زاد الخـطــيــب الـــدعـــــوي📚
9.02K subscribers
4 photos
210 files
2.55K links
الـشـبـكـة الـدعـــويــة الـرائـــدة
المتخصصة بالخطـب والمحاضرات
🌧 سـاهـم بالنشـر تؤجـر بـإذن اللـّـه
•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•

للتواصل مع إدارة القناة
إضغط على الرابط التالي
@majd321
Download Telegram
تذكيرًا ﴿ وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ ﴾ [الدخان: 33]، وهو الذي سيمكنها وينصرها رغم أنوف المفسدين ﴿ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الأعراف: 128]. إن مقتضى هذه الحقائق يؤكد أن على الأمة أن تتجه أولًا وقبل أي شيء، نحو الله سبحانه وتعالى لاستجلاب رضاه ومعيته وكفايته ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [هود: 123]،لقد نسي الكثير من الناس في غمرة الأحداث والمحن والمصائب والكوارث أن الله هو الذي بيده الموت والحياة وكل شيء عنده بمقدار، وأنه كتب الآجال، وقدر الأقدار، وحكم بين العباد، ولا يجري في هذا الكون أمر إلا بإرادته ومشيئته، وعنده علم الغيب، لا ينازعه فيه أحد، قال تعالى: ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [الأنعام: 59]، قال عامر بن قيس: (ثلاث آيات من كتاب الله استغنيت بهن على ما أنا فيه: قرأت قول الله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الأنعام: 17]، فعلمت وأيقنت أن الله إذا أراد بي ضرًّا لم يقدر أحد على وجه الأرض أن يدفعه عني، وإن أراد أن يعطيني شيئًا لم يقدر أحد أن يأخذه مني، وقرأت قوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة: 152]، فاشتغلت بذكره جل وعلا عمَّا سواه، وقرأت قوله تعالى: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ [هود: 6]، فعلمت وأيقنت وازددت ثقة بأن رزقي لن يأخذه أحد غيري.لما لجأَ الرجلُ المؤمنُ من آل فرعون إلى الله كُفِي شرُّ قومه، قال سبحانه عنه: ﴿ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ * فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴾ [غافر: 44، 45].

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
*السحر وأثره على المجتمع*
*للشيخ/ عبدالعزيز الفايز*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*الخطبة الأولى:*
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ )
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا )
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا )

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ

خطرٌ عظيم على العقيدة، خطرٌ عظيم على الأفراد، خطرٌ عظيم على المجتمع بأسره؛ إنه السحر، قال الله -جل وعلا-: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) [البقرة: 102].

السحرُ -يا عباد الله- خطرٌ عظيم، فكم من زوج فارق زوجته بسبب السحرة؟ وكم من شخص طريح الفراش بسبب هؤلاء المشعوذين والسحرة أخزاهم الله؟ وكم من تاجر حيل بينه وبين تجارته بسبب السحرة؟ وكم؟ وكم من الأمراض والأدواء بسبب هؤلاء السحرة؟

هؤلاء السحرة خطرهم عظيم يجب على الجميع أن يحاربهم وأن يحذر من شرهم.

ثم -يا عباد الله- لنعلم حقيقةً مهمة أن هؤلاء السحرة أنهم لا يضرون ولا ينفعون، لا يضرون أحدًا إلا بإذن الله -جل وعلا-، فإذا أذن الله -جل وعلا- بذلك حصل ما حصل، فقدرُ الله الكوني يحصل إذا شاء -سبحانه وتعالى-، ويتضرر ذلك الإنسان: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) [البقرة: 102] بإذن الله -جل وعلا-.

ولنعلم حقيقة السحرة، هؤلاء السحرة يتقربون إلى الشياطين، لا يخدمونهم حتى يكفروا بالله -جل وعلا-، فالساحر يتفق مع زعيم من زعماء الشياطين على أن يقوم هذا الحقير الساحر بالتقرب إلى ذلك الزعيم، يعبده من دون الله، يتقرب إليه بأنواع القربات التي يطلبها ذلك الشيطان منه، وقد يفعل أفعالًا كفرية -والعياذ بالله-، كأن يلبس القرآن في قدميه ويدخل إلى الخلاء، وكأن يذبح لغير الله، يطلب منه أن يذبح للشياطين، ولا يذكر اسم الله على تلك الذبيحة ويضعها في مكان يحددها ذلك الشيطان، وقد يكتب سورة الفاتحة منكسة، وغير ذلك.

الشاهد: أن هذا الزعيم من زعماء الشيطان لا يقدم خدمةً لذلك الساحر حتى يكفر بالله -جل وعلا-، حتى يقدم هذا القربان الذي يخرجه من ملة الإسلام، ثم إن هذا الساحر يعتمد على هذا الشيطان، والشيطان كما قال الله -جل وعلا-: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) [النساء: 76].

وهذا الساحر الذي باع دينه ودنياه، أما كونه باع دينه فقد كفر بالله -جل وعلا-، وتقرب إلى هذا الشيطان بأنواع القربات الكفرية.

أما بيع هذا الساحر لدنياه، فإنه يتضرر ضررًا عظيمًا، فإن الشياطين يتسلطون على السحرة في بيوتهم، يأذونهم أشد الأذية، يأذونهم بأنفسهم، يأذونهم بزوجاتهم، يأذونهم بأولادهم؛ فهم باعوا دينهم ودنياهم.

والساحر حقير ولا يجلب لنفسه نفعًا، ولا يدفع عنها ضرًّا، ولذلك يحذر الإنسان من الذهاب إلى هذا الساحر.

تأملوا معي -يا رعاكم الله- التحذير الشديد من الذهاب إلى السحرة سواءً للسؤال فقط أم للتصديق، فقد روى مسلم في صحيحه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من ذهب إلى حرافًا فسأله لم تقبل له صلاةٌ أربعين ليلة".

من ذهب إلى عراف، من ذهب إلى عرافٍ فسأله، لم تُقبل له صلاةٌ أربعين ليلة.
أما من سأل ذلك الكاهن وصدقه، تأموا معي -يا رعاكم الله- هذا الوعيد الشديد، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- كما روى ذلك الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الألباني: "من أتى كاهنًا فسأله فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمدٍ" فقد كفر بما أنزل على محمد.

فليحذر الذين يذهبون إلى السحرة، ويسألونهم ويصدقونهم ويتعلقون بهم، أو يسألونهم عبر وسائل الاتصال، عبر هذه القنوات الهابطة التي تحارب العقيدة، وتنشر الرذيلة.

نعم -يا أمة التوحيد- اعملوا أن السحر وتعلم السحر ناقض من نواقض الإسلام، عدها الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- من نواقض الإسلام العشرة.

فلنحذر من الذهاب إلى السحرة -يا عباد الله-، ولنحذر الناس من الذهاب إلى السحرة ومن سؤال السحرة.

والسحرةُ لهم علامات؛ من العلامات التي تظهر على الساحر، منها:

أولًا: أنه يتمتم بكلماتٍ عند الرقية ويستغيث بالشياطين، وقد يرفع صوته أحيانًا ببعض الأذكار والأمراض، حتى يوهم المريض أنه يرقى رقية شرعية.

