البدايات دائمًا ثقيلة على الإنسان؛ ومهما شعرت أنك تريد إغلاق الأبواب في وجه كل شيء والهرب، فاعلم أن خوضك لأبوابك حاجة، ورغبتك بالهروب هذه أكبر دلالة.. لأن هذا هو الإنسان، ينفر من أدنى تغيير وأدنى نشاط يخرج به من منطقة الراحة. لا بأس، استعينوا بالله، جدّدوا النوايا، وتوكّلوا على الله.
الإنسان في حالة الألم يركض نحو الخلاص منه، تعمى بصيرته عن كل شيء ولا تقصد سوى الفرار من الوضع الحالي، لذلك في حالات كثيرة: نطلب الموت كحل نهائي لألمنا الذي يلمّ بنا.
وأنا أتفكّر في الإنسان، أستدرك إلى أي مدى قد تحبسه رغبته الملحة بالتخلص من الألم، فمهما كان أمله -موت، سفر، زواج، إلخ- الذي يعوُّل عليه في إنهاء معاناته سيبقى حبيس انتظاره لمجيء ذلك الأمل، وكم تبدو بشعة وقاسية، فكرة أن تكون حبيس ذاتك.
أفهم مدى ضخامة الألم على أرواحنا، وأعرف أننا لا نطيقه، ويزعجنا سكنه بداخلنا، لكن الخطوة الأولى لمروره: قبوله، أي بينما نحن نقصد كلّ مخارج الطوارئ والهروب، نجد أننا في الواقع نقع في فخ تضخيم الألم وتغذيته بطريقةٍ لا واعية، كلّما رفضناه زاد حجمه، كلّما شعرنا بأن علينا الخلاص منه حالًا استحوذ علينا تمامًا.
ربما علينا أن نستلقي على أريكةٍ ما، نتنفس بعمق، نعترف أمام أنفسنا بأننا نحمل في طيّات أرواحنا/أجسادنا هذه الجراح، وأنها حاليًا تنزف. هذا الاعتراف البسيط والشاق في آنٍ واحد، قد يكون بوّابتك لعيش آلامك ومن ثمَّ تمريرها بصورة صحيّة.. يجب علينا الاستلقاء إذًا، والاستسلام التام إلى أن نستعيد طاقتنا.
وأنا أتفكّر في الإنسان، أستدرك إلى أي مدى قد تحبسه رغبته الملحة بالتخلص من الألم، فمهما كان أمله -موت، سفر، زواج، إلخ- الذي يعوُّل عليه في إنهاء معاناته سيبقى حبيس انتظاره لمجيء ذلك الأمل، وكم تبدو بشعة وقاسية، فكرة أن تكون حبيس ذاتك.
أفهم مدى ضخامة الألم على أرواحنا، وأعرف أننا لا نطيقه، ويزعجنا سكنه بداخلنا، لكن الخطوة الأولى لمروره: قبوله، أي بينما نحن نقصد كلّ مخارج الطوارئ والهروب، نجد أننا في الواقع نقع في فخ تضخيم الألم وتغذيته بطريقةٍ لا واعية، كلّما رفضناه زاد حجمه، كلّما شعرنا بأن علينا الخلاص منه حالًا استحوذ علينا تمامًا.
ربما علينا أن نستلقي على أريكةٍ ما، نتنفس بعمق، نعترف أمام أنفسنا بأننا نحمل في طيّات أرواحنا/أجسادنا هذه الجراح، وأنها حاليًا تنزف. هذا الاعتراف البسيط والشاق في آنٍ واحد، قد يكون بوّابتك لعيش آلامك ومن ثمَّ تمريرها بصورة صحيّة.. يجب علينا الاستلقاء إذًا، والاستسلام التام إلى أن نستعيد طاقتنا.
أحيانًا تكون مشاعرنا غير قابلة للتفسير ولا للتأطير، يبقى شعورك حرًا، مثل طيرٍ يأبى أن يُحبس في قفص.. حينها عليك ألّا تصر على حبسه، دعه يحلّق في فضائه الخاص. ربما من الأفضل لك وله ألّا تجتمعا الآن.
أتعرف ماذا؟ أشعر بأنه كالطير الوديع الذي سيعود أخيرًا إلى منزله وعشه، إذًا لا تقلق ولا تركض خلف طيرك -شعورك- محاولًا اصطياده؛ لأنه سيرجع إليك عندما يحين وقت العودة.
