عندما يتسامى عُمق الطريق في ليل العمر
لكَ أن تنام،
لكَ أن تذوب
كحلمٍ
أو هواء مرّ
اختر واحدا
من ألوان الطيف..
البيضاء!!
لأرسم على وجهك طريقا
تسير فيه مكبلا دون اكتراث،
فأقدامك اعتادت طريقا آخر للوداع
ارسم قصيدتك الأخيرة
بين عالمين
دموعُ أمك والكفن،
أمك الوجه الفضي
والكفنُ الملطخُ بالنحيبِ
قِماطُ ولادتكَ الثانية،
هربتَ به ولم تأخذ معك سوى النسيان
وبعض الدموع التي جفت وتماهت في البياض.
خرجتَ من العالم كشجرةٍ يقتلها الظمأ
سَلتْ جذورها من الأرضِ
و رمتْ نفسها في قاع البحر
عاد الآخر قاذفا إياها نحو الشاطئ.
العالمُ ينظرُ إلى وجهكَ
كما كنتَ تنظر لقميصك القديم،
وجهك المطعون بالخيبات
وجهك الذي ما تغير من سنين
وجهكَ الذي يُشبه كل الوجوه
رحل.
ففي ساعة هذا العالم
نحن الثوانِ
والموتُ عقارب،
لدغةٌ واحدةٌ تكفي
لاختصار أحلامنا
لنبدأ بجمع آثامنا وننسى بين آلاف النسخ.
ها أنت تبصر الباب للمرة الأولى
وترحل بأحلام رطبة
وسموات تبدو أكثر قربا،
حقائبك التي يتكدس فيها الأمس تزحف
طيورك الملساء تلعنُ الشعر وتفضلُ المشي
وفراشاتٌ بمناقيرٍ تهرولُ قرب الباب
والبابُ بمفتاحٍ واحد
خلف الباب.
كل شيء على خارطة المساء
صار أفقيا
إلا الخارطة
ترقص وترقص
ليسقط ما تبقى من الخريف،
الخارطةُ
قشرةٌ مسدودةٌ ودكاكينٌ مبرقعةٌ
تستنطقُ حضارة النمل،
الخارطةُ
مستودعٌ لروائحَ كريهةٍ
تطلي الهواء العاري
تستخير،
ولأنك جندي عادي بما يكفي
أراك غريبا!!
ولأنك فراتي وحصاني الكهل
ولأنك لا تجيد الغوص في الصحراء
ولا تجيد ربط الخيام،
خرجتَ من الحرب
بلا جروحٍ أو رصاصٍ أو صداع،
خرجتَ من الحرب
كالصيف يعرفُ قصة اختفاء رجل الثلج
كالأزقة تفهم جيدا كيف يذوب القمر صباحا
وهذه الأشياء لا تختلف كثيرا عن خياشيم سمكة،
العالم حوض أسماك
والسمكةُ الحمراء الوحيدة هي أنتْ
مُنغلقٌ: كدرجٍ حديدي في الشمس،
عارٍ: كصباح،
خرجتَ
كمسافرٍ يجمع أمتعتهُ والمسافةُ خطوتان
لكم كانت حينها السنابلُ ثابتة
والوجوه ثابتة
والمآذنُ ثابتة
والغيمات
تفور.
وكما الأزهار
ثمة ترابٌ يحاول إقناعكَ بأنكَ جذرٌ برتقالي
وبأن العطرَ سيفوح قريبا
وبأن للجَزَرِ رائحة أشبه باللحم المتعفن.
المكان ضيقٌ ورطبٌ وحارٌ جدا
لكنكَ لا تتعرق،
لا تتعرق حتى أمام صورتكَ
في المدرسة الابتدائية
جميلٌ وناصعٌ
وبلا ذكريات،
هذه المدرسة هي من عرّفتكَ على حروفك
التي صنعت منها عالمكَ الهش
وهؤلاء أصدقاؤك الطيبون
الذين ما عاودت السؤال عنهم
ابتلعتهم الحرب!!
وسقفُ ذاكرتك مليء بالتراب وبالنساء
وقماشكَ القطني قرب الطاولة الزجاجية داخل رأسك
مستعدٌ لإعادته لامعا،
هذه مدرستكَ التي تعلمت فيها اللغة والتأريخ والكذب!!