ومن علامات الساحر: أنه يسأل عن أم هذا المريض، ويطلب أثرًا من آثار هذا المريض أو ممن طلب أن يضره أو يصرفه أو يعطفه، ونحو ذلك.

وكذلك من علامات أولئك السحرة -أخزاهم الله-: أنهم يعطون المريض شيئًا يتبخر به، أوراقًا يتبخر بها، ويطلبون منه أنه يجلس في غرفة مظلمة، ويطلبون منه أن يعتزل الناس لمدة معينة، وأحيانًا يطلبون منه ألا يمس ماءً لأيامٍ وقد يحددون بأربعين، أو غير ذلك.

الشاهد أنهم يريدون ألا يتقرب إلى الله -جل وعلا-، وأحيانًا يطلبون منه أن يذبح ذبيحة ولا يذكر اسم الله عليها.

ويرى على الساحر من وجهه، يُرى الظلمة في وجهه -والعياذ بالله-.

فلنحذر من هؤلاء السحرة -يا عباد الله-، واللهُ -جل وعلا- جعل لنا أسبابًا نقي بها، نتقي بها شر السحرة، من ذلك -يا عباد الله-: أن يحافظ المسلمُ على الصلاةِ في أوقاتها مع جماعة المسلمين، أن يصلي جميع الصلوات، ويصلي الفجر في جماعة، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم: "من صلى الفجر فهو في ذمة الله"، وورد أيضًا في رواية: "من صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله".

ومن ذلك -يا عباد الله-: أن نقرأ آية الكرسي عند النوم، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "من قرأ آية الكرسي عند النوم لا يزال عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح".

ويقرأ كذلك آية الكرسي دبر كل صلاة.

وكذلك مما يحصن به المسلمُ نفسه من هؤلاء الشياطين: أن يقرأ أذكار الصباح والمساء، يقرأها بلسانه ويتدبر معاني هذه الأذكار بقلبه.

ومما يعينك -أخي المسلم أخي المبارك- ألا تقوم من مصلاك بعد صلاة الفجر وبعد صلاة العصر حتى تقول تلك الأذكار؛ لأنك إذا قمتَ من مصلاك ربما تتشاغل عنها، لكن إذا عودت نفسك أنك لا تقوم من مصلاك بعد صلاة الفجر وصلاة العصر حتى تقول هذه الأذكار وتوقن بها وتعتقد ما جاء فيها، وتعلق قلبك بالله -جل في علاه-.

وأيضًا -يا عباد الله- مما يحصنا من هؤلاء الشياطين أعني السحرة شياطين الجن والإنس: أن يقرأ الإنسان سورة البقرة؛ فقد جاء في صحيح مسلم، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة" والبطلة هم السحرة.

ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم- كما جاء في صحيح مسلم: "إن الشيطان يخرج من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة".

ومن ذلك -يا عباد الله-: أن نقرأ كل ليلة آخر الآيات من سورة البقرة، الآيتين الأخيرتين: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ) [البقرة: 285]، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أن من قرأ هاتين الآيتين كفتاه"، قيل: كفتاه من كل سوء، وقيل: كفتاه من قيام الليل.

فيقرأ الإنسان هذه الأذكار، وكذلك ينفث على نفسه بالمعوذتين والإخلاص عند النوم، ويقرأ كذلك المعوذتين والإخلاص في الصباح وفي المساء، ومن قرأها فإنه لا يضره شيء كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-.ومن قال بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، ثلاث مرات، في الصباح وفي المساء لم يضره شيء.

فلنتق الله -يا عباد الله- ولنحذر هؤلاء المشعوذين الذين انتشر شرهم في هذه الفترة في هذا الزمان عندما ضعف التوكل على الرحمن.

ولتعلم -يا عباد الله- أن الشيطان ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون.

توكلوا على القوي، توكلوا على العزيز الجبار، توكلوا على القهار، توكلوا على من يجلب لكم النفع، توكلوا عن الذي يدفع عنكم الضر، توكلوا على من بيده مقاليد السماوات والأرض -جل جلاله وتقدست أسماؤه-.

وانظر إلى هؤلاء المشعوذين نظرة ازدراء واحتقار، ولا تعظموهم، فهم أحقرُ من أن يجلبوا لأنفسهم نفعًا، وأحقر من أن يدفعوا عن أنفسهم ضرًّا: (وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) [إبراهيم: 12].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.



الخطبة الثانية:
الحمدُ لله الحمد لله حمد الشاكرين، وأصلي وأسلم على سيد الأولين والآخرين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعدُ: فيا عباد الله: اتقوا الله حق تقاته، واعلموا -يا رعاكم الله- أنه ما نزل داء إلا ونزل معه الدواء، ربنا -جل وعلا- رحيم بعباده، صرف لهم ما ينفعهم فأقول لكل من بلي بالسحر: عليك -يا أخي الكريم- أن تفعل الأسباب المشروعة، منها:

أولًا: الرقية الشرعية: ربنا -جل وعلا- يقول: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الإسراء: 82] شفاء، ولم يقل: دواءً، فهذا شفاء يقيني، يقول ابن القيم -رحمه الله-: "إذا وجد الإيمان من الراقي والمرقي عليه، فإن الشفاء متحقق؛ لأن هذا كلام الله: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) [النساء: 122]، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) [النساء: 87] ألا ترون إلى الذي قرأ عليه الصحابي الجليل سورة الفاتحة، فقام كأنما نشط من عقال؟ السم قد انتشر في جسمه، لكن قرأ ذلك بإيمان ويقين، فخرج السم من جسمه.

نعم، فعليك أن تقرأ على نفسك.

واعلم بأن الرقية على النفس هي أفضل أنواع الرقية؛ لأن الرقية -يا عباد الله- دعاء، وليس هناك أخلص من الإنسان لنفسه، فإذا استطاع المريض أن يقرأ على نفسه، فهذا أفضل وأنفع، والمريض مضطر، وربنا -جل وعلا- يقول: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) [النمل: 62].

أيها المضطر، أيها المريض: ناج ربك، وقل: يا الله، أنا مضطر، اللهم اكشف ما بي من مرض، اللهم أزل ما بي من مرض، يا أرحم الراحمين، وأيقن بالشفاء من رب العالمين.

ومن الأسباب -يا عباد الله- التي جعلها ربنا شفاء: ماء زمزم، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ماء زمزم طعام طعم، وشفاء سقم".

ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ماء زمزم لما شرب له".

لا تشرب ماء زمزم للتجربة كما يفعل بعض الناس، اشرب ماء زمزم وكلك إيمان ويقين وثقة بالله -جل وعلا-، وتصديق بما قاله الحبيب -صلى الله عليه وسلم-.

وأيضًا مما يعالج به السحر -يا عباد الله- أن تدعو الله -جل وعلا- أن يبطل هذا السحر، وأن يهديك إلى مكانه، فإذا عرف مكان السحر كما أرشد الله -جل وعلا- بواسطة جبريل، أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى مكان السحر بواسطة جبريل، فأبطل الله -جل وعلا- السحر، أخذوه وأتلفوه.

