This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
طرائف - ٢
أنا عندما أرى فتاة تراعي الشريعة والأخلاق الإسلامية
أنا عندما أرى فتاة تراعي الشريعة والأخلاق الإسلامية
سؤال وجواب - ١٨
السؤال: بعد حوار (داغِر - يامِن) السابق يمكننا القول عن الأوليات أنها ليست راجعة للذهن.
١- يبقى الآن إشكال حول إمكان الإدراك المطابق، وقدرة أدوات المعرفة واتساع حدودها لتشمل الحقائق.
فأن هناك قضايا مجردة تعبّر عن احوال ظاهرة، هو شيء، وأن الإنسان قادر على الوصول إلى الإدراك المطابق شيء آخر. ويمكن الاحتجاج على ذلك بالحدود التي يقرّها العلم للسمع الإنساني على سبيل المثال، فإنه يسمع الصوت في حدود نطاق تردد محدد (٢٠ - ٢٠.٠٠٠ هرتز)، أما ما فوق هذا النطاق وما تحته لا يسمعه. وعلى غراره البصر، فالإنسان يرى في حدود ما يسمى نطاق الطيف الكهرومغناطيسي، وأما الأطوال الموجية التي لا تقع ضمن هذا النطاق فلا ترى. وعلى هذا قد نكون محدودي الحس السمعي والبصري مطلقًا، إذ هذه ليست قياسات مجال السمع والبصر الذي يمكن تغييره بإستخدام المنظار أو مكبرات الصوت... نحن على غرار سائر الحيوانات التي لا ترى إلا لونين أو أكثر قليلًا ولا تتصوّر أن هناك ألوانًا أخرى، ورغم أننا نرى ألوانًا بل نصنع تدرجات لونية جمّة ليست موجودة في الطبيعة، لا يمكننا الجزم أن بإمكاننا ان نرى كل شيء، بل قد لا نرى الأشياء كما هي. لكن هل السعي إلى العلم بالأشياء والوصول إلى الكمال النظري يتأثر بفقد الانسان المعرفة بما يتجاوز هذه الحدود، أم أن العلم داخل هذه الحدود - التي قد يغيب خارجها مسامع ومناظر قليلة أو كثيرة - يكفي؟
٢- هل يمكن للعقل أن يصل إلى الإدراك المطلق ويدرك المعاني الكلية دون أن يكون للغة أي دور في تشكيل هذه المعاني؟ بعض الفلاسفة - مثل فيتجنشتاين في مرحلته المتأخرة - يرون أن الفكر لا يمكن أن يوجد خارج اللغة، وأن المعاني تتشكل داخل اللغة لا قبلها. لكننا في المنطق الأرسطي قالوا لنا أن المعاني الكلية تنشأ في العقل أولًا إدراكات مجردة ثم تأتي اللغة أداة للتعبير عنها.
فكيف تتشكل هذه المعاني الكلية في العقل؟ إن قيل إنها تتشكل بالتجريد العقلي، فسيُقال إن عملية التجريد ذاتها تعتمد على اللغة، وإن الألفاظ ليست لاحقةً بل حاضرة في طول عملية التجريد. وقد لا يكون هناك تحليل وتركيب دون وجود ألفاظ في الذهن. فهل القوة العاقلة تُكوّن المعاني الكلية باستقلال عن اللغة، أم أن اللغة هي الأساس الذي يقوم عليه إدراك الكليات؟ وإذا كانت اللغة - كما يرى اللغوي فردينان دو سوسير أيضًا - ليست مجرد أداة، بل هي التي تُنشئ المعنى من خلال علاقات الألفاظ بعضها ببعض، فكيف يمكن اعتبار حصول الكليات محض تعقّلٍ سابقٍ لاستخدام اللغة أو مستقل عنها؟
ومن جهة أخرى يشكك الاستاذ محمد ناصر - في مواضع عديدة - في قدرة الإنسان على استخدام اللغة للتعبير عن المعاني بدقّة، ويدعو إلى إدراك المعاني بمعزل عن قيد اللغة وحدودها.
فإذا كانت اللغة عاجزة عن تصوير الواقع تصويرًا مطابقًا، وكان ضعف التصورات ناشئًا عن قصور اللغة، فكيف يمكن الركون إلى المفاهيم اللغوية في التعبير عن الجواهر والأعراض بدقة؟
ومن هنا يتولد شك آخر: هل الموضوعات التي يتعرض لها الفلاسفة بيانًا وتحقيقًا هي ثمرة تعقّل خالص نقي من شوائب اللغة، أم أنها متأثرة باللغة التي تعلَّم بها هذه المعاني، والتي يعبر بواسطتها عنها؟ إذ يبدو من كلمات محمد ناصر أن إدراك المعاني على وجه الدقة أمر ممكن بمعزل عن اللغة، مع ظهور احتمال أن تكون اللغة ذاتها هي التي تخلق تلك المعاني ابتداءً.
السؤال: بعد حوار (داغِر - يامِن) السابق يمكننا القول عن الأوليات أنها ليست راجعة للذهن.
١- يبقى الآن إشكال حول إمكان الإدراك المطابق، وقدرة أدوات المعرفة واتساع حدودها لتشمل الحقائق.