اعتقدُ أن هذا يكفي
لقد متَ وانتهى الأمر.
أكرم الأمير | عُقم
لكَ أن تنام،
لكَ أن تذوب
كحلمٍ
أو هواء مرّ
اختر واحدا
من ألوان الطيف..
البيضاء!!
لأرسم على وجهك طريقا
تسير فيه مكبلا دون اكتراث،
فأقدامك اعتادت طريقا آخر للوداع
ارسم قصيدتك الأخيرة
بين عالمين
دموعُ أمك والكفن،
أمك الوجه الفضي
والكفنُ الملطخُ بالنحيبِ
قِماطُ ولادتكَ الثانية،
هربتَ به ولم تأخذ معك سوى النسيان
وبعض الدموع التي جفت وتماهت في البياض.
خرجتَ من العالم كشجرةٍ يقتلها الظمأ
سَلتْ جذورها من الأرضِ
و رمتْ نفسها في قاع البحر
عاد الآخر قاذفا إياها نحو الشاطئ.
العالمُ ينظرُ إلى وجهكَ
كما كنتَ تنظر لقميصك القديم،
وجهك المطعون بالخيبات
وجهك الذي ما تغير من سنين
وجهكَ الذي يُشبه كل الوجوه
رحل.
ففي ساعة هذا العالم
نحن الثوانِ
والموتُ عقارب،
لدغةٌ واحدةٌ تكفي
لاختصار أحلامنا
لنبدأ بجمع آثامنا وننسى بين آلاف النسخ.
ها أنت تبصر الباب للمرة الأولى
وترحل بأحلام رطبة
وسموات تبدو أكثر قربا،
حقائبك التي يتكدس فيها الأمس تزحف
طيورك الملساء تلعنُ الشعر وتفضلُ المشي
وفراشاتٌ بمناقيرٍ تهرولُ قرب الباب
والبابُ بمفتاحٍ واحد
خلف الباب.
كل شيء على خارطة المساء
صار أفقيا
إلا الخارطة
ترقص وترقص
ليسقط ما تبقى من الخريف،
الخارطةُ
قشرةٌ مسدودةٌ ودكاكينٌ مبرقعةٌ
تستنطقُ حضارة النمل،
الخارطةُ
مستودعٌ لروائحَ كريهةٍ
تطلي الهواء العاري
تستخير،
ولأنك جندي عادي بما يكفي
أراك غريبا!!
ولأنك فراتي وحصاني الكهل
ولأنك لا تجيد الغوص في الصحراء
ولا تجيد ربط الخيام،
خرجتَ من الحرب
بلا جروحٍ أو رصاصٍ أو صداع،
خرجتَ من الحرب
كالصيف يعرفُ قصة اختفاء رجل الثلج
كالأزقة تفهم جيدا كيف يذوب القمر صباحا
وهذه الأشياء لا تختلف كثيرا عن خياشيم سمكة،
العالم حوض أسماك
والسمكةُ الحمراء الوحيدة هي أنتْ
مُنغلقٌ: كدرجٍ حديدي في الشمس،
عارٍ: كصباح،
خرجتَ
كمسافرٍ يجمع أمتعتهُ والمسافةُ خطوتان
لكم كانت حينها السنابلُ ثابتة
والوجوه ثابتة
والمآذنُ ثابتة
والغيمات
تفور.
وكما الأزهار
ثمة ترابٌ يحاول إقناعكَ بأنكَ جذرٌ برتقالي
وبأن العطرَ سيفوح قريبا
وبأن للجَزَرِ رائحة أشبه باللحم المتعفن.
المكان ضيقٌ ورطبٌ وحارٌ جدا
لكنكَ لا تتعرق،
لا تتعرق حتى أمام صورتكَ
في المدرسة الابتدائية
جميلٌ وناصعٌ
وبلا ذكريات،
هذه المدرسة هي من عرّفتكَ على حروفك
التي صنعت منها عالمكَ الهش
وهؤلاء أصدقاؤك الطيبون
الذين ما عاودت السؤال عنهم
ابتلعتهم الحرب!!
وسقفُ ذاكرتك مليء بالتراب وبالنساء
وقماشكَ القطني قرب الطاولة الزجاجية داخل رأسك
مستعدٌ لإعادته لامعا،
هذه مدرستكَ التي تعلمت فيها اللغة والتأريخ والكذب!!