نعم؛ لأن لبيد بن الأعصم سحر النبي -صلى الله عليه وسلم-.

فمن الطرق: أن نعرف مكان السحر، ثم نبطله بالقراءة عليه، ثم نتلف ذلك السحر، ادع ربك أن يهديك إلى مكانه، ادع ربك أن يشفيك، وناج ربك، والله -جل وعلا- يقول: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) [البقرة: 186].

والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن الله حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردها صفرًا خائبتين".

واعلموا أن الشفاء بيد الله، وأن من أسماء الله -جل وعلا-: الشافي، فقل: يا شافي، اللهم اشفني مما بي.

ومن العلاج -يا عباد الله- استخدام الحبة السوداء؛ فقد جاء في صحيح البخاري: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الحبة السوداء شفاء من كل داء"، شفاء من كل مرض إلا السام إلا الموت.

فالحبة السوداء -يا عباد الله- شفاء من كل مرض.

وكذلك: العسل، وكل الأدوية التي صرفها النبي -صلى الله عليه وسلم- نستخدمها مع اليقين.

ومن ذلك: الحجامة؛ فقد جاء في الصحيحين من حديث أنس: "إن خير ما تداويتم به الحجامة".

فيحتجم المسحور في الموضع الذي يأتيه الألم فيه، لعل الله -سبحانه وتعالى- أن يشفيه وأن يعافيه.

عبادَ اللهِ: صلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله، كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً )
وقال صلى الله عليه وسلم: " مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا "
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين، أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك يا رب العالمين
اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا يا رب العالمين

اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل
اللّهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها
اللّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر
اللّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ )
( رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )

عِبَادَ الله: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )، فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ( وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ )

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
*سيف الله المسلول*
*خــالــد بن الـولـــيــــد*
*للشيخ/ إبراهيم الحقيل*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*الخطبة الأولى:*
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجهم، واهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي وصية الله لنا ولمن قبلنا، (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيدًا) [النساء:131].

أيها المؤمنون: ليست سيرةُ أبي بكر، ولا سيرة عمر، وليست سيرةُ سعد وخالد وأولئك الأبطال العظماء إلا فصولاً متشابهة، أو نسخاً مكررة من سيرة المعجزة الكبرى في تاريخ البشر، سيرة الانبعاث الأعظم لقوى الخير في الإنسان، سيرةِ الفتح الذي حير نوابغ القوَّاد، وأعلام المؤرخين، سيرة الجندي الذي كان منزوياً وراء الرمال، نائماً في وهج الشمس، لا يعرف المجد إلا في الحب والحرب، في كأس خمر أو قصيدة شعر، أو غزوة سلب ونهب، فلما هذبته مدرسة الإيمان صيرته الجندي الأكمل في تاريخ الحروب.

لم يعرف التاريخ جندياً أخلص منه لدينه، ولا أقدم منه إلى غايته، ولا يعرف نفساً أطهر من نفسه، ولا سيفاً أمضى من سيفه.

الجندي الذي مشى في كل واد، وصعد كل جبل، خاض البحار، وعبر الأنهار، وجاب الأرض كلها حتى نصب للإسلام على كل رابية راية، وأبقى للإسلام في كل أرض وطناً لا تقوى على استلابه من أهله مَرَدَة الشياطين.

هؤلاء هم صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورضي الله عنهم وأرضاهم، وهذا أحدهم: كان فارس الإسلام، وليث المشاهد، وقائدَ الجند المجاهدين، هاجر مسلماً في السنة الثامنة للهجرة، فلقيه عمرو بن العاص في الطريق، فقال له: إلى أين أبا سليمان؟ قال: أذهبُ والله أسلم، إنه والله لقد استقام المنسم -أي الطريق-، إن الرجل لنبيٌ ما أشك فيه.

شهد مؤتة والفتح وحنيناً، وحارب أهل الردة، وغزا العراق، وشهد حروب الشام، وهدم العُزَّى فلا عُزى بعدها.

قاتل الأعداء من كل الأجناس، وصارع الأبطال، وبارز الشجعان، ولم يبق في جسده قيد شبر إلا وعليه طابع الشهداء، ثم بعد ذلك ما مات إلا على فراشه! فلا نامت أعين الجبناء!.

لما استشهد قادة جيش مؤتة زيدٌ ثم جعفرٌ ثم ابنُ رواحة -رضي الله عنهم وأرضاهم- أخذ الراية ثابت بن أقرم فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم. قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد.

حمل خالدٌ الراية وما معه إلا بقية ثلاثة آلاف، ويحيط به من العدو مئتا ألف، وليس في الدنيا قائدٌ يستطيع أن ينقذ هذه القبضةَ من الرجال من وسط هذا اللج إلا أن يأتيَ بأعجوبة؛ وقد أتى بها خالد، واستطاع أن يخرج من لجة البحر من غير أن يبتل، وأن ينسحب من وسط اللهب من غير أن يحترق، وأن يسجل للذكاء العربي الذي هذبه الإسلام هذه المنقبة في تاريخ الحروب.

لقد عمل خطة أنقذ بها الجيش من الإبادة، شهد قادة الأعداء قبل الأصدقاء أن تاريخ الحروب لم يسجل مثلها؛ إذ كان يقاتل وهو يحتال للخلوص بالجيش من هذا المأزق المتضايق.

وقتالُ الانسحاب شاق ومرهق، لاسيما وخالد لا يريد إشعار الروم بالحفاظ على الجيش وسحبه.

ودخل الليلُ على المتحاربين فتوقف القتال، فأعاد خالد تنظيم قواته القليلة، فجعل مقدمتَه ساقته، وساقتَه مقدمتَه، وميمنتَه ميسرتَه، وميسرتَه ميمنتَه؛ فأنكر الأعداءُ ما كانوا يعرفون من رايات وهيئة المسلمين وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا، وكان هدفُ خالد مناوشتهم وإلحاقَ الخسائر بهم دون إدخالِ المسلمين في حرب عامة معهم تكون خطراً عليهم، واكتفى بذلك، ثم آثر الانصراف بمن معه.

وهذا العمل من خالد جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يسميه سيف الله، ويطلق على الغزوة فتحاً، حيث قال -عليه الصلاة والسلام-: "ثم أخـذ الرايـة سيف من سيوف الله حتى فتـح الله عليهم" أخرجه البخاري.

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يعدل به وبعمرو بن العاص في الحرب أحداً منذ أسلما.

وأثنى عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "نعم عبد الله وأخو العشيرة خالد بن الوليد!" أخرجه أحمد والحاكم.

وأثنى على عقله فقال -عليه الصلاة والسلام-: "قد كنت أرى لك عقلاً رجوت ألا يسلمك إلا إلى خير" أخرجه ابن سعد وابن عساكر. وهذا العقل الذي مُدح به خالد صنع الأعاجيب في الحروب، وأبرز العبقريات في الشدائد.
كان -رضي الله عنه- لا ينام ولا ينيم إلا على تعبئة، ولا يخفى عليه من أمر عدوه شيء، ومن عجائب ذكائه ودهائه في فتح الأنبار أن العدو حفروا خندقاً يمنع المسلمين الوصولَ إليهم، فما كان من خالد -رضي الله عنه- إلا أن أمر بالإبل فنُحِرَتْ، ثم ألقاها في الخندق، وجعلها جسوراً في الخندق المحفور، حتى وصل إلى العدو وفتح الأنبار.