فلعلك تنتظر وتصبر..
أتعرف ماذا؟ أشعر بأنه كالطير الوديع الذي سيعود أخيرًا إلى منزله وعشه، إذًا لا تقلق ولا تركض خلف طيرك -شعورك- محاولًا اصطياده؛ لأنه سيرجع إليك عندما يحين وقت العودة.
فلعلك تنتظر وتصبر..
"أوّل معاني التوبة؛ الاستيحاش..
فاللحظات التي تقتطعها من الدنيا لله، تخرج من حساب الزمان الدنيوي، تُحسب بزمان الآخرة وهو زمان ممتدّ أبدا، زمان الخلود، فلذلك يشعر الإنسان في اللحظات الإيمانية بالخلود ولا يشعر بالفناء الذي يشعر به أهل الدنيا، ومن هنا كانت التوبة إحساسًا بالاستيحاش والحنين إلى مثل هذه اللحظات"
فاللحظات التي تقتطعها من الدنيا لله، تخرج من حساب الزمان الدنيوي، تُحسب بزمان الآخرة وهو زمان ممتدّ أبدا، زمان الخلود، فلذلك يشعر الإنسان في اللحظات الإيمانية بالخلود ولا يشعر بالفناء الذي يشعر به أهل الدنيا، ومن هنا كانت التوبة إحساسًا بالاستيحاش والحنين إلى مثل هذه اللحظات"
عندما تستشعر وجود الله، وأنه معك أينما كنت، يسلو قلبك عن جراحه، وتأنس روحك بحقيقةٍ كهذه، فأنت العبد الذليل المقصر تصحبك معيّة الكريم الغني المتعال، ورعايته ورفقه ورأفته بك.
إن لاستيعاب حقيقة وجود الله في حياتنا أثرٌ هائل منعكسٌ علينا كلٌ بقدر استيعابه، فهذا الإدراك الحقيقي لوجوده يهوّن عليك مصائبك حتى تصير محبًا لحياتك وإن كانت كلها شقاء -لا وجود لحياة شقية كليًا ولكن دعنا نفترض ذلك- ستحب حياتك، لأنك عرفت الله فيها، لأنك لولا وجودك ومجيئك لهذا العالم، لما ذقت لذّة التذلل والخضوع إليه، لما عرفت معنى الطمأنينة والسكون بين يديه، لما حظيت بشرف العبودية، وهنا تمامًا تحبّ حياتك الشقيّة، تحبّها لأنها كانت سبيلك إليه، تحبّها لأنها قدره واختياره، وهل من حظوةٍ تضاهي اختيار الله لك لتكون إنسانًا ومن ثمّ عابدًا خاضعًا له؟
كم أحببت الحياة يا ربّ، لا لزخرفها وأنت الشاهد، كم أحببتها لسببٍ وحيد؛ أنك هنا، أنني عرفتُك، أنني عبدتك، أنني أملك شرف السجود لك.
إن لم تُثبّت هذا القلب فسينزلق لا محالة، فأسألك اللهم الثبات.
إن لاستيعاب حقيقة وجود الله في حياتنا أثرٌ هائل منعكسٌ علينا كلٌ بقدر استيعابه، فهذا الإدراك الحقيقي لوجوده يهوّن عليك مصائبك حتى تصير محبًا لحياتك وإن كانت كلها شقاء -لا وجود لحياة شقية كليًا ولكن دعنا نفترض ذلك- ستحب حياتك، لأنك عرفت الله فيها، لأنك لولا وجودك ومجيئك لهذا العالم، لما ذقت لذّة التذلل والخضوع إليه، لما عرفت معنى الطمأنينة والسكون بين يديه، لما حظيت بشرف العبودية، وهنا تمامًا تحبّ حياتك الشقيّة، تحبّها لأنها كانت سبيلك إليه، تحبّها لأنها قدره واختياره، وهل من حظوةٍ تضاهي اختيار الله لك لتكون إنسانًا ومن ثمّ عابدًا خاضعًا له؟
كم أحببت الحياة يا ربّ، لا لزخرفها وأنت الشاهد، كم أحببتها لسببٍ وحيد؛ أنك هنا، أنني عرفتُك، أنني عبدتك، أنني أملك شرف السجود لك.