اعتقدُ أن هذا يكفي
لقد متَ وانتهى الأمر.
أكرم الأمير | عُقم
كنتُ اختَلَستُ ابتسامتك
لأرتديها
عندما أُلـوّح لشعوب النوارس الهابطة على
سطح نومي
| زُلَيْخة أبو ريشة
_
لأرتديها
عندما أُلـوّح لشعوب النوارس الهابطة على
سطح نومي
| زُلَيْخة أبو ريشة
_
" حينَ اخْتَلط ماءُ الوردِ بماءِ الدَمعة
وُلِدتُ أنا "
| علي إبراهيم الياسري
*ما يُحقق القول: (الشعر سؤالٌ للسفر لا للجواب).
_
وُلِدتُ أنا "
| علي إبراهيم الياسري
*ما يُحقق القول: (الشعر سؤالٌ للسفر لا للجواب).
_
لكَ أنْ تقولَ: سيف
وتضحك
وتشرب
وتثملُ
وتنسى ما قلت
تنسى السيف
لكنكَ تنساه
في فمك.
لكَ أيضا أن لا تقول: سيف
وتَشم الدم
وترسم الضحية
ضئيلةَ جسَدٍ، روحا فخمةً حد أنها تفيض.
وتتخيل يد المقبض، السيفَ الجذر، تلك التي يخنعُ لها السيف، تلك، يدُ من يا ترى تلك،
هل صافحتني
هل ودّعتني
أ تلك يدي؟
ثم تُبقي على يدكَ في يدك.
وتنسى السيف
لكنك تنساه
في رأسك.
لكَ أيضا أنْ لا تقولَ: سيف.ثم تخاف
تتخطى الورد، وتضمُ عيونكَ عنْ نّجمة
تسألُ روحكَ عن معنى أن تسكن فيك
كيف.. ولماذا؟
تخشى دَمَكَ في الظلمة
هو يسري أيضا
من أضاء طريقه
هل ثمةَ خَطَرٌ
هل ثَمةَ تدبير؟
لكَ أن لا تقولَ: سيف
وتَحسب كلَّ شيء
كلَّ شيء سيفا.
علي إبراهيم الياسري | فرصة واحدة للتأويل
وتضحك
وتشرب
وتثملُ
وتنسى ما قلت
تنسى السيف
لكنكَ تنساه
في فمك.
لكَ أيضا أن لا تقول: سيف
وتَشم الدم
وترسم الضحية
ضئيلةَ جسَدٍ، روحا فخمةً حد أنها تفيض.
وتتخيل يد المقبض، السيفَ الجذر، تلك التي يخنعُ لها السيف، تلك، يدُ من يا ترى تلك،
هل صافحتني
هل ودّعتني
أ تلك يدي؟
ثم تُبقي على يدكَ في يدك.
وتنسى السيف
لكنك تنساه
في رأسك.
لكَ أيضا أنْ لا تقولَ: سيف.ثم تخاف
تتخطى الورد، وتضمُ عيونكَ عنْ نّجمة
تسألُ روحكَ عن معنى أن تسكن فيك
كيف.. ولماذا؟
تخشى دَمَكَ في الظلمة
هو يسري أيضا
من أضاء طريقه
هل ثمةَ خَطَرٌ
هل ثَمةَ تدبير؟
لكَ أن لا تقولَ: سيف
وتَحسب كلَّ شيء
كلَّ شيء سيفا.
علي إبراهيم الياسري | فرصة واحدة للتأويل
سألتكِ :
عن مشقَّةِ أن تعرفي، ولا يعرفُ سواكِ أحد.
علي محمود خضير
عن مشقَّةِ أن تعرفي، ولا يعرفُ سواكِ أحد.
علي محمود خضير
ملامح
______________
هكذا كانت البداية
استعاروا يدي للتصفيق
ثم جاؤوا فاستعاروا الثانية
بحجة أنّ اليد الواحدة
لا تصفق
و في موسم الركض
استعاروا أرجلي
و في حفلة الكراسي الشاغرة
احتاجوا جذعي
هكذا كانت البداية
امّا الآن
فلم يبق مني
سوى ملامح ..!
