□ عباد الله! إن من أعظم ما يُبكي القلب، ويُدمي الفؤاد، أن ترى أمةً عظيمةً كأمتنا، قد انشغلت عن جراحها الكبرى بصراعاتها الصغيرة. انشغلت بخلافاتها، وتفرقت كلمتها، حتى أصبح الأخ يخاصم أخاه، ويطعن بعضُنا بعضًا، بينما العدو يتقدم خطوةً بعد خطوة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]
ضعف في الشعور بالمسؤولية، حتى صار بعض الناس يرى أن القضية لا تعنيه، وأن الأقصى بعيدٌ عنه، وأن الأسرى ليسوا من شأنه.
أين معنى الجسد الواحد؟ أين قوله ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [رواه البخاري (6011)، ومسلم (2586)]
غابت الأولويات، فصارت القضايا الكبرى تُزاحمها تفاهات، وتُنسى المآسي الحقيقية وسط ضجيج لا قيمة له.
أما الإعلام، فقد صار في كثير من صوره أداة تمييع؛ يُضخم الصغير، ويُصغر العظيم، حتى يبرد الإحساس، وتخفت الغيرة.
□ عباد الله! إن ما نراه اليوم ليس جديدًا؛ بل هو سنة ماضية من سنن الله في الأرض. صراعٌ بين الحق والباطل، لا يتوقف، ولا ينتهي، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251]؛ لكن النصر ليس بالأماني، ولا بالشعارات؛ بل بالإيمان الصادق، والعمل الجاد. قال تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7] وزوال الظلم ليس حلمًا؛ بل وعدٌ؛ لكنه مرتبط بقيام الأمة بواجبها.
والابتلاء الذي نعيشه، ليس عقوبة فقط؛ بل تمحيصٌ وإعداد، يميز الله به الصادق من المدعي. قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2]
□ عباد الله! إن أخطر ما يواجه الأمة، ليس عدوها فقط؛ بل ما في داخلها:
– التفرق الذي مزق الصف، والاختلاف الذي أضعف القوة. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]
– والتعلق بالدنيا، والخوف من التضحيات، حتى صار بعض الناس يخشى على راحته أكثر مما يخشى على دينه ومقدساته. قال ﷺ: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». قيل: أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن» قيل: وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» [رواه أبو داود (4297)، وصححه الألباني]
– غياب المشروع الجامع الذي يوحد الأمة، وضعف الوعي بحقيقة الصراع، حتى صار بعض الناس يجهل من عدوه، ومن صديقه.
□ عباد الله! إن الأمة التي تعرف موطن الداء، تستطيع أن تبدأ طريق الدواء:
– وأول ذلك: بناء الوعي الصحيح، وفتح العيون على حقيقة ما يجري، بعيدًا عن التضليل والتزييف.
– ثم إعادة ترتيب الأولويات، فلا يُقدَّم هامشٌ على أصل، ولا تُنسى قضية الأقصى والأسرى وسط زحام الحياة.
– وتربية الأجيال على حب المقدسات، وتعظيمها، وربطهم بها، حتى ينشأ جيلٌ يحمل القضية في قلبه لا في لسانه فقط. قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]
– واستعادة روح المسؤولية، حتى يشعر كل فرد أنه جزء من هذه الأمة، وأن عليه دورًا، مهما كان صغيرًا.
□ عباد الله! إن نصرة الأقصى والأسرى ليست مهمة فئة؛ بل مسؤولية أمة:
– فلا بد من إحياء القضية في الوعي، بأن تبقى حاضرة في القلوب والعقول، لا تغيب، ولا تُنسى.
– ولا بد من ودعم صمود أهل فلسطين، بكل وسيلة مشروعة، مادية كانت أو معنوية.
– ولا بد من تفعيل الضغط الشعبي، بالكلمة الصادقة، والموقف الواضح، وعدم السكوت عن الظلم. قال ﷺ: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» [رواه أبو داود (4344)، والترمذي (2174)، وصححه الألباني]
– ولا بد من نصرة القضية بالمقاطعة، وبكل ما يضعف الظالم، ويقوي المظلوم.
إنها مسؤولية الكلمة، ومسؤولية الموقف، ومسؤولية الوعي؛ فلا يكن أحدنا مجرد متابع؛ بل ليكن شاهد حق، وصاحب موقف؛ فإن الصمت في زمن القضايا خذلان، وإن الحياد في معركة الحق باطل.
قالَ مَن بيدهُ الأمرُ كلُّه، ويعلمُ سرائرَ القلوب، سبحانهُ العزيز الحكيم:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
نسألُ اللهَ أن يوفقنا لتغييرِ ما بأنفسنا من تقصيرٍ وضعف، وأن يجعلَ إصلاحَها سببًا لنُسقِطَ عنّا البلاء، ويعلو بنا فضلُه وهدايته.
أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائر المسلمين؛ فاستغفروه، إنه الغفور الرحيم.
*الخطبة الثانية:*
ضعف في الشعور بالمسؤولية، حتى صار بعض الناس يرى أن القضية لا تعنيه، وأن الأقصى بعيدٌ عنه، وأن الأسرى ليسوا من شأنه.
أين معنى الجسد الواحد؟ أين قوله ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [رواه البخاري (6011)، ومسلم (2586)]
غابت الأولويات، فصارت القضايا الكبرى تُزاحمها تفاهات، وتُنسى المآسي الحقيقية وسط ضجيج لا قيمة له.
أما الإعلام، فقد صار في كثير من صوره أداة تمييع؛ يُضخم الصغير، ويُصغر العظيم، حتى يبرد الإحساس، وتخفت الغيرة.
□ عباد الله! إن ما نراه اليوم ليس جديدًا؛ بل هو سنة ماضية من سنن الله في الأرض. صراعٌ بين الحق والباطل، لا يتوقف، ولا ينتهي، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251]؛ لكن النصر ليس بالأماني، ولا بالشعارات؛ بل بالإيمان الصادق، والعمل الجاد. قال تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7] وزوال الظلم ليس حلمًا؛ بل وعدٌ؛ لكنه مرتبط بقيام الأمة بواجبها.
والابتلاء الذي نعيشه، ليس عقوبة فقط؛ بل تمحيصٌ وإعداد، يميز الله به الصادق من المدعي. قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2]
□ عباد الله! إن أخطر ما يواجه الأمة، ليس عدوها فقط؛ بل ما في داخلها:
– التفرق الذي مزق الصف، والاختلاف الذي أضعف القوة. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]
– والتعلق بالدنيا، والخوف من التضحيات، حتى صار بعض الناس يخشى على راحته أكثر مما يخشى على دينه ومقدساته. قال ﷺ: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها». قيل: أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: «بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن» قيل: وما الوهن؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» [رواه أبو داود (4297)، وصححه الألباني]
– غياب المشروع الجامع الذي يوحد الأمة، وضعف الوعي بحقيقة الصراع، حتى صار بعض الناس يجهل من عدوه، ومن صديقه.
□ عباد الله! إن الأمة التي تعرف موطن الداء، تستطيع أن تبدأ طريق الدواء:
– وأول ذلك: بناء الوعي الصحيح، وفتح العيون على حقيقة ما يجري، بعيدًا عن التضليل والتزييف.
– ثم إعادة ترتيب الأولويات، فلا يُقدَّم هامشٌ على أصل، ولا تُنسى قضية الأقصى والأسرى وسط زحام الحياة.
– وتربية الأجيال على حب المقدسات، وتعظيمها، وربطهم بها، حتى ينشأ جيلٌ يحمل القضية في قلبه لا في لسانه فقط. قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]
– واستعادة روح المسؤولية، حتى يشعر كل فرد أنه جزء من هذه الأمة، وأن عليه دورًا، مهما كان صغيرًا.
□ عباد الله! إن نصرة الأقصى والأسرى ليست مهمة فئة؛ بل مسؤولية أمة:
– فلا بد من إحياء القضية في الوعي، بأن تبقى حاضرة في القلوب والعقول، لا تغيب، ولا تُنسى.
– ولا بد من ودعم صمود أهل فلسطين، بكل وسيلة مشروعة، مادية كانت أو معنوية.
– ولا بد من تفعيل الضغط الشعبي، بالكلمة الصادقة، والموقف الواضح، وعدم السكوت عن الظلم. قال ﷺ: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» [رواه أبو داود (4344)، والترمذي (2174)، وصححه الألباني]
– ولا بد من نصرة القضية بالمقاطعة، وبكل ما يضعف الظالم، ويقوي المظلوم.
إنها مسؤولية الكلمة، ومسؤولية الموقف، ومسؤولية الوعي؛ فلا يكن أحدنا مجرد متابع؛ بل ليكن شاهد حق، وصاحب موقف؛ فإن الصمت في زمن القضايا خذلان، وإن الحياد في معركة الحق باطل.
قالَ مَن بيدهُ الأمرُ كلُّه، ويعلمُ سرائرَ القلوب، سبحانهُ العزيز الحكيم:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
نسألُ اللهَ أن يوفقنا لتغييرِ ما بأنفسنا من تقصيرٍ وضعف، وأن يجعلَ إصلاحَها سببًا لنُسقِطَ عنّا البلاء، ويعلو بنا فضلُه وهدايته.
أقولُ قولي هذا، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائر المسلمين؛ فاستغفروه، إنه الغفور الرحيم.
*الخطبة الثانية:*
الحمدُ للهِ الذي جعلَ في هذه الأمةِ بقيةً من خير، يُحيي بها القلوب بعد موتها، ويوقظ بها الضمائر بعد غفلتها، أحمده سبحانه على ما ابتلى به فطهَّر، وعلى ما قدَّر فدبَّر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل نصرة المظلوم دينًا، وخذلانَه خسرانًا مبينًا، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، بلَّغ الرسالة، وأقام الحجة، وربط بين الإيمان والواقع، وبين العقيدة والمسؤولية؛ فقال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104]
وبعد، عباد الله!
□ فإن من أعظم الأمانات في هذا الزمان، أمانة الكلمة، وأمانة البيان؛ فالعلماء، والدعاة، والإعلاميون، ليسوا مجرد ناقلين للأحداث؛ بل هم صُنّاع وعي، وحراس حقيقة.
إن دورهم أن يكشفوا التضليل، وأن يفضحوا الزيف، وأن يقولوا الحق لا يخافون في الله لومة لائم. قال ﷺ: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» [رواه أبو داود (4344)، والترمذي (2174)، وصححه الألباني]؛ فأين الكلمة الصادقة؟ وأين الصوت الذي يصدع بالحق؟ أين من يجعل الأقصى قضية يومه، والأسرى همَّ ليله؟
إن الصمت في مواطن البيان خيانة، والتهميش المتعمد للقضايا الكبرى جريمة في حق الأمة.
وإن تحويل قضية الأقصى والأسرى إلى أولوية دائمة، هو أول طريق النهضة، وأول خطوة في استعادة الوعي.
□ عباد الله! ليست كل القضايا سواء، ولا كل المعارك تستحق أن تُخاض. وإن من الفقه أن نعرف ما نقدِّم، وما نؤخر، ما نجتمع عليه، وما نؤجله. وقضية الأقصى ليست قضية هامشية؛ بل هي في قلب الصراع، وفي صميم هوية الأمة. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]؛ فلا يجوز أن تُقدَّم الخلافات الثانوية على القضايا المصيرية، ولا أن تُستهلك الطاقات في معارك جانبية، بينما العدو يتقدم.
ووحدة الصف ليست خيارًا تجميليًا؛ بل شرطٌ من شروط النصر. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: 4]
□ عباد الله! إن معركة الأقصى ليست حدودًا وجغرافيا؛ بل هي معركة هوية ووجود؛ فالأقصى ليس مجرد مسجد؛ بل هو بوابة نهضة؛ فإن حفظناه؛ حفظنا أنفسنا، وإن ضيعناه؛ ضاعت منا معالم الطريق.
وإن الصراع اليوم ليس محليًا؛ بل هو صراع حضاري شامل، تُراد فيه إعادة تشكيل الأمة، ونزع هويتها، وفصلها عن دينها. قال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]
وتحرير الأرض لا يكون إلا بتحرير الإنسان، من الخوف، ومن التبعية، ومن الجهل؛ فإذا تحررت النفوس؛ تحررت الأرض، وإذا استيقظت الأمة؛ استعادت دورها، وقادت العالم من جديد.
□ عباد الله! مهما اشتد الظلام؛ فإن الفجر آتٍ لا محالة. وهذه سنن الله، لا تتخلف، ولا تتبدل. قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]
إن الأزمات الكبرى، ليست نهاية؛ بل بداية تحولات عظيمة. وما نراه اليوم، من شدة، وضيق، واضطراب، إنما هو مخاض مرحلة جديدة؛ فالظلم لا يدوم، والطغيان لا يبقى، مهما طال. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]؛ لكن المستقبل لا يُمنح؛ بل يُصنع،
يُصنع بجيلٍ واعٍ، يحمل القضية، ويعيش لها، ويضحي من أجلها.
□ عباد الله! قد يظن بعض الناس أن دوره صغير، وأنه لا يملك شيئًا. وهذا وهمٌ خطير؛ فكل واحدٍ منا له دور، له كلمة، له موقف. قال ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» [رواه مسلم (49)]
والكلمة الصادقة معركة، والموقف الثابت جهاد.
وتربية النفس على الصدق، والثبات، وعدم التلون، هي أساس كل تغيير. ليس المطلوب أن نشعر فقط؛ بل أن نتحرك،
أن نُحوِّل الألم إلى عمل، والتفاعل إلى التزام.
□ عباد الله! الأقصى والأسرى ليسوا خبرًا؛ بل اختبار؛ اختبارٌ لضمير الأمة، اختبارٌ لإيمانها، اختبارٌ لصدقها مع ربها.
والصمت ليس حيادًا؛ بل موقف،
ومن سكت عن الحق وهو قادر؛ فقد خذله.
والنهضة لا تبدأ من الخارج؛ بل من الداخل، ومن إدراك المسؤولية، ومن صدق التوجه إلى الله.
والتغيير لا يأتي دفعة واحدة، بل يبدأ بخطوة، خطوة صادقة، نحو الله، ثم خطوة ثابتة، نحو الواجب.
هذا، وصلوا وسلموا على البشير النذير، والسراج المنير، محمد بن عبد الله، كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ ۚ يٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب : 56].
اللهم صل وسلم وبارك على النبي وآله وارضَ عن الخلفاء الراشدين وعن الصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعلينا معهم برحمتك وفضلك يا رب العالمين!
وبعد، عباد الله!
□ فإن من أعظم الأمانات في هذا الزمان، أمانة الكلمة، وأمانة البيان؛ فالعلماء، والدعاة، والإعلاميون، ليسوا مجرد ناقلين للأحداث؛ بل هم صُنّاع وعي، وحراس حقيقة.
إن دورهم أن يكشفوا التضليل، وأن يفضحوا الزيف، وأن يقولوا الحق لا يخافون في الله لومة لائم. قال ﷺ: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» [رواه أبو داود (4344)، والترمذي (2174)، وصححه الألباني]؛ فأين الكلمة الصادقة؟ وأين الصوت الذي يصدع بالحق؟ أين من يجعل الأقصى قضية يومه، والأسرى همَّ ليله؟
إن الصمت في مواطن البيان خيانة، والتهميش المتعمد للقضايا الكبرى جريمة في حق الأمة.
وإن تحويل قضية الأقصى والأسرى إلى أولوية دائمة، هو أول طريق النهضة، وأول خطوة في استعادة الوعي.
□ عباد الله! ليست كل القضايا سواء، ولا كل المعارك تستحق أن تُخاض. وإن من الفقه أن نعرف ما نقدِّم، وما نؤخر، ما نجتمع عليه، وما نؤجله. وقضية الأقصى ليست قضية هامشية؛ بل هي في قلب الصراع، وفي صميم هوية الأمة. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]؛ فلا يجوز أن تُقدَّم الخلافات الثانوية على القضايا المصيرية، ولا أن تُستهلك الطاقات في معارك جانبية، بينما العدو يتقدم.
ووحدة الصف ليست خيارًا تجميليًا؛ بل شرطٌ من شروط النصر. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: 4]
□ عباد الله! إن معركة الأقصى ليست حدودًا وجغرافيا؛ بل هي معركة هوية ووجود؛ فالأقصى ليس مجرد مسجد؛ بل هو بوابة نهضة؛ فإن حفظناه؛ حفظنا أنفسنا، وإن ضيعناه؛ ضاعت منا معالم الطريق.
وإن الصراع اليوم ليس محليًا؛ بل هو صراع حضاري شامل، تُراد فيه إعادة تشكيل الأمة، ونزع هويتها، وفصلها عن دينها. قال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]
وتحرير الأرض لا يكون إلا بتحرير الإنسان، من الخوف، ومن التبعية، ومن الجهل؛ فإذا تحررت النفوس؛ تحررت الأرض، وإذا استيقظت الأمة؛ استعادت دورها، وقادت العالم من جديد.
□ عباد الله! مهما اشتد الظلام؛ فإن الفجر آتٍ لا محالة. وهذه سنن الله، لا تتخلف، ولا تتبدل. قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]
إن الأزمات الكبرى، ليست نهاية؛ بل بداية تحولات عظيمة. وما نراه اليوم، من شدة، وضيق، واضطراب، إنما هو مخاض مرحلة جديدة؛ فالظلم لا يدوم، والطغيان لا يبقى، مهما طال. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]؛ لكن المستقبل لا يُمنح؛ بل يُصنع،
يُصنع بجيلٍ واعٍ، يحمل القضية، ويعيش لها، ويضحي من أجلها.
□ عباد الله! قد يظن بعض الناس أن دوره صغير، وأنه لا يملك شيئًا. وهذا وهمٌ خطير؛ فكل واحدٍ منا له دور، له كلمة، له موقف. قال ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» [رواه مسلم (49)]
والكلمة الصادقة معركة، والموقف الثابت جهاد.
وتربية النفس على الصدق، والثبات، وعدم التلون، هي أساس كل تغيير. ليس المطلوب أن نشعر فقط؛ بل أن نتحرك،
أن نُحوِّل الألم إلى عمل، والتفاعل إلى التزام.
□ عباد الله! الأقصى والأسرى ليسوا خبرًا؛ بل اختبار؛ اختبارٌ لضمير الأمة، اختبارٌ لإيمانها، اختبارٌ لصدقها مع ربها.
والصمت ليس حيادًا؛ بل موقف،
ومن سكت عن الحق وهو قادر؛ فقد خذله.
والنهضة لا تبدأ من الخارج؛ بل من الداخل، ومن إدراك المسؤولية، ومن صدق التوجه إلى الله.
والتغيير لا يأتي دفعة واحدة، بل يبدأ بخطوة، خطوة صادقة، نحو الله، ثم خطوة ثابتة، نحو الواجب.
هذا، وصلوا وسلموا على البشير النذير، والسراج المنير، محمد بن عبد الله، كما أمركم الله بذلك في كتابه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ ۚ يٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب : 56].
اللهم صل وسلم وبارك على النبي وآله وارضَ عن الخلفاء الراشدين وعن الصحابة أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وعلينا معهم برحمتك وفضلك يا رب العالمين!
اللهم يا ربَّ المسجد الأقصى، ويا ناصر المستضعفين، نسألك أن تُحيي في قلوبنا الإيمان، وأن تردَّنا إليك ردًّا جميلًا، وأن توقظ فينا الشعور بالمسؤولية، فلا نكون من الغافلين ولا من المخذِّلين.
اللهم وحِّد صفوفنا، واجمع كلمتنا على الحق، وألِّف بين قلوبنا، وانزع منَّا التفرق والخذلان، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
اللهم انصر المسجد الأقصى، واحفظه من كيد المعتدين، واكتب لنا شرف نصرته وخدمته، واجعلنا من المرابطين له ولو بقلوبنا وألسنتنا.
اللهم فكَّ أسر الأسرى، وارفع عنهم الظلم، وثبِّتهم في محنتهم، واربط على قلوب ذويهم، واجعلنا من الساعين لنصرتهم، غير المتخلِّين عنهم.
اللهم ارزقنا الصدق في القول والعمل، واجعلنا من أهل المواقف الثابتة، والكلمة الصادقة، والعمل النافع، ولا تجعلنا ممن يقولون ما لا يفعلون.
اللهم أخرجنا من الضعف إلى القوة، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الغفلة إلى اليقظة، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر.
اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، واجعلنا سببًا في نهضة أمتنا، وردِّ عزتها، ورفع رايتها، إنك على كل شيء قدير.
عباد الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90].
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45].
*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
اللهم وحِّد صفوفنا، واجمع كلمتنا على الحق، وألِّف بين قلوبنا، وانزع منَّا التفرق والخذلان، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
اللهم انصر المسجد الأقصى، واحفظه من كيد المعتدين، واكتب لنا شرف نصرته وخدمته، واجعلنا من المرابطين له ولو بقلوبنا وألسنتنا.
اللهم فكَّ أسر الأسرى، وارفع عنهم الظلم، وثبِّتهم في محنتهم، واربط على قلوب ذويهم، واجعلنا من الساعين لنصرتهم، غير المتخلِّين عنهم.
اللهم ارزقنا الصدق في القول والعمل، واجعلنا من أهل المواقف الثابتة، والكلمة الصادقة، والعمل النافع، ولا تجعلنا ممن يقولون ما لا يفعلون.
اللهم أخرجنا من الضعف إلى القوة، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الغفلة إلى اليقظة، واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر.
اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، واجعلنا سببًا في نهضة أمتنا، وردِّ عزتها، ورفع رايتها، إنك على كل شيء قدير.
عباد الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: 90].
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ۖ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45].
