،
فلا يخدعوك بقولهم: خيرًا تعمل شرًا تلقى، ولكن
قل: خيرًا تعمل أجرًا تلقى، قد ينسى الناس ولكن الله لا ينسى
9
﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ﴾

في هذه الآية سكينة تمتدُّ لكل جوانب الحياة:
فالله يعلم ضعف الإنسان قبل سعيه، ويُراعي طاقته قبل تكليفه

قد تتأخر النتائج، وتثقل الأيام، وتكثر المخاوف
لكن رحمة الله أوسع من كل قلق

وما دام التخفيف من الله، فالطمأنينة أولى من الخوف والثقة به أحقّ من القلق مما لم يقع بعد

اللهم إنا نسألك سكينةً تمطر على قلوبنا فتُذهب كل خوف، ويقينًا راسخًا بأن تدبيرك لنا خيرٌ من تدبيرنا لأنفسنا، واجعلنا بك واثقين، وعليك متوكلين في كل حين.
9
يقول ابن القيم رحمه الله :

إذا فتح اللّٰه عليك في باب قيام الليل ، فلا تنظر للنائمين نظرة ازدراء

وإذا فتح اللّٰه عليك في باب الصيام ، فلا تنظر للمفطرين نظرة ازدراء

وإذا فتح اللّٰه عليك في باب الجهاد ، فلا تنظر للقاعدين نظرة ازدراء

إنك أن تبيت نائماً وتصبح نادماً
خير من أن تبيت قائماً وتُصبح معجباً؛ فإنّ المُعجَب لا يصعد له عمل
10
ليس كلُّ جهادٍ يُحمل فيه سيف ولا كلُّ معركة تُخاض أمام الناس
هناك جهادٌ لا يراه أحد، ولا يسمع صوته أحد
لكن اللّٰه يعلمه،

ويُجزي عليه جزاءً عظيمًا هو جهادُ النفس ..
أن تنهض للصلاة وجسدك يتوسل للنوم فتقوم لا لأنك قوي بل لأن حبّك لله أقوى

أن تترك أمرًا تتمنّاه بشدة وتتألم وأنت تتركه لكنّك تختار رضا اللّٰه على لذةٍ عابرة للنفس

هو أن تذنب ثم تعود خجلاً تائبًا ثم تضعف مرة أخرى ثم تعود دون يأس لأنك تعلم أن باب اللّٰه لا يُغلق في وجه من طرقه صادقًا

هو أن تصبر على مرض أو هم، أو ضيق، أو فقد دونٍ تسخط دون تذمّر وأنت تقول بقلبك قبل لسانك رضيت بما قسم اللّٰه

جهاد النفس بدايته صعبة لكن مع الأيام يخفّ ثقله ويأنس القلب بطاعة اللّٰه

هذا الجهاد لا يصفّق له الناس ولا تُكتب به أسماء لكن تُرفع به الدرجات وتُمحى به السيئات ويصنع عند اللّٰه قدرًا لا يبلغه كثيرون

فطوبى لمن جاهد نفسه ليُرضي اللّٰه لا ليُرضي هواه ولا ليُرضي الخلق فما عند اللّٰه أعظم وأبقى
9
قال رسول الله « إذا كان أولُ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ صُفِّدَتِ الشياطينُ ومَرَدةُ الجنِّ ،
وغُلِّقتْ أبوابُ النارِ فلم يُفتحْ منها بابٌ ،
وفُتِّحَتْ أبوابُ الجنةِ فلم يُغلقْ منها بابٌ ،

ويُنادي منادٍ كلَّ ليلةٍ :
يا باغيَ الخيرِ أقبلْ ، ويا باغيَ الشرِّ أقْصرْ ، وللهِ عتقاءُ من النارِ ، وذلك كلَّ ليلةٍ »

شهركم مبارك ، وكل عام وانتم بخير 🤍
8
بعد يومٍ طويل.. اهدأ قليلاً..

لعلّك لَم تنجز اليوم كلّ ما عليك،
فاتكَ من الأمور أمرٌ ما، لم تؤدِّ عملك كما يجب، لم تكن اللّحظات كما تُحِبّ، أو عكَّر صفوكَ موقفٌ عابر، لَم تَرَ إجابة الدّعاء الّذي كرّرت، لَم تحقق الغاية التي حاولت، لَم تمارس هوايتك، لم تُمسك كتابك، لَم تصلك الرسالة التي تنتظر، والخبر الذي تشتاق، لَم تجد متسعاً من الوقت لتمارس ما تحب، لَم تَلْقَ صُحبتك، لعلّك كنت وحدك..