فأن هناك قضايا مجردة تعبّر عن احوال ظاهرة، هو شيء، وأن الإنسان قادر على الوصول إلى الإدراك المطابق شيء آخر. ويمكن الاحتجاج على ذلك بالحدود التي يقرّها العلم للسمع الإنساني على سبيل المثال، فإنه يسمع الصوت في حدود نطاق تردد محدد (٢٠ - ٢٠.٠٠٠ هرتز)، أما ما فوق هذا النطاق وما تحته لا يسمعه. وعلى غراره البصر، فالإنسان يرى في حدود ما يسمى نطاق الطيف الكهرومغناطيسي، وأما الأطوال الموجية التي لا تقع ضمن هذا النطاق فلا ترى. وعلى هذا قد نكون محدودي الحس السمعي والبصري مطلقًا، إذ هذه ليست قياسات مجال السمع والبصر الذي يمكن تغييره بإستخدام المنظار أو مكبرات الصوت... نحن على غرار سائر الحيوانات التي لا ترى إلا لونين أو أكثر قليلًا ولا تتصوّر أن هناك ألوانًا أخرى، ورغم أننا نرى ألوانًا بل نصنع تدرجات لونية جمّة ليست موجودة في الطبيعة، لا يمكننا الجزم أن بإمكاننا ان نرى كل شيء، بل قد لا نرى الأشياء كما هي. لكن هل السعي إلى العلم بالأشياء والوصول إلى الكمال النظري يتأثر بفقد الانسان المعرفة بما يتجاوز هذه الحدود، أم أن العلم داخل هذه الحدود - التي قد يغيب خارجها مسامع ومناظر قليلة أو كثيرة - يكفي؟
٢- هل يمكن للعقل أن يصل إلى الإدراك المطلق ويدرك المعاني الكلية دون أن يكون للغة أي دور في تشكيل هذه المعاني؟ بعض الفلاسفة - مثل فيتجنشتاين في مرحلته المتأخرة - يرون أن الفكر لا يمكن أن يوجد خارج اللغة، وأن المعاني تتشكل داخل اللغة لا قبلها. لكننا في المنطق الأرسطي قالوا لنا أن المعاني الكلية تنشأ في العقل أولًا إدراكات مجردة ثم تأتي اللغة أداة للتعبير عنها.
فكيف تتشكل هذه المعاني الكلية في العقل؟ إن قيل إنها تتشكل بالتجريد العقلي، فسيُقال إن عملية التجريد ذاتها تعتمد على اللغة، وإن الألفاظ ليست لاحقةً بل حاضرة في طول عملية التجريد. وقد لا يكون هناك تحليل وتركيب دون وجود ألفاظ في الذهن. فهل القوة العاقلة تُكوّن المعاني الكلية باستقلال عن اللغة، أم أن اللغة هي الأساس الذي يقوم عليه إدراك الكليات؟ وإذا كانت اللغة - كما يرى اللغوي فردينان دو سوسير أيضًا - ليست مجرد أداة، بل هي التي تُنشئ المعنى من خلال علاقات الألفاظ بعضها ببعض، فكيف يمكن اعتبار حصول الكليات محض تعقّلٍ سابقٍ لاستخدام اللغة أو مستقل عنها؟
ومن جهة أخرى يشكك الاستاذ محمد ناصر - في مواضع عديدة - في قدرة الإنسان على استخدام اللغة للتعبير عن المعاني بدقّة، ويدعو إلى إدراك المعاني بمعزل عن قيد اللغة وحدودها.
فإذا كانت اللغة عاجزة عن تصوير الواقع تصويرًا مطابقًا، وكان ضعف التصورات ناشئًا عن قصور اللغة، فكيف يمكن الركون إلى المفاهيم اللغوية في التعبير عن الجواهر والأعراض بدقة؟
ومن هنا يتولد شك آخر: هل الموضوعات التي يتعرض لها الفلاسفة بيانًا وتحقيقًا هي ثمرة تعقّل خالص نقي من شوائب اللغة، أم أنها متأثرة باللغة التي تعلَّم بها هذه المعاني، والتي يعبر بواسطتها عنها؟ إذ يبدو من كلمات محمد ناصر أن إدراك المعاني على وجه الدقة أمر ممكن بمعزل عن اللغة، مع ظهور احتمال أن تكون اللغة ذاتها هي التي تخلق تلك المعاني ابتداءً.
الجواب:
١- إن فقدان المعرفة بما يتجاوز الاحساس بطبيعة الحال يؤثر جدا في مقدار المعرفة الممكنة، إلا أن هذا في العلوم الطبيعية الجزئية فقط، أما العلوم التي تعنى بالمبادئ فإنه يظن استقلالها عن الإحساس بدرجة لابأس بها.
وهذا ظاهر فإن العلوم هذه متعلقة بالمبادئ بمعنى أنها التي تتقدم كُلَّ ما يفرض تعليمًا او تعلّمًا بواسطة ما تحتها الذي يستخرج من الحس. وهي تتقدم لأنها متضمنة في تعقل ما يعقل تحتها.