*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
Telegram
زاد الخـطــيــب الـــدعـــــوي📚
الـشـبـكـة الـدعـــويــة الـرائـــدة
المتخصصة بالخطـب والمحاضرات
🌧 سـاهـم بالنشـر تؤجـر بـإذن اللـّـه
•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•
للتواصل مع إدارة القناة
إضغط على الرابط التالي
@majd321
المتخصصة بالخطـب والمحاضرات
🌧 سـاهـم بالنشـر تؤجـر بـإذن اللـّـه
•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•
للتواصل مع إدارة القناة
إضغط على الرابط التالي
@majd321
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
*(تحليل قصة طالوت مع جنوده، والسقوطات الأربعة لبني اسرائيل)*
جمع وترتيب الاستاذ مطيع عبدالله الظفاري
الْحَمْدُ لِلَّهِ مَالِكِ الْمُلْكِ، يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ، وَيَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ، يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فهو الذي﴿يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، وَأَزْكَى الْبَشَرِيَّةَ؛ خَيَّرَهُ رَبُّهُ بَيْنَ الْمُلْكِ وَالرِّسَالَةِ، وَبَيْنَ الْعُبُودِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ، فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. *أما بعد*:
إنّ قصص القرآن الكريم هي أحسن القصص، وأصدقها على الإطلاق، كما قال الله تعالى لنبيّه محمد:(نحنُ نقصُ عليكَ أحسَنَ القَصَص)، وقال تعالى:﴿لَقَد كانَ في قَصَصِهِم عِبرَةٌ لِأُولِي الأَلبابِ ما كانَ حَديثًا يُفتَرى وَلكِن تَصديقَ الَّذي بَينَ يَدَيهِ وَتَفصيلَ كُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحمَةً لِقَومٍ يُؤمِنونَ﴾. ومِن هذه القصص القرآنية؛ قصص بني إسرائيل مع أنبيائهم، وما أكثرُها في القرآن الكريم، ومن هذه القصص:(قصة أحد الأنبياء مع بني إسرائيل، والمعروفة بقصة المَلِك طالوت مع جنوده). فبإذن الله تعالى خلال هذه الدقائق المعدودة، سوف نعرف هذه القصة، *وسوف نتعرف أيضاً على السقوطات الأربعة التي حدثت من بني اسرائيل والتي رافقت هذه القصة.*
عباد االله
لقد ذكَر اللهُ قصةَ طالوت في القرآن في سورة البقرة، في سبع آيات فقط وهي قصة حدثت بعد عهد موسى وأخيه هارون عليهما السلام. وذَلِكَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَتَابَعَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ تَرَكُوا دِينَهُمْ، وَفَسَدَتْ أَخْلَاقُهُمْ، وَانْغَمَسُوا فِي الْمُحَرَّمَاتِ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ أَعْدَاءَهُمْ فَاسْتَبَاحُوهُمْ وَسَبَوْهُمْ، فَجَاءَ نَفَرٌ مِنْ كُبَرَائِهِمْ وَأَشْرَافِهِمْ وَسَادَتِهِمْ إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ يَشْكُونَ لَهُ حَالَهُمْ، وَمَا حَلَّ بِهِمْ، وَطَلَبُوا مِنْهُ طَلَبَاً! فقال اللهُ تعالى في مطلع هذه القصة:﴿أَلَم تَرَ إِلَى المَلَإِ مِن بَني إِسرائيلَ مِن بَعدِ موسى...}. إذاً وقْت حدوث هذه القصة هو بعد زمان موسى «ألمْ ترَ» والخطاب هنا موجّهَ لمحمد عليه الصلاة والسلام، أي: أَلَمْ ترَ يا محمد أَلَمْ تسمع، أَلَمْ تعلم، أَلَمْ تشاهد، أَلَمْ يأتِكَ خبرُ هؤلاء القوم وخبر هؤلاء الملأ؟ (والملأ): هم رؤساء القوم ووجهائهم، فهم كبار القوم وأشرافهم، فهؤلاء الملأ جاؤا لنبيّ لهم، ولم يذكر القرآن اسم هذا النبيّ، لكنّ المفسرين ذكروا اسمَه فقد ذكر ابن كثير أنّ اسم هذا النبيّ هو *[شَمْويل]*. وقبل أن نعرف ماذا طلب هؤلاء الوجهاء من هذا النبيّ، نريد أولاً أنْ نعرف مَن هو هذا النبيّ وما قصتُه؟ فكما نعرف أنّ بني اسرائيل اثنا عشر سِبطاً، أي اثني عشر قبيلة، وهؤلاء هم أولاد نبيّ الله يعقوب عليه السلام، فكانت العادة عند بني اسرائيل أنّ النبوة تكون من نسْل وسبطٍ واحد، وهو سبط نبيّ الله [لاَوا]، وأنّ المُلْك والحُكم يكون من نسل وسبطٍ آخر، وهو سبط [يهوذا]، فالنبوة والمُلك لا يجتمعان في سبطٍ واحد في بني اسرائيل. فجاءت فترة من الزمن لم يبقَ من نسل النبوة [من نسل لآوا] إلا رجلٌ واحد، إذا مات هذا الرجل؛ فإنّ النبوة سوف تنقطع من نسل بني اسرائيل كما هي العادة عندهم. عندها قام بنو اسرائيل بتزويج هذا الرجل بإمرأةٍ، لعلّها تُنجِب ولداً ذكَراً ليكون نبيّاً، ويستمر به نسلُ الأنبياء من بعده. وبالفعل تمّ الزواج، وبعد الزواج مات هذا الرجل في أحد المعارك، فقام بنو اسرائيل وقتها بحراسة زوجته الحامل، ووضعوها في بيتٍ محصّنٍ، وقدّموا لها جميع الخدمات حتى تعيش، لعلّها تلِدُ لهم ولداً ذَكَراً يَخْلُف أباه بعد موته. وبعد تسعة أشهر من الحفاظ والرعاية لهذه المرأة، ولدَتْ هذه المرأة إبناً ذكَراً، ففرح بنو اسرائيل به، واهتموا به وحافظوا عليه ورعَوْه صغيراً، فلما كبُر هذا الصبيّ، أوحى اللهُ إليه، وصار نبيّاً من الأنبياء الصالحين.
-فلما أصبح نبيّاً؛ جاء إليه هؤلاء الأشراف من بني اسرائيل، جاءُوه وسألوه وطلبوا منه أنْ يَبعثَ لهم، أي يختار لهم مَلِكاً مناسباً يقودهم للقتال في سبيل الله.{إِذْ قالوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابعَث لَنا مَلِكًا نُقاتِل في سَبيلِ اللَّهِ} نريد أنْ نقاتلَ في سبيل الله، يكفينا ذلٌ وهوان، يكفينا تشريد وتعذيب، جاءت لهم صحوةٌ إيمانية، انتفضت عندهم العقيدة، وبُثَّ في قلوبهم روحُ الجهاد
جمع وترتيب الاستاذ مطيع عبدالله الظفاري
الْحَمْدُ لِلَّهِ مَالِكِ الْمُلْكِ، يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ، وَيَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ، يُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا، وَنَشْكُرُهُ شُكْرًا مَزِيدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فهو الذي﴿يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ، وَأَزْكَى الْبَشَرِيَّةَ؛ خَيَّرَهُ رَبُّهُ بَيْنَ الْمُلْكِ وَالرِّسَالَةِ، وَبَيْنَ الْعُبُودِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ، فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. *أما بعد*:
إنّ قصص القرآن الكريم هي أحسن القصص، وأصدقها على الإطلاق، كما قال الله تعالى لنبيّه محمد:(نحنُ نقصُ عليكَ أحسَنَ القَصَص)، وقال تعالى:﴿لَقَد كانَ في قَصَصِهِم عِبرَةٌ لِأُولِي الأَلبابِ ما كانَ حَديثًا يُفتَرى وَلكِن تَصديقَ الَّذي بَينَ يَدَيهِ وَتَفصيلَ كُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحمَةً لِقَومٍ يُؤمِنونَ﴾. ومِن هذه القصص القرآنية؛ قصص بني إسرائيل مع أنبيائهم، وما أكثرُها في القرآن الكريم، ومن هذه القصص:(قصة أحد الأنبياء مع بني إسرائيل، والمعروفة بقصة المَلِك طالوت مع جنوده). فبإذن الله تعالى خلال هذه الدقائق المعدودة، سوف نعرف هذه القصة، *وسوف نتعرف أيضاً على السقوطات الأربعة التي حدثت من بني اسرائيل والتي رافقت هذه القصة.*
عباد االله
لقد ذكَر اللهُ قصةَ طالوت في القرآن في سورة البقرة، في سبع آيات فقط وهي قصة حدثت بعد عهد موسى وأخيه هارون عليهما السلام. وذَلِكَ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَتَابَعَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ تَرَكُوا دِينَهُمْ، وَفَسَدَتْ أَخْلَاقُهُمْ، وَانْغَمَسُوا فِي الْمُحَرَّمَاتِ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ أَعْدَاءَهُمْ فَاسْتَبَاحُوهُمْ وَسَبَوْهُمْ، فَجَاءَ نَفَرٌ مِنْ كُبَرَائِهِمْ وَأَشْرَافِهِمْ وَسَادَتِهِمْ إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِمْ يَشْكُونَ لَهُ حَالَهُمْ، وَمَا حَلَّ بِهِمْ، وَطَلَبُوا مِنْهُ طَلَبَاً! فقال اللهُ تعالى في مطلع هذه القصة:﴿أَلَم تَرَ إِلَى المَلَإِ مِن بَني إِسرائيلَ مِن بَعدِ موسى...}. إذاً وقْت حدوث هذه القصة هو بعد زمان موسى «ألمْ ترَ» والخطاب هنا موجّهَ لمحمد عليه الصلاة والسلام، أي: أَلَمْ ترَ يا محمد أَلَمْ تسمع، أَلَمْ تعلم، أَلَمْ تشاهد، أَلَمْ يأتِكَ خبرُ هؤلاء القوم وخبر هؤلاء الملأ؟ (والملأ): هم رؤساء القوم ووجهائهم، فهم كبار القوم وأشرافهم، فهؤلاء الملأ جاؤا لنبيّ لهم، ولم يذكر القرآن اسم هذا النبيّ، لكنّ المفسرين ذكروا اسمَه فقد ذكر ابن كثير أنّ اسم هذا النبيّ هو *[شَمْويل]*. وقبل أن نعرف ماذا طلب هؤلاء الوجهاء من هذا النبيّ، نريد أولاً أنْ نعرف مَن هو هذا النبيّ وما قصتُه؟ فكما نعرف أنّ بني اسرائيل اثنا عشر سِبطاً، أي اثني عشر قبيلة، وهؤلاء هم أولاد نبيّ الله يعقوب عليه السلام، فكانت العادة عند بني اسرائيل أنّ النبوة تكون من نسْل وسبطٍ واحد، وهو سبط نبيّ الله [لاَوا]، وأنّ المُلْك والحُكم يكون من نسل وسبطٍ آخر، وهو سبط [يهوذا]، فالنبوة والمُلك لا يجتمعان في سبطٍ واحد في بني اسرائيل. فجاءت فترة من الزمن لم يبقَ من نسل النبوة [من نسل لآوا] إلا رجلٌ واحد، إذا مات هذا الرجل؛ فإنّ النبوة سوف تنقطع من نسل بني اسرائيل كما هي العادة عندهم. عندها قام بنو اسرائيل بتزويج هذا الرجل بإمرأةٍ، لعلّها تُنجِب ولداً ذكَراً ليكون نبيّاً، ويستمر به نسلُ الأنبياء من بعده. وبالفعل تمّ الزواج، وبعد الزواج مات هذا الرجل في أحد المعارك، فقام بنو اسرائيل وقتها بحراسة زوجته الحامل، ووضعوها في بيتٍ محصّنٍ، وقدّموا لها جميع الخدمات حتى تعيش، لعلّها تلِدُ لهم ولداً ذَكَراً يَخْلُف أباه بعد موته. وبعد تسعة أشهر من الحفاظ والرعاية لهذه المرأة، ولدَتْ هذه المرأة إبناً ذكَراً، ففرح بنو اسرائيل به، واهتموا به وحافظوا عليه ورعَوْه صغيراً، فلما كبُر هذا الصبيّ، أوحى اللهُ إليه، وصار نبيّاً من الأنبياء الصالحين.
-فلما أصبح نبيّاً؛ جاء إليه هؤلاء الأشراف من بني اسرائيل، جاءُوه وسألوه وطلبوا منه أنْ يَبعثَ لهم، أي يختار لهم مَلِكاً مناسباً يقودهم للقتال في سبيل الله.{إِذْ قالوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابعَث لَنا مَلِكًا نُقاتِل في سَبيلِ اللَّهِ} نريد أنْ نقاتلَ في سبيل الله، يكفينا ذلٌ وهوان، يكفينا تشريد وتعذيب، جاءت لهم صحوةٌ إيمانية، انتفضت عندهم العقيدة، وبُثَّ في قلوبهم روحُ الجهاد
في سبيل الله، فقالوا لهذا النبيّ[شَمويل]: ابعث لنا ملِكاً نقاتل تحت رايته في سبيل الله. ولكون نبيِّهم هذا يعلم حقيقةَ طبائعهم، مِن خَوَر العزائم، وضعف الهِمم، وزيف النوايا؛ أراد أن يستوثِق منهم، فـ{قالَ هَل عَسَيتُم إِنْ كُتِبَ عَلَيكُمُ القِتالُ أَلّا تُقاتِلوا} قال لهم: مَن يدري إذا فُرِضَ عليكم الجهاد، وأَرسلَ اللهُ لكم ملِكاً، لربما تنقصون عن الجهاد، وتتراجعون عن قولكم هذا؟ قال لهم ذلك قبل أن يدعو اللهَ، ويطلب منه هذا الطلب! قال لهم: ألاَ يُتوقع منكم الجُبْن، وترك القتال؟ ألاَ يُتوقع منكم إنْ أمرَكم اللهُ بالجهاد ألاّ تقاتلوا؟ يمكن هذا الطلب منكم حمَاسةً وقْتِيَّة؟ فقالوا له: لا، نحن مستعدون للجهاد، حبّ الجهاد يجري في دمائنا {قالوا وَما لَنا أَلّا نُقاتِلَ في سَبيلِ اللَّهِ وَقَد أُخرِجنا مِن دِيارِنا وَأَبنائِنا} قالوا لماذا نجبن عن القتال؟ ولماذا نتهرب عن الجهاد؟ وهناك مبررات ومسبِبات لطلب هذا الجهاد؛ فقد أُخرِجنا من ديارنا، وقد أسَر الأعداءُ أبناءَنا، وقد طُردنا من بلادنا، لقد سُلِبت منّا كرامتُنا، ونُهِبت منّا مقدساتُنا، نحن المظلومون، أنتَ أرسل لنا ملِكاً فقط، ونحن سوف نقاتل تحت إمارته، ونجاهد تحت إدارته، وبدون ترددٍ، أو تراجع، نحن متعطشون للجهاد في سبيل الله. فسبحان الله! {فَلَمّا كُتِبَ عَلَيهِمُ القِتالُ تَوَلَّوا إِلّا قَليلًا مِنهُم وَاللَّهُ عَليمٌ بِالظّالِمينَ}. فلما فرَضَ اللهُ عليهم الجهاد، تولوْا وتركوا الجهاد، ونكصوا وتراجعوا عن وعدهم الذي قطعوه على أنفسهم عند نبيّهم شمويل، فكان هذا هو السقوط الأول لهم.
1/- *هذا أول سقوط لبني اسرائيل عند نبيهم {فَلَمّا كُتِبَ عَلَيهِمُ القِتالُ تَوَلَّوا إِلّا قَليلًا مِنهُم}*، هنا ظهرت سِمة نقْض العهد ونكْث الوعد، ظهرت سِمة التفَلّت والتهرّب عن فعْل التكاليف، وهذه سِمةٌ وصِفةٌ متكررة في كل زمان ومكان عند كلّ الأمم. وهكذا تبيَّن أنَّ اندفاعهم الأوَّل للقتال كان مجرَّد نزوة عابرة وحمَاسةً وقْتِيَّة، لم تَصمُد أمام الخطوات العملية الأولى. {وَاللَّهُ عَليمٌ بِالظّالِمينَ} فاللهُ وحده يعلم مَن يظلم نفسَه، فيحمِّلها ويكلّفها ما لاتقدر على الوفاء به.
-وقولُه تعالى:{تَوَلَّوا إِلّا قَليلًا منهم} دليلٌ على أنّ هناك فئةً قليلةً مؤمنةً تفي بوعد الله، تفي بالوعود التي تقطعها على أنفسها، فئةٌ مؤمنة صادقة في إيمانها مطيعةٌ لأوامر ربها (إلا قليلاً منهم) فهؤلاء القلّة القليلة هم مَن يَنصُر اللهُ بهم دينَه، ويُعلِي بهم رايتَه، وتُحفظ بهم بيضةُ الإسلام. فهذه هي حكمة الله، فرغْم عِلْمُ اللهِ السابق؛ أنّ هناك عدداً كثيراً من هؤلاء الناس سوف ينكثون عن هذا العهد، ولا يجاهدون في سبيل الله ولا يستجيبون لأمر الله؛ مع هذا كلِّه؛ فقد استجاب اللهُ لطلب هذا النبيّ، ففرض اللهُ عليهم الجهاد، واختار لهم ملِكاً، ابتلاءً لهم، تدرون لماذا؟ لشيئَيْن اثنيين:
الأول: ليعلمَ اللهُ الصادقَ مِن عباده مِن الكاذب، كما قال الله تعالى:﴿وَلَقَد فَتَنَّا الَّذينَ مِن قَبلِهِم فَلَيَعلَمَنَّ اللَّهُ الَّذينَ صَدَقوا وَلَيَعلَمَنَّ الكاذِبينَ﴾.
والثاني: لإظهار فضْل هؤلاء القِلة القليلة الصادقة، ليُظهرَ اللهُ فضلَهم على غيرهم، ويصطفيهم اللهُ من بين العدد الكثير من الناس (إلا قليلاً منهم) وهذه القلة القليلة الصادقة سوف ترافقنا في كل مراحل هذه القصة.
-ثم قال اللهُ تعالى بعدها:﴿وَقالَ لَهُم نَبِيُّهُم إِنَّ اللَّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طالوتَ مَلِكًا} قال لهم نبيُهم: لقد استجاب اللهُ لطلبكم وقد اختار اللهُ لكم طالوتَ ملِكاً عليكم (فقد جاء قرارٌ بتعيين طالوت ملِكًا على بني إسرائيل بأمرٍ إلهي، وقد بلَّغَهم بهذا القرار نبيُّهم عليه السلام) {إِنَّ اللَّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طالوتَ مَلِكًا}، وهذا الخطاب موجّه لمن بقِي من بني إسرائيل مع هذا النبيّ، للذين مازال فيهم حبُّ الجهاد، والرغبة في القتال.
2/- *وهنا جاء السقوط الثاني*: فقد قالوا معترضين ومستنكرين هذا الاختيار لطالوت عليهم: {قالوا أَنّى يَكونُ لَهُ المُلكُ عَلَينا وَنَحنُ أَحَقُّ بِالمُلكِ مِنهُ، وَلَم يُؤتَ سَعَةً مِنَ المالِ}؟. فكيف يتولى طالوت علينا؟ فهو رجلٌ فقير وليس ذا مالٍ، وكذلك ليس من ذريّة أو نسْل الملوك.
[وقد كان طالوتُ رجلاً فقيراً، يعمل دبّاغاً للجلود، نعم هو منهم، ولكنّه ليس من نسْل يهوذا، لكنّه كان رجلاً مؤمناً وتقيّاً، وكان صاحبَ علم دين وشريعة، وصاحب حُجّة قوية، وصاحب جسم قوي].
-فبنو اسرائيل ردّوا ولايةَ طالوت عليهم حـين{قالوا أَنّى يَكونُ لَهُ المُلكُ عَلَينا، وَنَحنُ أَحَقُّ بِالمُلكِ مِنهُ، وَلَم يُؤتَ سَعَةً مِنَ المالِ} لسببين هما: الأول: أنه ليس من نسْل الملوك، فليس فيه دمّ مَلكي، أي ليس من نسل ملوك يهوذا.
1/- *هذا أول سقوط لبني اسرائيل عند نبيهم {فَلَمّا كُتِبَ عَلَيهِمُ القِتالُ تَوَلَّوا إِلّا قَليلًا مِنهُم}*، هنا ظهرت سِمة نقْض العهد ونكْث الوعد، ظهرت سِمة التفَلّت والتهرّب عن فعْل التكاليف، وهذه سِمةٌ وصِفةٌ متكررة في كل زمان ومكان عند كلّ الأمم. وهكذا تبيَّن أنَّ اندفاعهم الأوَّل للقتال كان مجرَّد نزوة عابرة وحمَاسةً وقْتِيَّة، لم تَصمُد أمام الخطوات العملية الأولى. {وَاللَّهُ عَليمٌ بِالظّالِمينَ} فاللهُ وحده يعلم مَن يظلم نفسَه، فيحمِّلها ويكلّفها ما لاتقدر على الوفاء به.
-وقولُه تعالى:{تَوَلَّوا إِلّا قَليلًا منهم} دليلٌ على أنّ هناك فئةً قليلةً مؤمنةً تفي بوعد الله، تفي بالوعود التي تقطعها على أنفسها، فئةٌ مؤمنة صادقة في إيمانها مطيعةٌ لأوامر ربها (إلا قليلاً منهم) فهؤلاء القلّة القليلة هم مَن يَنصُر اللهُ بهم دينَه، ويُعلِي بهم رايتَه، وتُحفظ بهم بيضةُ الإسلام. فهذه هي حكمة الله، فرغْم عِلْمُ اللهِ السابق؛ أنّ هناك عدداً كثيراً من هؤلاء الناس سوف ينكثون عن هذا العهد، ولا يجاهدون في سبيل الله ولا يستجيبون لأمر الله؛ مع هذا كلِّه؛ فقد استجاب اللهُ لطلب هذا النبيّ، ففرض اللهُ عليهم الجهاد، واختار لهم ملِكاً، ابتلاءً لهم، تدرون لماذا؟ لشيئَيْن اثنيين:
الأول: ليعلمَ اللهُ الصادقَ مِن عباده مِن الكاذب، كما قال الله تعالى:﴿وَلَقَد فَتَنَّا الَّذينَ مِن قَبلِهِم فَلَيَعلَمَنَّ اللَّهُ الَّذينَ صَدَقوا وَلَيَعلَمَنَّ الكاذِبينَ﴾.
والثاني: لإظهار فضْل هؤلاء القِلة القليلة الصادقة، ليُظهرَ اللهُ فضلَهم على غيرهم، ويصطفيهم اللهُ من بين العدد الكثير من الناس (إلا قليلاً منهم) وهذه القلة القليلة الصادقة سوف ترافقنا في كل مراحل هذه القصة.
-ثم قال اللهُ تعالى بعدها:﴿وَقالَ لَهُم نَبِيُّهُم إِنَّ اللَّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طالوتَ مَلِكًا} قال لهم نبيُهم: لقد استجاب اللهُ لطلبكم وقد اختار اللهُ لكم طالوتَ ملِكاً عليكم (فقد جاء قرارٌ بتعيين طالوت ملِكًا على بني إسرائيل بأمرٍ إلهي، وقد بلَّغَهم بهذا القرار نبيُّهم عليه السلام) {إِنَّ اللَّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طالوتَ مَلِكًا}، وهذا الخطاب موجّه لمن بقِي من بني إسرائيل مع هذا النبيّ، للذين مازال فيهم حبُّ الجهاد، والرغبة في القتال.
2/- *وهنا جاء السقوط الثاني*: فقد قالوا معترضين ومستنكرين هذا الاختيار لطالوت عليهم: {قالوا أَنّى يَكونُ لَهُ المُلكُ عَلَينا وَنَحنُ أَحَقُّ بِالمُلكِ مِنهُ، وَلَم يُؤتَ سَعَةً مِنَ المالِ}؟. فكيف يتولى طالوت علينا؟ فهو رجلٌ فقير وليس ذا مالٍ، وكذلك ليس من ذريّة أو نسْل الملوك.
[وقد كان طالوتُ رجلاً فقيراً، يعمل دبّاغاً للجلود، نعم هو منهم، ولكنّه ليس من نسْل يهوذا، لكنّه كان رجلاً مؤمناً وتقيّاً، وكان صاحبَ علم دين وشريعة، وصاحب حُجّة قوية، وصاحب جسم قوي].
-فبنو اسرائيل ردّوا ولايةَ طالوت عليهم حـين{قالوا أَنّى يَكونُ لَهُ المُلكُ عَلَينا، وَنَحنُ أَحَقُّ بِالمُلكِ مِنهُ، وَلَم يُؤتَ سَعَةً مِنَ المالِ} لسببين هما: الأول: أنه ليس من نسْل الملوك، فليس فيه دمّ مَلكي، أي ليس من نسل ملوك يهوذا.
والثاني: أنّه رجلٌ فقير، وليس من الأغنياء، فكان المعيار في الولاية عندهم المال، وليس الكفاءة، ولا حتى الإصطفاء الرباني. [ومتى كان المُلُك بالوارثة؟ ومتى كانت القيادة خاصة بالأغنياء دون غيرهم؟ وأيضاً ما دخْل الثروة في قيادة الجيوش وإدارة الحروب؟ هكذا كان اعتقادهم].
فردّ عليهم هذا النبيّ وقال لهم: اللهُ هو الذي اختاره عليكم، هذا اختيار اللهُ، وليس اختياري أنا، أنا فقط دعوتُ اللهَ، واللهُ هو الذي اصطفاه عليكم، فـ{قالَ إِنَّ اللَّهَ اصطَفاهُ عَلَيكُم وَزادَهُ بَسطَةً فِي العِلمِ وَالجِسمِ} فالمُلْك ليس بالتوارث، بل هو اصطفاء، المُلك ليس من شرْطه أن يكونَ صاحبُه ذا نسبٍ، أو ذا شرفٍ، أو ذا مالٍ، هذا ميزان البشر، أما الميزان عند الله فهو التقوى، والايمان، والعلم، والخبرة، والقوة. فاللهُ تعالى اختاره عليكم، ومِن بينكم لسببين اثنيين وهما: زيادة بسطةً في العلم والجسم، فهم ردّوا ولايتَه لسببين، واللهُ فضّله عليهم أيضاً لسببين:
الأول: أنّ لدى طالوت قوة عقل، وسعة علم، وكثرة تجارب...«بسْطةً في العلِم».