إن لم تُثبّت هذا القلب فسينزلق لا محالة، فأسألك اللهم الثبات.
يوم عن يوم يزيد يقيني بأن الحياة غير قابلة للعيش بلا إيمان حقيقي واستحضار المعاني الإيمانية، فكيف يخبو القلق عندما يغيب التوكل؟ وكيف يسكن القلب من غير الرضا بقضاء الله وقدره؟ اللهم وفّقنا لتحقيق الإيمان، وارزقنا الحياة الطّيبة التي وعدت بها عبادك الصالحين.
قد يسفر الركض عن أيام رائعة لكن تعيشها بقلبٍ مستنزف، متعب، لاهث، غير قادر على استيعاب أن ركضه انتهى، وأنه حقًا قد وصل.
قد ينتهي ركضنا إلى نتائج مبهرة لكننا ننظر إليها بعينٍ ذابلة، وبوجهٍ خبَت ملامحه، ولا نقوى على شيء سوى أن نسأل أنفسنا: "بس؟ هذي هي النتيجة؟" بالرغم من كونها ذات النتيجة التي لطالما تطلّعنا للوصول إليها وتظهر أمام الآخرين كإنجازٍ يستحق الاحتفال، قد يحتفل بك الآخرون، لكنك ستبقى متراكمًا على نفسك، منشغلًا بالبحث عن مكانٍ تجلسُ فيه بعد ركضك الطويل، باحثًا عن الارتياح لا الفرح.
"أيها الراكض خلف الريح؛
ليس للريح بيت"
قد ينتهي ركضنا إلى نتائج مبهرة لكننا ننظر إليها بعينٍ ذابلة، وبوجهٍ خبَت ملامحه، ولا نقوى على شيء سوى أن نسأل أنفسنا: "بس؟ هذي هي النتيجة؟" بالرغم من كونها ذات النتيجة التي لطالما تطلّعنا للوصول إليها وتظهر أمام الآخرين كإنجازٍ يستحق الاحتفال، قد يحتفل بك الآخرون، لكنك ستبقى متراكمًا على نفسك، منشغلًا بالبحث عن مكانٍ تجلسُ فيه بعد ركضك الطويل، باحثًا عن الارتياح لا الفرح.
"أيها الراكض خلف الريح؛
ليس للريح بيت"
كانت كل أجزائي تتداعى، ببطء وبثباتٍ لم أعرفه، وكنت أؤمن أن ذلك يحدث لحكمة، حكمة بالغة لا يعلمها إلا الله كما أسلّي نفسي دومًا بهذه الحقيقة، وحينما انهار بنائي الشاهق الذي كان حجر أساسه: هوّة لم تردم، سقطت بجانبه واستلقيت طويلًا أتأملني وأنا خال الوفاض وبجانبي قطعي المبعثرة، بعد مشاهد بكائية طويلة أقول "لقد صمد طويلًا، لقد عاش بنائي أكثر مما ينبغي" وفي اللحظة التي أيقنت فيها أني خسرت كل شيء، كسبتُ أعظم شيء، إذ قادني انكساري هذا إلى التسمك بقوةٍ عظمى، إلى الاستعانة بالذي رفع سبع سماوات بلا عمد: أن يرفع جسدي عن الالتصاق بالقاع، أن يفتق بيني وبينه كما فتق بين السماء والأرض، وهذا ما حدث، لم ينتشلني الله من بئري السحيق الذي لا يُدرك أمده فقط، وإنما رفعني حتى ظننت أني أعوم في السماء كطائرٍ شُفي تمامًا من جراحه التي وُلد بها وأدركها كعيبٍ خلقي لا يرجى شفاؤه. عندما انزلقت قدمي، لمس قلبي رحمة الله وسخائه، وانكشفت لي حكمة الله في تساقط أجزائي، تداعيتُ لكي أصل إلى الله، وليتذوّق قلبي الأنس بقربه والاطمئنان بمعيّته، وليغشاه الرّضا بما قدّره له.
كم كان حظّي عظيمًا عندما سقطت في رحاب الله.
كم كان حظّي عظيمًا عندما سقطت في رحاب الله.
أبدع شيء في ليالي الشتاء أنها طويلة وغالبًا ما تنقطع فيها حبالك بالناس، فتخلو بنفسك، ولا تشعر برابطة حقيقية تنبض بروحك سوى علاقتك بالله، فيزيدك ذلك أمنًا وسكونًا.