ولعلّك تظنّ أنّ اليوم على ما فيه من تعب؛ يوم سيّء، سبقك الآخرون، نَشَرَ المُغَرِّدون، تَمَّمَ المُنجزون، وصَوَّر ذاك يومياته، كتب الآخَر كلماته، كَشَف الآخر حياته، وترى أنَّك في آخر الصّف والعدد! من قال لك!؟

إنّما يُقاس الأمر بك، بالمتاح الذي بين يديك، بالمساحة التي حاولتَ إتمامها، بالخطوة التي قَوِيت عليها، بالمهمّة التي أنجزتها، بالشيء البسيط الذي فعلته اليوم، فاطمئن، لَم يَفُتكَ شيء، لَم تقف في آخر الصّف، ما كنت وحدك! وتذكّر جيّداً: تُكسَب الجولة بالرّضا، وتنتصر بطول النَّفَس.
17
« كُلُّ سَاقِطٍ لَهُ لَاقِطٌ »

مَثَلٌ مُوجَز، غيرَ أنَّهُ عَميقُ الدَّلالَة، يَكشِفُ خَبَايَا النَّفوسِ وَيُجَلِّي سُنَنَ التَّجاذُبِ بَينَ الطِّباعِ؛ فَلَيسَ في الحَياةِ شَيءٌ يُطرَحُ هَدَرًا، وَلَو بَدَا في أَعيُنِ بَعضِ النّاسِ عَديمَ القيمَة، إِلّا وُجِدَ مَن يَهوَاهُ وَيَقصِدُه. وكأنَّ النُّفوسَ تُساقُ سَوْقًا إِلى ما يُشابِهُها، فَتَأْلَفُ الأَرواحُ أَشباهَها، وَتَنجَذِبُ الطِّباعُ إلى أَمثالِها؛ فَيَقَعُ النّاقِصُ في كَفِّ مَن يُجاريه، أو يُواري نَقصَهُ بِنَقصٍ يُشاكِلُه.

والنّاسُ في جَواهِرِهِم مُتَفاضِلونَ كَتَفاضُلِ الذّهَبِ وَالحَصى، ولكلّ جَوهَرٍ طالِبُهُ وقَدْرُه؛ فلا عَجَبَ أَن يُعجَبَ امْرُؤٌ بالبالي ويَزهَدَ في النَّفيس، فَلِكُلِّ عَقلٍ مِعيارُه، وَلِكُلِّ نَفسٍ مَيلُها. وما مِن شَيءٍ مَتروكٍ إِلّا وَفِي الأَرضِ مَن يَعِدُّهُ غَنيمَةً، وَلا ساقِطٍ إِلَّا وَيَجِدُ مَن يَلتَقِطُه؛ لا جَهْلًا في كُلِّ حال، بَل لِأَنَّ النُّفوسَ تَتَآلَفُ عَلى أَشكالِها وتَتَآخى عَلى أَشباهِها.

وهُنا تَتَجلّى الحِكمَة: فَلَيسَتِ القيمَةُ ما تَستَحسِنُهُ الأَهواء، بَل ما يُقِيمُهُ العَقلُ ويُهَذِّبُهُ من نَزَعاتِ النَّفسِ؛ فَلَيسَ كُلُّ مَطلوبٍ جَدِيرًا، ولا كُلُّ مَتروكٍ مَذْمُومًا.

فَكُنْ مِمَّن يَلتَقِطُ القِيَمَ ويَصطَفي المَبادِئ، لا مِمَّن يَنحَني لِما أَسقَطَتهُ النُّفُوسُ الوَضيعة.
8
﴿ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ

الله يُسجِّل في كتابه مخاوف نملة!
هل تظنُّه سبحانه يجهل مخاوفك؟

لا ينساك الله، ولو ظننت أنك بالكاد تتحمَّل الحياة!
يأتيك باليُسْر والفرج في ذلك الوقت الذي تشعر فيه أنك على شفا حفرة من السقوط، فالله إذا أراد بك خيرًا
تعجَّبتَ من طريقته، يأتيك الخير من بين ألف طريقٍ
ضيِّق، حتى أنك لا تعلم متى وكيف حدث ذلك،
﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾

ذكر بها نفسك حينما تظنَّ أنَّك وحيدٌ بشعورك
وحيدٌ بظرفك، وحيدٌ لأنك ضعيف جدًا
تذكر أنَّ الله كافيك، وأن الله سبحانه حسبُك

الله أكبر من همومك
من أوجاعك .. من ضعفك
من مرضك .. من قلة حيلتك
من كل شيء يكدرك .. الله أكبر كبيرًا.
13
الفكرة الأساسية في تقييم السلوك الإنساني لا تكمن في الفعل وحده، بل في الموقف الداخلي منه. فبين ما يفعله الإنسان، وما يشعر به تجاه ما يفعل، تتحدد ملامح الاتجاه الذي يسير إليه: نحو التصحيح... أو نحو الترسّخ.