٢- لعل المقصود باللغة في هذا القول هو نفس ما تعكسه الأحوال اللغوية من احوال ذهنية تصاحب الإدراك، وإلا لا تبلغ القحة بالسفسطائي أن يضع نفس خيالات الألفاظ سببا ذاتيا حقيقيا في زيف الإدراك او في نشوءه على وفق حال محددة فإنها خيالات بالوضع للمعقول.
وبعبارة عامة، حقيقة هذا الكلام حول دخول اللغة في الإدراك هو أنها عاكسة بطبعها للأحوال الذهنية الداخلة في الإدراك، ولكن لمّا لم تظهر هذه الأحوال سوى في هيئة العلاقات بين الألفاظ، ظن القوم أن نفس الألفاظ داخلة في تكوّن الإدراك وتحديد كيفيته.
وفيما يخص القول بانحصار التفكير داخل اسوار اللغة فهذا صحيح بالكلية، إلا أنه صحيح بالعرض فقط، وسيتبين هذا بملاحظة التساوق بين الموجود والمعقول أولا وبملاحظة أننا مالكون بالطبع للألفاظ التي تدل على عناصر التوجه إلى كل ما يكون بلا فرق بين التوجه بالذات او بالتبع، اي بلا فرق بين ما يدل منها بالمطابقة او بالالتزام.
ومن لطيف ما رد به بعض الافلاطونيين هذا القول: هو أنك لا تفكر خارج اللغة لأنك لا تفكر خارج ما تدركه، لا أنك لا تفكر خارج ما تدركه لأنك لا تفكر خارج اللغة.
ولكن إذا كان هذا هكذا، فكيف نفهم قول الاستاذ الدكتور؟
لعله يتبين بما سبق فإنه إذا كانت الألفاظ لها أن تدل بالإلتزام على ما يعقل فإن التعقل الحقيقي (اي تعقل نفس الملزوم لا تعقله بتوسط لازمه المساوي الذي لاحظناه به) يكون بتجاوزها بأن تُجعل ظرفا لبلوغ تعقل هذا الذي تدل عليه بالإلتزام في نفسه بمعزل عنها.
محمد بوهَلّو
١- إن فقدان المعرفة بما يتجاوز الاحساس بطبيعة الحال يؤثر جدا في مقدار المعرفة الممكنة، إلا أن هذا في العلوم الطبيعية الجزئية فقط، أما العلوم التي تعنى بالمبادئ فإنه يظن استقلالها عن الإحساس بدرجة لابأس بها.
وهذا ظاهر فإن العلوم هذه متعلقة بالمبادئ بمعنى أنها التي تتقدم كُلَّ ما يفرض تعليمًا او تعلّمًا بواسطة ما تحتها الذي يستخرج من الحس. وهي تتقدم لأنها متضمنة في تعقل ما يعقل تحتها.
٢- لعل المقصود باللغة في هذا القول هو نفس ما تعكسه الأحوال اللغوية من احوال ذهنية تصاحب الإدراك، وإلا لا تبلغ القحة بالسفسطائي أن يضع نفس خيالات الألفاظ سببا ذاتيا حقيقيا في زيف الإدراك او في نشوءه على وفق حال محددة فإنها خيالات بالوضع للمعقول.
وبعبارة عامة، حقيقة هذا الكلام حول دخول اللغة في الإدراك هو أنها عاكسة بطبعها للأحوال الذهنية الداخلة في الإدراك، ولكن لمّا لم تظهر هذه الأحوال سوى في هيئة العلاقات بين الألفاظ، ظن القوم أن نفس الألفاظ داخلة في تكوّن الإدراك وتحديد كيفيته.
وفيما يخص القول بانحصار التفكير داخل اسوار اللغة فهذا صحيح بالكلية، إلا أنه صحيح بالعرض فقط، وسيتبين هذا بملاحظة التساوق بين الموجود والمعقول أولا وبملاحظة أننا مالكون بالطبع للألفاظ التي تدل على عناصر التوجه إلى كل ما يكون بلا فرق بين التوجه بالذات او بالتبع، اي بلا فرق بين ما يدل منها بالمطابقة او بالالتزام.
ومن لطيف ما رد به بعض الافلاطونيين هذا القول: هو أنك لا تفكر خارج اللغة لأنك لا تفكر خارج ما تدركه، لا أنك لا تفكر خارج ما تدركه لأنك لا تفكر خارج اللغة.
ولكن إذا كان هذا هكذا، فكيف نفهم قول الاستاذ الدكتور؟
لعله يتبين بما سبق فإنه إذا كانت الألفاظ لها أن تدل بالإلتزام على ما يعقل فإن التعقل الحقيقي (اي تعقل نفس الملزوم لا تعقله بتوسط لازمه المساوي الذي لاحظناه به) يكون بتجاوزها بأن تُجعل ظرفا لبلوغ تعقل هذا الذي تدل عليه بالإلتزام في نفسه بمعزل عنها.
محمد بوهَلّو
العقل_و_الوجود,_دور_العقل_في_إدراك.pdf
5.5 MB
كتاب (٢٨)
إذابة السبائك العقليّة في مِسبَكة رحبة
هذا ما أصف به أسلوب يوسف كرم في كتابه هذا؛ حيث يقدم أولى مفاهيم وقضايا المنطق والفلسفة بعبارات غاية في الاناقة والوضوح.