امتاز خالد -رضي الله عنه- في قيادة الجيش بحسن التنظيم، وسرعة الحركة التي بهر بها عقول قادة الجيوش، العرب منهم والعجم؛ حيث انتقل بعشرة آلاف من الحيرة في العراق إلى الشام، مخترقاً الصحراء التي ليس فيها نقطةُ ماء إلا ما حمله على ظهور الإبل، وما ابتكره من حمل الماء في بطونها؛ فحبس الإبل عن الماء حتى ظمئت، ثم أوردها عليه حتى ارتوت، ثم قطع شفاهها، فأصبح الماء في بطونها نقياً، ينحرون عدداً منها كل يوم فيأكلونها ويشربون ما في بطونها من ماء نقي. كانت المسافةُ تقارب تسعمائة كيلٍ قطعها خالدٌ بجيش جرّار في مدة لا تتجاوز خمسة أيام.

إن الواحد منا لو قطع هذه المسافة بعربته لاحتاج أن يرتاح من عناء سفره؛ ولكن خالداً وجيشه قطعها على ظهور الإبل تحت شمس الهاجرة، ووسط برد الليل، مع الجوع والعطش والخوف.

فلما وصل رأى أمامه جيشاً كثيفاً من الروم، وجيشاً أكثف منه يتجمع قريباً منه، والمجموع مئتان وأربعون ألف مقاتل مدججين بالسلاح، وجيشُ المسلمين لا يزيد على ستة وأربعين ألف مقاتل، سلاحهم ضعيف، ومنزلهم بعيد، والمدد عنهم منقطع، فما شكا خالد بعد رحلته تعباً، ولا ابتغى راحة؛ بل حمل التبعة كاملة، وبادر إلى العمل، وجمع فصائل الجيش تحت قيادته، ونظمه فأحسن تنظيمه.

وعمد إلى الجيش الرومي الأدنى فضربه في أجنادين ضربة أذهبت روعه، وأطارت صوابه، ومزقته شر ممزق.

ثم وثب إلى الجيش الآخر في اليرموك، ويوم اليرموك هو اليومُ الأغرُ في سيرة خالد -رضي الله عنه-، وهو من أيام الإسلام المعدودات، كسر فيه خالد جيش الروم القوي، وفرق شمله الكثيف، وولى الروم مدبرين، ودخلت الشام في حظيرة الإسلام بعد أن بكاها هرقل الروم وهو يقول: عليكِ السلام، سلاماً لا اجتماع بعده، ولا يعود إليك رومي أبداً إلا خائفاً!.

فأين خالدٌ وجيشُه يرون الروم تصول وتجول في أرض الله، وتأمر وتنهى، وتعاهد وتغدر، وتقاطع من تشاء، وتضرب من تشاء متى تشاء، بكل أمنٍ واستعلاء، وتغطرس وكبرياء! ولا يمنعها أحد، بعد أن أضاع الخلف كثيراً مما كان عليه السلف، فالله المستعان.

لقد كان أعداءُ خالد -رضي الله عنه- يعلمون قوة إيمانه، ويدركون حدةَ عقلِه ودهائه، ألبسهم ثياب الهزيمة ثوباً من بعد ثوب، وجرعهم كؤوس الذلِّ كأساً من بعد كأس، وعرفه الروم حق المعرفة؛ وفي معركة الفِراض قال الروم لخالد: إما أن تعبروا إلينا وإما أن نعبر إليكم. فقال خالد: بل اعبروا إلينا. قالوا: فتنحّوا حتى نعبر، فقال خالد: لانفعل ولكن اعبروا أسفل منا. وعندئذٍ قالت الروم والفرس بعضهم لبعض: احتسبوا ملككم، هذا رجل يقاتل عن دين، وله عقل وعلم، ووالله ليُنْصَّرن ولنخُذلنَّ! فعبروا أسفل من جيش خالد فاقتتلوا اقتتالاً شديداً حتى هزمهم خالد وجندُه.

وفي معركةِ كاظمة نزل على غير ماء، ثم أمر مناديه فنادى: جالِدُوهم على الماء؛ فلَعَمْرِي! ليصيرن الماء لأصبر الفريقين، وأكرم الجندين.

وكان رضي الله عنه لا يعتبر بالكثرة قدر اعتباره بالصبر والتنظيم والإقدام؛ فمن مأثورات قوله: إنما تكثرُ الجنودُ بالنصر، وتقلُ بالخذلان، لا بعدد الرجال.

ومع هذه القيادة والسيادة لم يكن بذلك القائد الذي يوجه جنده ولا يُقْدِم، أو يخطط للمعركة ولا يقاتل؛ بل كان يستأثر دون جنده بالمخاطر، ويؤثرهم بالخير والأمان، ويحب لهم ما يحب لنفسه، وكان حبُهم له يزداد كلما ازداد إقداماً وبلاءً وشجاعة، بدليل أن جندَه الذين قاتلوا معه المرتدين، وصاحَبوه في قتاله في العراق والشام عندما عادوا إلى العراق نسوا الفخر كله إلا فخرهم بأيامهم مع خالد -رضي الله عنه وأرضاه-.

ويكفي دليلاً على شدة بأسه وإقدامه أنه قاتل في مؤتة قتالاً مريراً حتى تكسرت تسعةُ أسياف في يده، لولا أن البخاري أخرج ذلك في صحيحه لما كان يصدق!.

ويوم الولجة في حرب الفرس جَبُن الناس عن فارسٍ كان يعدل في الحرب ألف رجلٍ، فخرج إليه خالدٌ فبارزه فصرعه.

وما جيشٌ قابل جيش خالدٍ إلا كان مهزوماً، وما ذاق خالد طعم الهزيمة لا في الجاهلية ولا في الإسلام.

ولما ولي عمرُ الخلافة خاف افتتان الناس بخالدٍ وانتصاراته، وعقله ودهائه؛ فعزله عن القيادة؛ ليُفْهِمَهُم أن النصر من الله، وأن الله ينصرهم بخالدٍ وبغير خالد؛ ليتكلوا على الله لا على بشَر مهما سما وعلا شأنه.
فأبى خالد إلا أن يضم إلى انتصاراته العسكرية انتصاره على نفسه، فامتثل وأطاع، وصار جندياً تحت إمرة أبي عبيدة -رضي الله عنه- وقال قولته المشهورة: إني لا أقاتل لعمر؛ ولكني أقاتل لرب عمر. فرضي الله عنه وأرضاه، وجعل الفردوس الأعلى مأواه. وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية:
الحمد لله حمداً طيباً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: عباد الله: فإن خالداً رضي الله عنه وأرضاه لم يتخلف عن غزوة منذ أسلم، وكان في طليعة جيوش المسلمين الجرارة، ومن أبرزهم حضوراً في المعارك الحاسمة، حتى شغله الجهاد عن كثرة قراءة القرآن. ونعم الشاغلُ الجهادُ في سبيل الله تعالى! قال قيس ابن أبي حازم: سمعت خالداً يقول: منعني الجهادُ كثيراً من القراءة.