ما دام الإنسان يرفض الفعل الخاطئ في داخله، حتى وهو يقع فيه، فثمة خيرٌ حي لم ينطفئ بعد. هذا الشعور بالانزعاج ليس ضعفًا، بل علامة وعي؛ بذرة خيرٍ تنمو بصمت، ومع الوقت قد تكبر حتى تعيد صاحبها إلى الطريق الصحيح.
فمن يمارس الخطأ وهو مدركٌ لمخالفته لقيمه، يعيش صراعًا داخليًا يحفظ له بوصلة الرجوع. قد يطول الطريق، لكنه لا ينقطع ما دام هذا الصوت حاضرًا.

أما حين يبدأ الإنسان في تبرير الخطأ، ويُزيّنه لنفسه، ويستمتع به دون مقاومة، فهنا يتبدّل الأمر. إذ لا يعود السلوك عابرًا، بل يتحوّل إلى قناعة، ويترسّخ حتى يفقد الإنسان حساسيته تجاهه.

الفرق ليس في الفعل وحده، بل في الموقف منه: بين قلبٍ يُنكر فيبقى حيًا، وقلبٍ يُبرّر فيقسو.

وفي الختام، ما نُكرّره ونُبرّره، نصير إليه. وما نقاومه بصدق، ننجو منه — ولو بعد حين.
11
الإنسانُ فصيحُ الشكوى، أعجميُّ الشكر
يُتقن عدّ ما ينقصه، ويتلعثم أمام ما يملكه.

تؤلمه شوكةٌ في الطريق، وينسى آلاف الخطوات التي مشاها بسلام.

إذا ضاق يومه أطال الحديث عن التعب، وإذا اتَّسعت عليه النعم مرَّ عليها كأنها حق معتاد لا يُذكر.

يشكو تأخر أمنية، وينسى نعمًا جاءت دون أن يطلبها.

يحصي ما فقد، ويغفل عمَّا بقي.

ولعل الامتنان ليس أن تكون الحياة كاملة، بل أن ترى الكمال المختبئ في الأشياء الصغيرة؛في الأمان الذي اعتدناه، وفي الوجوه التي بقيت، وفي الأيام التي مرَّت دون أن تُكسر أرواحنا.
16
قاعدةٌ واضحةٌ ولا تقبل الشك
المَرءُ لا يمنح إلا ما يفيضُ بهِ قَلْبُهُ.

فالمتعافِي يُداوِي،
والناجِحُ يَدعمُ،
والسعيدُ يُلهم.

أمَّا مَن يَسكُنَهُ النَقصُ،
فلا يَجِدُ وسيلةً ليشعرَ بالرفعةِ
إلَّا بالنقد والإزعاج.

لا تأخُذ انطِباعَكَ عن نَفسِكَ
من أفواهِ الجَائعِينَ نفسيًا؛فكلُّ إناءٍ بما فيهِ يَنضَحُ
والممتلِئُ سلاماً،
لا يمنحُ إلَّا السلام.
14
ما هو البر الحقيقي؟ ولماذا بدأت الآية بنفي الاتجاهات؟

يقول الله تعالى:
﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ﴾
هذه الآية من أعظم الآيات التي شرحت حقيقة الدين بصورة متكاملة جدًا.
فالله لا يقول إن التوجه للقبلة غير مهم، بل يوضح أن: الدين ليس حركات ظاهرية فقط، وليس مجرد اتجاه بالجسد، بل حقيقة يعيشها القلب والعمل والسلوك.

لماذا بدأ الله بنفي المشرق والمغرب؟
لأن الناس قد تنشغل بالشكل الظاهر: أين الاتجاه؟ كيف الحركة؟ ما الصورة الخارجية؟
لكن الله يكشف أن البر الحقيقي أعمق من ذلك بكثير. فالإنسان قد يتجه بجسده للقبلة… لكن قلبه بعيد عن الله. لهذا بدأت الآية بـ: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ﴾ أي: ليس البر الكامل مجرد المظاهر، بل ما وراءها من إيمان وعمل وصدق.
8
ثم تبدأ الآية ببناء الإنسان الحقيقي:
﴿ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ ﴾
البداية كانت بالإيمان بالله، لأن أصل كل خير هو معرفة الله.
ثم: ﴿وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ﴾
حتى يعلم الإنسان أن أعماله ليست عبثًا، وأن هناك حسابًا وعدلًا وجزاءً.
ثم: ﴿وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ ﴾
أي: الإيمان الكامل بمنظومة الوحي كلها، وليس أخذ جزء وترك جزء.