لا أنفك عن الاستماع لهذا المقطع الصوتي، يثيرني ولا أملك سوى أن أكفكف دموعي وأطلب من الله أن يعفو عنّي.
صوتٌ شجي تبارك الرحمن، وكلماتٌ تُلامس الروح وتحيي القلب بأمر الله.
صوتٌ شجي تبارك الرحمن، وكلماتٌ تُلامس الروح وتحيي القلب بأمر الله.
يُغيثك الله بالبهجة، حتى تظن أنك لم تختبر بؤسًا قط.. ولكن سرعان ما يتلاشى ظنّك، لمعرفتك بتقلّبات الحياة، فهي بين بهجةٍ وبؤس، عافية وتعب، ضحك وبكاء. وهذه ثنائية عجيبة تجعلنا مولعين دائمًا في الحصول على الجانب الأروع وننتهي بالفشل.
وبينما أتفكر في الأمر، تذكرت حديث النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال:
"ويُؤْتَى بأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا في الدُّنْيا، مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فيُصْبَغُ صَبْغَةً في الجَنَّةِ، فيُقالُ له: يا ابْنَ آدَمَ هلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هلْ مَرَّ بكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فيَقولُ: لا، واللَّهِ يا رَبِّ ما مَرَّ بي بُؤْسٌ قَطُّ، ولا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ."
فأعرف أن الشعور الأول المرتبط بالمشهد الدنيوي: من فرط سعادتك تشعر وكأنما لم يمسسك حزنٌ قط، ما هو إلا وجهٌ من أوجه المبالغات الشعورية، وما هو إلا ضربٌ من الوهم الذي سرعان ما تسحقه الدنيا. لأن شعورًا كهذا لا ينتمي لدنيانا العابرة، بل هو مقتصرٌ وخاص للمشهد الأخروي، للنعيم الأزلي، والذي حتمًا سيجعلك تؤمن بأنك لم تختبر حزنًا قط ما إن تُغمس غمسةً في الجنّة.
يطرب قلبي ويشتعل شوقًا ورغبةً بالحصول على صبغةٍ في الجنة، بل صبغات، بل خلودٌ أبدي، اللهم جنّتك ونعيمك.. اللهم لا تحرمنا.
وبينما أتفكر في الأمر، تذكرت حديث النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال:
"ويُؤْتَى بأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا في الدُّنْيا، مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فيُصْبَغُ صَبْغَةً في الجَنَّةِ، فيُقالُ له: يا ابْنَ آدَمَ هلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هلْ مَرَّ بكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فيَقولُ: لا، واللَّهِ يا رَبِّ ما مَرَّ بي بُؤْسٌ قَطُّ، ولا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ."
فأعرف أن الشعور الأول المرتبط بالمشهد الدنيوي: من فرط سعادتك تشعر وكأنما لم يمسسك حزنٌ قط، ما هو إلا وجهٌ من أوجه المبالغات الشعورية، وما هو إلا ضربٌ من الوهم الذي سرعان ما تسحقه الدنيا. لأن شعورًا كهذا لا ينتمي لدنيانا العابرة، بل هو مقتصرٌ وخاص للمشهد الأخروي، للنعيم الأزلي، والذي حتمًا سيجعلك تؤمن بأنك لم تختبر حزنًا قط ما إن تُغمس غمسةً في الجنّة.
يطرب قلبي ويشتعل شوقًا ورغبةً بالحصول على صبغةٍ في الجنة، بل صبغات، بل خلودٌ أبدي، اللهم جنّتك ونعيمك.. اللهم لا تحرمنا.
في نهاية عامٍ آخر يغادرنا من دونك، وعلى مطلع عامٍ جديد يلوّح إلينا من دونك أيضًا، أريد أن أتلو باستمرار:
أحبُّكِ أيتها الراحلة
بعذوبة مَن بقي.
أحبُّكِ أيتها الراحلة
بعذوبة مَن بقي.