الثاني: أنّ لديه قوةً في الجسم، فقد كان طالوتُ ذا هيبة، قويّ البُنية، عريضَ المنكبين، طويل القامة، ضخم الجُثّة، مَن يراه يهَابه. وهذه هي مواصفات القيادة الحكيمة، فهو اختيارٌ وِفْق مرادِ الله وشرعِه، وبسطةٌ في العلم والفقه والحكمة، وصحةٌ وسلامةٌ في البدن والحواسِّ.
-ثمّ قال لهم نبيُّهم بعدها:{وَاللَّهُ يُؤتي مُلكَهُ مَن يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَليمٌ} فالمُلك يُؤتيه اللهُ لمن يشاء من عباده، فمَن يُعطي المُلك أو ينزعه هو اللهُ وحده، وليس أنا أو أنتم، فاللهُ هو الذي يُعطي ملكَه لمن يستحقه ولمن يريد، فهو فعّال لما يريد {واللهُ واسعٌ عليمٌ} فهو ذو سِعة في علمه، محيطٌ بكل شيء، عليم بأحوال عباده، وبما يصلح لهم، ومِن بين ذلك الحُكم والمُلْك {وَاللَّهُ يُؤتي مُلكَهُ مَن يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَليمٌ}.
-ثم قال لهم نبيُهم:﴿... إِنَّ آيَةَ مُلكِهِ أَنْ يَأتِيَكُمُ التّابوتُ فيهِ سَكينَةٌ مِن رَبِّكُم وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ موسى وَآلُ هارونَ تَحمِلُهُ المَلائِكَةُ إِنَّ في ذلِكَ لَآيَةً لَكُم إِن كُنتُم مُؤمِنين}.
فيبدو أنّ القوم مازلوا معترضين على ولاية طالوت عليهم، فهم مازالوا رافضين أنْ يكون طالوت ملِكاً عليهم، وأنه مختار من عند الله، فهم مازالوا عند عنادهم، فلم يُذعنوا لحكْم ربهم، باختيار طالوت ملِكاً عليهم. عندها أعطى اللهُ للمَلِك طالوت أيةً ومعجزةً من السماء، تُثبِتْ للقوم أنّه مَلِكٌ مختارٌ من عند الله، وهذه الآية هي الإتيان بالتابوت عن طريق الملائكة. فقال لهم نبيُهم: «إِنَّ آيَةَ مُلكِهِ أَنْ يَأتِيَكُمُ التّابوتُ» فماهو هذا التابوت وما قصتُه؟ وماذا يوجد في داخل هذا التابوت؟ والجواب: أنّ هذا التابوت هو عبارة عن صندوق خشبي، كانوا يضعون فيه ما تبقى من ألواح موسى التي أعطاها اللهُ له، وفي داخله أيضاً عصا موسى، وعمامة نبيّ اللهِ هارون عليهما السلام، فقد كان بنو اسرائيل يأخذون معهم هذا الصندوق في المعارك والحروب ضد أعدائهم تبركاً به، فإنه لما كانوا يشاهدون هذا التابوت في المعركة؛ فإنّهم يتفاءلون بالنصر، وحُسنِ العاقبة، لأنّ هذا التابوت يَرمز عندهم لشيءٍ مقدّس، فيقاتِلون من أجله، ويندفعون للقتال بشراسةٍ وبقوةٍ وجِدّية، تبركاً بما في داخل هذا الصندوق.
فجاءت فترةٌ من الحروب مع أعدائهم كانت نتيجتُها أنْ سُلِبَ منهم هذا الصندوق، وصار مع أعدائهم لسنوات طويلة، ولم يستطيعوا استرجاعه منهم، رغم كثرة المحاولات لذلك، فقد كانت أمنيتُهم أنْ يَرجعَ إليهم هذا التابوت.
-فنبيُّهم (شَمْويل) قال لهم مبيّناً صدْق ولاية طالوت عليهم، وأنه مختار من عند الله، أنّ اللهَ سوف يُرجِع لكم هذا التابوت المفقود، (آيةً) أي علامة لصدق ولاية طالوت عليكم، وأنّ الذي سوف يأتي بهذا التابوت هم الملائكة! وهذه في حدّ ذاتها معجزة، فالملائكةُ هم الذين يحملون هذا التابوت إليكم، وليست مثلاً الرياح تحمله، أو أنّه جاء لوحده وظهر فجأة ولا يرافقه أحد. {إِنَّ آيَةَ مُلكِهِ أَنْ يَأتِيَكُمُ التّابوتُ فيهِ سَكينَةٌ مِن رَبِّكُم وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ موسى وَآلُ هارونَ تَحمِلُهُ المَلائِكةُ}. وشيءٌ تحمله الملائكة لهو شيءٌ عظيم.
[قال ابن جريج قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت، والناس ينظرون].
وهذا المشهد -مشهد إرجاع التابوت المفقود من سنوات- مشهدٌ يراه قاسي القلب، ومُنكِر صدق ولاية طالوت عليه؛ إنه لمشهدٌ عظيم يجعل أصحابَ القلوب القاسية تَلين، وأصحابَ الأفْئدة المتحجرة تسجد لله شكراً، وتقوم من سجودها وتقول [آمنّا بالله، وصدّقْنا أنّك ياطالوت مَلِكُنا من عند الله]. {إِنَّ في ذلِكَ لَآيَةً لَكُم إِنْ كُنتُم مُؤمِنين}. إنّ في إتيان هذا التابوت، والملائكة تحمله إليكم لآيةً لكم إنْ كنتم مصدّقِين بولاية طالوت عليكم.
فردّ عليهم هذا النبيّ وقال لهم: اللهُ هو الذي اختاره عليكم، هذا اختيار اللهُ، وليس اختياري أنا، أنا فقط دعوتُ اللهَ، واللهُ هو الذي اصطفاه عليكم، فـ{قالَ إِنَّ اللَّهَ اصطَفاهُ عَلَيكُم وَزادَهُ بَسطَةً فِي العِلمِ وَالجِسمِ} فالمُلْك ليس بالتوارث، بل هو اصطفاء، المُلك ليس من شرْطه أن يكونَ صاحبُه ذا نسبٍ، أو ذا شرفٍ، أو ذا مالٍ، هذا ميزان البشر، أما الميزان عند الله فهو التقوى، والايمان، والعلم، والخبرة، والقوة. فاللهُ تعالى اختاره عليكم، ومِن بينكم لسببين اثنيين وهما: زيادة بسطةً في العلم والجسم، فهم ردّوا ولايتَه لسببين، واللهُ فضّله عليهم أيضاً لسببين:
الأول: أنّ لدى طالوت قوة عقل، وسعة علم، وكثرة تجارب...«بسْطةً في العلِم».
الثاني: أنّ لديه قوةً في الجسم، فقد كان طالوتُ ذا هيبة، قويّ البُنية، عريضَ المنكبين، طويل القامة، ضخم الجُثّة، مَن يراه يهَابه. وهذه هي مواصفات القيادة الحكيمة، فهو اختيارٌ وِفْق مرادِ الله وشرعِه، وبسطةٌ في العلم والفقه والحكمة، وصحةٌ وسلامةٌ في البدن والحواسِّ.
-ثمّ قال لهم نبيُّهم بعدها:{وَاللَّهُ يُؤتي مُلكَهُ مَن يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَليمٌ} فالمُلك يُؤتيه اللهُ لمن يشاء من عباده، فمَن يُعطي المُلك أو ينزعه هو اللهُ وحده، وليس أنا أو أنتم، فاللهُ هو الذي يُعطي ملكَه لمن يستحقه ولمن يريد، فهو فعّال لما يريد {واللهُ واسعٌ عليمٌ} فهو ذو سِعة في علمه، محيطٌ بكل شيء، عليم بأحوال عباده، وبما يصلح لهم، ومِن بين ذلك الحُكم والمُلْك {وَاللَّهُ يُؤتي مُلكَهُ مَن يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَليمٌ}.
-ثم قال لهم نبيُهم:﴿... إِنَّ آيَةَ مُلكِهِ أَنْ يَأتِيَكُمُ التّابوتُ فيهِ سَكينَةٌ مِن رَبِّكُم وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ موسى وَآلُ هارونَ تَحمِلُهُ المَلائِكَةُ إِنَّ في ذلِكَ لَآيَةً لَكُم إِن كُنتُم مُؤمِنين}.
فيبدو أنّ القوم مازلوا معترضين على ولاية طالوت عليهم، فهم مازالوا رافضين أنْ يكون طالوت ملِكاً عليهم، وأنه مختار من عند الله، فهم مازالوا عند عنادهم، فلم يُذعنوا لحكْم ربهم، باختيار طالوت ملِكاً عليهم. عندها أعطى اللهُ للمَلِك طالوت أيةً ومعجزةً من السماء، تُثبِتْ للقوم أنّه مَلِكٌ مختارٌ من عند الله، وهذه الآية هي الإتيان بالتابوت عن طريق الملائكة. فقال لهم نبيُهم: «إِنَّ آيَةَ مُلكِهِ أَنْ يَأتِيَكُمُ التّابوتُ» فماهو هذا التابوت وما قصتُه؟ وماذا يوجد في داخل هذا التابوت؟ والجواب: أنّ هذا التابوت هو عبارة عن صندوق خشبي، كانوا يضعون فيه ما تبقى من ألواح موسى التي أعطاها اللهُ له، وفي داخله أيضاً عصا موسى، وعمامة نبيّ اللهِ هارون عليهما السلام، فقد كان بنو اسرائيل يأخذون معهم هذا الصندوق في المعارك والحروب ضد أعدائهم تبركاً به، فإنه لما كانوا يشاهدون هذا التابوت في المعركة؛ فإنّهم يتفاءلون بالنصر، وحُسنِ العاقبة، لأنّ هذا التابوت يَرمز عندهم لشيءٍ مقدّس، فيقاتِلون من أجله، ويندفعون للقتال بشراسةٍ وبقوةٍ وجِدّية، تبركاً بما في داخل هذا الصندوق.
فجاءت فترةٌ من الحروب مع أعدائهم كانت نتيجتُها أنْ سُلِبَ منهم هذا الصندوق، وصار مع أعدائهم لسنوات طويلة، ولم يستطيعوا استرجاعه منهم، رغم كثرة المحاولات لذلك، فقد كانت أمنيتُهم أنْ يَرجعَ إليهم هذا التابوت.
-فنبيُّهم (شَمْويل) قال لهم مبيّناً صدْق ولاية طالوت عليهم، وأنه مختار من عند الله، أنّ اللهَ سوف يُرجِع لكم هذا التابوت المفقود، (آيةً) أي علامة لصدق ولاية طالوت عليكم، وأنّ الذي سوف يأتي بهذا التابوت هم الملائكة! وهذه في حدّ ذاتها معجزة، فالملائكةُ هم الذين يحملون هذا التابوت إليكم، وليست مثلاً الرياح تحمله، أو أنّه جاء لوحده وظهر فجأة ولا يرافقه أحد. {إِنَّ آيَةَ مُلكِهِ أَنْ يَأتِيَكُمُ التّابوتُ فيهِ سَكينَةٌ مِن رَبِّكُم وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ موسى وَآلُ هارونَ تَحمِلُهُ المَلائِكةُ}. وشيءٌ تحمله الملائكة لهو شيءٌ عظيم.
[قال ابن جريج قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعته بين يدي طالوت، والناس ينظرون].
وهذا المشهد -مشهد إرجاع التابوت المفقود من سنوات- مشهدٌ يراه قاسي القلب، ومُنكِر صدق ولاية طالوت عليه؛ إنه لمشهدٌ عظيم يجعل أصحابَ القلوب القاسية تَلين، وأصحابَ الأفْئدة المتحجرة تسجد لله شكراً، وتقوم من سجودها وتقول [آمنّا بالله، وصدّقْنا أنّك ياطالوت مَلِكُنا من عند الله]. {إِنَّ في ذلِكَ لَآيَةً لَكُم إِنْ كُنتُم مُؤمِنين}. إنّ في إتيان هذا التابوت، والملائكة تحمله إليكم لآيةً لكم إنْ كنتم مصدّقِين بولاية طالوت عليكم.
وبرؤيتهم لهذه الآية وهذه المعجزة بأمّ أعينهم؛ ورجوع التابوت المفقود إليهم؛ قد أقام نبيُّ اللهِ عليهم الحُجَّة التي لا مفرّ لهم منها، فقبِلوا عندها بطالوت ملِكاً عليهم مُختاراً من عند الله تعالى.
عباد الله:
-بعدها قام الملِكُ طالوت بتجهيز الجيش، وتنظيمه، وترتيبه، استعداداً للجهاد في سبيل الله، ومقاتلة أعداء الله. فقال اللهُ تعالى بعدها:﴿فَلَمّا فَصَلَ طالوتُ بِالجُنودِ} -أي بعد ما جهّزَ طالوتُ الجيشَ وسار به، وانفصل وخرجوا عن البلدة التي كانوا فيها، وتحرّكوا باتجاه مكان العدو لمقاتلتهم، وصاروا عُطَاشاً من عناء طول الطريق- قال لهم ملِكُهم وقائدُهم طالوت: {قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبتَليكُم بِنَهَرٍ، فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيسَ مِنّي، وَمَن لَم يَطعَمهُ فَإِنَّهُ مِنّي إِلّا مَنِ اغتَرَفَ غُرفَةً بِيَدِهِ، فَشَرِبوا مِنهُ إِلّا قَليلًا مِنهُم}.
3/- *فكان هذا هو السقوط الثالث لبني اسرائيل*: (فَشَرِبوا مِنهُ إِلّا قَليلًا مِنهُم).
فقد كان السقوط الأول لبني اسرائيل عند حبّ الدنيا وكراهية الموت، وذلك بترك الجهاد في سبيل الله، (فلمّا كُتِب عليهم القتالُ تَولوْا إلا قليلاً منهم)، وقد كان السقوط الثاني لهم عند الكِبر والأنانية وحبّ الذات، وعدم الإعتراف بالغير، فقالوا معترضين: (أنّى يكونُ لهُ المُلكُ عَلينا، ونحنُ أحقّ بالمُلكِ منه، ولم يُؤْت سَعةً من المال).
-والآن نحن في صَدد السقوط الثالث: وهو السقوط عند تنفيذ الأوامر، وذلك بترك ملذات النفس وشهواتها، (فَشَرِبوا مِنهُ إِلّا قَليلًا مِنهُم). فإنّه لما تحرّك الجيشُ، وقطَعَ مسافةً من الطريق، حتى إذا مَا مرّوا بنهْرٍ قيل: (هو نهرٌ بين الأردن وفلسطين)، أراد المَلِك طالوت أنْ يختبر هذا الجيش، يختبر صمودَه أمام الرغبات النفسية، ويختبر مدى صبرهم عن الحِرمان لبعض الأشياء المرغوبة والمحبوبة لدى النفس البشرية، فاختار طالوتُ حرمان شُرْب الماء اختباراً لهذا الجيش، فقال لهم طالوت:{إِنَّ اللَّهَ مُبتَليكُم بِنَهَرٍ، فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيسَ مِنّي،[أي: لايتبعني، ولايسير معي، ولا يُكمل طريقَه معنا] وَمَن لَم يَطعَمهُ فَإِنَّهُ مِنّي[أي: مَن لم يشرب منه فهو مني، أي فإنّه سوف يستمر معي في هذه الرحلة الجهادية] إِلّا مَنِ اغتَرَفَ غُرفَةً بِيَدِهِ}(إلا): استثناء مَنِ اغتَرَفَ غُرفَةً بِيَدِهِ [إلا مَن شَرِب شَرْبةً واحدةً بيده، يَبِلُّ بها ريقَه، ويُطفِئ بها عطَشَه، فلا بأس بذلك، فهو مازال مني، وسيستمر طريقُه معي]،(فَشَرِبوا مِنهُ إِلّا قَليلًا مِنهُم) فتساقَطَ هنا الضعفاءُ وذووا الأهواء وأصحابُ الدعَاوى والشعارات الكاذبة، فقد سقطَ أكثرُ الجيش أمام هذا الاختبار، فلقد خالفَ آوامرَ قائد الجيش أغلبُ القوم، فانفصلوا عن الجيش لأنّهم لا يَصْلُحون للمهمة الملقاة على عاتقهم، فهم لم يستطيعوا مخالفة رغبات أنفسهم، ولم يصبروا أمام المغريات، فسقط أكثرُ رجال الجيش، ابتلاءاً وتمحيصاً من الله تعالى لهم.
أيها المؤمنُ الحقيقي:
ليس الهدف من هذا الاختبار هو تعطيش الناس أو إرهاقهم؛ كلا، فمَن اغترف غُرفةً بيده كانت ستكفيه، ولن يظمأ بعدها، ولكنّ اللهَ أراد -عن طريق هذا الملِك- أنْ يختبرَ هؤلاء القوم ليعرِفَ من هو الصادقَ والجادّ في القتال منهم، وليعلم الصابِر من الذي لا يصبر…، فإنّ قوةَ الجيش لا تُقاس بالعَدَد الكثير الضخم فقط؛ بل تُقاس أيضاً بالقلب الصامد، وبالإرادة الجازمة، وبالإيمان الراسخ، وبالإلتزام بالأوامر وعدم مخالفتها، وأيضاً تُقاس قوةُ الجيش وصلابته؛ بترك رغبات النفس، وتقديم أمرَ الله على كلّ شيء، ولو كان الجيش بعدها قِلّةً قليلة. فكان لزاماً من وجود هذا الاختبار، ليعلمَ اللهُ الذين صدقوا ويعلمَ الكاذبين. (فَشَرِبوا مِنهُ إِلّا قَليلًا مِنهُم).
-فلابدّ أيها القادة من حدوث غربلة في الصفّ الإسلامي، لتَفرزَ لكم هذه الغربلةُ مَن هو المستعد للقتال وملاقاة العدو، مِمن هو غير مستعد. فلقد أفرز لطالوت هذا الاختبار مَن الذي سوف يصبر في أرض المعركة مِمن لا يصبر. فإنه مَن خاف على نفسه من الهلاك عطَشَاً، فإنّه سوف يَجبُن عن القتال حفاظاً على نفسه من الهلاك، فمَن لم يصبر على غُصّة العطش؛ لن يصبرَ على ضرْبة السيف.
-أتدرون كم كان عددُ الجيش الذين تحركوا مع طالوت منذ البداية؛ فقد كانوا (80) ثمانين ألفاً، وقد سقط في هذا الاختبار (76) ستة وسبعون ألف مقاتل، فلم ينجح في هذا الاختبار إلا (4) أربعةُ آلاف رجل فقط. فمِن "ثمانين ألف" لم ينجح إلا "أربعة آلاف" يعني مَن تبقى مع طالوت حوالي سُدْسُ الجيش فقط، قلّة قليلة، (فَشَرِبوا مِنهُ إِلّا قَليلًا مِنهُم). نسأل اللهَ الثباتَ على الأمر، والغنيمةَ على الرشد، والصبر عند البلاء، والنجاح عند الاختبار.
عباد الله:
-بعدها قام الملِكُ طالوت بتجهيز الجيش، وتنظيمه، وترتيبه، استعداداً للجهاد في سبيل الله، ومقاتلة أعداء الله. فقال اللهُ تعالى بعدها:﴿فَلَمّا فَصَلَ طالوتُ بِالجُنودِ} -أي بعد ما جهّزَ طالوتُ الجيشَ وسار به، وانفصل وخرجوا عن البلدة التي كانوا فيها، وتحرّكوا باتجاه مكان العدو لمقاتلتهم، وصاروا عُطَاشاً من عناء طول الطريق- قال لهم ملِكُهم وقائدُهم طالوت: {قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبتَليكُم بِنَهَرٍ، فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيسَ مِنّي، وَمَن لَم يَطعَمهُ فَإِنَّهُ مِنّي إِلّا مَنِ اغتَرَفَ غُرفَةً بِيَدِهِ، فَشَرِبوا مِنهُ إِلّا قَليلًا مِنهُم}.
3/- *فكان هذا هو السقوط الثالث لبني اسرائيل*: (فَشَرِبوا مِنهُ إِلّا قَليلًا مِنهُم).
فقد كان السقوط الأول لبني اسرائيل عند حبّ الدنيا وكراهية الموت، وذلك بترك الجهاد في سبيل الله، (فلمّا كُتِب عليهم القتالُ تَولوْا إلا قليلاً منهم)، وقد كان السقوط الثاني لهم عند الكِبر والأنانية وحبّ الذات، وعدم الإعتراف بالغير، فقالوا معترضين: (أنّى يكونُ لهُ المُلكُ عَلينا، ونحنُ أحقّ بالمُلكِ منه، ولم يُؤْت سَعةً من المال).
-والآن نحن في صَدد السقوط الثالث: وهو السقوط عند تنفيذ الأوامر، وذلك بترك ملذات النفس وشهواتها، (فَشَرِبوا مِنهُ إِلّا قَليلًا مِنهُم). فإنّه لما تحرّك الجيشُ، وقطَعَ مسافةً من الطريق، حتى إذا مَا مرّوا بنهْرٍ قيل: (هو نهرٌ بين الأردن وفلسطين)، أراد المَلِك طالوت أنْ يختبر هذا الجيش، يختبر صمودَه أمام الرغبات النفسية، ويختبر مدى صبرهم عن الحِرمان لبعض الأشياء المرغوبة والمحبوبة لدى النفس البشرية، فاختار طالوتُ حرمان شُرْب الماء اختباراً لهذا الجيش، فقال لهم طالوت:{إِنَّ اللَّهَ مُبتَليكُم بِنَهَرٍ، فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيسَ مِنّي،[أي: لايتبعني، ولايسير معي، ولا يُكمل طريقَه معنا] وَمَن لَم يَطعَمهُ فَإِنَّهُ مِنّي[أي: مَن لم يشرب منه فهو مني، أي فإنّه سوف يستمر معي في هذه الرحلة الجهادية] إِلّا مَنِ اغتَرَفَ غُرفَةً بِيَدِهِ}(إلا): استثناء مَنِ اغتَرَفَ غُرفَةً بِيَدِهِ [إلا مَن شَرِب شَرْبةً واحدةً بيده، يَبِلُّ بها ريقَه، ويُطفِئ بها عطَشَه، فلا بأس بذلك، فهو مازال مني، وسيستمر طريقُه معي]،(فَشَرِبوا مِنهُ إِلّا قَليلًا مِنهُم) فتساقَطَ هنا الضعفاءُ وذووا الأهواء وأصحابُ الدعَاوى والشعارات الكاذبة، فقد سقطَ أكثرُ الجيش أمام هذا الاختبار، فلقد خالفَ آوامرَ قائد الجيش أغلبُ القوم، فانفصلوا عن الجيش لأنّهم لا يَصْلُحون للمهمة الملقاة على عاتقهم، فهم لم يستطيعوا مخالفة رغبات أنفسهم، ولم يصبروا أمام المغريات، فسقط أكثرُ رجال الجيش، ابتلاءاً وتمحيصاً من الله تعالى لهم.
أيها المؤمنُ الحقيقي:
ليس الهدف من هذا الاختبار هو تعطيش الناس أو إرهاقهم؛ كلا، فمَن اغترف غُرفةً بيده كانت ستكفيه، ولن يظمأ بعدها، ولكنّ اللهَ أراد -عن طريق هذا الملِك- أنْ يختبرَ هؤلاء القوم ليعرِفَ من هو الصادقَ والجادّ في القتال منهم، وليعلم الصابِر من الذي لا يصبر…، فإنّ قوةَ الجيش لا تُقاس بالعَدَد الكثير الضخم فقط؛ بل تُقاس أيضاً بالقلب الصامد، وبالإرادة الجازمة، وبالإيمان الراسخ، وبالإلتزام بالأوامر وعدم مخالفتها، وأيضاً تُقاس قوةُ الجيش وصلابته؛ بترك رغبات النفس، وتقديم أمرَ الله على كلّ شيء، ولو كان الجيش بعدها قِلّةً قليلة. فكان لزاماً من وجود هذا الاختبار، ليعلمَ اللهُ الذين صدقوا ويعلمَ الكاذبين. (فَشَرِبوا مِنهُ إِلّا قَليلًا مِنهُم).