ثم تنتقل الآية من الإيمان… إلى العمل:
﴿وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ﴾
وهنا دقة عظيمة جدًا…
الله لم يقل: “وآتى المال الزائد” بل قال: ﴿عَلَىٰ حُبِّهِۦ﴾
أي: يعطي وهو يحب المال، ويستطيع الاحتفاظ به، لكنه يقدم رضا الله على حب الدنيا.

ثم تحدد الآية أين يذهب هذا المال:
﴿ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ﴾ ← الأقارب
﴿وَٱلۡيَتَٰمَىٰ﴾ ← الضعفاء
﴿وَٱلۡمَسَٰكِينَ﴾ ← المحتاجون
﴿ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ ← الغريب المنقطع
﴿وَٱلسَّآئِلِينَ﴾ ← من يطلب المساعدة
﴿وَفِي ٱلرِّقَابِ ﴾ ← تحرير الإنسان وفك العبودية
وكأن البر الحقيقي: لا يحبس الخير داخل النفس، بل يجعله رحمة للناس.

ثم تنتقل الآية إلى العبادة العملية:
﴿وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ﴾
ولم تقل: “صلى” بل: ﴿وَأَقَامَ﴾
لأن إقامة الصلاة تعني: حضور القلب الاستمرار الانضباط الاتصال بالله
ثم الزكاة: لتطهير النفس من الشح والطمع.


ثم تنتقل الآية إلى الأخلاق:
﴿وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ ﴾ فالبر ليس كلامًا جميلًا فقط، بل وفاء والتزام وصدق.
ثم تصل الآية إلى أصعب اختبار:
﴿وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ ﴾
أي: وقت الفقر وقت الألم وقت الشدة وقت الخوف والقتال والابتلاء
فهنا يظهر صدق الإنسان الحقيقي.

ثم تأتي الخاتمة العظيمة:
﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ﴾
لماذا؟ لأن أفعالهم أثبتت حقيقة إيمانهم.
ثم: ﴿وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾
أي: هؤلاء هم الذين جعلوا بينهم وبين غضب الله وقاية بالإيمان والعمل والصدق.

لذلك الآية ترسم الدين كاملًا في صورة واحدة:
عقيدة صحيحة ثم رحمة بالناس ثم عبادة حقيقية ثم أخلاق ووفاء ثم صبر وقت الشدة
وهكذا نفهم: أن البر ليس شعارًا … ولا مظهرًا … ولا كلمات…
بل: إيمان يعيش داخل القلب، ويظهر في العمل، ويثبت وقت الابتلاء.
7
نلهثُ دائمًا خلفَ ما ينقصنا،
فيتسلَّلُ إلينا شعورٌ مُزعجٌ بأننا متأخرون!

ووسطَ زحامِ هذا القلق، يأتي مقياسٌ نبويٌّ ليوقفَ هذا الركضَ المُنهك، ليُعيدَ تشكيلَ نظرتنا إلى الغِنى.

قال رسولُ الله ﷺ:

«من أصبح منكم آمنًا في سِربِه، مُعافًى في جسده، عنده قوتُ يومِه، فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها.»

هذا التوجيهُ لا يمنعك من الطموح، بل يُحررك من عبوديةِ المقارنة، ويُخبرك أن الأرضَ بكلِّ ما فيها قد جُمعت لك في ثلاثِ نِعم: أمان، وعافية، وكفايةُ يوم، فالغِنى الحقيقي ليس في اتساعِ ما تملك، بل في اتساعِ عينِك لرؤيةِ ما تملكُه وتعيشه.
11
من أجمل الأدعية التي وردت عن النبي ﷺ
دعاء يجمع التوحيد، والانكسار، وحسن الطلب

« اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت،
أنت ربي وأنا عبدك، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي،
فاغفر لي ذنوبي جميعًا، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت

واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت،
واصرف عني سيئها، لا يصرف سيئها إلا أنت

لبيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك،
أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك »
10
الحبّ ليس قرارًا عقلانيًا يُبنى على المقارنة، ولا اقتناعًا بأنّ من معك هو الأجمل أو الأكمل بين البشر.