ومع شجاعته وإقدامه، ورغم كثرة المعارك التي حضرها، والجراح التي أصابت جسده؛ حتى مافيه موضعُ شبر إلا وفيه جرحٌ؛ فإن الله تعالى كتب له السلامة في حروبه، وقدّر له أن يموت على فراشه، يقول -رضي الله عنه-: لقد حضرت مئة زحف أو زهاءَها، وما في جسدي موضعُ شبر إلا وفيه ضربةٌ أو طعنةٌ أو رميةٌ، وها أنا أموت على فراشي كما يموت العَيْر، فلا نامت أعين الجبناء.

لقد قوي إيمانُه حتى بلغ من قوته أنه أُشرب حبَّ الجهاد في سبيل الله تعالى وخدمة دينه، كان همُّه الأكبر الجهاد في سبيل الله، تعلق به قلبُه دون كل محبوب، ولا أدل على ذلك من قوله: ما من ليلة يُهدَى إليّ فيها عروسٌ أنا لها محبٌ أحبَّ إليَّ من ليلةٍ شديدة البرد، كثيرة الجليد، في سرية، أُصَبِّح فيها العدو.

فلله درُّ خالدٍ رضي الله عنه وأرضاه! وهذا الشعور يملك عليه قلبَه، وتمتلئ به نفسُه، حتى يكون همُه الأكبر الجهادَ في سبيل الله تعالى، وخدمة دينه.

وما تحطمت عروشُ كسرى وقيصر، وفتحت بلدانُ الشرقِ والغرب إلا على أيدي رجال كان هذا همهم، وذاك شعورهم.

ولما تغير ذلك الهمُّ في خلَفهم، وانحصر في الدنيا وحطامها ذَلُّوا وانهزموا، وهانوا واستبيحوا، فهل من خالدٍ وأمثال خالد يعود فيهم يوماً؟!.

عن أبي وائل قال: لما حضرت خالداً الوفاة قال: لقد طلبت القتل مظانَّه فلم يُقَدَّر لي إلا أن أموت على فراشي، وما من عملي شيء أرجى عندي بعد التوحيد من ليلة بتُّها وأنا متترسٌ والسماء تُهِلني ننتظر الصبح حتى نغير على الكفار. ثم قال: إذا متُّ فانظروا إلى سلاحي وفرسي فاجعلوه عدة في سبيل الله.

فلما توفي خرج عمرُ على جنازته وقال: ما على آل الوليد أن يسفحن على خالد من دموعهن ما لم يكن نقعاً أو لقلقلة.

ورضي الله عن خالد، لم يخلف تركة وهو الذي فتح الفتوح، وهدم العروش، وغنم الغنائم، وحمل مثاقيل الذهب والفضة؛ لأنه قاتل لله تعالى لا للدرهم والدينار، ولا للعرش والسلطة التي يتقاتل الناس عليها، ويبذلون في سبيلها كل شيء.

قال نافع: لما مات خالد لم يدع إلا فرسَه وسلاحه وغلامه، فقال عمر: رحم الله أبا سليمان! كان على غير ما ظنناه به.

وقال عمر لما مات خالد: قد ثلم الإسلام ثلمة لا ترتق. وقال: كان والله سدَّاداً لنحور العدوّ، ميمون النقيبة.

ولقد كان -رضي الله عنه- جديراً بمقولة أبي بكر -رضي الله عنه-: عجز النساء أن يلدن مثل خالد. وصدق الصدِّيق رضي الله عنه وأرضاه.

أيها الإخوة: كانت تلك أجزاء يسيرة من سيرة هذا البطل الكرَّار، والقائد المقدام، الذي عاش ستين سنة، قضى ما يقارب شطرها في الجهاد في سبيل الله تعالى، فرضي الله عنه ورضي عن الصحابة أجمعين.

عبادَ اللهِ: صلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله، كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً )
وقال صلى الله عليه وسلم: " مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا "
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين، أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك يا رب العالمين
اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا يا رب العالمين
اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل
اللّهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها
اللّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر
اللّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ )
( رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )

عِبَادَ الله: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )، فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ( وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ )

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
*الاستغفار سبيل الأخيار*
*للشيخ/ عبدالله الطريف*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*الخُطْبَةُ الأُولَى:*
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا)
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيماً)

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها الإخوة: يقول الله -تعالى- في كتابه العزيز: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)[الزمر:53] ويقول: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ)[الحجر: 49، 50]

الغفور، الغفار، غافر الذنب، يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، قابل التوب، الغفور الرحيم، ذو الرحمة؛ أسماءٌ حسنى وصفاتُ كمال، ونعوتُ جلالٍ وأفعالٍ كلها للكبير المتعال, ينادينا بها بأشرف مقامٍ نبلغه وهو مقام عبوديته, فَعَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِيمَا يَروِيهِ عَنِ رَبهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّهُ قَالَ: "يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ"(رواه الترمذي عَنْ أَبِي ذَرٍّ), ورَوى -صلى الله عليه وسلم- عن رَبهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- أَنَّه قَالَ: "يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي؛ غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي, يَا ابْنَ آدَمَ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي؛ غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي, يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا, ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا؛ لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً"(رواه الترمذي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وصححه الألباني).

ولقد دعا الأنبياء جميعاً أممهم للاستغفار, من ذلك: قول الله -تعالى- في كتابه العزيز على لسان نوح -عليه السلام-: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا* يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا)[نوح: 10-12], وقال على لسان رسول الله هودٍ -عليه السلام-: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ)[هود:52]؛ قال ابن كثير -رحمه- الله في تفسيره: "أَمَرَهُمْ نَبِيُ اللهِ هُودٌ -عليه السلام- بِالِاسْتِغْفَارِ الَّذِي فِيهِ تَكْفِيرُ الذُّنُوبِ السَّالِفَةِ، وَبِالتَّوْبَةِ مِنَ الْأَعْمَالِ السَّابِقَةِ وَمَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَسَهَّلَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَحَفِظَ عَلَيْهِ شَأْنَهُ وَقُوَّتَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ)".

أيها الإخوة: أفقٌ وضيء أفقُ المغفرة، وغايةٌ سامية, وأهمُ أسبابها وأيسرُها الاستغفار, ومعناه: طلب الغفران، والغفران تغطية الذنوب والعفو عنها, وقد أمرنا الله -تعالى- به فقال: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ)[فصلت:6], وأمر به نبيه فقال: (وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا)[النساء:106].