•
|علي الإمارة
______________
هكذا كانت البداية
استعاروا يدي للتصفيق
ثم جاؤوا فاستعاروا الثانية
بحجة أنّ اليد الواحدة
لا تصفق
و في موسم الركض
استعاروا أرجلي
و في حفلة الكراسي الشاغرة
احتاجوا جذعي
هكذا كانت البداية
امّا الآن
فلم يبق مني
سوى ملامح ..!
•
|علي الإمارة
تلك الليلة
_ _ _ _ _ _ _ _
تغمر الوجه عتمة كلما تحكّم مسمار الجدار بأذيال ستارة النافذة المجاورة لسريره حتى ليبدو الوجه غارقا في بقعة سوداء لمّاعة مثل جلد شديد النعومة لحيوان بحري. خدّاه ينطمسان في العتمة، وأنفه يستطيل كما لو أنه يتخلّق الآن. عندما ترتفع ستارة النافذة تقبع دمامل من الضوء على الوجه، دمامل صفر، مقرنصة ومتنقلة، في تلك اللحظة يبدو الوجه ممتعضا. أتحاشى التحديق إليه غير أن الوجه ينقذف في عيني مثل كرة صوّبتها ضربة قدم ماهرة.
قلت له: هل يعني ما تقوله شيئا؟
-إنه يعني كل شيء، عندما تسافر تشعر أن الأرض التي تحت قدميك ملكك، وإنك إنسان آخر غير الذي كنته.
في العتمة، قدماه هزيلتان كما لو أنهما ستنفصلان عن ساقيه، وأصابعه متيبسة وذات قشور. خداه متصلبان على جانبي وجهه، وأنفه ليس كما هو في العتمة الآن، وقامته تطول وأرض الشارع تشق طريقها أمام قدميه.
قال: كنت أتجول في شارع (نوفي شفيات). عمارات على الطراز الباروكي متراصة وموحشة كأنها غير مأهولة، أزاحم المارة مثل طائر. أفرد جناحيه في هواء الغرفة: شابّات يتقافزن في مشيتهن، معاطف جلدية تضيق عند الخصر في كل خطوة، وعيون لاقطة تسحب أشياء الشارع إلى حدقتها.
قالت، أعني الشقراء التي كانت تعبر إلى الرصيف الآخر:
-لماذا تنظر إلي؟
-ولماذا لا؟ جميلة أنتِ.
-شكرا، هل يعني هذا دعوة لقضاء الليلة معا؟
اعتذرت، تركتني ساخطة. كانت قلنسوتها الصفراء ترتعش في خطواتها الغاضبة، حتى اختفت في مدخل جمعية شوبان عبر الشارع. وأنت تغمر وجهك الآن، عتمة. قطعة من ليل. وتلك الشقراء، أين تقضي هذا المساء؟
قال: أشعر بندم. لم يكن هناك ما يدعو إلى الاعتذار. هل كان يومي مزدحما إلى حد لا يتقبل امرأة لليلة واحدة؟
وجهه الآن في العتمة، حاد وصخري. بدلته الرمادية على المشجب تتدلى ثقيلة مثل جثة. ثوبه هامد، مثله. في الردن الأيسر من ثوبه بقعة دهنية بلون الكحل علقت به عندما اصطدم بعارضة قضبان هناك. البقعة الدهنية متعرجة الحواف، تبدو مثل أوراق نبتة متفتحة وأحيانا مثل نهايات أصابع متداخلة.
قال: إنك لا تفهمني. تنقصك الخبرة. لم تعش مثلي.
أطرقت وبصوت خافت خجول قلت: صحيح.
كان هو متنقلا كبيرا كأنه يزحف على خريطة تتسع في كل لحظة. عندما كنت طالبا، كثيرا ما كان يستوقفني أطلس الجغرافيا. كنت أتأمل أنهاره الزرق مثل شرايين القلب والنقاط المتباعدة لحدود البلدان والعواصم والمدن.
أتخيل، الآن، كما لو أنه، هذا المسجّى أمامي، يزحف على خريطة تتسع كل لحظة، يتخطى بقدميه تلك الشرايين ونقاط الحدود البعيدة عابرا من تحت أوراق الأطلس.