الحبّ، في جوهره، فعلُ اختيارٍ هادئ… يحدث رغم المعرفة، لا بسببها.
أن تُحبّ يعني أن ترى بوضوح أنّ هذا الإنسان ليس الأفضل في كل شيء، أن تدرك أنّ في العالم من قد يفوقه جمالًا أو ذكاءً أو حضورًا، ومع ذلك… لا تتحرّك فيك رغبة الاستبدال.
أن لا تضعه أبدًا في ميزان المقارنة مع غيره، ولا تطالبه بأن يتجرّد من بشريته ونواقصه ليصبح مثاليًا.

أن تتقبل بأن من يشاركك تفاصيل أيامك لا يخلو من العثرات والطباع التي قد لا تشبهك، فتختار صدق حضوره بكل ما فيه من نقص.. ولا تقايضه أبدًا بمثاليةٍ باردة لشخصٍ يلوّح لك من بعيد، لا يخطئ لأنه ببساطة لا يقترب، ولا يقتسم معك ثقل الحياة.
كأنّ قلبك، لسببٍ لا يُفسَّر، توقّف عنده هو، لا لأنه الأجدر موضوعيًا، بل لأنه "الأقرب" بمعنى لا تقيسه المعايير.

الحبّ الحقيقي لا ينشأ من وهم الكمال، بل من مصالحةٍ عميقة مع النقص، ومن يقينٍ خفيّ بأنّ هذا الشخص "بما فيه من تناقضات" هو المكان الذي تريد أن تبقى فيه.

أن تُحبّ، يعني أن تختار إنسانًا لا لأنه الأفضل في العالم،
بل لأنه… عالمك أنت.
9
أدقّ عِتاب شَهِدَهُ التاريخ ماذا لو كانت تفاصيل حياتك الخفية بدقة هذا العتاب؟

لم يكن ذنبًا. لم تكن كبيرة. لم يكن حتى فعلاً: كان مجرد... عبوس. لحظة انزعاج على وجه، ثم التفاتة بسيطة.

النبي ﷺ أحب خلق الله إلى الله، كان يجالس صناديد قريش، يرجو إسلامهم، وفي إسلامهم إسلام أقوامهم كلها. فجاءه رجل أعمى فقير،
عبد الله بن أم مكتوم، يقاطعه بلا قصد قائلاً: "علمني مما علمك الله". لم يكن يعلم أن النبي مشغول ، هو أعمى، لا يرى وجه من يكلمه ولا حال المجلس.
فظهرت على وجه النبي ﷺ نظرة كراهية بسيطة للمقاطعة، والتفت عنه إلى القوم تماما... هذا كل ما حدث.

وهنا نزل الوحي من فوق سبع سماوات، بسورة
كاملة، تُتلى إلى قيام الساعة،

﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ
لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ * وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ * وَهُوَ يَخْشَىٰ *فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ ﴾

توقفت هنا طويلاً، وسألت نفسي: لماذا كل هذا؟
رجل لم يُظلم بضربة، ولا بكلمة قاسية، ولا حتى بإهمال متعمد. فقط.. التفاتة عين، لم يشعر بها الأعمى نفسه، ولم يرها أحد من الحاضرين. لكن الله رآها
﴿ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ ﴾

الله الذي يعلم ما تخفي الصدور، رأى في تلك الالتفاتة البسيطة ما يستحق أن يُخلد في كتابه المحفوظ، إلى آخر الدهر، حتى لا ينسى مؤمن بعده أن قلب الفقير الأعمى في ميزان السماء، أثقل من رضا صناديد الأرض. فإن كان الله بهذه الدقة مع نظرة عابرة لم يشعر بها حتى صاحبها...

فكيف تظن أنه غافل عمَّا يجري في حياتك؟
كيف تظن أن وظيفة ابتعدت عنك، أو باباً أُغلق في وجهك، أو تخصص لم يكتب لك، أو قلباً انصرف عنك مرّ من عند الله، دون أن يعلمه، أو دون أن يريد لك فيه خيراً؟

الذي عاتب حبيبه على نظرة لم يرها بشر.. لن يترك لك ضراً وهو قادر على دفعه، ولن يُقدِّر لك أمراً إلا وهو أعلم بعاقبته منك. هو سبحانه يسمع ما لم تسمع، ويرى ما لم ترَ، ويعلم ما لم تعلم.
فإذا ابتعد عنك ما تريد... فثق أن من عاتب نبيه على نظرة لن يُهملك في أمر تحبه.
10