وحثنا عليه رسولُ -صلى الله عليه وسلم- بقوله وفعله, فيما يرويه عن ربه: "يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلَّا مَنْ عَافَيْتُ, فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ"(رواه أحمد, وقال أحمد شاكر: صحيح)، وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي؛ وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ"(رواه مسلم عَنْ الْأَغَرِّ الْمُزَنِيِّ)؛ قال شيخنا محمد بن عثيمين: "لَيُغَانُ" أي: يحدثُ له شيء من الكتمة والغم, وما أشبه ذلك", فأين المغمومون والحزانى عن ذلك!.
أيها الإخوة: وبشر رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- المكثرين من الاستغفار بالسرور يوم القيامة والجنة فَقَالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ تَسُرُّهُ صَحِيفَتُهُ فَلْيُكْثِرْ فِيهَا مِنَ الِاسْتِغْفَارِ"(رواه البيهقي في الشعب والطبراني عَنِ الزُّبَيْرِ, وحسنه الألباني), وَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا"(رواه ابن ماجه عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ, وصححه الألباني), وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ, وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ؛ فَيَغْفِرُ لَهُمْ"(رواه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ).

ولعظيم فضله داوم عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودعانا للمداومة عليه، ولنا فيه أسوة حسنة، فقد كان -صلى الله عليه وسلم- كثيرَ الاستغفار، مع أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر, قَالَ ابْنُ عُمَرَ: "كَانَ يُعَدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ مِائَةُ مَرَّةٍ, مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقُومَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ؛ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ"(رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه, قال الألباني: صحيح), وعن زيد مولى رسول الله أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ؛ غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنْ الزَّحْفِ"(رواه أبو داود والترمذي والحاكم وقال: على شرط الشيخين, وصححه الألباني).

أيها الأحبة: ما أحوجنا إلى كثرة الاستغفار وما أسهله على من وفقه الله إليه, فهل نَعمُر به الأوقات، والخلوات؟

أسأل الله -تعالى- لنا لذلك؛ إنه جواد كريم, والحمد لله رب العالمين.

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه ثم توبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.


*الخطبة الثانية:*
الحمد لله غافر الذنب, وقابل التوب شديد العقاب, ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً, أما بعد:

أيها الإخوة: اتقوا الله -تعالى- حق التقوى، ولازموا الاستغفار؛ فإن الاستغفار يخرج العبد من الفعل المكروه إلى الفعل المحبوب, ومن العمل الناقص إلى العمل التام, ويرفع العبد من المقام الأدنى إلى الأعلى منه والأكمل, والعابد العارف بالله يزداد في كل يوم، بل في كل ساعة، بل في كل لحظة علما بالله, وبصيرة في دينه وعبوديته، يجد ذلك في طعامه، وشرابه، ونومه، ويقظته وقوله، وفعله، ويرى تقصيره في حضور قلبه في المقامات العالية؛ فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار، بل هو مضطر إليه دائمًا في كل الأحوال؛ لما فيه من المصالح، وجلب الخيرات، ودفع المضرات، وطلب الزيادة في القوة في الأعمال القلبية والبدنية.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ لَزِمَ الاِسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ"(رواه أبو داود وأحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, قال: ابن حجر في الأمالي المطلقة: هذا حديث حسن غريب, وضعف الألباني سنده وحسن آخرون معناه).

أيها الإخوة: ذكر أهل العلم فوائد كثرة للاستغفار، منها: أن الاستغفار يجلب الغيث المدرار للمستغفرين، ويجعل لهم جنات ويجعل لهم أنهارا، ويكون سببًا في إنعام الله -عز وجل- على المستغفرين بالرزق من الأموال والبنين.

وكثرة الاستغفار تسهل على العبد الطاعات، وتيسر الرزق، وتزيل الوحشة التي بين الإنسان وبين الله، وتصغر الدنيا في عينه.

بالاستغفار يجد المسلم حلاوة الإيمان والطاعة، وتحصل له محبة الله, وهو سبب في زيادة العقل والإيمان، وذهاب الهم والغم والحزن، وفيه تتحقق طهارة الفرد والمجتمع من الأفعال السيئة.

والاستغفار سبب في إقبال الله على المستغفر وفرحه بتوبته, قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ".

والاستغفار سبب لدعاء حملة العرش للمستغفرين, قال الله -تعالى-: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ* رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ
وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ* وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[غافر9:7]

ومن فوائد الاستغفار إغاظة الشيطان: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ! لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ، قَالَ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي"(رواه أحمد وحسنه أحمد شاكر، ورواه الحاكم والبيهقي في الأسماء وصححه الألباني).

أحبتي: من أهم ثمار كثرة الاستغفار في الأمة جماعاتٍ وفُرادى، أنه سببٌ لدفع البلاء والنقم عن العباد والبلاد، ورفع الفتن والمحن عن الأمم والأفراد، لاسيما إذا صدر ذلك عن قلوب موقنة، مخلصة لله مؤمنة به, قال الله -عز وجل-: (وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)[الأنفال: 33] وقال: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَّحِيماً)[النساء:110]. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: ‏"والاستغفار من أكبر الحسنات وبابه واسع, فمن أحس بتقصير في قوله، أو عمله، أو حاله، أو رزقه، أو تقلب قلبه فعليه بالتوحيد والاستغفار؛ ففيهما الشفاء إذا كانا بصدق وإخلاص".

وبعد أحبتي: لِمَا لا يكونُ من ضمن وردنا اليومي الاستغفار, فنحرص على ذكر سيد الاستغفار، والاستغفار مائة مرة في المساء والصباح, وذكر كفارة المجلس بعد كل مجلس, واللهج بالاستغفار أثناء يومنا, وأبشروا ستكون البدايات كلفة, ثم تكون مع الاستمرار -إن شاء الله- ألفة.

ما أحوجنا للاستغفار في كل وقت، وخصوصاً هذا الوقت, فالأمة تمر بمحن ونحن نمر بفتن, نسأل الله أن يجلي المحن ويقينا شر الفتن,

اللهم اجعلنا من المستغفرين, وألهمنا الاستغفار كما نُلهم النفس, وارزقنا التوبة النصوح؛ إنك جواد كريم.

عبادَ اللهِ: صلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله، كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً )
وقال صلى الله عليه وسلم: " مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا "
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين، أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك يا رب العالمين
اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا يا رب العالمين

اللهم بارك لمن حَضَرَ معنا صلاتنا هذه في علمه وعمره وعمله، وبارك له في بدنه وصحته وعافيته، وبارك له في أهله وولده، وبارك له في ماله ورزقه، واجعله يا ربنا مباركًا موفقًا مسددًا أينما حَلَّ أو ارتحل
اللّهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها
اللّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر
اللّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات
( رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ )
( رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ )

عِبَادَ الله: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ )، فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ ( وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ )

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
🎤
*خطبة جمعة بعنوان:*
*لاحول ولاقوة إلا بالله*
*فـوائـدهــا وثـمـــــراتـهـا*
*للشـيخ / عبـدالله الطـيار*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*الخُطْبَةُ الأُولَى:*
الحمدُ للهِ فاطرِ الأكوانِ وباريْها، ومُسيِّرِ الأفلاكِ ومُجْريْها، وخالقِ الدَّوابِ ومُحصِيْها، ومُقسِّمِ الأرزاقِ ومُعْطِيْها، ومقدِّرِ الآجالِ ومُوفيهَا، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدهُ لا شريكَ لهُ الربُّ المعبودُ بحقٍّ، المستحقُ لكلِّ ثناءِ ومجدِ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه، المبشِّرُ من أطاعَ اللهَ بجناتِ عدنٍ، صلَّى اللهُ وسلَّم عليهِ وعلى آلِه وصحبِه إلى يومِ الدينِ.