إذابة السبائك العقليّة في مِسبَكة رحبة
هذا ما أصف به أسلوب يوسف كرم في كتابه هذا؛ حيث يقدم أولى مفاهيم وقضايا المنطق والفلسفة بعبارات غاية في الاناقة والوضوح.
Forwarded from جَوْهَرُ المَعْقُولِ
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
معنى السنخية
الدكتور أيمن المصري من شرح البرهان
الدكتور أيمن المصري من شرح البرهان
القيمة_المعرفية_عند_كنط_عرض_ونقد.pdf
962.1 KB
يختزن هذا المقال النقدي لرؤية كانط المعرفية خلاصاتٍ منطقيّة نفيسة وبياناتٍ ثرّة.
الآرَاءُ الفَاضِلَة ومُضَادّاتها
Photo
قلت: كل بحث في حقيقة أمر ما يقوم على ثلاث: موضوع، ومنهج، ومُدركٌ قائمٌ على البحث. ولمّا كان الاستغراق في الموضوع هو جوهر البحث بداهةً، لم نحتج في تاريخنا العلمي إلى كثير عناء لتوجيه نظر الإنسان إلى موضوعات علمية كثيرة، خاصّة تلك الموضوعات التي يمتثل للنظر لها بدوافع فطرية، أما المنهج فهو الأقرب إلى الاهتمام والتدقيق بعد الموضوع، فما يجرُّ النظر اولًا هو الموضوع، وثانيًا المنهج؛ لكون أهمية اكتشافه ووضعه واعتماده لا تثبت أولًا. أما المدرِك - بقواه ومزاياه وعيوبه ونقاط ضعفه - فهو القائم بالبحث، إذ بدونه لا نزوع ولا نظر في الموضوع ولا منهج ولا علم، وإن النظر والمنهج والعلم من حيث حصوله وقيمته متعلّق كلَّ التعلّق بالمدرك إذ إنه الفاعل والأصل ومن تكون للنتائج قيمة بلحاظ إدراكه لها، فلا كائنات غيره تستخدم الآلة وتعين على إنجاز البحث وتقوم بالتقدير وتنتقي الموضوعات وتصيغ المناهج وتبذل الجهد وتراعي أخلاق البحث وتسوّي الانحراف، بل إن جميع ذلك مرهون بالمدرك، فالواقع - خصوص المغاير للمدرِك - جامد لا يحرك ساكنًا، ولا يشاركه قصد العلم والكشف، بل أنه - نسبة إلى البحث - محض صور في المحل القابل (الذهن). وأما المنهج فلا يضع نفسه بنفسه، ولا يدل أحدًا على نفسه بنفسه، بل إن وضعه والاستنتاج من خلاله يكون بفعل المدرك. ولمّا كان جميع ذلك مرهون بالمدرك، لم يجد كانط وسائر من يذهبون بمذهبه بُدًّا من التهيّب والتشكيك بضمانة الإدراك المطابق لنفس الأمر، وأفهم من هذا المقال أن الدكتور الوائلي يرجع ذلك إلى سوء التشخيص، وفقدان الدقة، بل فقدان العلم اللازم للبَتّ بقضية قيمة المعرفة.
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
طرائف - ٤
رُبَّ كتابٍ يحمل في طياته نارًا، وغلافه يشي ببرد السلام.
رُبَّ كتابٍ يحمل في طياته نارًا، وغلافه يشي ببرد السلام.
تحقيق حول الواقعية المعرفية.pdf
4.5 MB
كتاب (٢٩)
ميزة هذا الكتاب أنه جامع ينفع لإلقاء نظرة على تصوّرات الفلاسفة المسلمين للمبادئ الأساسية في البحث المعرفي، وفي كُلٍّ منها قد اسبغ الكلام وأثرى حصيلة القارئ - بحيث يكون ملمًّا بما يقرّه اولئك الفلاسفة - وأتبع ذلك بتوضيحات وتحقيقات حولها، ونقض إشكاليات المشككين في ضوئها.
ميزة هذا الكتاب أنه جامع ينفع لإلقاء نظرة على تصوّرات الفلاسفة المسلمين للمبادئ الأساسية في البحث المعرفي، وفي كُلٍّ منها قد اسبغ الكلام وأثرى حصيلة القارئ - بحيث يكون ملمًّا بما يقرّه اولئك الفلاسفة - وأتبع ذلك بتوضيحات وتحقيقات حولها، ونقض إشكاليات المشككين في ضوئها.