-فلابدّ أيها القادة من حدوث غربلة في الصفّ الإسلامي، لتَفرزَ لكم هذه الغربلةُ مَن هو المستعد للقتال وملاقاة العدو، مِمن هو غير مستعد. فلقد أفرز لطالوت هذا الاختبار مَن الذي سوف يصبر في أرض المعركة مِمن لا يصبر. فإنه مَن خاف على نفسه من الهلاك عطَشَاً، فإنّه سوف يَجبُن عن القتال حفاظاً على نفسه من الهلاك، فمَن لم يصبر على غُصّة العطش؛ لن يصبرَ على ضرْبة السيف.
-أتدرون كم كان عددُ الجيش الذين تحركوا مع طالوت منذ البداية؛ فقد كانوا (80) ثمانين ألفاً، وقد سقط في هذا الاختبار (76) ستة وسبعون ألف مقاتل، فلم ينجح في هذا الاختبار إلا (4) أربعةُ آلاف رجل فقط. فمِن "ثمانين ألف" لم ينجح إلا "أربعة آلاف" يعني مَن تبقى مع طالوت حوالي سُدْسُ الجيش فقط، قلّة قليلة، (فَشَرِبوا مِنهُ إِلّا قَليلًا مِنهُم). نسأل اللهَ الثباتَ على الأمر، والغنيمةَ على الرشد، والصبر عند البلاء، والنجاح عند الاختبار.
-ثم قال اللهُ تعالى تكلمةً لهذه القصة:{فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذينَ آمَنوا مَعَهُ قالوا لا طاقَةَ لَنَا اليَومَ بِجالوتَ وَجُنودِهِ قالَ الَّذينَ يَظُنّونَ أَنَّهُم مُلاقُو اللَّهِ كَم مِن فِئَةٍ قَليلَةٍ غَلَبَت فِئَةً كَثيرَةً بِإِذنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصّابِرينَ﴾.
-وهنا لفتة قوية في قوله تعالى: {فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذينَ آمَنوا مَعَهُ}
أي: فلما جاوز طالوتُ ومَن تبقى معه من جنودِه النهرَ، فهنا سمّاهم اللهُ مؤمنين (والذين آمنوا معه) ففي السابق كان يسميهم جنوداً (فلما فصل طالوت بالجنود...). أما هنا سماهم اللهُ مؤمنين:(والذين آمنوا معه) لأنّ ذلك جاء بعد تصفية وغربلة للصّف، فأصبح الذين معه الآن متصفِين بالإيمان، بعد نجاحهم في الإختبارات السابقة...، لكن ومع وجود هذا الإيمان، فإنّه لازال البعض لم يكتمل إيمانُه بعد، فقال البعض: (لا طاقةَ لنا اليومَ بجالوتَ وجنودِه).
-فإنّه لما جاوَزَ وتعدّى طالوتُ ومَن بقي معه من المؤمنين النهرَ، ورأَوْا جيشَ العدو، فلما رأوا جالوتَ الظالم وجيشَه الجرّار؛ خاف البعض وارتعدت فرائصُه، ونطَقوا وقالوا خائفين:(لا طاقةَ لنا اليوم بجالوتَ وجنودِه) أي لاقوةَ لنا ولا استطاعة في هزيمة هذا الجيش الضخم، فمَن يقدر أنْ يقاوِم هذه القوة الجبّارة في الأرض؟
4/- *فكان هذا هو السقوط الرابع والأخير لبني اسرائيل في هذه المعركة*. السقوط عند ملاقاة العدو.
-فإنّه لايَثبت في أرض المعركة إلا مَن ثبَتهُ اللهُ تعالى. فقد قال البعض هنا:(لا طاقةَ لنا اليومَ بجالوتَ وجنودِه)، فقد كان القائد جَالُوتُ رجلاً مُقاتِلاً ضَخْمًا وشُجَاعًا، لَا يُبَارِزُ أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ، أضف إلى ذلك أنّ عددَ جيش جالوت عشرات الآلاف، أمّا عدد جيش طالوت فكان أربعة آلاف فقط. عندها قال أصحابُ النفوس المنهزِمة وأصحاب القلوب اليائسة، تكلّم الذين لا يثقِونَ بنصْر ووعْد اللهِ للمؤمنين، نطَق الذين يرَوْن أنّ النصرَ بكثرة العَدَد فقط فنطقوا كلُّهم وقالوا:(لا طاقةَ لنا اليوم بجالوتَ وجنودِه). فمَن لم يكتمل إيمانُه؛ نطَقَ وتكلّم، وعبّر عن الهزيمة النفسية التي يعيشها في داخله وقال:(لا طاقةَ لنا اليوم بجالوتَ وجنودِه). لكنّ القلّةَ القليلة والفئة المؤمنة الواثقة بنصْر الله، الفئة التي لاترى النصرَ بكثرة العَدَد، ولا بكثرة العُدَد، وإنما تراهُ بالإيمان وبالصبر وبالثبات، تراه بالتضحية وبالفداء، فقالوا وهم معتقدِين بصدْق هذا الكلام، وبمصداقية هذه العبارة: {كَم مِن فِئَةٍ قَليلَةٍ غَلَبَت فِئَةً كَثيرَةً بِإِذنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصّابِرينَ﴾. وهذه هي قاعدة عامة للذين يوقنون أنهم ملاقوا ربهم، في كل زمان، وفي كل مكان:{قالَ الَّذينَ يَظُنّونَ أَنَّهُم مُلاقُو اللَّهِ كَم مِن فِئَةٍ قَليلَةٍ غَلَبَت فِئَةً كَثيرَةً بِإِذنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصّابِرينَ﴾. قال المؤمنون ذووا الإيمان الراسخ، واليقين المتجذِّر بنصر الله، المستيقنون بهذا اللقاء قولًا وعملًا، الذين يُبصِرون موازينَ الأرض والسماء ببصيرتهم لا بأبصارهم، الذين أخلصوا النيّة لله، وتوكلوا على الله، فأولئك يُنطقهم اللهُ بالحكمة فيقولون:﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾.
-(بإذن الله): لأنّ هذه الطائفة القليلة يعتقدون الإعتقاد الجازم الذي لا شكّ فيه؛ أنّ مصدرَ هذه القوة هي من الله، وأنّ القوةَ الغالبةَ دائماً هي قوةُ الله، وأنّ الحقّ دائماً هو المنتصِر بإذن الله وبقدرته، وبإرادته ومشيئته التي لاحدود لها.
*الخطبة الثانية*
-ثمّ جاءت ساعةُ الصفر، فدُقّتْ🥁 طُبول الحرب، واقترب وقتُ اللقاء، وسُلّت السيوف ولَمَعت، واستعد كلُّ فريقٍ للإنقضاض على الآخَر، وحان وقت المبارَزة.
-﴿وَلَمّا بَرَزوا لِجالوتَ وَجُنودِهِ…} أتدرون كم عدد مَن تبقى وثَبَتَ مع طالوت إلى هذه اللحظة الفارِقة، وإلى هذه الساعة الحرِجة؟! اسمع الجواب: فقد روى البخاري عن البراء بن عازب (رضي الله عنه) أنّه قال: (كنّا أصحابَ رسولِ الله ﷺ نتحدث أنّ عِدة بدرٍ، على عِدة أصحاب طالوت…، فلم يُجاوِز معه إلا بضعة عشر رجلاً وثلاثمائة).
-فمِن ثمانين ألف رجل لم يصمد ولم يثبت مع طالوت إلى بداية المعركة إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، كعدد الصحابة يوم بدر (314)رجلاً.
*[فهؤلاء همُ الطائفة المَنصورة، والفِرقة الناجية التي أخذتْ بحظٍّ وافر مِن اليقين بالله، والثقة في النفس، والثبات عند الامتحان، فعُوِّضَت بنوعيَّتها الرفيعة عن قِلَّة عددها. وما الذي سيفوتها إذا كان الواحد من أفرادها كألفٍ أو كمائةٍ من أعدائها بفضْل خصالِه وأخلاقه وعطائه؟ وما فائدةُ كَثْرة غُثائيَّة ترسب في أول اختبار، وتتراجع عند أول تحدّي، تَمتهِن الجدَل، ولا تَقوى على التضحيَة والعمل؟ فما زالت دُروس بدْرٍ وحُنينٍ ماثِلةً للناس، تدحَض أي مماحَكة أو مُجادَلة بالباطل].*
-وهنا لفتة قوية في قوله تعالى: {فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذينَ آمَنوا مَعَهُ}
أي: فلما جاوز طالوتُ ومَن تبقى معه من جنودِه النهرَ، فهنا سمّاهم اللهُ مؤمنين (والذين آمنوا معه) ففي السابق كان يسميهم جنوداً (فلما فصل طالوت بالجنود...). أما هنا سماهم اللهُ مؤمنين:(والذين آمنوا معه) لأنّ ذلك جاء بعد تصفية وغربلة للصّف، فأصبح الذين معه الآن متصفِين بالإيمان، بعد نجاحهم في الإختبارات السابقة...، لكن ومع وجود هذا الإيمان، فإنّه لازال البعض لم يكتمل إيمانُه بعد، فقال البعض: (لا طاقةَ لنا اليومَ بجالوتَ وجنودِه).
-فإنّه لما جاوَزَ وتعدّى طالوتُ ومَن بقي معه من المؤمنين النهرَ، ورأَوْا جيشَ العدو، فلما رأوا جالوتَ الظالم وجيشَه الجرّار؛ خاف البعض وارتعدت فرائصُه، ونطَقوا وقالوا خائفين:(لا طاقةَ لنا اليوم بجالوتَ وجنودِه) أي لاقوةَ لنا ولا استطاعة في هزيمة هذا الجيش الضخم، فمَن يقدر أنْ يقاوِم هذه القوة الجبّارة في الأرض؟
4/- *فكان هذا هو السقوط الرابع والأخير لبني اسرائيل في هذه المعركة*. السقوط عند ملاقاة العدو.
-فإنّه لايَثبت في أرض المعركة إلا مَن ثبَتهُ اللهُ تعالى. فقد قال البعض هنا:(لا طاقةَ لنا اليومَ بجالوتَ وجنودِه)، فقد كان القائد جَالُوتُ رجلاً مُقاتِلاً ضَخْمًا وشُجَاعًا، لَا يُبَارِزُ أَحَدًا إِلَّا قَتَلَهُ، أضف إلى ذلك أنّ عددَ جيش جالوت عشرات الآلاف، أمّا عدد جيش طالوت فكان أربعة آلاف فقط. عندها قال أصحابُ النفوس المنهزِمة وأصحاب القلوب اليائسة، تكلّم الذين لا يثقِونَ بنصْر ووعْد اللهِ للمؤمنين، نطَق الذين يرَوْن أنّ النصرَ بكثرة العَدَد فقط فنطقوا كلُّهم وقالوا:(لا طاقةَ لنا اليوم بجالوتَ وجنودِه). فمَن لم يكتمل إيمانُه؛ نطَقَ وتكلّم، وعبّر عن الهزيمة النفسية التي يعيشها في داخله وقال:(لا طاقةَ لنا اليوم بجالوتَ وجنودِه). لكنّ القلّةَ القليلة والفئة المؤمنة الواثقة بنصْر الله، الفئة التي لاترى النصرَ بكثرة العَدَد، ولا بكثرة العُدَد، وإنما تراهُ بالإيمان وبالصبر وبالثبات، تراه بالتضحية وبالفداء، فقالوا وهم معتقدِين بصدْق هذا الكلام، وبمصداقية هذه العبارة: {كَم مِن فِئَةٍ قَليلَةٍ غَلَبَت فِئَةً كَثيرَةً بِإِذنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصّابِرينَ﴾. وهذه هي قاعدة عامة للذين يوقنون أنهم ملاقوا ربهم، في كل زمان، وفي كل مكان:{قالَ الَّذينَ يَظُنّونَ أَنَّهُم مُلاقُو اللَّهِ كَم مِن فِئَةٍ قَليلَةٍ غَلَبَت فِئَةً كَثيرَةً بِإِذنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصّابِرينَ﴾. قال المؤمنون ذووا الإيمان الراسخ، واليقين المتجذِّر بنصر الله، المستيقنون بهذا اللقاء قولًا وعملًا، الذين يُبصِرون موازينَ الأرض والسماء ببصيرتهم لا بأبصارهم، الذين أخلصوا النيّة لله، وتوكلوا على الله، فأولئك يُنطقهم اللهُ بالحكمة فيقولون:﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾.
-(بإذن الله): لأنّ هذه الطائفة القليلة يعتقدون الإعتقاد الجازم الذي لا شكّ فيه؛ أنّ مصدرَ هذه القوة هي من الله، وأنّ القوةَ الغالبةَ دائماً هي قوةُ الله، وأنّ الحقّ دائماً هو المنتصِر بإذن الله وبقدرته، وبإرادته ومشيئته التي لاحدود لها.
*الخطبة الثانية*
-ثمّ جاءت ساعةُ الصفر، فدُقّتْ🥁 طُبول الحرب، واقترب وقتُ اللقاء، وسُلّت السيوف ولَمَعت، واستعد كلُّ فريقٍ للإنقضاض على الآخَر، وحان وقت المبارَزة.
-﴿وَلَمّا بَرَزوا لِجالوتَ وَجُنودِهِ…} أتدرون كم عدد مَن تبقى وثَبَتَ مع طالوت إلى هذه اللحظة الفارِقة، وإلى هذه الساعة الحرِجة؟! اسمع الجواب: فقد روى البخاري عن البراء بن عازب (رضي الله عنه) أنّه قال: (كنّا أصحابَ رسولِ الله ﷺ نتحدث أنّ عِدة بدرٍ، على عِدة أصحاب طالوت…، فلم يُجاوِز معه إلا بضعة عشر رجلاً وثلاثمائة).
-فمِن ثمانين ألف رجل لم يصمد ولم يثبت مع طالوت إلى بداية المعركة إلا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، كعدد الصحابة يوم بدر (314)رجلاً.
*[فهؤلاء همُ الطائفة المَنصورة، والفِرقة الناجية التي أخذتْ بحظٍّ وافر مِن اليقين بالله، والثقة في النفس، والثبات عند الامتحان، فعُوِّضَت بنوعيَّتها الرفيعة عن قِلَّة عددها. وما الذي سيفوتها إذا كان الواحد من أفرادها كألفٍ أو كمائةٍ من أعدائها بفضْل خصالِه وأخلاقه وعطائه؟ وما فائدةُ كَثْرة غُثائيَّة ترسب في أول اختبار، وتتراجع عند أول تحدّي، تَمتهِن الجدَل، ولا تَقوى على التضحيَة والعمل؟ فما زالت دُروس بدْرٍ وحُنينٍ ماثِلةً للناس، تدحَض أي مماحَكة أو مُجادَلة بالباطل].*
عباد الله
-فلمّا قَرُب وقْت المعركة؛ رَفعَتْ هذه الفئةُ المؤمنة المتبقية، رفعَت أيديَها إلى السماء تدعوا اللهَ، وتطلب منه ثلاثَ دعوات:{وَلَمّا بَرَزوا لِجالوتَ وَجُنودِهِ قالوا رَبَّنا أَفرِغ عَلَينا صَبرًا، وَثَبِّت أَقدامَنا، وَانصُرنا عَلَى القَومِ الكافِرينَ﴾. فهذه ثلاث دعوات:
١- (ربنا أفرِغ علينا صَبْراً): أي أفرغ علينا افراغاً، أي صُبّ علينا من الصبر صبّاً، وأفرِغ أي: أملِئْ قلوبَنا صبراً، وسكينةً، وطمأنينةً، وقُدْرةً لتحمّل مشقةَ هوْل هذه المعركة.
٢- (وثبِتْ أقدامَنا): تثبيتاً في أرض المعركة، بحيث لا تَتَزحزح، ولا تضطرب، ولا تَميل، ولا تهرب عند اللقاء.
٣- (وانصرنا على القوم الكافرين): فالهدف عندهم واضح ومرسوم، وهو قتال أهل الكفر، ومحاربة الباطل وجندِه، (وانصرنا على القوم الكافرين). فهذه ثلاث دعوات متتالية، ومرتبة ترتبياً مرحلياً، فكلّ دعوة ومرحلة مبنيّة على التي قبلها، فأوّل ما يحتاجه المجاهد في أرض المعركة هو الصبر عند المواجهة، (أفرِغ علينا صبراً)، والصبر مقدمٌ على ثبات القدَم، فمَن صَبَر قلبُه؛ ثَبُتَتْ قدَمُه. فالصبر سلاح معنوي نفسي، ضروري للمجاهد في أرض المعركة، فهذه الأولى.
(وثبّت أقدامَنا): فلا تَثبُتْ في أرض المعركة إلا أقدامُ الصابرين، أمّا الجبناء الخائفون الجَزِعون؛ فلا تَثبت أقدامُهم، بل تنزلِق وتوَلِّي الأدبار، وهذه الثانية.
ثم طلبوا النصرَ من الله، وهو نهاية الأمر ومَطلبُه، وهو نتيجة لهذا الصبر والثبات، (وانصرنا على القوم الكافرين).
-وهذه الدعوات الثلاث؛ هي دعوة كلّ نبيٍّ قاتـَلَ هو وأتباعُه أعداءَ الله، كما قال اللهُ تعالى حاكياً عنهم: ﴿وَكَأَيِّن مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيّونَ كَثيرٌ فَما وَهَنوا لِما أَصابَهُم في سَبيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفوا وَمَا استَكانوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرينَ}. [فهذه الأولى الصبر]، {وَما كانَ قَولَهُم إِلّا أَن قالوا رَبَّنَا اغفِر لَنا ذُنوبَنا وَإِسرافَنا في أَمرِنا وَثَبِّت أَقدامَنا[وهذه الثانية طلَبُ الثبات]، وَانصُرنا عَلَى القَومِ الكافِرينَ}. [وهذه الثالثة طلَب النصر من الله]. (والنتجية لهذه الدعوات هي): {فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنيا [بالنصر والظَفَر والغنيمة والتمكين]، وَحُسنَ ثَوابِ الآخِرَةِ [بتَقَبُل شهادتهم في سبيله، والرضا عنهم، وبالنعيم المُقيم]، وَاللَّهُ يُحِبُّ ْالمُحسِنينَ، [فهو إحسان مقابل إحسان]﴾. [آل عمران: ١٤٦-١٤٨].
*أيّها المسلم الكريم*:
-فلمّا دعَتْ هذه الفئةُ المؤمنة بهذه الدعوات الثلاث؛ أجاب اللهُ دعوتَهم، ولبَّى لهم طلَبهم، فقال اللهُ عنهم: ﴿فَهَزَموهُم بِإِذنِ اللَّهِ…} الفئةُ المؤمنة القليلة، هزمَت أضخمَ جيشٍ في ذلكم الزمن، فإنّه لما صَبرَت هذه الفئة القليلة المؤمنة، التي لايتجاوز عددُها الثلاثمائةَ وبضعة عشر رجلاً؛ لما صبروا وثبتُوا، ولجؤُوا إلى الله بالدعوات؛ عندها نصرَهمُ اللهُ، وهَزَم أعداءَهم (فَهَزَموهُم بِإِذنِ اللَّهِ) أي بأمر الله، وإرادته، ومشيئته، وتقديره.
-فالنصرُ ياعبادالله ليس بكثرة العَدَد أو العُدَد؛ إنما النصر من عند الله وحده، إذا شاءَ وأذِنَ بذلك، فَمَع استيفاء المؤمنين لشروط النصر، أمدّهم اللهُ به ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ} وأنْفذَ اللهُ وعدَه للمؤمنين بالنصر والتمكين.
-{فهَزَموهُم بِإِذنِ اللَّهِ، وَقَتَلَ داوودُ جالوتَ} فالقاتل هو داوود، والمقتول هو جالوت، وهنا تظهر لنا شخصيةٌ جديدة في هذه القصة، فقد كان في هذا الجيش فتىً صغيراً اسمه (داوود). فإنّه لمّا دعا جالوتُ للمبارزة، كعادة الحروب السابقة، خرج لجالوت فتىً شابٌ يريد مبارزتَه، فقال له جالوتُ: ارجع أنت صغير لا أريدُ أنْ أقتُلك، فقال له داوود في عِزةٍ وإصرار: بل أنا واللهِ أريد أنْ أقتلك! وقد كان داوود فتىً شجاعاً، ماهراً في الرمي، يرمي بالمقلاع، (والمقلاع هو آلة صغيرة في اليد، تُوضع فيها حَجرٌ، ثم يُشَّد، ثم يُطْلَق، لتنطلق منه الحجر بسرعة إلى هدفها، كما يستخدمه أطفال الحجارة اليوم في فلسطين).
-وهنا بدأت المبارزة بينهما، بدأت المبارزة بين أضخم قائد عرفه التأريخ، وبين شابٍّ صغير سجّل له التأريخ هذه البطولة، وفي حين غفلةٍ أخذ داوودُ المقلاعَ، وقد تدرّب على استخدامه منذ صغره، أخذه ووضع فيه حَجَراً، ثم شَدّه إليه، ثم أطلقَه، فانطلقت الحَجرةُ فأصابت رأسَ جالوت، فشجّه، فسقط جالوتُ صريعاً على الأرض أمام الجميع، ثم علا داوودُ فوق جالوت فاجتزّ رأسَه بسيفه، فـ(قَتَلَ داوودُ جالوتَ) وانتصر الحقّ، وهُزِم الباطل، وتمّ التمكين، وشاءَ اللهُ أنْ تكون نهايةُ هذا القائد الظالم وهذا الجبروت الذي أرعَبَ أهلَ زمانه؛ شاءَ اللهُ أن تكون نهايتُه على يد فتىً صغير اسمه داوود!. أتدرون لماذا؟ حتى يُرِي اللهُ الناسَ أنّ هؤلاء الجبابرة، وهولاء الطواغيت الذين يَخاف الناسُ منهم؛ ماهم إلا أناسٌ ضُعفاء، يَغلبهمُ الصغارُ، متى ماشاء اللهُ ذلك.
-فلمّا قَرُب وقْت المعركة؛ رَفعَتْ هذه الفئةُ المؤمنة المتبقية، رفعَت أيديَها إلى السماء تدعوا اللهَ، وتطلب منه ثلاثَ دعوات:{وَلَمّا بَرَزوا لِجالوتَ وَجُنودِهِ قالوا رَبَّنا أَفرِغ عَلَينا صَبرًا، وَثَبِّت أَقدامَنا، وَانصُرنا عَلَى القَومِ الكافِرينَ﴾. فهذه ثلاث دعوات:
١- (ربنا أفرِغ علينا صَبْراً): أي أفرغ علينا افراغاً، أي صُبّ علينا من الصبر صبّاً، وأفرِغ أي: أملِئْ قلوبَنا صبراً، وسكينةً، وطمأنينةً، وقُدْرةً لتحمّل مشقةَ هوْل هذه المعركة.
٢- (وثبِتْ أقدامَنا): تثبيتاً في أرض المعركة، بحيث لا تَتَزحزح، ولا تضطرب، ولا تَميل، ولا تهرب عند اللقاء.
٣- (وانصرنا على القوم الكافرين): فالهدف عندهم واضح ومرسوم، وهو قتال أهل الكفر، ومحاربة الباطل وجندِه، (وانصرنا على القوم الكافرين). فهذه ثلاث دعوات متتالية، ومرتبة ترتبياً مرحلياً، فكلّ دعوة ومرحلة مبنيّة على التي قبلها، فأوّل ما يحتاجه المجاهد في أرض المعركة هو الصبر عند المواجهة، (أفرِغ علينا صبراً)، والصبر مقدمٌ على ثبات القدَم، فمَن صَبَر قلبُه؛ ثَبُتَتْ قدَمُه. فالصبر سلاح معنوي نفسي، ضروري للمجاهد في أرض المعركة، فهذه الأولى.