أما بعدُ: فاتقوا اللهَ -عبادَ اللهِ-؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون)[الحشر:18].

أيُّها المؤمنونَ: المسلمُ في هذِه الدُّنيَا تَمُرُّ به شدائدُ وكرباتٌ ومخاوفُ ومُكدِّراتٌ؛ وهو يحتاجُ معها إلى سببٍ يُقوِّيه، ويُعينُه، ويَصرفُها عنه، ويُهوِّنها عليه، ومن أعظمِ ما يعينُه على تحمُّلِ تلك الأمورِ الحوقلةُ، وهي قولُ: "لا حَولَ ولا قُوةَ إلا بالله"، فهي من أعظمِ الذِّكرِ، وأَحسنِ الدعاءِ، وهي كلمةُ إسلامٍ واستسلامٍ، فلا تحوُّلَ للعبدِ من معصيةٍ إلى طاعةٍ، ولا من فقرٍ إلى غنى، ولا من مرضٍ إلى صحةٍ، ولا من وَهَنٍ إلى قوَّةٍ، ولا من نقصانٍ إلى زيادةٍ، إلا باللهِ -جلَّ وعلا-.

فيها من قُوةِ التَّوحيدِ واليقينِ, والإجلالِ والتوقيرِ للهِ -جلَّ في علاه- ما لا يعلمُ مداهُ إلا اللهُ، وفيها من حسنِ التَّوكلِ والاستعانةِ والتفويضِ الشيءُ العظيمُ، هي كلمةٌ مكانُها تحتَ العرشِ، وغَرْسٌ من غراسِ الجنَّةِ، وبابٌ من أبوابِها، وكنزٌ من كنوزِها، قال النووي -رحمه اللهُ-: "قالَ العلماءُ: سببُ ذلكَ أنَّها كلمةُ استسلامٍ وتفويضِ إلى اللهِ -تعالى-، واعترافٌ بالإذعانِ له، وأنَّه لا صانعَ غيرُه، ولا رادَّ لأمرِه، وأنَّ العبدَ لا يملكُ شيئاً من الأمرِ، ومعنى الكَنْزِ هنا: أنَّه ثوابٌ مدَّخرٌ في الجنَّةِ، وهو ثوابٌ نفيسٌ، كما أنَّ الكنزَ أنفسُ أموالِكم" ا.هـ (شرح مسلم).

وقال شيخُ الإسلامِ -رحمه اللهُ-: "ولْيكن هُجِّيراه ـ أي عادتُه ودأْبُه ـ: " لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ" فإنَّها بها تُحمَلُ الأثقالُ، وتُكابَد الأهوالُ، ويُنالُ رفيعُ الأحوالِ", وقال ابنُ القيِّم -رحمهُ اللهُ-: "وأمَّا تأثيرُ "لا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ" في دفعِ هذا الداءِ -يعني: الكَرْبَ والهَمَّ والغَمَّ والحُزْنَ- فلِمَا فيها مِن كمالِ التفويضِ، والتبرؤِ من الحولِ والقوةِ إلاَّ به، وتسليمِ الأمرِ كلِّهِ لهُ... ولهَا تأثيرٌ عجيبٌ في طَردِ الشيطانِ، واللهُ المستعانُ" ا.هـ

عباد الله: ولهذه الكلمة ثمرات وفوائد عظيمة؛ ومن ذلك:

أنَّها أحبُّ الكلامِ إلى اللهِ -عزَّ وجلَّ-: قالَ -صلى الله عليه وسلم-: "أحبُّ الكلامِ إلى اللهِ: سبحانَ اللهِ لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌّ، لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، سبحانَ اللهِ وبحمدِه"(رواه البخاري في الأدب المفرد).

ومنها: أنَّها كنزٌ من كنوزِ الجنَّةِ؛ لقولِه -صلى الله عليه وسلم- لعبدِاللهِ بن قيسٍ: "ألا أدُلُّكَ على كَلِمَةٍ هِيَ كَنْزٌ مِنْ كُنوزِ الجنةِ؟, لا حولَ ولا قُوَّةَ إلّا باللهِ"(رواه البخاري ومسلم).

ومنها: أنَّها غِراسُ الجنَّةِ؛ فقد روى أحمدُ: "أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ليلةَ أُسريَ به، ... قالَ لهُ إبراهيمُ -عليهِ الصلاةُ والسلامُ-: مُرْ أُمَّتَكَ فَلْيُكْثِرُوا مِنْ غِرَاسِ الْجَنَّةِ؛ فَإِنَّ تُرْبَتَهَا طَيِّبَةٌ وَأَرْضَهَا وَاسِعَةٌ، قَالَ: "وَمَا غِرَاسُ الْجَنَّةِ؟"، قَالَ: لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ"(رواه أحمد وصححه الألباني في الصحيحة).

ومن فوائدها: أنَّها بابٌ من أبوابِ الجنَّةِ, عن قيسِ بنِ سعدِ بن عبادةَ: "أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قالَ له: "أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ؟", قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: "لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ"(رواه الحاكم وأحمد وصححه الألباني في الصحيحة).

ومنها: أنَّ من قالَها من الَّليلِ غُفرَ له: قالَ -صلى الله عليه وسلم-: "مَن تَعارَّ مِنَ اللَّيْلِ، فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ، وهو على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، الحَمْدُ لِلَّهِ، وسُبْحانَ اللَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا باللَّهِ، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، أَوْ دَعا؛ اسْتُجِيبَ له"(رواه البخاري).
ومنها: أنَّها من أفضلِ أذكارِ النَّومِ, قالَ -صلى الله عليه وسلم-: "من قالَ: لا إلهَ إلا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ ولَهُ الحَمدُ، وهوَ علَى كُلِّ شَيءٍ قديرٌ، ولا حَوَّلَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ، سُبحَانَ اللهِ والحَمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا اللهُ واللهُ أكبرُ؛ غُفِرَتْ له ذنوبُه وإن كانت مثلَ زَبَدِ البحرِ"(رواه ابن حبان في صحيحه، وابن السني في عمل اليوم والليلة، وصححه الألباني في الصحيحة).

أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل* فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيم)[آل عمران:173، 174].

باركَ اللهُ لي ولكمْ في القرآنِ العظيمِ, ونفعني وإيَّاكم بما فيهِ من الآياتِ والعظاتِ والذِّكرِ الحكيمِ، فاسْتَغفروا اللهَ إنَّه هو الغفورُ الرحيم.

-------------------------------------------------


الخطبة الثانية:
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ على الرسولِ الكريمِ محمدِ بنِ عبدِ اللهِ النبيِّ الأمينِ، صلى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصحبِه أجمعين.