Forwarded from العجالة النافعة
قول تفصيلي في مسار استكمال العقل النظري
لما كان الاشتغال بالعلوم المختلفة يوطئ للتخليص التدريجي للمعقولات من الهيولى كما بينه حكيم قرطبة صح ما قاله بعض المحققين من الرشديين من أن الحكمة تتبع أسلوب إما أن تعلم كل شيء أو لا تعلم شيئا و سأزيد هذا المعنى تفصيلا فأقول:
لا يبعد أن يقال أن مسار طلب الحكمة كالدائرة و إن لم يكن دائرة، و ذلك أنه كل بالذات بحسب حالنا، و أعني بالكل بالذات ما تكون أجزائه في ذاتها متضمنة للإرتباط ببعضها البعض كالقلب في البدن بحيث أنه يمتنع تكميل فهم القلب بدون تكميل فهم البدن ككل ذلك أنه لا يوجد طبيب قلب قبل أن يكون طبيبا عاما، و الحكمة كل بالذات بحسب حالنا لأن الحالة المعرفية لأجزائها تتضمن الارتباط بالحالات المعرفية بباقي الأجزاء و هذا بين مما يقوله أرسطو من أن العلم الإلهي ليس للشباب،ذلك أن مافي العلم الإلهي تنقيح و استقصاء في المعقولات العامة التي جرى عقلها ضمن الجزئيات و بالخصوص في العلوم الجزئية و مقتضى دخول التخيل في تكون التعقل-على ما يتبين في كتاب النفس- أن يكون المعقول مرتبطا في جوهره بخيال مخصوص مضللٍ و لهذا لزم لإشتغال بالعلوم المختلفة إذ هذا يوجب توسيط خيالات مختلفة لمعقولات واحدة فيحدث ههنا انفصال طبيعي و تدريجي لتلك المعقولات عن خيال خيال حتى يحدث التعقل التام او شبه التام لها.و زيادة على ذلك فإن الجزئيات أعرف عندنا فتكون هي الآلة التي بها نتحرك نحو التعقل، فكلما زاد تدقيقنا في الجزئيات و استقصاء ما فيها زاد استقرار المعقول عندنا مما يعد لتعقل أكثر تفصيلا و أبعد عن الإجمال كما تبين في الفصل 13 و 19 من تفسير سبيل الذين يعلمون مما يمكن من ممارسة تمييزات أكثر و لا يخفى أن هذا هو جوهر إصابة الحق ذلك أن الخطأ لا يوجد إلا في المختلط المجمل كما تبين كما تبين في الفصل 33 من كتاب السبيل و كما جرى بيانه عند تشريح طبيعة الخطأ سابقا،لكن لا يقف الأمر إلى هنا، ذلك أن الحركة في الجزئيات المعدة لتعقل الكليات لا تكون دائما مناسبة للتحريك نحو التعقل، و لهذا بالضبط كان مسار طلب الحكمة دائريا، أي أنه ما إن ينتقل من الجزائيات إلى تصور سطحي للكليات و يشرع في ممارسة تمييز ما فيها و دراستها، فإنه عليه إذا بلغ مرتبة معينة أن يعود للجزئيات(الإضافية و الحقيقية) فيعيد النظر فيها على خلفية ما تبين عنده من دراسة الكليات مما يوجب حركة في الجزئيات تكون أقدر على تحريكه نحو تعقل تلك الكليات و يعيد الامر مرارا و تكرارا على جزئيات كثيرة مختلفة كما و كيفا فيكون مسار سيره حينها مسارا كالدئرة،و احدس منه ان الحكيم المهمل للطبيعيات حكيم مزيف.
لما كان الاشتغال بالعلوم المختلفة يوطئ للتخليص التدريجي للمعقولات من الهيولى كما بينه حكيم قرطبة صح ما قاله بعض المحققين من الرشديين من أن الحكمة تتبع أسلوب إما أن تعلم كل شيء أو لا تعلم شيئا و سأزيد هذا المعنى تفصيلا فأقول:
لا يبعد أن يقال أن مسار طلب الحكمة كالدائرة و إن لم يكن دائرة، و ذلك أنه كل بالذات بحسب حالنا، و أعني بالكل بالذات ما تكون أجزائه في ذاتها متضمنة للإرتباط ببعضها البعض كالقلب في البدن بحيث أنه يمتنع تكميل فهم القلب بدون تكميل فهم البدن ككل ذلك أنه لا يوجد طبيب قلب قبل أن يكون طبيبا عاما، و الحكمة كل بالذات بحسب حالنا لأن الحالة المعرفية لأجزائها تتضمن الارتباط بالحالات المعرفية بباقي الأجزاء و هذا بين مما يقوله أرسطو من أن العلم الإلهي ليس للشباب،ذلك أن مافي العلم الإلهي تنقيح و استقصاء في المعقولات العامة التي جرى عقلها ضمن الجزئيات و بالخصوص في العلوم الجزئية و مقتضى دخول التخيل في تكون التعقل-على ما يتبين في كتاب النفس- أن يكون المعقول مرتبطا في جوهره بخيال مخصوص مضللٍ و لهذا لزم لإشتغال بالعلوم المختلفة إذ هذا يوجب توسيط خيالات مختلفة لمعقولات واحدة فيحدث ههنا انفصال طبيعي و تدريجي لتلك المعقولات عن خيال خيال حتى يحدث التعقل التام او شبه التام لها.و زيادة على ذلك فإن الجزئيات أعرف عندنا فتكون هي الآلة التي بها نتحرك نحو التعقل، فكلما زاد تدقيقنا في الجزئيات و استقصاء ما فيها زاد استقرار المعقول عندنا مما يعد لتعقل أكثر تفصيلا و أبعد عن الإجمال كما تبين في الفصل 13 و 19 من تفسير سبيل الذين يعلمون مما يمكن من ممارسة تمييزات أكثر و لا يخفى أن هذا هو جوهر إصابة الحق ذلك أن الخطأ لا يوجد إلا في المختلط المجمل كما تبين كما تبين في الفصل 33 من كتاب السبيل و كما جرى بيانه عند تشريح طبيعة الخطأ سابقا،لكن لا يقف الأمر إلى هنا، ذلك أن الحركة في الجزئيات المعدة لتعقل الكليات لا تكون دائما مناسبة للتحريك نحو التعقل، و لهذا بالضبط كان مسار طلب الحكمة دائريا، أي أنه ما إن ينتقل من الجزائيات إلى تصور سطحي للكليات و يشرع في ممارسة تمييز ما فيها و دراستها، فإنه عليه إذا بلغ مرتبة معينة أن يعود للجزئيات(الإضافية و الحقيقية) فيعيد النظر فيها على خلفية ما تبين عنده من دراسة الكليات مما يوجب حركة في الجزئيات تكون أقدر على تحريكه نحو تعقل تلك الكليات و يعيد الامر مرارا و تكرارا على جزئيات كثيرة مختلفة كما و كيفا فيكون مسار سيره حينها مسارا كالدئرة،و احدس منه ان الحكيم المهمل للطبيعيات حكيم مزيف.