(وثبّت أقدامَنا): فلا تَثبُتْ في أرض المعركة إلا أقدامُ الصابرين، أمّا الجبناء الخائفون الجَزِعون؛ فلا تَثبت أقدامُهم، بل تنزلِق وتوَلِّي الأدبار، وهذه الثانية.
ثم طلبوا النصرَ من الله، وهو نهاية الأمر ومَطلبُه، وهو نتيجة لهذا الصبر والثبات، (وانصرنا على القوم الكافرين).
-وهذه الدعوات الثلاث؛ هي دعوة كلّ نبيٍّ قاتـَلَ هو وأتباعُه أعداءَ الله، كما قال اللهُ تعالى حاكياً عنهم: ﴿وَكَأَيِّن مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيّونَ كَثيرٌ فَما وَهَنوا لِما أَصابَهُم في سَبيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفوا وَمَا استَكانوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصّابِرينَ}. [فهذه الأولى الصبر]، {وَما كانَ قَولَهُم إِلّا أَن قالوا رَبَّنَا اغفِر لَنا ذُنوبَنا وَإِسرافَنا في أَمرِنا وَثَبِّت أَقدامَنا[وهذه الثانية طلَبُ الثبات]، وَانصُرنا عَلَى القَومِ الكافِرينَ}. [وهذه الثالثة طلَب النصر من الله]. (والنتجية لهذه الدعوات هي): {فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنيا [بالنصر والظَفَر والغنيمة والتمكين]، وَحُسنَ ثَوابِ الآخِرَةِ [بتَقَبُل شهادتهم في سبيله، والرضا عنهم، وبالنعيم المُقيم]، وَاللَّهُ يُحِبُّ ْالمُحسِنينَ، [فهو إحسان مقابل إحسان]﴾. [آل عمران: ١٤٦-١٤٨].
*أيّها المسلم الكريم*:
-فلمّا دعَتْ هذه الفئةُ المؤمنة بهذه الدعوات الثلاث؛ أجاب اللهُ دعوتَهم، ولبَّى لهم طلَبهم، فقال اللهُ عنهم: ﴿فَهَزَموهُم بِإِذنِ اللَّهِ…} الفئةُ المؤمنة القليلة، هزمَت أضخمَ جيشٍ في ذلكم الزمن، فإنّه لما صَبرَت هذه الفئة القليلة المؤمنة، التي لايتجاوز عددُها الثلاثمائةَ وبضعة عشر رجلاً؛ لما صبروا وثبتُوا، ولجؤُوا إلى الله بالدعوات؛ عندها نصرَهمُ اللهُ، وهَزَم أعداءَهم (فَهَزَموهُم بِإِذنِ اللَّهِ) أي بأمر الله، وإرادته، ومشيئته، وتقديره.
-فالنصرُ ياعبادالله ليس بكثرة العَدَد أو العُدَد؛ إنما النصر من عند الله وحده، إذا شاءَ وأذِنَ بذلك، فَمَع استيفاء المؤمنين لشروط النصر، أمدّهم اللهُ به ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ} وأنْفذَ اللهُ وعدَه للمؤمنين بالنصر والتمكين.
-{فهَزَموهُم بِإِذنِ اللَّهِ، وَقَتَلَ داوودُ جالوتَ} فالقاتل هو داوود، والمقتول هو جالوت، وهنا تظهر لنا شخصيةٌ جديدة في هذه القصة، فقد كان في هذا الجيش فتىً صغيراً اسمه (داوود). فإنّه لمّا دعا جالوتُ للمبارزة، كعادة الحروب السابقة، خرج لجالوت فتىً شابٌ يريد مبارزتَه، فقال له جالوتُ: ارجع أنت صغير لا أريدُ أنْ أقتُلك، فقال له داوود في عِزةٍ وإصرار: بل أنا واللهِ أريد أنْ أقتلك! وقد كان داوود فتىً شجاعاً، ماهراً في الرمي، يرمي بالمقلاع، (والمقلاع هو آلة صغيرة في اليد، تُوضع فيها حَجرٌ، ثم يُشَّد، ثم يُطْلَق، لتنطلق منه الحجر بسرعة إلى هدفها، كما يستخدمه أطفال الحجارة اليوم في فلسطين).
-وهنا بدأت المبارزة بينهما، بدأت المبارزة بين أضخم قائد عرفه التأريخ، وبين شابٍّ صغير سجّل له التأريخ هذه البطولة، وفي حين غفلةٍ أخذ داوودُ المقلاعَ، وقد تدرّب على استخدامه منذ صغره، أخذه ووضع فيه حَجَراً، ثم شَدّه إليه، ثم أطلقَه، فانطلقت الحَجرةُ فأصابت رأسَ جالوت، فشجّه، فسقط جالوتُ صريعاً على الأرض أمام الجميع، ثم علا داوودُ فوق جالوت فاجتزّ رأسَه بسيفه، فـ(قَتَلَ داوودُ جالوتَ) وانتصر الحقّ، وهُزِم الباطل، وتمّ التمكين، وشاءَ اللهُ أنْ تكون نهايةُ هذا القائد الظالم وهذا الجبروت الذي أرعَبَ أهلَ زمانه؛ شاءَ اللهُ أن تكون نهايتُه على يد فتىً صغير اسمه داوود!. أتدرون لماذا؟ حتى يُرِي اللهُ الناسَ أنّ هؤلاء الجبابرة، وهولاء الطواغيت الذين يَخاف الناسُ منهم؛ ماهم إلا أناسٌ ضُعفاء، يَغلبهمُ الصغارُ، متى ماشاء اللهُ ذلك.
لماذا؟ *إهانةً وإذْلالاً لهؤلاء الجبابرة*. والتأريخ يشهد بذلك؛ فمثلاً مَن الذي قتَلَ جبروتَ قريش، وطاغيةَ مكة (أباجهل)؟ أليس مَن قتَلَ فرعونَ هذه الأمة طفلان صغيران، هما (معاذ ومُعَوّذ) أبناء العفراء؟! وكذلك ألَمْ يُهلِك اللهُ المَلِكَ النمرودَ بأصغر جندٍ من جنوده التي لا يَعلمها إلا هو سبحانه، وهي البعوضة؟ فاللهُ تعالى يُهِينُ هؤلاء الطواغيت بأنْ يجعلَ موتتَهم على أيدي أطفالٍ صغار، أو على أيدي جنودٍ لا يُتوقع منهم أنْ تكون نهايتُهم على أيديهم، كما سمعتم، إذلالاً وإهانةً من اللهِ لهم ﴿وَما يَعلَمُ جُنودَ رَبِّكَ إِلّا هُوَ، وَما هِيَ إِلّا ذِكرى لِلبَشَرِ﴾.
-{فَهَزَموهُم بِإِذنِ اللَّهِ، وَقَتَلَ داوودُ جالوتَ، وَآتاهُ اللَّهُ المُلكَ وَالحِكمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ}: فاللهُ هو الذي آتى المُلكَ والحُكمَ لداوود عليه السلام، وآتاهُ وأعطاهُ اللهُ كذلك الحِكْمة، وهي النُّبُوة، وعلّمه مما يشاء. وهذه حكمة أخرى أرادها اللهُ لبني اسرائيل بعد يَقظتهم الإيمانية؛ وهي أنّ اللهَ تعالى أعطى المُلْكَ والنّبوةَ لنبيّه داوود عليه السلام، ليكونَ داوودُ عليه السلام بذلك هو أوّل رَجلٍ في بني اسرائيل جمَعَ بين المُلْك، وبين النّبوة. «فكما عرفتم سابقاً أنّ المُلكَ والنّبوةَ كانتا لا تجتمعان في سِبطٍ واحد في بني إسرائيل». فجَمع اللهُ لنبيّه داوود بينهما معاً، ليكونَ عهدُ داوود، ومِن بعده عهدُ ابنِه سليمان عليهما السلام؛ هو العهد الذهبي لبني اسرائيل في تأريخهم الطويل (القديم منه والحديث).
-{وَآتاهُ اللَّهُ المُلكَ}: فاللهُ تعالى وحده هو الذي يُؤتي ويُعطي، وهو كذلك الذي يأخذ ويَنزِع، فكما أنّ اللهَ انتزعَ الحُكمَ والمُلكَ مِن جالوت؛ هو اللهُ وحده كذلك الذي أعطى وآتى ووهَبَ هذا الحُكم والمُلك لداوود، فهو وحدُه سبحانه من يفعل ذلك، فهو سبحانه مالِك الملوك ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلكِ تُؤتِي المُلكَ مَن تَشاءُ وَتَنزِعُ المُلكَ مِمَّن تَشاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ﴾.
-{وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ}: اللهُ هو الذي علّمَ داوودَ مِن بعضِ ما شاء اللهُ أنْ يُعلّمْه إيّاه، مِن أسرار بعض العلوم النافعة، مثل كيفية الحُكم بين الناس، وفصْل الخِطاب بينهم، وعلّمه صناعةَ الدروع وعدةَ الحروب وغيرها... كما قال اللهُ تعالى عنه: ﴿وَعَلَّمناهُ صَنعَةَ لَبوسٍ لَكُم لِتُحصِنَكُم مِن بَأسِكُم فَهَل أَنتُم شاكِرونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠]. ﴿وعلَّمْناه صنعةَ لَبوسٍ لكم﴾ [أي: علَّم اللهُ داودَ عليه السلام صَنعةَ الدُّروع، فهو أوّل من صَنَعَها، وعَلّمها وسَرَتْ صناعتُه إلى مَنْ بعده، فأَلآنَ اللهُ له الحديدَ، وعلَّمه كيف يَسْرُدُها لماذا؟ ﴿لِتُحْصِنَكُم من بأسِكُم﴾ أي: هي وقايةٌ لكم، وحفظٌ عند الحرب واشتداد البأس. ﴿فهل أنتم شاكرونَ﴾: نعمةَ الله عليكم، حيث أجراها على يد عبده داوود؟. وقد قال المفسِّرون: إنَّ اللهَ أَلاَنَ له الحديدَ، حتَّى كان يعمَله كالعجين والطين من دون إذابةٍ له على النار.]. تفسير السعدي.
*-ثمّ ختمَ اللهُ هذه الآيات وهذه القصة بسُنّةٍ من سُنن اللهِ في هذا الكون، ختمها بسُنةٍ متكررة في كلّ زمان ومكان؛ وهي سُنّة التدافع بين الناس،*
فقال اللهُ تعالى بعد هذه القصة:{وَلَولا دَفعُ اللَّهِ النّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَفَسَدَتِ الأَرضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذو فَضلٍ عَلَى العالَمينَ﴾.
-فلولا هذه السُنّة؛ سنّةُ التدافع بين الناس، وبين الحقّ والباطل، لولا مقاتلةُ أهلَ الحقّ لأهلِ الباطل؛ لعَمّ الباطلُ أرجاءَ المعمورة، ولانْتشَر الفسادُ في الأرض. أي: لولا أنّ اللهَ تعالى يَدفعُ أهلَ الباطل بأهلِ الحقّ، ويصدُّ أهلَ الفساد بأهلِ الصلاح؛ لعمّ الفسادُ، ولَبَغَى أهلُ الفساد في الأرض، فقتَلوا عندها أهلَ الصلاح، ودَمّروا دُورَ عباداتهم، مِن مساجدَ (للمسلمين)، وبِيَعٍ (كنائس النصارى)، وصَوامع (معابد اليهود)، ولهَدَموها، ولَمَنعوا فيها الصلوات وشعائرَ العبادات، وفتنوهم عن دينهم. كما قال اللهُ تعالى ذلك في سورة الحجّ: ﴿وَلَولا دَفعُ اللَّهِ النّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَهُدِّمَت صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذكَرُ فيهَا اسمُ اللَّهِ كَثيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزيزٌ﴾. [قال ابن عباس: ولولا دفْعُ اللهِ العدوَّ بجنود المسلمين، لَغَلَبَ المشركون، فقتلوا المؤمنين، وخرّبوا البلادَ والمساجد…].
فلولا هذه السُنّة -سنّة التدافع- لمَا انتصرَ طالوتُ وجنودُه، على جالوتَ وجيشِه، ولَعَاش بنو اسرائيل في ذلّ وهوان، وعبودية، وتعذيب، إلى ما شاء اللهُ ذلك. {وَلكِنَّ اللَّهَ ذو فَضلٍ عَلَى العالَمينَ﴾ ومن فضْل الله على العالَمين في كل زمان ومكان؛ هذه السُنّة، سنّة المدافعة عن الحق، وعن أهل الحق، وعن الصلاح، وأهل الصلاح.
-{فَهَزَموهُم بِإِذنِ اللَّهِ، وَقَتَلَ داوودُ جالوتَ، وَآتاهُ اللَّهُ المُلكَ وَالحِكمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ}: فاللهُ هو الذي آتى المُلكَ والحُكمَ لداوود عليه السلام، وآتاهُ وأعطاهُ اللهُ كذلك الحِكْمة، وهي النُّبُوة، وعلّمه مما يشاء. وهذه حكمة أخرى أرادها اللهُ لبني اسرائيل بعد يَقظتهم الإيمانية؛ وهي أنّ اللهَ تعالى أعطى المُلْكَ والنّبوةَ لنبيّه داوود عليه السلام، ليكونَ داوودُ عليه السلام بذلك هو أوّل رَجلٍ في بني اسرائيل جمَعَ بين المُلْك، وبين النّبوة. «فكما عرفتم سابقاً أنّ المُلكَ والنّبوةَ كانتا لا تجتمعان في سِبطٍ واحد في بني إسرائيل». فجَمع اللهُ لنبيّه داوود بينهما معاً، ليكونَ عهدُ داوود، ومِن بعده عهدُ ابنِه سليمان عليهما السلام؛ هو العهد الذهبي لبني اسرائيل في تأريخهم الطويل (القديم منه والحديث).
-{وَآتاهُ اللَّهُ المُلكَ}: فاللهُ تعالى وحده هو الذي يُؤتي ويُعطي، وهو كذلك الذي يأخذ ويَنزِع، فكما أنّ اللهَ انتزعَ الحُكمَ والمُلكَ مِن جالوت؛ هو اللهُ وحده كذلك الذي أعطى وآتى ووهَبَ هذا الحُكم والمُلك لداوود، فهو وحدُه سبحانه من يفعل ذلك، فهو سبحانه مالِك الملوك ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلكِ تُؤتِي المُلكَ مَن تَشاءُ وَتَنزِعُ المُلكَ مِمَّن تَشاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ﴾.
-{وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ}: اللهُ هو الذي علّمَ داوودَ مِن بعضِ ما شاء اللهُ أنْ يُعلّمْه إيّاه، مِن أسرار بعض العلوم النافعة، مثل كيفية الحُكم بين الناس، وفصْل الخِطاب بينهم، وعلّمه صناعةَ الدروع وعدةَ الحروب وغيرها... كما قال اللهُ تعالى عنه: ﴿وَعَلَّمناهُ صَنعَةَ لَبوسٍ لَكُم لِتُحصِنَكُم مِن بَأسِكُم فَهَل أَنتُم شاكِرونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠]. ﴿وعلَّمْناه صنعةَ لَبوسٍ لكم﴾ [أي: علَّم اللهُ داودَ عليه السلام صَنعةَ الدُّروع، فهو أوّل من صَنَعَها، وعَلّمها وسَرَتْ صناعتُه إلى مَنْ بعده، فأَلآنَ اللهُ له الحديدَ، وعلَّمه كيف يَسْرُدُها لماذا؟ ﴿لِتُحْصِنَكُم من بأسِكُم﴾ أي: هي وقايةٌ لكم، وحفظٌ عند الحرب واشتداد البأس. ﴿فهل أنتم شاكرونَ﴾: نعمةَ الله عليكم، حيث أجراها على يد عبده داوود؟. وقد قال المفسِّرون: إنَّ اللهَ أَلاَنَ له الحديدَ، حتَّى كان يعمَله كالعجين والطين من دون إذابةٍ له على النار.]. تفسير السعدي.
*-ثمّ ختمَ اللهُ هذه الآيات وهذه القصة بسُنّةٍ من سُنن اللهِ في هذا الكون، ختمها بسُنةٍ متكررة في كلّ زمان ومكان؛ وهي سُنّة التدافع بين الناس،*
فقال اللهُ تعالى بعد هذه القصة:{وَلَولا دَفعُ اللَّهِ النّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَفَسَدَتِ الأَرضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذو فَضلٍ عَلَى العالَمينَ﴾.
-فلولا هذه السُنّة؛ سنّةُ التدافع بين الناس، وبين الحقّ والباطل، لولا مقاتلةُ أهلَ الحقّ لأهلِ الباطل؛ لعَمّ الباطلُ أرجاءَ المعمورة، ولانْتشَر الفسادُ في الأرض. أي: لولا أنّ اللهَ تعالى يَدفعُ أهلَ الباطل بأهلِ الحقّ، ويصدُّ أهلَ الفساد بأهلِ الصلاح؛ لعمّ الفسادُ، ولَبَغَى أهلُ الفساد في الأرض، فقتَلوا عندها أهلَ الصلاح، ودَمّروا دُورَ عباداتهم، مِن مساجدَ (للمسلمين)، وبِيَعٍ (كنائس النصارى)، وصَوامع (معابد اليهود)، ولهَدَموها، ولَمَنعوا فيها الصلوات وشعائرَ العبادات، وفتنوهم عن دينهم. كما قال اللهُ تعالى ذلك في سورة الحجّ: ﴿وَلَولا دَفعُ اللَّهِ النّاسَ بَعضَهُم بِبَعضٍ لَهُدِّمَت صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذكَرُ فيهَا اسمُ اللَّهِ كَثيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزيزٌ﴾. [قال ابن عباس: ولولا دفْعُ اللهِ العدوَّ بجنود المسلمين، لَغَلَبَ المشركون، فقتلوا المؤمنين، وخرّبوا البلادَ والمساجد…].
فلولا هذه السُنّة -سنّة التدافع- لمَا انتصرَ طالوتُ وجنودُه، على جالوتَ وجيشِه، ولَعَاش بنو اسرائيل في ذلّ وهوان، وعبودية، وتعذيب، إلى ما شاء اللهُ ذلك. {وَلكِنَّ اللَّهَ ذو فَضلٍ عَلَى العالَمينَ﴾ ومن فضْل الله على العالَمين في كل زمان ومكان؛ هذه السُنّة، سنّة المدافعة عن الحق، وعن أهل الحق، وعن الصلاح، وأهل الصلاح.
{على العَالَمِينَ﴾: على العالَم أجمع، لأنّ الفسادَ والقتلَ إذا عَمّ لن يستثنيَ أحداً، ولن يَسْلمَ منه أحد، فكانت هذه السُنّة فضلاً من الله على العالَمين أجمع في كل زمان ومكان، {وَلكِنَّ اللَّهَ ذو فَضلٍ عَلَى العالَمينَ﴾.
-وسُنّة التدافع سُنّةٌ كونية ثابتة، وجارية ومستمرة إلى قيام الساعة، حفاظاً للدِين، واستمراريةً لاستقامة العيش، واعتدالاً لميزان الحياة.
فهذه سُنّةٌ يجب على الأمّة أنْ تُدركها، وأنْ تَعِيَها أذْنٌ واعية…
-وبانتهاء هذه المعركة، وبانتصار داوود على جالوت، وانتصار الحقّ وغلَبَته على الباطل؛ تنتهي قصة طالوت وقومه، وتبدأ قصةٌ ومرحلةٌ جديدة لبني اسرائيل مع نبيّ الله داود عليه السلام.
- *ثمّ تَوّجَ اللهُ ختامَ هذه القصة* بقوله تعالى: ﴿تِلكَ آياتُ اللَّهِ نَتلوها عَلَيكَ بِالحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ المُرسَلينَ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، أي: تلك آياتُ اللهِ الواضحة البيّنة نتلوها عليك -أيها النبيّ- متضمنةً صِدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأحكام، وإنك يامحمد لمن المرسلين من ربّ العالمين.
فهذه الآيات، وهذه القصة جاءت بالحقّ، ولأجل الحقّ، فالقصة في حدّ ذاتها حقّ. {وَإِنَّكَ [يامحمد] لَمِنَ المُرسَلينَ﴾، فهذه قصةٌ حدثت في قديم الزمان، لا يَعلم بها العَرب، فلا يَعلم بها إلا علماءُ أهل الكتاب، فمَن أخبرك يامحمد بهذه القصة وبتفاصيلها؟! فإخبارُك للناس بهذه القصة وبتفاصيلها؛ يدّل دلالةً قطعية أنّك نبيٌّ من عند الله، وأنّ الذي أطلعَك على أحداث هذه القصة هو اللهُ الذي أرسلَك للناس رسولاً، {وَإِنَّكَ [عندنا] لَمِنَ المُرسَلينَ﴾.
-فهذه القصة هي احدى اثباتات نبوتك يامحمد عند العَرب، وعند أهل الكتاب، فأنتَ رجلٌ أميٌّ لا تَقرأ ولا تَكتب، ولم تسمع بهذه القصة لا أنتَ ولا قومُك من قبْل، فهذه أمورٌ غيبية، كما قال اللهُ تعالى:﴿تِلكَ مِن أَنباءِ الغَيبِ نوحيها إِلَيكَ ما كُنتَ تَعلَمُها أَنتَ وَلا قَومُكَ مِن قَبلِ هذا فَاصبِر إِنَّ العاقِبَةَ لِلمُتَّقينَ}. فإخبارك يا محمد بهذه القصة، وبغيرها من قِصص الأمم السابقة، دليلٌ على أنّك رسولٌ حقٌّ من عند الله تعالى. ﴿تِلكَ آياتُ اللَّهِ نَتلوها عَلَيكَ بِالحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ المُرسَلينَ﴾.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-في الختام يا عباد الله
*إليكم بعض الدروس المستفادة من هذه القصة،وما تُعلّمُنا هذه القصة*؛ فمنها:
١- أنّ الأمّةَ الإسلامية متى ما رجعَت إلى دينها، ومتى ماانتفضت ورجعت إلى عقيدتها، متى ما أعلنت الجهادَ في سبيل الله ضد أعدائها، متى ما اجتمعت مع حكّامها وملوكها وعلمائها…، متى ما كان ذلك كلُّه؛ نصَرَها اللهُ، وأعانها على أعدائها، وأعادَ لها العزةَ والكرامةَ، والتمكينَ في الأرض، وأرْجَعَ لها مقدساتِها المسلوبة منها، وكذلك يُبدَلها اللهُ بدَل الذّل عِزاً، وبدَل الخوف أمْناً، وبدَل الفقر غنىً، وبدَل الجوع شِبْعاً، وجعلَها في مقدمة الركْب، بَدَل ماتكون في ذيْل القافلة. كما حدَث ذلك لبني اسرائيل في هذه القصة.
٢- لابد للقائد المسلم من عَمَل اختبارات معيّنة، لتصفية وغربلة الصفّ الإسلامي من الضعفاء والجُبناء، والمرجِفين، والمخذّلِين للصفّ، لكي تبقى معه صفوةُ الصَفوة من الرّجال الأوفياء، والمخلِصين لله وللدِين وللوطن، حتى يُعتَمد عليهم في الأوقات الصعبة والحَرِجة.
وقد عَمِلت هذه الغربلةُ عَملَها في هذه القصة عبرَ مراحل عِدَّة، فذهب الزَبَدُ وبقِيَ النافع الذي يتحقَّق على يدَيه النصر، وهم القِلَّة المؤمنة المتحلِّية بالصبر على المكاره، وعلى الضغوطات المتنوِّعة، والعقَبات الكَؤُود. {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنفَعُ النّاسَ فَيَمكُثُ فِي الأَرضِ}.