أما بعدُ: فاتَّقوا اللهَ -عبادَ اللهِ-، واعلموا أنَّ من ثمراتِ لا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ أيضًا:

أنَّها من وصيةُ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لمن سألَه أَنْ يُعلِّمه كلامًا يقولُه, عن مصعبِ بنِ سعدٍ عن أبيه قالَ: "جَاءَ أَعْرابِيٌّ إلى رَسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقالَ: عَلِّمْنِي كَلامًا أَقُولُهُ، قالَ: قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، والْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، سُبْحانَ اللهِ رَبِّ العالَمِينَ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إلّا باللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ"(رواه مسلم).

ومنها: أنَّها تقي صاحبَها من شياطينِ الجنِّ والإنسِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ"، قَالَ: "يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ، فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ، فَيَقُولُ لَهُ: شَيْطَانٌ آخَرُ كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِىَ وَكُفِىَ وَوُقِىَ؟!"(رواه أبو داود وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود).

ومنها: أنَّ من قالَها وهو يشكو تعبًا أو ضعفًا في بدنِه، أو إرهاقًا في عملِه، أو عانى من الأشغالِ الصَّعبةِ؛ فإنَّ لهَا تأثيرًا عجيبًا على قائِلها, بأنْ يجدَ قُوَّةً في بدنِه.

فأكثروا -باركَ اللهُ فيكم- من قولِها، ورَبُّوا أهليكُمْ وأولادِكم على الإكثارِ منهَا؛ فهي من أعظمِ أسبابِ مواجهةِ الصعابِ وتخفيفِ الآلامِ، والأحزانِ، ورفعِ الهُمومِ والغمومِ، ودفعِ الأضرارِ والحوادثِ.

وصلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمد بن عبد الله؛ كما أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)[الأحزاب: 56].
وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميدٌ مجيد.
وارضَ اللهمَّ عن الخلفاء الراشدين؛ أبى بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعلي، وارض اللهم عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، واحمي حوزة الدين يا رب العالمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتبع رضاك يا رب العالمين.

اللهم اشف مرضانا، وعاف مبتلانا، وارحم موتانا يا رب العالمين

اللّهم آت نفوسنا تقواها، زكِّها أنت خير من زكاها، أنت وليُّها ومولاها.
اللّهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، والموت راحةً لنا من كل شر.
اللّهم اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
ربنا إن ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
🎤
*خطبة جمعة بعنوان:*
*من مقوِمات البيت الناجح*
*للشــيخ/ عـمـــر المـشـاري*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌

*الخطبة الأولى:*
إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

عباد الله: عباد الله: إنَّ البيت الناجح هو البيت الذي يؤدي كل فرد من أفراده الحق الذي عليه، فالأب والأم والبنون، كل له دوره المهم في نجاح البيت وسعادته، في حلقة متكاملة، هدفها الوصول إلى ألفة ومحبَّة دائمة، ومن مقوِّمات البيت الناجح ما ألخِّصه في أمور: أولاً: كل بيت يقوم على أركان، وأركان البيت وأعمدته هما الأب والأم، إذ بهما تعمر البيوت، فالأمُّ منبع للحنان والعطف، والحب والرحمة، ودورها هو الدور الأكبر في نجاح البيت.

عباد الله: إنَّ الأم في البيت هي المربية لأبنائها، فإذا كانت كثيرة الخروج منه لغير حاجة، فمن الذي يربي؟ من الذي يملأ البيت عطفاً وحناناً وحبَّاً ووئاماً؟

إنَّ الأمَّ مثل الشمعة المضيئة في بيتها، وبقدر خروجها تنطفئُ تلك الإضاءة، ويحصل فيه ظلمة حتى تعود إليه، وإنَّ الأم التي تقوم بوظيفتها على أكمل وجه في بيتها، لها من الأجور العظيمة ما لا يعلمه إلا الله.

والمرأة إن احتاجت إلى الخروج من بيتها، سواء لوظيفتها أو لغير ذلك، فإنَّها تخرج بكامل حجابها، ثم إذا عادت إليه تقوم بالواجب نحوه ولا تهمل بيتها، فالله الله أيتها الأمهات قُمنَ بواجبكنَّ في البيوت تربية وتأديباً وخدمةً وقدوةً حسنة، جزاكنَّ الله خيراً.

ثانياً: من مقومات البيت الناجح: قيام الأب بحقِّ بيته عليه، فهو الساعي على أهل بيته، يكدح نهاره طلباً للرزق، لينفق على زوجته وأبنائه وبناته، ويُكرم ضيفه، ومن حقِّ أهل بيته عليه، حسن التوجيه والتأديب والتربية، فلا بد أن يكون قريباً منهم، لا لاهياً عنهم، لا غافلاً عن تربيتهم، لا معرضاً عنهم إلى سهر خارج البيت، فأنت أيها الأب خصيم نفسك إن أخللت بدورك في البيت، وإن أردت بِرَّ أبنائك بك فبُرَّ بهم تربية وتوجيهاً وتقويماً وإصلاحاً ونصحاً، تأمرهم بمعروف وتنهاهم عن منكر، تأمر أبناءك بالصلاة لسبع سنين وتضربهم عليها وهم أبناء عشر سنين، لا تقل هؤلاء ما زالوا صغاراً وقد أمرك النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك، فاحرص أن تصحبهم معك إلى المسجد ليكونوا بجانبك ولتأدبهم بآداب المسجد حتى لا يشوشوا على المصلين.

ثالثاً من مقومات البيت الناجح: أن يكون مبنياً على التقوى، فإذا كان أهل البيت متقين لله، فلا تسل عن سعادة أهله وهناءتهم، وقوة ترابطهم ومحبَّتهم فيما بينهم، وفرق كبير بينه وبين بيت لا يُذكر الله فيه، وتكثر فيه الآثام من غيبة وسلاطة لسان، وتلاعن وشتام، وصوت معازف وآلات لهو، وصور محرَّمة وغيرها من الآثام، فهذا بيت لا يعيش أهله السعادة ولا ينعمون بقوة التماسك ولا تتعمق فيه روابط الألفة والمحبة، ولا يجدون ما يجده أهل البيت المتقين من فوائد وثمرات قطوفها يانعات.

رابعاً من مقومات البيت الناجح: تعاون أهله على الخير كلٌّ منهم يعين الآخر على ما يحتاجه، وبعضهم يكمِّل بعضاً، فالأمُّ تُعين زوجها وأبناءها، والأب يعين زوجته وأبناءه، والأبناء يعينون الأب والأم ويعينون بعضهم، وكذلك إذا احتاجت الأخت إلى أخيها خدمها، وإذا احتاج إليها أخوها خدمته، وفي ذلك أجر عظيم، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ كَانَ لَهُ ابْنَتَانِ أَوْ أُخْتَانِ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمَا مَا صَحِبَتَاهُ، كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ" يَعْنِي السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى (أخرجه ابن أبي شيبه وصححه الألباني)، وإذا احتاج الأب أو الأم شيئاً تسابق الأبناء والبنات تلبيةً وخدمةً وبِرَّاً