الفلسفة،_بحث_فقهي_في_دراسة_الفلسفة_الشيخ_علي_رضا_أعرافي.pdf
9.5 MB
كتاب (٣٠)
كتاب من قِبل آية الله علي رضا أعرافي يتناول الروايات والحجج الفقهية التي تُستخدم لمنع دراسة الفلسفة، ويسعى إلى بحثها بمنهجية فقهية اجتهادية.
دراسة الفلسفة الأولى سابقة على الاعتقاد، ومبادئها أولية، ومبانيها أصيلة، أمّا حجية القواعد الفقهية فتأتي بعدها بسنين ضوئية، لكن لا بأس بأن يستفيد من هذا الكتاب بعض الأخباريين الجدد من المهتمين.
كتاب من قِبل آية الله علي رضا أعرافي يتناول الروايات والحجج الفقهية التي تُستخدم لمنع دراسة الفلسفة، ويسعى إلى بحثها بمنهجية فقهية اجتهادية.
دراسة الفلسفة الأولى سابقة على الاعتقاد، ومبادئها أولية، ومبانيها أصيلة، أمّا حجية القواعد الفقهية فتأتي بعدها بسنين ضوئية، لكن لا بأس بأن يستفيد من هذا الكتاب بعض الأخباريين الجدد من المهتمين.
طرائف - ٦
كتاب (الإلحاد: أسبابه ومفاتيح العلاج) ليس كتابًا لإثبات وجود الله، او الدفاع عن الأدلة الجدلية أو الرد على الشبهات المشهورة، بل هو أعمق من ذلك، إذ أنه نقد معرفي لنمط التفكير الذي يعتنق النسبية والشك، والذي يؤدي إلى الإلحاد. إنه نقد يضرب بجذوره فيما هو قبل مرحلة الاستدلال والإثبات.
الكتاب من أوله إلى آخره دروس متقنة في علم المنطق، مما يجعله أبعد من أن يكون سهلًا للقارئ العام. فهو يتطلب مقدمات تشمل دراسة علم المنطق، وفهمًا للإشكاليات الرفيعة التي يعالجها ومدى تأثيرها وأهمية الحل، حتى يُقرأ بعقل متعطش.
كتاب (الإلحاد: أسبابه ومفاتيح العلاج) ليس كتابًا لإثبات وجود الله، او الدفاع عن الأدلة الجدلية أو الرد على الشبهات المشهورة، بل هو أعمق من ذلك، إذ أنه نقد معرفي لنمط التفكير الذي يعتنق النسبية والشك، والذي يؤدي إلى الإلحاد. إنه نقد يضرب بجذوره فيما هو قبل مرحلة الاستدلال والإثبات.
الكتاب من أوله إلى آخره دروس متقنة في علم المنطق، مما يجعله أبعد من أن يكون سهلًا للقارئ العام. فهو يتطلب مقدمات تشمل دراسة علم المنطق، وفهمًا للإشكاليات الرفيعة التي يعالجها ومدى تأثيرها وأهمية الحل، حتى يُقرأ بعقل متعطش.
Forwarded from Hermit
#إثارة
[الفجوة المعرفيَّة]
بقلم: علي بن عتيق
لطالما فكِّر الإنسانُ في كيفيَّة التعامل مع شخص بينه وبينه فجوة معرفية كبيرة في موضوع ما، خصوصاً عندما يكون الطرف الآخر واثقاً ومندفعاً ويحاول جرَّه إلى موقفه؟
هذه الظاهرة تتجاذَبُها عدة علوم من فروع علم النفس وعلم الاجتماع، سأحاول قدر المستطاع ردَّ أطرافها ولملمة أذيالها.
لتناول هذه المشكلة جنبتان:
إحداهما فهم الطرف الآخر،
والثانية كيفية التعامل معه.