٣- لا يثبت في أرض المعركة إلا مَن ثبّتَهُ اللهُ تعالى، فلا يَثبتْ في أرض المعركة إلا مَن كان قلبُه مليئاً بالإيمان والتقوى، ومَن ترّبى على ذلك، وأعّدَ نفسَه للجهاد، وتدرّب عليه، وعاش وماتَ من أجله. ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُركُم وَيُثَبِّت أَقدامَكُم﴾ [محمد: ٧].
٤- وعلَمَتْنا قصةُ طالوت كذلك؛ أنّ أصحابَ القلوب المريضة، وأصحاب النفوس المنهزمة؛ وضعفاء الايمان واليقين بالله؛ لا يَثبتون في أرض المعركة، ولن يستمروا في نصرة الحقّ، فإنّه عند أول اختبارٍ لهم سَيسقُطون، وسيُكْشَفُ الستارُ عن حقيقتهم المَخْفِيَة، كما حدث ذلك لبني اسرائيل حين قالوا: (لا طاقةَ لنا بجالوتَ وجنودِه).
٥- تُعلمُنا هذه القصة كذلك؛ أنّ النصرَ ليس بكثرة العَدَد، ولا بكثرة القوة والعُدَد؛ بل النصر من عند الله تعالى، النصر يكون بقوة العقيدة، وبصدْق الإيمان، وبمصداقية الإنتماء لهذا الدِين. النصر يكون بالثبات في أرض المعركة، بعد الدعاء والتضرع واللجوء إلى الله، والاستعانة به على قوة العدو. والتأريخ يشهد بذلك، فـ«كم من فئةٍ قليلةٍ غلبَت فئةً كثيرةً بإذن الله، واللهُ مع الصابرين».
-وسُنّة التدافع سُنّةٌ كونية ثابتة، وجارية ومستمرة إلى قيام الساعة، حفاظاً للدِين، واستمراريةً لاستقامة العيش، واعتدالاً لميزان الحياة.
فهذه سُنّةٌ يجب على الأمّة أنْ تُدركها، وأنْ تَعِيَها أذْنٌ واعية…
-وبانتهاء هذه المعركة، وبانتصار داوود على جالوت، وانتصار الحقّ وغلَبَته على الباطل؛ تنتهي قصة طالوت وقومه، وتبدأ قصةٌ ومرحلةٌ جديدة لبني اسرائيل مع نبيّ الله داود عليه السلام.
- *ثمّ تَوّجَ اللهُ ختامَ هذه القصة* بقوله تعالى: ﴿تِلكَ آياتُ اللَّهِ نَتلوها عَلَيكَ بِالحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ المُرسَلينَ﴾ [البقرة: ٢٥٢]، أي: تلك آياتُ اللهِ الواضحة البيّنة نتلوها عليك -أيها النبيّ- متضمنةً صِدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأحكام، وإنك يامحمد لمن المرسلين من ربّ العالمين.
فهذه الآيات، وهذه القصة جاءت بالحقّ، ولأجل الحقّ، فالقصة في حدّ ذاتها حقّ. {وَإِنَّكَ [يامحمد] لَمِنَ المُرسَلينَ﴾، فهذه قصةٌ حدثت في قديم الزمان، لا يَعلم بها العَرب، فلا يَعلم بها إلا علماءُ أهل الكتاب، فمَن أخبرك يامحمد بهذه القصة وبتفاصيلها؟! فإخبارُك للناس بهذه القصة وبتفاصيلها؛ يدّل دلالةً قطعية أنّك نبيٌّ من عند الله، وأنّ الذي أطلعَك على أحداث هذه القصة هو اللهُ الذي أرسلَك للناس رسولاً، {وَإِنَّكَ [عندنا] لَمِنَ المُرسَلينَ﴾.
-فهذه القصة هي احدى اثباتات نبوتك يامحمد عند العَرب، وعند أهل الكتاب، فأنتَ رجلٌ أميٌّ لا تَقرأ ولا تَكتب، ولم تسمع بهذه القصة لا أنتَ ولا قومُك من قبْل، فهذه أمورٌ غيبية، كما قال اللهُ تعالى:﴿تِلكَ مِن أَنباءِ الغَيبِ نوحيها إِلَيكَ ما كُنتَ تَعلَمُها أَنتَ وَلا قَومُكَ مِن قَبلِ هذا فَاصبِر إِنَّ العاقِبَةَ لِلمُتَّقينَ}. فإخبارك يا محمد بهذه القصة، وبغيرها من قِصص الأمم السابقة، دليلٌ على أنّك رسولٌ حقٌّ من عند الله تعالى. ﴿تِلكَ آياتُ اللَّهِ نَتلوها عَلَيكَ بِالحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ المُرسَلينَ﴾.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
-في الختام يا عباد الله
*إليكم بعض الدروس المستفادة من هذه القصة،وما تُعلّمُنا هذه القصة*؛ فمنها:
١- أنّ الأمّةَ الإسلامية متى ما رجعَت إلى دينها، ومتى ماانتفضت ورجعت إلى عقيدتها، متى ما أعلنت الجهادَ في سبيل الله ضد أعدائها، متى ما اجتمعت مع حكّامها وملوكها وعلمائها…، متى ما كان ذلك كلُّه؛ نصَرَها اللهُ، وأعانها على أعدائها، وأعادَ لها العزةَ والكرامةَ، والتمكينَ في الأرض، وأرْجَعَ لها مقدساتِها المسلوبة منها، وكذلك يُبدَلها اللهُ بدَل الذّل عِزاً، وبدَل الخوف أمْناً، وبدَل الفقر غنىً، وبدَل الجوع شِبْعاً، وجعلَها في مقدمة الركْب، بَدَل ماتكون في ذيْل القافلة. كما حدَث ذلك لبني اسرائيل في هذه القصة.
٢- لابد للقائد المسلم من عَمَل اختبارات معيّنة، لتصفية وغربلة الصفّ الإسلامي من الضعفاء والجُبناء، والمرجِفين، والمخذّلِين للصفّ، لكي تبقى معه صفوةُ الصَفوة من الرّجال الأوفياء، والمخلِصين لله وللدِين وللوطن، حتى يُعتَمد عليهم في الأوقات الصعبة والحَرِجة.
وقد عَمِلت هذه الغربلةُ عَملَها في هذه القصة عبرَ مراحل عِدَّة، فذهب الزَبَدُ وبقِيَ النافع الذي يتحقَّق على يدَيه النصر، وهم القِلَّة المؤمنة المتحلِّية بالصبر على المكاره، وعلى الضغوطات المتنوِّعة، والعقَبات الكَؤُود. {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنفَعُ النّاسَ فَيَمكُثُ فِي الأَرضِ}.
٣- لا يثبت في أرض المعركة إلا مَن ثبّتَهُ اللهُ تعالى، فلا يَثبتْ في أرض المعركة إلا مَن كان قلبُه مليئاً بالإيمان والتقوى، ومَن ترّبى على ذلك، وأعّدَ نفسَه للجهاد، وتدرّب عليه، وعاش وماتَ من أجله. ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُركُم وَيُثَبِّت أَقدامَكُم﴾ [محمد: ٧].
٤- وعلَمَتْنا قصةُ طالوت كذلك؛ أنّ أصحابَ القلوب المريضة، وأصحاب النفوس المنهزمة؛ وضعفاء الايمان واليقين بالله؛ لا يَثبتون في أرض المعركة، ولن يستمروا في نصرة الحقّ، فإنّه عند أول اختبارٍ لهم سَيسقُطون، وسيُكْشَفُ الستارُ عن حقيقتهم المَخْفِيَة، كما حدث ذلك لبني اسرائيل حين قالوا: (لا طاقةَ لنا بجالوتَ وجنودِه).
٥- تُعلمُنا هذه القصة كذلك؛ أنّ النصرَ ليس بكثرة العَدَد، ولا بكثرة القوة والعُدَد؛ بل النصر من عند الله تعالى، النصر يكون بقوة العقيدة، وبصدْق الإيمان، وبمصداقية الإنتماء لهذا الدِين. النصر يكون بالثبات في أرض المعركة، بعد الدعاء والتضرع واللجوء إلى الله، والاستعانة به على قوة العدو. والتأريخ يشهد بذلك، فـ«كم من فئةٍ قليلةٍ غلبَت فئةً كثيرةً بإذن الله، واللهُ مع الصابرين».
فقوة العقيدة هي أقوى من كلّ سلاح، وصاروخ الحقّ أقوى من كل صاروخ، وقذيفة العزيمة والإرادة هي أقوى من كلّ قذيفة، ﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلّا بُشرى لَكُم وَلِتَطمَئِنَّ قُلوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصرُ إِلّا مِن عِندِ اللَّهِ العَزيزِ الحَكيمِ﴾.
٦-لن تستحق هذه الأمّةُ النصر، ولن تحصل على التمكين والقيادة؛ إلا إذا قامت وعَمِلت بمقوّمات وشروط النصر؛ من إيمانٍ وتقوى، وصبْرٍ ويقين، وتَدريب وإعدادٍ وتربية، وجهادٍ وقتال وفداء وتضخية، وتجَرُد وأُخُوّة {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزيزٌ﴾.
ولكي يتحقق النصر؛ فلابد من وجود إعدادَيْن اثنَيْين للأمّة وهما: الإعداد المادي، والإعداد المعنوي. فالإعداد المادّي يكون بالتدريب والسِلاح، والإعداد المعنوي يكون بالإيمان والتقوى. فطائرُ النصر لا يطيرُ إلا بجناحَيْنِ؛ جِناح:﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ …} فهذا (الإعداد العسكري). وجِناح:{إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُركُم وَيُثَبِّت أَقدامَكُم}، وهذا هو (الإعداد الإيماني). فلابد من هذَين الإعدادَيْن لهذه الأمّة لكي تستحق النصر من عند ربها تعالى.
٧- هذه القصة، وجميع قصص القرْآن الكريم، هي أجمل وأصدق، وأصّح وأبلغ القَصص! فيجب على هذه الأمّة أنْ تَقرأ هذا القرآن، (فهي أمّة اِقرأ)، ويَجب كذلك على هذه الأمّة أنْ تُدَرِّس هذه القِصص القرآنية، وتُعلّمها لجميع الأجيال في المدارس والجامعات.
فالقرآن الكريم ليس مجرد كتاب فيه سطور من الكلمات، وليست حروفُه مجرد كلام يُقرأ، أو آياتٌ تُتلى فقط، لا؛ بل هو سِجِلٌّ لأحداثٍ وظواهر وقعَت في الماضي، ليُعِيد لنا التأريخُ أحداثَها من جديد، فعلى الأمّة اليوم أنْ تأخذ من هذه القصص العِبرَ والعِظات، حتى لا تقع فيما وقع فيه السابقون.
-فإنّ القصص القرآنية جاءت للعبرة والعِظة، فهي وإن كانت تتحدَّث عن مواقف وأحداث، وأشخاصٍ، وأزمنةٍ معينة، إلا أنّ مقاصدَها تتجاوز تلك الظروف، لتخاطب كلَّ عَصر، وكل مَصْر، وكلّ حاكمٍ، وكل محكوم، وكلّ أمةٍ، وكلّ شعب، فقد جاءت هذه القصص والأخبار للإتعاظ والاعتبار، كما قال اللهُ تعالى:﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
*-ولتَعلم هذه الأمّة؛ أنّها لن تَنتفعَ بهذا القرآن، ولن تستفيدَ من هذا الكتاب الرّباني؛ إلا إذا قَرَأَتْهُ بوَعْيٍ، وتَلَتْهُ بتَدَبُّرٍ، وطَبَقَتْهُ بصِدْقٍ، وحكّمَتْهُ عَمَليّاً في كلّ شؤون حياتها)* .﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنونَ حَتّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لا يَجِدوا في أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمّا قَضَيتَ وَيُسَلِّموا تَسليمًا﴾.
-فالقرآن الكريم مليءٌ بالقصص والأخبار التي تَحلّ كلّ مشاكل هذا الأمّة، وتُنيرُ لها طريقَها، وتَرْسِم لها مستقبَلَها الواعدَ المُشرِق.
وصَدَقَ اللهُ تعالى القائل عن كتابه العزيز: ﴿ما فَرَّطنا فِي الكِتابِ مِن شَيءٍ﴾، ﴿وَنَزَّلنا عَلَيكَ الكِتابَ تِبيانًا لِكُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحمَةً وَبُشرى لِلمُسلِمينَ}.
*♡ فللّه الحمد والمنّة♡*
﴿لَقَد كانَ في قَصَصِهِم عِبرَةٌ لِأُولِي الأَلبابِ ما كانَ حَديثًا يُفتَرى وَلكِن تَصديقَ الَّذي بَينَ يَدَيهِ وَتَفصيلَ كُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحمَةً لِقَومٍ يُؤمِنونَ﴾.
رَبَّنَا اغفِر لَنا ذُنوبَنا، وَإِسرافَنا في أَمرِنا، وَثَبِّت أَقدامَنا، وَانصُرنا عَلَى القَومِ الكافِرين.
*♕والحَمدُ اللّه ربّ العالمين♕*
٦-لن تستحق هذه الأمّةُ النصر، ولن تحصل على التمكين والقيادة؛ إلا إذا قامت وعَمِلت بمقوّمات وشروط النصر؛ من إيمانٍ وتقوى، وصبْرٍ ويقين، وتَدريب وإعدادٍ وتربية، وجهادٍ وقتال وفداء وتضخية، وتجَرُد وأُخُوّة {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزيزٌ﴾.
ولكي يتحقق النصر؛ فلابد من وجود إعدادَيْن اثنَيْين للأمّة وهما: الإعداد المادي، والإعداد المعنوي. فالإعداد المادّي يكون بالتدريب والسِلاح، والإعداد المعنوي يكون بالإيمان والتقوى. فطائرُ النصر لا يطيرُ إلا بجناحَيْنِ؛ جِناح:﴿وَأَعِدّوا لَهُم مَا استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ …} فهذا (الإعداد العسكري). وجِناح:{إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُركُم وَيُثَبِّت أَقدامَكُم}، وهذا هو (الإعداد الإيماني). فلابد من هذَين الإعدادَيْن لهذه الأمّة لكي تستحق النصر من عند ربها تعالى.
٧- هذه القصة، وجميع قصص القرْآن الكريم، هي أجمل وأصدق، وأصّح وأبلغ القَصص! فيجب على هذه الأمّة أنْ تَقرأ هذا القرآن، (فهي أمّة اِقرأ)، ويَجب كذلك على هذه الأمّة أنْ تُدَرِّس هذه القِصص القرآنية، وتُعلّمها لجميع الأجيال في المدارس والجامعات.
فالقرآن الكريم ليس مجرد كتاب فيه سطور من الكلمات، وليست حروفُه مجرد كلام يُقرأ، أو آياتٌ تُتلى فقط، لا؛ بل هو سِجِلٌّ لأحداثٍ وظواهر وقعَت في الماضي، ليُعِيد لنا التأريخُ أحداثَها من جديد، فعلى الأمّة اليوم أنْ تأخذ من هذه القصص العِبرَ والعِظات، حتى لا تقع فيما وقع فيه السابقون.
-فإنّ القصص القرآنية جاءت للعبرة والعِظة، فهي وإن كانت تتحدَّث عن مواقف وأحداث، وأشخاصٍ، وأزمنةٍ معينة، إلا أنّ مقاصدَها تتجاوز تلك الظروف، لتخاطب كلَّ عَصر، وكل مَصْر، وكلّ حاكمٍ، وكل محكوم، وكلّ أمةٍ، وكلّ شعب، فقد جاءت هذه القصص والأخبار للإتعاظ والاعتبار، كما قال اللهُ تعالى:﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
*-ولتَعلم هذه الأمّة؛ أنّها لن تَنتفعَ بهذا القرآن، ولن تستفيدَ من هذا الكتاب الرّباني؛ إلا إذا قَرَأَتْهُ بوَعْيٍ، وتَلَتْهُ بتَدَبُّرٍ، وطَبَقَتْهُ بصِدْقٍ، وحكّمَتْهُ عَمَليّاً في كلّ شؤون حياتها)* .﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنونَ حَتّى يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لا يَجِدوا في أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمّا قَضَيتَ وَيُسَلِّموا تَسليمًا﴾.
-فالقرآن الكريم مليءٌ بالقصص والأخبار التي تَحلّ كلّ مشاكل هذا الأمّة، وتُنيرُ لها طريقَها، وتَرْسِم لها مستقبَلَها الواعدَ المُشرِق.
وصَدَقَ اللهُ تعالى القائل عن كتابه العزيز: ﴿ما فَرَّطنا فِي الكِتابِ مِن شَيءٍ﴾، ﴿وَنَزَّلنا عَلَيكَ الكِتابَ تِبيانًا لِكُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحمَةً وَبُشرى لِلمُسلِمينَ}.
*♡ فللّه الحمد والمنّة♡*
﴿لَقَد كانَ في قَصَصِهِم عِبرَةٌ لِأُولِي الأَلبابِ ما كانَ حَديثًا يُفتَرى وَلكِن تَصديقَ الَّذي بَينَ يَدَيهِ وَتَفصيلَ كُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحمَةً لِقَومٍ يُؤمِنونَ﴾.
رَبَّنَا اغفِر لَنا ذُنوبَنا، وَإِسرافَنا في أَمرِنا، وَثَبِّت أَقدامَنا، وَانصُرنا عَلَى القَومِ الكافِرين.
*♕والحَمدُ اللّه ربّ العالمين♕*
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
🎤
*خطبة جمعة بعنوان:*
*نقض اليهود عهدهم مع غزة*
*وســنن الله فـي الظـالـمـــين*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌
*الخطبة الأولى:*
الحمد لله الذي أمر بنصرة المظلومين، وتوعد الظالمين بالعذاب الأليم، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيْلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيْلاً﴾ [النساء: 75]. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، الذي قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه، ولا يخذله» [رواه البخاري ومسلم]. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى؛ فهي وصية الله للأولين والآخرين، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131].
أما بعد:
فإن الأمة الإسلامية اليوم تتابع، بقلوب يعتصرها الألم، الجرائم الوحشية التي يرتكبها الاحتلال الصهيوني بحق إخواننا في غزة، والاعتداءات المستمرة على سوريا، في مشهد يجسد أبشع صور الهمجية والإرهاب المنظم، وسط صمتٍ عربي ودولي مخزٍ، وعجز عن كبح جماح هذا العدوان المتواصل.
إن ما يجري في غزة ليس مجرد تجاوزات عابرة؛ بل هو إبادة جماعية ممنهجة، وظلم بيِّن يتكرر كل حين، أمام مرأى ومسمع من العالم كله، لقد بلغ الظلم والإجرام مداه، ورب العزة والجلال يقول كما هو في الحديث: «اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تُحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين» [رواه الطبراني وحسنه الألباني].
أيها المسلمون، لقد تعهد الاحتلال بوقف إطلاق النار، ولكن كعادته في الغدر والخيانة لم يلتزم؛ بل تجاوزت خروقاته ألف خرق، وذلك ديدنهم كما وصفهم الله بقوله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 100]؛ فهل ينتظر المسلمون من هذا العدو إلا غدرا ونقضا للعهود؟! لأنه من أمِنَ العقوبة أساء الأدب.
وهذا العدو لا يعرف إلا لغة القوة، ولا يردعه إلا بأس المجاهدين وصمود أهل الإيمان، ولذلك قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة: 12].
أيها المسلمون، إن العدوان على غزة يتم بدعم مباشر من الولايات المتحدة، التي ما فتئت تقدم لهذا الكيان كل أنواع العون السياسي والعسكري، حتى بات واضحا أن هذه الحرب ليست حربا على غزة وحدها؛ بل على الإسلام وأهله، وإنها لحملة صليبية جديدة، في ثوب السياسة والمصالح، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: 217].
وإلا؛ فكيف نفسر تدخلهم السريع لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، بينما يشعلون نار الحرب في غزة؟ وكيف يطالبون المقاومة بالإفراج عن الأسرى دون قيد أو شرط، بينما يفرض الاحتلال حصارا خانقا وقتلا ممنهجا؟! إنها معايير مزدوجة، وتجاهل لمشاعر أكثر من مليارَي مسلم.
عباد الله، لقد أثبتت التجارب أن ضمانات الوسطاء لا قيمة لها، فما أكثر الاتفاقيات التي وقّعها العدو ثم نقضها! وكما قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: «ما نقضت يهود عهدا إلا سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب» [تفسير ابن كثير].
لذا فإن المواقف الدبلوماسية الباهتة ليست كافية؛ بل المطلوب هو تحرك إسلامي ودولي فاعل، يدفع الظلم ويردع المعتدين، وذلك عبر:
- وقف جميع أشكال الدعم العسكري والسياسي للكيان الصهيوني.
- وإنهاء الغطاء الدبلوماسي الذي يحميه من العقاب.
- وقيام الدول الإسلامية بواجبها في دعم صمود الشعب الفلسطيني سياسيا وإنسانيا.
- وتوثيق جرائم الاحتلال وتقديمها إلى المحاكم الدولية لضمان محاسبة مرتكبيها.
أيها المسلمون، إن حماس والمقاومة الفلسطينية اليوم أمام مفترق طرق؛ فبعد فشل الضغوط الأمريكية في إجبارها على الاستسلام؛ باتت أمام لحظة تاريخية حاسمة؛ حيث لا خيار سوى المواجهة الحتمية، التي قد تكون بداية النهاية للكيان الصهيوني، كما قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾ [الزخرف: 41].
لقد امتلكت المقاومة أدوات الردع، وأصبحت الدبابات الإسرائيلية مجرد توابيت لجنود الاحتلال، وإن الجولة القادمة قد تكون فاصلة، فقد قال رسول الله ﷺ: «تُقَاتِلُونَ اليَهُودَ، فَتَسُودُونَ عَلَيْهِمْ، حتَّى يقولَ الحَجَرُ: يا مُسْلِمُ، هذا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ» [رواه مسلم].
أيها المسلمون، إن مسؤوليتنا اليوم أن نقف مع إخواننا بكل ما نستطيع، دعاءً، ودعما، وإعلاما، ومقاطعة، فإن الأمة التي تنصر الحق يُنصرها الله، قال سبحانه: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].
*خطبة جمعة بعنوان:*
*نقض اليهود عهدهم مع غزة*
*وســنن الله فـي الظـالـمـــين*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌
*الخطبة الأولى:*
الحمد لله الذي أمر بنصرة المظلومين، وتوعد الظالمين بالعذاب الأليم، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل في كتابه الكريم: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيْلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيْلاً﴾ [النساء: 75]. وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، الذي قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه، ولا يخذله» [رواه البخاري ومسلم]. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى؛ فهي وصية الله للأولين والآخرين، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131].
أما بعد:
فإن الأمة الإسلامية اليوم تتابع، بقلوب يعتصرها الألم، الجرائم الوحشية التي يرتكبها الاحتلال الصهيوني بحق إخواننا في غزة، والاعتداءات المستمرة على سوريا، في مشهد يجسد أبشع صور الهمجية والإرهاب المنظم، وسط صمتٍ عربي ودولي مخزٍ، وعجز عن كبح جماح هذا العدوان المتواصل.
إن ما يجري في غزة ليس مجرد تجاوزات عابرة؛ بل هو إبادة جماعية ممنهجة، وظلم بيِّن يتكرر كل حين، أمام مرأى ومسمع من العالم كله، لقد بلغ الظلم والإجرام مداه، ورب العزة والجلال يقول كما هو في الحديث: «اتقوا دعوة المظلوم، فإنها تُحمل على الغمام، يقول الله: وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين» [رواه الطبراني وحسنه الألباني].
أيها المسلمون، لقد تعهد الاحتلال بوقف إطلاق النار، ولكن كعادته في الغدر والخيانة لم يلتزم؛ بل تجاوزت خروقاته ألف خرق، وذلك ديدنهم كما وصفهم الله بقوله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 100]؛ فهل ينتظر المسلمون من هذا العدو إلا غدرا ونقضا للعهود؟! لأنه من أمِنَ العقوبة أساء الأدب.