في صباح ذلك اليوم، كان حفّار القبور يرمي آخر حفنة تراب على حدبة القبر. أقبل الرجل نحوي، قال بصوت هامس ومتقطع: نحن اللاحقون.
قلت له: لقد دفنتَ حلما.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
| قصة قصيرة لـ محمود عبد الوهاب
_
_ _ _ _ _ _ _ _
تغمر الوجه عتمة كلما تحكّم مسمار الجدار بأذيال ستارة النافذة المجاورة لسريره حتى ليبدو الوجه غارقا في بقعة سوداء لمّاعة مثل جلد شديد النعومة لحيوان بحري. خدّاه ينطمسان في العتمة، وأنفه يستطيل كما لو أنه يتخلّق الآن. عندما ترتفع ستارة النافذة تقبع دمامل من الضوء على الوجه، دمامل صفر، مقرنصة ومتنقلة، في تلك اللحظة يبدو الوجه ممتعضا. أتحاشى التحديق إليه غير أن الوجه ينقذف في عيني مثل كرة صوّبتها ضربة قدم ماهرة.
قلت له: هل يعني ما تقوله شيئا؟
-إنه يعني كل شيء، عندما تسافر تشعر أن الأرض التي تحت قدميك ملكك، وإنك إنسان آخر غير الذي كنته.
في العتمة، قدماه هزيلتان كما لو أنهما ستنفصلان عن ساقيه، وأصابعه متيبسة وذات قشور. خداه متصلبان على جانبي وجهه، وأنفه ليس كما هو في العتمة الآن، وقامته تطول وأرض الشارع تشق طريقها أمام قدميه.
قال: كنت أتجول في شارع (نوفي شفيات). عمارات على الطراز الباروكي متراصة وموحشة كأنها غير مأهولة، أزاحم المارة مثل طائر. أفرد جناحيه في هواء الغرفة: شابّات يتقافزن في مشيتهن، معاطف جلدية تضيق عند الخصر في كل خطوة، وعيون لاقطة تسحب أشياء الشارع إلى حدقتها.
قالت، أعني الشقراء التي كانت تعبر إلى الرصيف الآخر:
-لماذا تنظر إلي؟
-ولماذا لا؟ جميلة أنتِ.
-شكرا، هل يعني هذا دعوة لقضاء الليلة معا؟
اعتذرت، تركتني ساخطة. كانت قلنسوتها الصفراء ترتعش في خطواتها الغاضبة، حتى اختفت في مدخل جمعية شوبان عبر الشارع. وأنت تغمر وجهك الآن، عتمة. قطعة من ليل. وتلك الشقراء، أين تقضي هذا المساء؟
قال: أشعر بندم. لم يكن هناك ما يدعو إلى الاعتذار. هل كان يومي مزدحما إلى حد لا يتقبل امرأة لليلة واحدة؟
وجهه الآن في العتمة، حاد وصخري. بدلته الرمادية على المشجب تتدلى ثقيلة مثل جثة. ثوبه هامد، مثله. في الردن الأيسر من ثوبه بقعة دهنية بلون الكحل علقت به عندما اصطدم بعارضة قضبان هناك. البقعة الدهنية متعرجة الحواف، تبدو مثل أوراق نبتة متفتحة وأحيانا مثل نهايات أصابع متداخلة.
قال: إنك لا تفهمني. تنقصك الخبرة. لم تعش مثلي.
أطرقت وبصوت خافت خجول قلت: صحيح.
كان هو متنقلا كبيرا كأنه يزحف على خريطة تتسع في كل لحظة. عندما كنت طالبا، كثيرا ما كان يستوقفني أطلس الجغرافيا. كنت أتأمل أنهاره الزرق مثل شرايين القلب والنقاط المتباعدة لحدود البلدان والعواصم والمدن.
أتخيل، الآن، كما لو أنه، هذا المسجّى أمامي، يزحف على خريطة تتسع كل لحظة، يتخطى بقدميه تلك الشرايين ونقاط الحدود البعيدة عابرا من تحت أوراق الأطلس.
في صباح ذلك اليوم، كان حفّار القبور يرمي آخر حفنة تراب على حدبة القبر. أقبل الرجل نحوي، قال بصوت هامس ومتقطع: نحن اللاحقون.
قلت له: لقد دفنتَ حلما.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
| قصة قصيرة لـ محمود عبد الوهاب
_