نشرع في الجنبة الأولى فنقول: ما الذي يحدث معرفياً في مثل هذه الحالة؟
هنا عدة ظواهر قد تفيد في توصيف هذه الحالة:
إحداها هي المسماة في كلماتهم بـ “وهم العمق التفسيري”
يمتلك الشخص العادي فهماً سطحياً للعلاقات السببية المعقدة، وبالتالي يميل إلى المبالغة في تقدير جودة وعمق معرفته التفسيرية.
خذ هذا على سبيل المثال: لو سألت شخصاً: هل تعرف كيف يعمل الفرن؟ لبادر بنعم. ولكن لو سألته: هل تعرف بدقةٍ ميكانيكية عمله؟ لتلكّأ في الجواب وعرف قصور معرفته.
كذلك في الشأن السياسي أو التاريخي. قد يكون للشخص موقفٌ حادٌّ من دولة أو حركة سياسية، لكن لو سُئل: ما الأحداث التاريخية المفصلية لها؟ ما المراحل التاريخية الأساسية؟ ما أدبياتها؟ إلى آخره. يتضح أن معرفتَه انطباعيَّة، إما من الإعلام أو المجتمع، لا عن دراسةٍ موضوعية.
الثانية: ذو المعرفة المحدودة في أمر ما
وهذا يعاني مِن أمرين:
أحدهما: الاستنتاجات الخاطئة في هذا الأمر،
والثاني: عدم القدرة على إدراك ذلك! وهذا هو المعروف بتأثير دانينغ-كروغر [1].
فإذا كان الشخص يخطئ في مجال ما وهو غير قادر أن يدرك أنه يخطئ، فالنتيجة الحتمية هي امتلاؤه بالثقة وأنه ذو معرفة بهذا الأمر.
وعلى لسان دارون الحكيم: “الجهل يولِّد الثقة أكثر من المعرفة”. فمتى فقد المرء مهارات أمر ما، فهو بالضرورة فاقد لمهارات المراقبة الذاتية في هذا الأمر.
ودونك مثال موضح: المهارات التي تحتاجها لكتابة جملة صحيحة نحوياً هي نفسها التي ستحكم بها على جملة: هل هي صحيحة نحوياً أم لا.
وخلاصة الأمر في هذا التأثير : أنَّ الأقل معرفة في أمر ما يميلون إلى المبالغة في تقدير معرفتهم به، بينما يحدث العكس عند المتخصصين؛ فكلما ازداد علم الإنسان بموضوع ما ازداد إدراكه لتعقيد المسألة، وازداد حذره في إصدار الأحكام.
ولهذا نلاحظ ظاهرة متكررة: الشخص الذي قرأ مقالات قليلة أو شاهد مقاطع قصيرة قد يتكلم بثقة كبيرة، بينما الباحث المتخصص يتكلم بلغة أكثر تحفظاً.
الثالثة: العقل البشري إذا تبنّى رأياً فإنه يميل إلى البحث عن المعلومات التي تؤيده، ويتجاهل المعلومات التي تناقضه، وهذا من أظهر ما يراه المرء في الناس، والتنبه له قديم ناقشه بيكون ونيتشه وغيرهما، وهو المسمى بالانحياز التأكيدي.
فعندما يتبنى الإنسان موقفاً سياسياً أو أيديولوجياً، يبدأ عقله تلقائياً بانتقاء الأدلة التي تدعم هذا الموقف. ولهذا قد يرى شخصان الحدث نفسه، لكن يفسرانه تفسيرين متضادين.
الرابعة: اعلم أن الآراء لا تكون دائماً نتيجة معرفة، بل كثيراً ما — لا سيما السياسية والدينية — تكون نتيجة الهوية الاجتماعية.
الإنسان يميل إلى تقسيم العالم إلى نحن وهم، ثم يبدأ بتفضيل المجموعة التي ينتمي إليها ويبحث عن مبررات هذا الانتماء وهذا التفضيل.
بعبارة أخرى: كثير من الناس لا يصل إلى موقفه الديني أو السياسي عن طريق البحث، بل عن طريق الانتماء، ثم يأتي البحث بعد ذلك ليبرر هذا الانتماء.
تذييل لهذه الجنبة: عامة الناس يعتمدون في معلوماتهم على الإعلام الرسمي، ويفترضون أن الإعلام ينقل الواقع كما هو.
والحقيقة أنه لا ينقل الواقع فقط، بل يختار ما ينقل منه، ويحدد طريقة عرض هذا المنقول، ويحدد الإطار الذي يُفهم من خلاله. فهو وإن كان لا يصنع الأحداث — في الغالب — لكنه يصنع الطريقة التي تُفهم بها الأحداث.
وهذا بحث يستحق مقالاً برأسه، لكن تكفي هذه الإشارة هنا.
تذييل آخر: لماذا يحاول بعض الناس فرض آرائهم؟
هما في الغالب دافعان:
أحدهما الحاجة إلى اليقين: الإنسان بطبعه لا يحب الغموض، والقضايا السياسية معقدة، فيفضل القصص البسيطة: طرف خير وطرف شر.. جرندايزر وڤيغا كما اعتاد وهو طفل! بينما الواقع أشد تعقيداً.