وهذا العدو لا يعرف إلا لغة القوة، ولا يردعه إلا بأس المجاهدين وصمود أهل الإيمان، ولذلك قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ﴾ [التوبة: 12].
أيها المسلمون، إن العدوان على غزة يتم بدعم مباشر من الولايات المتحدة، التي ما فتئت تقدم لهذا الكيان كل أنواع العون السياسي والعسكري، حتى بات واضحا أن هذه الحرب ليست حربا على غزة وحدها؛ بل على الإسلام وأهله، وإنها لحملة صليبية جديدة، في ثوب السياسة والمصالح، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: 217].
وإلا؛ فكيف نفسر تدخلهم السريع لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية، بينما يشعلون نار الحرب في غزة؟ وكيف يطالبون المقاومة بالإفراج عن الأسرى دون قيد أو شرط، بينما يفرض الاحتلال حصارا خانقا وقتلا ممنهجا؟! إنها معايير مزدوجة، وتجاهل لمشاعر أكثر من مليارَي مسلم.
عباد الله، لقد أثبتت التجارب أن ضمانات الوسطاء لا قيمة لها، فما أكثر الاتفاقيات التي وقّعها العدو ثم نقضها! وكما قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: «ما نقضت يهود عهدا إلا سلط الله عليهم من يسومهم سوء العذاب» [تفسير ابن كثير].
لذا فإن المواقف الدبلوماسية الباهتة ليست كافية؛ بل المطلوب هو تحرك إسلامي ودولي فاعل، يدفع الظلم ويردع المعتدين، وذلك عبر:
- وقف جميع أشكال الدعم العسكري والسياسي للكيان الصهيوني.
- وإنهاء الغطاء الدبلوماسي الذي يحميه من العقاب.
- وقيام الدول الإسلامية بواجبها في دعم صمود الشعب الفلسطيني سياسيا وإنسانيا.
- وتوثيق جرائم الاحتلال وتقديمها إلى المحاكم الدولية لضمان محاسبة مرتكبيها.
أيها المسلمون، إن حماس والمقاومة الفلسطينية اليوم أمام مفترق طرق؛ فبعد فشل الضغوط الأمريكية في إجبارها على الاستسلام؛ باتت أمام لحظة تاريخية حاسمة؛ حيث لا خيار سوى المواجهة الحتمية، التي قد تكون بداية النهاية للكيان الصهيوني، كما قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾ [الزخرف: 41].
لقد امتلكت المقاومة أدوات الردع، وأصبحت الدبابات الإسرائيلية مجرد توابيت لجنود الاحتلال، وإن الجولة القادمة قد تكون فاصلة، فقد قال رسول الله ﷺ: «تُقَاتِلُونَ اليَهُودَ، فَتَسُودُونَ عَلَيْهِمْ، حتَّى يقولَ الحَجَرُ: يا مُسْلِمُ، هذا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ» [رواه مسلم].
أيها المسلمون، إن مسؤوليتنا اليوم أن نقف مع إخواننا بكل ما نستطيع، دعاءً، ودعما، وإعلاما، ومقاطعة، فإن الأمة التي تنصر الحق يُنصرها الله، قال سبحانه: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].
Telegram
زاد الخـطــيــب الـــدعـــــوي📚
الـشـبـكـة الـدعـــويــة الـرائـــدة
المتخصصة بالخطـب والمحاضرات
🌧 سـاهـم بالنشـر تؤجـر بـإذن اللـّـه
•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•
للتواصل مع إدارة القناة
إضغط على الرابط التالي
@majd321
المتخصصة بالخطـب والمحاضرات
🌧 سـاهـم بالنشـر تؤجـر بـإذن اللـّـه
•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•
للتواصل مع إدارة القناة
إضغط على الرابط التالي
@majd321
فلنكثر من الدعاء، ولنجتهد في نصرة المستضعفين، ولنتذكر أن الله لا يخذل أولياءه، كما قال ابن تيمية رحمه الله: «والله لينصرن الله دينه، وليُعلينّ كلمته، وليقيمنّ دولة الإسلام ولو بعد حين» [مجموع الفتاوى].
إن القضية الفلسطينية ليست مجرد صراع سياسي؛ بل هي قضية دينية وشرعية، فهي أرض مباركة بنص القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]. وهي أمانة في أعناق المسلمين جميعا، لا يجوز التفريط فيها، ولا التهاون في الدفاع عنها.
والواجب الشرعي والأخلاقي يحتم على الأمة الإسلامية، حكومات وشعوبا، التحرك العاجل لنصرة أهل فلسطين بكل الوسائل الممكنة، ومن ذلك:
- الدعم المادي؛ قال ﷺ: «من جهّز غازيا في سبيل الله فقد غزا» (متفق عليه). فيجب دعم إخواننا بالمال، وتأمين احتياجاتهم الإغاثية والطبية.
- ومنه الدعم السياسي: عبر فضح جرائم الاحتلال في المحافل الدولية، وكشف تواطؤ الدول الداعمة له، فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113].
- وعلينا الدعم الإعلامي؛ بتكثيف الجهود لنشر الوعي حول القضية الفلسطينية، وكشف زيف الروايات الصهيونية، فقد قال النبي ﷺ: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» (رواه أبو داود).
- وعلى العلماء والدعاة مسؤولية كبرى في توعية الأمة بمكانة فلسطين، ووجوب نصرتها، والتحذير من التخاذل والتطبيع مع العدو.
إن استمرار الاحتلال في جرائمه لم يكن ليحدث لولا وجود أنظمة عربية متواطئة، منعت الشعوب من نصرة إخوانهم، وفتحت قنوات التطبيع مع العدو، واستقبلت سفراءهم، ومن هنا؛ فإن واجب الشعوب:
- رفض أي شكل من أشكال التطبيع السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي.
- ودعم المقاومة بكل الوسائل الممكنة، كما قال النبي ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» (متفق عليه).
- وتحريك الرأي العام ضد الأنظمة المتخاذلة، وعدم الرضوخ لمحاولات تمييع القضية.
أيها المسلمون، اعلموا أن القضية الفلسطينية ليست قضية تفاوض أو تنازل؛ بل هي جزء من عقيدة المسلمين:
- فأرض فلسطين وقف إسلامي، لا يجوز التفريط في شبر منها.
- والجهاد ضد المحتلين فرض عين على كل مسلم مستطيع، قال تعالى ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36]. ولو كانت قضايا المسلمين تحل بالدعاء فقط؛ ما خاض رسول الله حربا؛ فلابد من نصر إخواننا في غزة!
- وكل اتفاقيات التطبيع باطلة شرعا، وهي خيانة للأمة والدين، ولذلك قال الإمام ابن تيمية: "كل عهد يضر بالمسلمين فهو باطل" (الفتاوى الكبرى 5/530).
- وإغلاق المعابر خيانة لله ورسوله، ومن يمنع عن المسلمين الطعام والدواء، فقد ارتكب كبيرة من الكبائر.
- ويجب المقاطعة الاقتصادية الشاملة لكافة الشركات الداعمة للعدو.
نسأل الله أن ينصر إخواننا في فلسطين، ويثبت أقدامهم، ويسدد رميهم، وأن يكون لهم معينا ونصيرا، وأن يرينا في عدوهم يوماً أسودًا، وأن يشتّت شمل الصهاينة، ويفرق جمعهم، ويجعل بأسهم بينهم شديد، وأن يجعل تدبيرهم تدميرا عليهم وأن يخرجهم من أرض المسلمين أذلةً صاغرين!
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي كتب العزة لعباده المؤمنين، وجعل الجهاد في سبيله ذروة سنام الدين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الأرض ميراثا لعباده الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، القائل: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه، ولا يخذله» (رواه مسلم).
أما بعد:
فإننا نقف اليوم على منبر رسول الله ﷺ، والأمة الإسلامية تتابع بقلوب يعتصرها الألم ما يجري في أرض الإسراء والمعراج، حيث يستمر الاحتلال الصهيوني في جرائمه الوحشية بحق إخواننا في غزة، وسط صمت دولي مخزٍ وتواطؤ من القريب والبعيد.
عباد الله، اعلموا أن ما يجري في غزة اليوم هو مخاض النصر، وأن الله إذا أراد أمرا هيّأ أسبابه. وكما كان قدر الله في معركة بدر أن تتحول من هجوم على القافلة إلى معركة فاصلة حطّمت كبرياء قريش؛ فإن غزة اليوم أرادها العدو مواجهة محدودة، وأرادها الله حربا كاشفة للحقائق، فاصلة بين أهل الصدق وأهل التخاذل، ومبشرة بزوال الطغيان. قال تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: 7]، وقال أيضا: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]. ولم يكن النصر في بدر بالعدد والعدة؛ بل بتأييد الله لعباده الصادقين. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا يمنعنكم قلة العدد من الجهاد، فقد نصر الله المسلمين في بدر وهم أذلة." وهذا درس للأمة اليوم؛ فالقوة ليست في السلاح وحده؛ بل في الثبات على الحق.
إن القضية الفلسطينية ليست مجرد صراع سياسي؛ بل هي قضية دينية وشرعية، فهي أرض مباركة بنص القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]. وهي أمانة في أعناق المسلمين جميعا، لا يجوز التفريط فيها، ولا التهاون في الدفاع عنها.
والواجب الشرعي والأخلاقي يحتم على الأمة الإسلامية، حكومات وشعوبا، التحرك العاجل لنصرة أهل فلسطين بكل الوسائل الممكنة، ومن ذلك:
- الدعم المادي؛ قال ﷺ: «من جهّز غازيا في سبيل الله فقد غزا» (متفق عليه). فيجب دعم إخواننا بالمال، وتأمين احتياجاتهم الإغاثية والطبية.
- ومنه الدعم السياسي: عبر فضح جرائم الاحتلال في المحافل الدولية، وكشف تواطؤ الدول الداعمة له، فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113].
- وعلينا الدعم الإعلامي؛ بتكثيف الجهود لنشر الوعي حول القضية الفلسطينية، وكشف زيف الروايات الصهيونية، فقد قال النبي ﷺ: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم» (رواه أبو داود).
- وعلى العلماء والدعاة مسؤولية كبرى في توعية الأمة بمكانة فلسطين، ووجوب نصرتها، والتحذير من التخاذل والتطبيع مع العدو.
إن استمرار الاحتلال في جرائمه لم يكن ليحدث لولا وجود أنظمة عربية متواطئة، منعت الشعوب من نصرة إخوانهم، وفتحت قنوات التطبيع مع العدو، واستقبلت سفراءهم، ومن هنا؛ فإن واجب الشعوب:
- رفض أي شكل من أشكال التطبيع السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي.
- ودعم المقاومة بكل الوسائل الممكنة، كما قال النبي ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» (متفق عليه).
- وتحريك الرأي العام ضد الأنظمة المتخاذلة، وعدم الرضوخ لمحاولات تمييع القضية.
أيها المسلمون، اعلموا أن القضية الفلسطينية ليست قضية تفاوض أو تنازل؛ بل هي جزء من عقيدة المسلمين:
- فأرض فلسطين وقف إسلامي، لا يجوز التفريط في شبر منها.
- والجهاد ضد المحتلين فرض عين على كل مسلم مستطيع، قال تعالى ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36]. ولو كانت قضايا المسلمين تحل بالدعاء فقط؛ ما خاض رسول الله حربا؛ فلابد من نصر إخواننا في غزة!
- وكل اتفاقيات التطبيع باطلة شرعا، وهي خيانة للأمة والدين، ولذلك قال الإمام ابن تيمية: "كل عهد يضر بالمسلمين فهو باطل" (الفتاوى الكبرى 5/530).
- وإغلاق المعابر خيانة لله ورسوله، ومن يمنع عن المسلمين الطعام والدواء، فقد ارتكب كبيرة من الكبائر.
- ويجب المقاطعة الاقتصادية الشاملة لكافة الشركات الداعمة للعدو.
نسأل الله أن ينصر إخواننا في فلسطين، ويثبت أقدامهم، ويسدد رميهم، وأن يكون لهم معينا ونصيرا، وأن يرينا في عدوهم يوماً أسودًا، وأن يشتّت شمل الصهاينة، ويفرق جمعهم، ويجعل بأسهم بينهم شديد، وأن يجعل تدبيرهم تدميرا عليهم وأن يخرجهم من أرض المسلمين أذلةً صاغرين!
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
الحمد لله الذي كتب العزة لعباده المؤمنين، وجعل الجهاد في سبيله ذروة سنام الدين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الأرض ميراثا لعباده الصالحين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، القائل: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه، ولا يخذله» (رواه مسلم).
أما بعد:
فإننا نقف اليوم على منبر رسول الله ﷺ، والأمة الإسلامية تتابع بقلوب يعتصرها الألم ما يجري في أرض الإسراء والمعراج، حيث يستمر الاحتلال الصهيوني في جرائمه الوحشية بحق إخواننا في غزة، وسط صمت دولي مخزٍ وتواطؤ من القريب والبعيد.
عباد الله، اعلموا أن ما يجري في غزة اليوم هو مخاض النصر، وأن الله إذا أراد أمرا هيّأ أسبابه. وكما كان قدر الله في معركة بدر أن تتحول من هجوم على القافلة إلى معركة فاصلة حطّمت كبرياء قريش؛ فإن غزة اليوم أرادها العدو مواجهة محدودة، وأرادها الله حربا كاشفة للحقائق، فاصلة بين أهل الصدق وأهل التخاذل، ومبشرة بزوال الطغيان. قال تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: 7]، وقال أيضا: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]. ولم يكن النصر في بدر بالعدد والعدة؛ بل بتأييد الله لعباده الصادقين. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "لا يمنعنكم قلة العدد من الجهاد، فقد نصر الله المسلمين في بدر وهم أذلة." وهذا درس للأمة اليوم؛ فالقوة ليست في السلاح وحده؛ بل في الثبات على الحق.
فقد سقط جبابرة قريش في القليب، كما قال الله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: 45]، فلكل طاغية مصير محتوم، وإنْ تأخر موعده.
عباد الله.. إن الدماء التي بذلت في بدر لم تذهب سدى؛ بل صنعت فجرا جديدا، ودماء أهلنا في غزة لن تذهب سدى! بل سيعقبها نصر مبينٌ وفتحٌ قريب إن شاء الله، ولن يتحقق نصر إلا بالصبر والثبات، قال النبي ﷺ: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا»؛ فبدر ليست مجرد قصة للتاريخ؛ بل سُنّةٌ إلهية تتكرر، فمن كان في صف الطغاة؛ فليبحث عن قبرٍ يختبئ فيه، ومن كان مع الحق، فليثبت، فإن موعد الطغاة يقترب، وإن النصر قادم لا محالة.
إن من سنن الله: أنه إذا أراد إهلاك أمة؛ ازداد ظلمها حتى يحل بها العقاب، وفق سنته في الأمم السابقة حين أخرجوا رسلهم ومن يقرأ أحداث غزّة والضفة وفق السنن الإلهية يدرك أن إهلاك المحتلين بات قريبا، وأن تصاعد الظلم والطغيان يسرّع وقوع هذه السنة بإذن الله. فأمام تهديدات تهجير أهل غزة، يتجلى قوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77)﴾ [الإسراء]. وقوله: ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: 103]. ومعنى "يستفزّهم" أي دفعهم للهرب والرحيل.
فلا مكان للشك أو التردد، فخلف هذا الألم خير كثير! لا يعلمه إلا الله، وإن النصر قادم لا محالة، فقد قال النبي ﷺ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ المُسْلِمُونَ اليَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ المُسْلِمُونَ، حَتَّى يَخْتَبِئَ اليَهُودِيُّ وَرَاءَ الحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ» (رواه مسلم).
أمتنا لا ينقصها عددها ولا عتادها، بل قادتها، والثقة بما عندها، والاعتزاز بدينها، وقبل ذلك صدق الإيمان بالله ﷻ وموعوده الذي يحركها.
أمَا وأهل ڠـزة يبا'دو'ن وأمتنا تصوم وتنعم، وتأكل وتشرب وتنام وتهنأ فلا أعتقد أن صيامنا مقبول، ولا صالح أعمالنا إلى الله مرفوع
هذا وصلوا وسلموا على سيد المجاهدين وإمام الثابتين وقدوة الصابرين والمثابرين على طاعة الله حتى أتاه اليقين؛ من أمركم الله -تعالى- بالصلاة والسلام عليه، فقال:
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب : 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمدٍ، وارضَ اللَّهُمَّ عن خلفائِه الراشدين، أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ، وعن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التابعين، وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك، وإحسانِكَ، يا أرحمَ الراحمين!
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، أن تنصر إخواننا المستضعفين في فلسطين، اللهم اربط على قلوبهم، وثبت أقدامهم، وسدد رميهم، وارفع عنهم الكرب والبلاء.
اللهم الطف بإخواننا في غزة، وارحم ضعفهم، وتولَّ أمرهم وأحسن خلاصهم، واجعل لهم فرجاً ومخرجا.
اللهم اشف جرحاهم، وعاف مبتلاهم، وأطعم جائعهم، وأمن خائفهم، وارزقهم من حيث لا يحتسبون.
اللهم أهلك الظالمين المعتدين، وزلزل الأرض تحت أقدامهم، واجعل بأسهم بينهم شديد، اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعلهم عبرة للمعتبرين.
اللهم اكشف المؤامرات، وأبطل المكائد، اللهم عليك بمن تواطأ مع العدو، ومن أعانهم بالمال أو السلاح أو السكوت، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تحقق لهم غاية، واجعلهم عبرة لمن خلفهم.
اللهم افتح الحدود، وأزل القيود، ويسّر سبل النصرة لعبادك المجاهدين، اللهم ألّف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين، واجعلهم يدًا واحدة ضد عدوهم.
اللهم بارك في أموال المنفقين، وتقبل صدقاتهم، وأعنهم على نصرة المستضعفين، اللهم اجعل الإعلام صوتًا للحق، واكبت الباطل وأهله.
اللهم اجعل هذه المعركة بداية نصرٍ وعز للإسلام والمسلمين، اللهم كما نصرت عبادك في بدر، فانصر عبادك في غزة، وحقق لهم الفتح المبين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
عباد الله.. إن الدماء التي بذلت في بدر لم تذهب سدى؛ بل صنعت فجرا جديدا، ودماء أهلنا في غزة لن تذهب سدى! بل سيعقبها نصر مبينٌ وفتحٌ قريب إن شاء الله، ولن يتحقق نصر إلا بالصبر والثبات، قال النبي ﷺ: «واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا»؛ فبدر ليست مجرد قصة للتاريخ؛ بل سُنّةٌ إلهية تتكرر، فمن كان في صف الطغاة؛ فليبحث عن قبرٍ يختبئ فيه، ومن كان مع الحق، فليثبت، فإن موعد الطغاة يقترب، وإن النصر قادم لا محالة.
إن من سنن الله: أنه إذا أراد إهلاك أمة؛ ازداد ظلمها حتى يحل بها العقاب، وفق سنته في الأمم السابقة حين أخرجوا رسلهم ومن يقرأ أحداث غزّة والضفة وفق السنن الإلهية يدرك أن إهلاك المحتلين بات قريبا، وأن تصاعد الظلم والطغيان يسرّع وقوع هذه السنة بإذن الله. فأمام تهديدات تهجير أهل غزة، يتجلى قوله تعالى: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ۖ وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا ۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77)﴾ [الإسراء]. وقوله: ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: 103]. ومعنى "يستفزّهم" أي دفعهم للهرب والرحيل.
فلا مكان للشك أو التردد، فخلف هذا الألم خير كثير! لا يعلمه إلا الله، وإن النصر قادم لا محالة، فقد قال النبي ﷺ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ المُسْلِمُونَ اليَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ المُسْلِمُونَ، حَتَّى يَخْتَبِئَ اليَهُودِيُّ وَرَاءَ الحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ، يَا عَبْدَ اللَّهِ، هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ» (رواه مسلم).
أمتنا لا ينقصها عددها ولا عتادها، بل قادتها، والثقة بما عندها، والاعتزاز بدينها، وقبل ذلك صدق الإيمان بالله ﷻ وموعوده الذي يحركها.
أمَا وأهل ڠـزة يبا'دو'ن وأمتنا تصوم وتنعم، وتأكل وتشرب وتنام وتهنأ فلا أعتقد أن صيامنا مقبول، ولا صالح أعمالنا إلى الله مرفوع
هذا وصلوا وسلموا على سيد المجاهدين وإمام الثابتين وقدوة الصابرين والمثابرين على طاعة الله حتى أتاه اليقين؛ من أمركم الله -تعالى- بالصلاة والسلام عليه، فقال:
{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب : 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمدٍ، وارضَ اللَّهُمَّ عن خلفائِه الراشدين، أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ، وعن سائرِ أصحابِ نبيِّك أجمعين، وعن التابعين، وتابعيهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بعفوِك، وكرمِك، وجودِك، وإحسانِكَ، يا أرحمَ الراحمين!
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، أن تنصر إخواننا المستضعفين في فلسطين، اللهم اربط على قلوبهم، وثبت أقدامهم، وسدد رميهم، وارفع عنهم الكرب والبلاء.
اللهم الطف بإخواننا في غزة، وارحم ضعفهم، وتولَّ أمرهم وأحسن خلاصهم، واجعل لهم فرجاً ومخرجا.
اللهم اشف جرحاهم، وعاف مبتلاهم، وأطعم جائعهم، وأمن خائفهم، وارزقهم من حيث لا يحتسبون.
اللهم أهلك الظالمين المعتدين، وزلزل الأرض تحت أقدامهم، واجعل بأسهم بينهم شديد، اللهم شتت شملهم، وفرق جمعهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعلهم عبرة للمعتبرين.
اللهم اكشف المؤامرات، وأبطل المكائد، اللهم عليك بمن تواطأ مع العدو، ومن أعانهم بالمال أو السلاح أو السكوت، اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تحقق لهم غاية، واجعلهم عبرة لمن خلفهم.
اللهم افتح الحدود، وأزل القيود، ويسّر سبل النصرة لعبادك المجاهدين، اللهم ألّف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين، واجعلهم يدًا واحدة ضد عدوهم.
اللهم بارك في أموال المنفقين، وتقبل صدقاتهم، وأعنهم على نصرة المستضعفين، اللهم اجعل الإعلام صوتًا للحق، واكبت الباطل وأهله.
اللهم اجعل هذه المعركة بداية نصرٍ وعز للإسلام والمسلمين، اللهم كما نصرت عبادك في بدر، فانصر عبادك في غزة، وحقق لهم الفتح المبين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
*نشر العلم صدقة جارية فأعد نشرها*
*ولا تبخل على نفسك بالأجـر العظيم*
=======================
ـــــــ🕋 زاد.الـخـطــيــب.tt 🕋ــــــــ
منــبرالحكـمــةوالمـوعـظـةالحســنـة.tt
رابط التليجرام👈 t.me/ZADI2
للإشتراك بشبكة زاد الخطيب الدعوي
ارسل.اسمك.للرقم.730155153.tt
Telegram
زاد الخـطــيــب الـــدعـــــوي📚
الـشـبـكـة الـدعـــويــة الـرائـــدة
المتخصصة بالخطـب والمحاضرات
🌧 سـاهـم بالنشـر تؤجـر بـإذن اللـّـه
•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•
للتواصل مع إدارة القناة
إضغط على الرابط التالي
@majd321
المتخصصة بالخطـب والمحاضرات
🌧 سـاهـم بالنشـر تؤجـر بـإذن اللـّـه
•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•
للتواصل مع إدارة القناة
إضغط على الرابط التالي
@majd321
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
🎤
*خطبة جمعة بعنوان:*
*تذكير البشر بنعمة المطر*
*لأبي عبدالرحمن الفاضلي العودي*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌
*الخطبة الأولى*
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبد ه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون}[آل عمران:102]
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ الله الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[النساء:1]
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا }[الأحزاب:70-71]
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار
أيها الأخوة المسلمون..
نحب أن نذكر أنفسنا في يومنا هذا بنعمة عظيمة غفل عن شكرها كثير من الناس ألا وهي نعمة الأمطار.
قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله}[النحل:53]
وقال تعالى: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار}[إبراهيم:34] .
ومن هذه النعم نعمة المطر وما يترتب عليه من خيرات.
قال تعال:" فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [عبس : 24 - 32]
قال المفسر السعدي رحمه الله: { فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا } أي: أنزلنا المطر على الأرض بكثرة.
{ ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ } للنبات { شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا } أصنافا مصنفة من أنواع الأطعمة اللذيذة، والأقوات الشهية { حبًّا } وهذا شامل لسائر الحبوب على اختلاف أصنافها، { وَعِنَبًا وَقَضْبًا } وهو القت، { وَزَيْتُونًا وَنَخْلا } وخص هذه الأربعة لكثرة فوائدها ومنافعها.
{ وَحَدَائِقَ غُلْبًا } أي: بساتين فيها الأشجار الكثيرة الملتفة، { وَفَاكِهَةً وَأَبًّا } الفاكهة: ما يتفكه فيه الإنسان، من تين وعنب وخوخ ورمان، وغير ذلك.
والأب: ما تأكله البهائم والأنعام، ولهذا قال: { مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ } التي خلقها الله وسخرها لكم، فمن نظر في هذه النعم أوجب له ذلك شكر ربه، وبذل الجهد في الإنابة إليه، والإقبال على طاعته، والتصديق بأخباره.اهـ
فالمطر يا عباد الله جعله الله سببا للحياة ,فبه حياة الإنسان والجان والطير والحيوان والحشرات والحيتان والأرض والنبات وجعله الله مصدرًا للأرزاق .
قال تعالى: {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون} [الذاريات:22] .
قال المفسر ابن كثير رحمه الله: "وفي السماء رزقكم" هو المطر" وما توعدون" هي الجنة قاله ابن عباس ومجاهد وغيره. اهـ
وقال السعدي رحمه الله : {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ } أي مادة رزقكم، من الأمطار، وصنوف الأقدار، الرزق الديني والدنيوي، { وَمَا تُوعَدُونَ } من الجزاء في الدنيا والآخرة، فإنه ينزل من عند الله، كسائر الأقدار.اهـ
وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُون}[الأنبياء:30] .
قال البغوي رحمه الله: أي :أحيينا بالماء الذي ينزل من السماء كل شيء حي أي من الحيوان ويدخل فيه النبات والشجر يعني أنه سبب لحياة كل شيء. اهـ .
والمطر عباد الله ينقسم إلى قسمين:
مطر عذاب والعياذ بالله, ومطر غيث.
فأما مطر العذاب كالذي حصل لقوم لوط وهو مطر من حجارة دمرتهم فجعلتهم كأعجاز نخل خاوية وكالذي حصل لعاد وهوعذاب فيها ريح أليم تدمر كل شيء بإذن ربها.
قال تعالى عن قوم لوط: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِين}[الشعراء:173] وقال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِين * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيل }[الحِجر:73-74] .
*خطبة جمعة بعنوان:*
*تذكير البشر بنعمة المطر*
*لأبي عبدالرحمن الفاضلي العودي*
🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌🕌
*الخطبة الأولى*
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبد ه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون}[آل عمران:102]
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ الله الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[النساء:1]
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا }[الأحزاب:70-71]
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار
أيها الأخوة المسلمون..
نحب أن نذكر أنفسنا في يومنا هذا بنعمة عظيمة غفل عن شكرها كثير من الناس ألا وهي نعمة الأمطار.
قال تعالى: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله}[النحل:53]
وقال تعالى: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار}[إبراهيم:34] .
ومن هذه النعم نعمة المطر وما يترتب عليه من خيرات.
قال تعال:" فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ [عبس : 24 - 32]
قال المفسر السعدي رحمه الله: { فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا } أي: أنزلنا المطر على الأرض بكثرة.
{ ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ } للنبات { شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا } أصنافا مصنفة من أنواع الأطعمة اللذيذة، والأقوات الشهية { حبًّا } وهذا شامل لسائر الحبوب على اختلاف أصنافها، { وَعِنَبًا وَقَضْبًا } وهو القت، { وَزَيْتُونًا وَنَخْلا } وخص هذه الأربعة لكثرة فوائدها ومنافعها.
{ وَحَدَائِقَ غُلْبًا } أي: بساتين فيها الأشجار الكثيرة الملتفة، { وَفَاكِهَةً وَأَبًّا } الفاكهة: ما يتفكه فيه الإنسان، من تين وعنب وخوخ ورمان، وغير ذلك.
والأب: ما تأكله البهائم والأنعام، ولهذا قال: { مَتَاعًا لَكُمْ وَلأنْعَامِكُمْ } التي خلقها الله وسخرها لكم، فمن نظر في هذه النعم أوجب له ذلك شكر ربه، وبذل الجهد في الإنابة إليه، والإقبال على طاعته، والتصديق بأخباره.اهـ
فالمطر يا عباد الله جعله الله سببا للحياة ,فبه حياة الإنسان والجان والطير والحيوان والحشرات والحيتان والأرض والنبات وجعله الله مصدرًا للأرزاق .
قال تعالى: {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون} [الذاريات:22] .
قال المفسر ابن كثير رحمه الله: "وفي السماء رزقكم" هو المطر" وما توعدون" هي الجنة قاله ابن عباس ومجاهد وغيره. اهـ
وقال السعدي رحمه الله : {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ } أي مادة رزقكم، من الأمطار، وصنوف الأقدار، الرزق الديني والدنيوي، { وَمَا تُوعَدُونَ } من الجزاء في الدنيا والآخرة، فإنه ينزل من عند الله، كسائر الأقدار.اهـ
وقال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الماء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُون}[الأنبياء:30] .
قال البغوي رحمه الله: أي :أحيينا بالماء الذي ينزل من السماء كل شيء حي أي من الحيوان ويدخل فيه النبات والشجر يعني أنه سبب لحياة كل شيء. اهـ .
والمطر عباد الله ينقسم إلى قسمين:
مطر عذاب والعياذ بالله, ومطر غيث.
فأما مطر العذاب كالذي حصل لقوم لوط وهو مطر من حجارة دمرتهم فجعلتهم كأعجاز نخل خاوية وكالذي حصل لعاد وهوعذاب فيها ريح أليم تدمر كل شيء بإذن ربها.
قال تعالى عن قوم لوط: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاء مَطَرُ الْمُنذَرِين}[الشعراء:173] وقال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِين * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيل }[الحِجر:73-74] .
Telegram
زاد الخـطــيــب الـــدعـــــوي📚
الـشـبـكـة الـدعـــويــة الـرائـــدة
المتخصصة بالخطـب والمحاضرات
🌧 سـاهـم بالنشـر تؤجـر بـإذن اللـّـه
•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•
للتواصل مع إدارة القناة
إضغط على الرابط التالي
@majd321
المتخصصة بالخطـب والمحاضرات
🌧 سـاهـم بالنشـر تؤجـر بـإذن اللـّـه
•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•~•
للتواصل مع إدارة القناة
إضغط على الرابط التالي
@majd321
وقال عن عاد: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيم * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لاَ يُرَى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِين }[الأحقاف:24-25].
ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى سحابة يخيل فيها المطر يخاف ويتغير وجهه ويرغب إلى ربه خوفا أن يكون فيها عذاب فإذا أمطرت سري عنه وذهب خوفه.
فقد روى الإمام البخاري ومسلم رحمة الله عليهما عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا رَأَى مَخِيلَةً فِي السَّمَاءِ، أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، وَدَخَلَ وَخَرَجَ، وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، فَإِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَّفَتُ ذَلِكَ في وجهه، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمٌ»: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} [الأحقاف: 24] الآيَةَ.
ولهذا ينبغي على المسلم أن يكون عند نزول المطر راجيا طمعا فيما عند الله من الرزق والغيث ,وخائفا من عذاب الله وغضبه لا يكون فيه عذاب ,ولهذا قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون}[الروم:24].
قال المفسر السعدي رحمه الله: أي: يخاف منه الصواعق والهدم وأنواع الضرر، على بعض الثمار ونحوها ويطمع في خيره ونفعه. اهـ
واعلمواعباد الله أن وقت نزول المطر مما استأثر الله به من علم الغيب, فلا يعلمه أحد ولم يخبرنا الله سبحانه بعلامات لمعرفة نزوله إلا إذا كانت ظاهرة مثل هبوب الرياح وتراكم السحب .
فمن ادعى أنه يعلم وقت نزول المطر فهو مشرك شركا أكبر لأنه زعم أنه مشارك لله في صفة من صفاته وهي علم الغيب ومن ادعى أنه يعلم وقت نزول المطر بعلامات لم يجعلها الله علامات لنزوله, فهو مشرك شركا أصغر لأنه اتخذ سببًا لم يجعله الله سببا.
قال تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ }الآية[الأنعام:59] وقال تعالى: {إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ }الآية[لقمان:34] .
وروى البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مِفْتَاحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إِلَّا الله لاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي غَدٍ، وَلاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الأَرْحَامِ، وَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ ".
وأما ما يسمى بأحوال الطقس والإرصاد فهذا ليس من علم الغيب وإنماهو مجرد توقعات ونظر في الغيوم وحركات الرياح وتوجهها, فإذا ما رأوا سحبا وتلبدت السماء بالغيوم فمن ثَمَّ يتوقعون نزول أمطار في منطقة كذا أو هبوب رياح ونحو ذلك ,وقد يحصل ما يتوقعونه وقد لا يحصل ,أما الأيام المقبلة البعيدة فإنهم لا يستطيعون توقع ذلك لأنه لا يعلم ما في المستقبل إلا الله.
فيا عباد الله :المطر نعمة من الله على عبادة وسخر الرياح تسوقه إلى حيث شاء من الأرض, ممن أراد الله سقياهم ولهذا جعل الله الرياح من المبشرات.
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الماء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون}[الأعراف:57] .
وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا }[الفرقان:48-49]
قال المفسر السعدي رحمه الله: (بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} أي: بين يدي المطر، فيرسلها فتثير السحاب ثم تؤلفه ثم تجمعه ثم تلقحه ثم تدره، فيستبشر بذلك العباد قبل نزول المطر. اهـ.
وقال تعالى:"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الروم : 46]
ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى سحابة يخيل فيها المطر يخاف ويتغير وجهه ويرغب إلى ربه خوفا أن يكون فيها عذاب فإذا أمطرت سري عنه وذهب خوفه.
فقد روى الإمام البخاري ومسلم رحمة الله عليهما عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا رَأَى مَخِيلَةً فِي السَّمَاءِ، أَقْبَلَ وَأَدْبَرَ، وَدَخَلَ وَخَرَجَ، وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، فَإِذَا أَمْطَرَتِ السَّمَاءُ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَّفَتُ ذَلِكَ في وجهه، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَدْرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمٌ»: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} [الأحقاف: 24] الآيَةَ.
ولهذا ينبغي على المسلم أن يكون عند نزول المطر راجيا طمعا فيما عند الله من الرزق والغيث ,وخائفا من عذاب الله وغضبه لا يكون فيه عذاب ,ولهذا قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون}[الروم:24].
قال المفسر السعدي رحمه الله: أي: يخاف منه الصواعق والهدم وأنواع الضرر، على بعض الثمار ونحوها ويطمع في خيره ونفعه. اهـ
واعلمواعباد الله أن وقت نزول المطر مما استأثر الله به من علم الغيب, فلا يعلمه أحد ولم يخبرنا الله سبحانه بعلامات لمعرفة نزوله إلا إذا كانت ظاهرة مثل هبوب الرياح وتراكم السحب .
فمن ادعى أنه يعلم وقت نزول المطر فهو مشرك شركا أكبر لأنه زعم أنه مشارك لله في صفة من صفاته وهي علم الغيب ومن ادعى أنه يعلم وقت نزول المطر بعلامات لم يجعلها الله علامات لنزوله, فهو مشرك شركا أصغر لأنه اتخذ سببًا لم يجعله الله سببا.
قال تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ }الآية[الأنعام:59] وقال تعالى: {إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ }الآية[لقمان:34] .
وروى البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مِفْتَاحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إِلَّا الله لاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي غَدٍ، وَلاَ يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الأَرْحَامِ، وَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا، وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ ".
وأما ما يسمى بأحوال الطقس والإرصاد فهذا ليس من علم الغيب وإنماهو مجرد توقعات ونظر في الغيوم وحركات الرياح وتوجهها, فإذا ما رأوا سحبا وتلبدت السماء بالغيوم فمن ثَمَّ يتوقعون نزول أمطار في منطقة كذا أو هبوب رياح ونحو ذلك ,وقد يحصل ما يتوقعونه وقد لا يحصل ,أما الأيام المقبلة البعيدة فإنهم لا يستطيعون توقع ذلك لأنه لا يعلم ما في المستقبل إلا الله.
فيا عباد الله :المطر نعمة من الله على عبادة وسخر الرياح تسوقه إلى حيث شاء من الأرض, ممن أراد الله سقياهم ولهذا جعل الله الرياح من المبشرات.
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الماء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون}[الأعراف:57] .
وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا }[الفرقان:48-49]
قال المفسر السعدي رحمه الله: (بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} أي: بين يدي المطر، فيرسلها فتثير السحاب ثم تؤلفه ثم تجمعه ثم تلقحه ثم تدره، فيستبشر بذلك العباد قبل نزول المطر. اهـ.
وقال تعالى:"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الروم : 46]
فإذا نزل المطر اخضرت الأرض واهتزت وربت وأنبتت من كل زوج كريم ,فبه تحيا الأرض ومن ثَمَّ حياة الإنسان والحيوان ,فإن حياة الإنسان منوطة بحياة الأرض لأن أصله من الأرض ومن الطين فيأكل من ثمارها وينظر إلى بهجتها فيطمئن فؤاده وتسكن نفسه ويهدأ باله ويرتاح عقله.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِير}[الحج:63] .
ومن نعمة الله علينا أن الله سبحانه وتعالى يُسكن ما زاد من الأمطار في خزانات أرضية في جوف الأرض لينتفع بها العباد في سائر الأيام وخصوصًا في الأوقات التي لم تنزل فيها الأمطار, وذلك عن طريق سيول الأنهار وحفر الآبار فلله الحمد والمنة.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ}[الزُّمَر:21] .
ومن رحمته أنه ينزل المطر بقدر ما ينتفع به العباد بلا ضرر.
قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُون}[المؤمنون:18].
قال المفسر ابن كثير رحمه الله: يَذْكُرُ تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى عَبِيدِهِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، فِي إِنْزَالِهِ القَطْر مِنَ السَّمَاءِ {بِقَدَرٍ} أَيْ: بِحَسْبِ الْحَاجَةِ، لَا كَثِيرًا فَيُفْسِدُ الْأَرْضَ وَالْعُمْرَانَ، وَلَا قَلِيلًا فَلَا يَكْفِي الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ، حَتَّى إِنَّ الْأَرَاضِيَ الَّتِي تَحْتَاجُ مَاءً كَثِيرًا لِزَرْعِهَا وَلَا تَحْتَمِلُ دِمْنتها إِنْزَالَ المطَرِ عَلَيْهَا، يَسُوقُ إِلَيْهَا الماءَ مِنْ بِلَادٍ أُخْرَى، كَمَا فِي أَرْضِ مِصْرَ، يَسُوقُ الله إِلَيْهَا مَاءَ النِّيلِ مَعَهُ طِينٌ أَحْمَرُ يَجْتَرِفُهُ مِنْ بِلَادِ الْحَبَشَةِ فِي زَمَانِ أَمْطَارِهَا، فيَقَرُّ الطِّينُ عَلَى أرضهم ليزرعوا فِيهِ، وَقَوْلُهُ: {فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ} أَيْ: جَعَلَنَا الماءَ إِذَا نَزَلَ مِنَ السَّحَابِ يَخْلُدُ فِي الْأَرْضِ، وَجَعَلَنَا فِي الْأَرْضِ قابليَّة لَهُ، تَشْرَبُهُ وَيَتَغَذَّى بِهِ مَا فِيهَا مِنَ الْحَبِّ وَالنَّوَى. وَقَوْلُهُ: {وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} أَيْ: لَوْ شِئْنَا أَلَّا تُمْطِرَ لَفَعَلْنَا، وَلَوْ شِئْنَا لَصَرَفْنَاهُ عَنْكُمْ أو نجعله أُجَاجًا لَا تنتفعون به أو يَغُورُ إِلَى مَدَى لَا تَصِلُونَ إِلَيْهِ وَلَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ لَفَعَلْنَا. وَلَكِنْ بِلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمُ الماءَ مِنَ السَّحَابِ عَذْبًا فُرَاتًا زُلَالًا فَيُسْكِنُهُ فِي الْأَرْضِ ويَسْلُكُه يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ، فَيَفْتَحُ الْعُيُونَ وَالْأَنْهَارَ، فَيَسْقِي بِهِ الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ، وَتَشْرَبُونَ منه ودوابكم وأنعامكم، وتغتسلون منه وتتطهرون وَتَتَنَظَّفُونَ، فَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. اهـ بتصرف في بعضه.
وقال المفسر السعدي رحمه الله: {فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ} أي: أنزلناه عليها، فسكن واستقر، وأخرج بقدرة منزله جميع الأزواج النباتية، وأسكنه أيضا معدا في خزائن الأرض، بحيث لم يذهب نازلا حتى لا يوصل إليه، ولا يبلغ قعره".اهـ
وقال في قوله تعالى :"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ".
يذكِّر تعالى أولي الألباب، ما أنزله من السماء من الماء، وأنه سلكه ينابيع في الأرض، أي: أودعه فيها ينبوعا، يستخرج بسهولة ويسر. اهـ .
فلا تغفل يا عبد الله عن هذه النعمة ولا تنسبها إلى غير معطيها فإن الله سبحانه يذكرنا بها في سورة الواقعة بقوله: {أَفَرَأَيْتُمُ الماء الَّذِي تَشْرَبُون * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُون * لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلاَ تَشْكُرُون }[الواقعة:68-70].
ومعنى "المزن": أي السحب. "وأجاجا": أي مالحا.
وهو الذي ينزل الغيث حال قنوط الناس وبأسهم وظنهم أنه لا يأتيهم ويأخذون الاحتياطات من الأقوات والأعلاف فينزل المطر فيفرحون ويستبشرون به.
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيد}[الشورى:28] .
وربما نزل المطر عقب قنوط الناس وقحطهم كما قال تعالى: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}[الشَّرح:6] .
قال المفسر ابن كثير رحمه الله في تفسيره: قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الخطاب رضي الله عنه: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قُحِطَ المطَرُ وَقَنَطَ النَّاسُ. فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ الله عَنْهُ: مُطِرْتُمْ. ثُمَّ قَرَأَ :"وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ". اهـ
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِير}[الحج:63] .
ومن نعمة الله علينا أن الله سبحانه وتعالى يُسكن ما زاد من الأمطار في خزانات أرضية في جوف الأرض لينتفع بها العباد في سائر الأيام وخصوصًا في الأوقات التي لم تنزل فيها الأمطار, وذلك عن طريق سيول الأنهار وحفر الآبار فلله الحمد والمنة.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ}[الزُّمَر:21] .
ومن رحمته أنه ينزل المطر بقدر ما ينتفع به العباد بلا ضرر.
قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُون}[المؤمنون:18].
قال المفسر ابن كثير رحمه الله: يَذْكُرُ تَعَالَى نِعَمَهُ عَلَى عَبِيدِهِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، فِي إِنْزَالِهِ القَطْر مِنَ السَّمَاءِ {بِقَدَرٍ} أَيْ: بِحَسْبِ الْحَاجَةِ، لَا كَثِيرًا فَيُفْسِدُ الْأَرْضَ وَالْعُمْرَانَ، وَلَا قَلِيلًا فَلَا يَكْفِي الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ، حَتَّى إِنَّ الْأَرَاضِيَ الَّتِي تَحْتَاجُ مَاءً كَثِيرًا لِزَرْعِهَا وَلَا تَحْتَمِلُ دِمْنتها إِنْزَالَ المطَرِ عَلَيْهَا، يَسُوقُ إِلَيْهَا الماءَ مِنْ بِلَادٍ أُخْرَى، كَمَا فِي أَرْضِ مِصْرَ، يَسُوقُ الله إِلَيْهَا مَاءَ النِّيلِ مَعَهُ طِينٌ أَحْمَرُ يَجْتَرِفُهُ مِنْ بِلَادِ الْحَبَشَةِ فِي زَمَانِ أَمْطَارِهَا، فيَقَرُّ الطِّينُ عَلَى أرضهم ليزرعوا فِيهِ، وَقَوْلُهُ: {فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ} أَيْ: جَعَلَنَا الماءَ إِذَا نَزَلَ مِنَ السَّحَابِ يَخْلُدُ فِي الْأَرْضِ، وَجَعَلَنَا فِي الْأَرْضِ قابليَّة لَهُ، تَشْرَبُهُ وَيَتَغَذَّى بِهِ مَا فِيهَا مِنَ الْحَبِّ وَالنَّوَى. وَقَوْلُهُ: {وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} أَيْ: لَوْ شِئْنَا أَلَّا تُمْطِرَ لَفَعَلْنَا، وَلَوْ شِئْنَا لَصَرَفْنَاهُ عَنْكُمْ أو نجعله أُجَاجًا لَا تنتفعون به أو يَغُورُ إِلَى مَدَى لَا تَصِلُونَ إِلَيْهِ وَلَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ لَفَعَلْنَا. وَلَكِنْ بِلُطْفِهِ وَرَحْمَتِهِ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمُ الماءَ مِنَ السَّحَابِ عَذْبًا فُرَاتًا زُلَالًا فَيُسْكِنُهُ فِي الْأَرْضِ ويَسْلُكُه يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ، فَيَفْتَحُ الْعُيُونَ وَالْأَنْهَارَ، فَيَسْقِي بِهِ الزُّرُوعَ وَالثِّمَارَ، وَتَشْرَبُونَ منه ودوابكم وأنعامكم، وتغتسلون منه وتتطهرون وَتَتَنَظَّفُونَ، فَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. اهـ بتصرف في بعضه.
وقال المفسر السعدي رحمه الله: {فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأرْضِ} أي: أنزلناه عليها، فسكن واستقر، وأخرج بقدرة منزله جميع الأزواج النباتية، وأسكنه أيضا معدا في خزائن الأرض، بحيث لم يذهب نازلا حتى لا يوصل إليه، ولا يبلغ قعره".اهـ
وقال في قوله تعالى :"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ".
يذكِّر تعالى أولي الألباب، ما أنزله من السماء من الماء، وأنه سلكه ينابيع في الأرض، أي: أودعه فيها ينبوعا، يستخرج بسهولة ويسر. اهـ .
فلا تغفل يا عبد الله عن هذه النعمة ولا تنسبها إلى غير معطيها فإن الله سبحانه يذكرنا بها في سورة الواقعة بقوله: {أَفَرَأَيْتُمُ الماء الَّذِي تَشْرَبُون * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُون * لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلاَ تَشْكُرُون }[الواقعة:68-70].
ومعنى "المزن": أي السحب. "وأجاجا": أي مالحا.
وهو الذي ينزل الغيث حال قنوط الناس وبأسهم وظنهم أنه لا يأتيهم ويأخذون الاحتياطات من الأقوات والأعلاف فينزل المطر فيفرحون ويستبشرون به.
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيد}[الشورى:28] .
وربما نزل المطر عقب قنوط الناس وقحطهم كما قال تعالى: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}[الشَّرح:6] .
قال المفسر ابن كثير رحمه الله في تفسيره: قَالَ قَتَادَةُ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعُمَرَ بْنِ الخطاب رضي الله عنه: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قُحِطَ المطَرُ وَقَنَطَ النَّاسُ. فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ الله عَنْهُ: مُطِرْتُمْ. ثُمَّ قَرَأَ :"وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ". اهـ