مرحبًا. تعرفون أن الحياة لن تعطيكم ما ترغبون بسهولة، وأحيانًا رغم أن طرقكم تكون محفوفة بالمشقّات إلا أنكم في نهاية الأمر لا تصلون إلى ما كنتم تصبون إليه.. ما أعرف آلية سير الأقدار، دقّتها، دائمًا أتخيّلها آلاف من الخطوط لكل خط مسار خاص فيه، وفيه خطوط متشابكة وملتوية على بعضها كما لو أنها تتعارك إلى أن يتغلب أحدها على الآخر ليمثل الصورة الأخيرة للقدر بعد مروره بمراحل عديدة.
ولكن، رغم الخيبة التي تعترينا حال تعذّرنا لبلوغ ما نريده، عندما نقدّم كل ما لدينا وبدلًا من أن نصل إلى الطريق الذي حلمنا به تأخذنا الأقدار في منعطفاتها التي تبدو -للوهلة الأولى- غير منطقية وغير عادلة. رغم كل ذلك، أطمئن عندما يحدث ما يحدث دون معرفتي للأمور الغيبية، أعتقد لو أن الله وضع أموري في يدي وخيّرني في تدبيرها لقتلتني الحيرة وأقضت مضجعي.
أعرف أن الله يختار الأفضل لي حتى وإن كرهته وسألته أن يبعده عن طريقي، حتى وإن مرت السنين ولم أعرف الحكمة من ذلك القدر الذي أرهقني، أؤمن أنه قد كان خيرًا لي، ومن أجل ذلك أتمتّع بهذه الطمأنينة التي أتمنى ألا تنزلق من بين يدي أبدا.
تذكرت بهاء طاهر لمن قال: (سلّم أمرك، تدخل السكينة قلبك) سلّموا أموركم يا رفاق.
ولكن، رغم الخيبة التي تعترينا حال تعذّرنا لبلوغ ما نريده، عندما نقدّم كل ما لدينا وبدلًا من أن نصل إلى الطريق الذي حلمنا به تأخذنا الأقدار في منعطفاتها التي تبدو -للوهلة الأولى- غير منطقية وغير عادلة. رغم كل ذلك، أطمئن عندما يحدث ما يحدث دون معرفتي للأمور الغيبية، أعتقد لو أن الله وضع أموري في يدي وخيّرني في تدبيرها لقتلتني الحيرة وأقضت مضجعي.
أعرف أن الله يختار الأفضل لي حتى وإن كرهته وسألته أن يبعده عن طريقي، حتى وإن مرت السنين ولم أعرف الحكمة من ذلك القدر الذي أرهقني، أؤمن أنه قد كان خيرًا لي، ومن أجل ذلك أتمتّع بهذه الطمأنينة التي أتمنى ألا تنزلق من بين يدي أبدا.
تذكرت بهاء طاهر لمن قال: (سلّم أمرك، تدخل السكينة قلبك) سلّموا أموركم يا رفاق.
أظن الشعور الأغرب على الإطلاق، يوم تحنّ لشيء ما قد عشته، وتشتاق لشخص ما قد شفته.. ولمّا أتأمل في حالي ألقاني في حنين دائم إلى بيوت الطين وحياة المزارع والعمل من أجل لقمة العيش، والعجيب إنه ما تسنى لي ولا لمرة في حياتي أجرب هالعيشة، لكن شيء متغلغل بأعماقي يجرّني نحو الحياة البسيطة والمحدودة، وأعتقد إن هالمسألة كانت من ضمن المسائل اللي أنتجت نظرية إن جزء من أفكار الإنسان ومشاعره جمعيّة وتراكمية، بمعنى أن جميع البشر يتشاركون هذه المشاعر وأنها امتداد لما عاشه أسلافنا سابقًا.
كلما طغت المادية وغرست أنيابها في العالم يتفاقم حنيني وشعوري بالحاجة إلى بيت طين، أو عالأقل كوخ ريفي لا تصله رائحة المدن ولا يعبأ بانفصاله عنها.
كلما طغت المادية وغرست أنيابها في العالم يتفاقم حنيني وشعوري بالحاجة إلى بيت طين، أو عالأقل كوخ ريفي لا تصله رائحة المدن ولا يعبأ بانفصاله عنها.
يا ناس مب طبيعي أثر المفاهيم الإيمانية على القلب! ياخي والله يومًا بعد يوم يزداد يقيني بأن الإيمان الحقيقي ملاذنا ومنزلنا وموطننا الأصيل.. وكلّما باعدنا خطواتنا عنه؛ طوّقت بنا الغربة وألَمَّ بنا العجز واليأس.