الآخر: هو الدفاع عن الهوية.
المتبنّى السياسي أو الديني غالباً جزء من هوية الإنسان الاجتماعية، وقليل من الناس من يفرق بين هويته الاجتماعية وهويته الشخصية؛ فيبدو نقد هذا الرأي أشبه بنقد الشخص نفسه، ولهذا قد يتحول النقاش الفكري إلى صراع شخصي.
هذا تمام الجنبة الأولى.
1️⃣
[الفجوة المعرفيَّة]
بقلم: علي بن عتيق
لطالما فكِّر الإنسانُ في كيفيَّة التعامل مع شخص بينه وبينه فجوة معرفية كبيرة في موضوع ما، خصوصاً عندما يكون الطرف الآخر واثقاً ومندفعاً ويحاول جرَّه إلى موقفه؟
هذه الظاهرة تتجاذَبُها عدة علوم من فروع علم النفس وعلم الاجتماع، سأحاول قدر المستطاع ردَّ أطرافها ولملمة أذيالها.
لتناول هذه المشكلة جنبتان:
إحداهما فهم الطرف الآخر،
والثانية كيفية التعامل معه.
نشرع في الجنبة الأولى فنقول: ما الذي يحدث معرفياً في مثل هذه الحالة؟
هنا عدة ظواهر قد تفيد في توصيف هذه الحالة:
إحداها هي المسماة في كلماتهم بـ “وهم العمق التفسيري”
يمتلك الشخص العادي فهماً سطحياً للعلاقات السببية المعقدة، وبالتالي يميل إلى المبالغة في تقدير جودة وعمق معرفته التفسيرية.
خذ هذا على سبيل المثال: لو سألت شخصاً: هل تعرف كيف يعمل الفرن؟ لبادر بنعم. ولكن لو سألته: هل تعرف بدقةٍ ميكانيكية عمله؟ لتلكّأ في الجواب وعرف قصور معرفته.
كذلك في الشأن السياسي أو التاريخي. قد يكون للشخص موقفٌ حادٌّ من دولة أو حركة سياسية، لكن لو سُئل: ما الأحداث التاريخية المفصلية لها؟ ما المراحل التاريخية الأساسية؟ ما أدبياتها؟ إلى آخره. يتضح أن معرفتَه انطباعيَّة، إما من الإعلام أو المجتمع، لا عن دراسةٍ موضوعية.
الثانية: ذو المعرفة المحدودة في أمر ما
وهذا يعاني مِن أمرين:
أحدهما: الاستنتاجات الخاطئة في هذا الأمر،
والثاني: عدم القدرة على إدراك ذلك! وهذا هو المعروف بتأثير دانينغ-كروغر [1].
فإذا كان الشخص يخطئ في مجال ما وهو غير قادر أن يدرك أنه يخطئ، فالنتيجة الحتمية هي امتلاؤه بالثقة وأنه ذو معرفة بهذا الأمر.
وعلى لسان دارون الحكيم: “الجهل يولِّد الثقة أكثر من المعرفة”. فمتى فقد المرء مهارات أمر ما، فهو بالضرورة فاقد لمهارات المراقبة الذاتية في هذا الأمر.
ودونك مثال موضح: المهارات التي تحتاجها لكتابة جملة صحيحة نحوياً هي نفسها التي ستحكم بها على جملة: هل هي صحيحة نحوياً أم لا.
وخلاصة الأمر في هذا التأثير : أنَّ الأقل معرفة في أمر ما يميلون إلى المبالغة في تقدير معرفتهم به، بينما يحدث العكس عند المتخصصين؛ فكلما ازداد علم الإنسان بموضوع ما ازداد إدراكه لتعقيد المسألة، وازداد حذره في إصدار الأحكام.
ولهذا نلاحظ ظاهرة متكررة: الشخص الذي قرأ مقالات قليلة أو شاهد مقاطع قصيرة قد يتكلم بثقة كبيرة، بينما الباحث المتخصص يتكلم بلغة أكثر تحفظاً.
الثالثة: العقل البشري إذا تبنّى رأياً فإنه يميل إلى البحث عن المعلومات التي تؤيده، ويتجاهل المعلومات التي تناقضه، وهذا من أظهر ما يراه المرء في الناس، والتنبه له قديم ناقشه بيكون ونيتشه وغيرهما، وهو المسمى بالانحياز التأكيدي.
فعندما يتبنى الإنسان موقفاً سياسياً أو أيديولوجياً، يبدأ عقله تلقائياً بانتقاء الأدلة التي تدعم هذا الموقف. ولهذا قد يرى شخصان الحدث نفسه، لكن يفسرانه تفسيرين متضادين.
الرابعة: اعلم أن الآراء لا تكون دائماً نتيجة معرفة، بل كثيراً ما — لا سيما السياسية والدينية — تكون نتيجة الهوية الاجتماعية.
الإنسان يميل إلى تقسيم العالم إلى نحن وهم، ثم يبدأ بتفضيل المجموعة التي ينتمي إليها ويبحث عن مبررات هذا الانتماء وهذا التفضيل.
بعبارة أخرى: كثير من الناس لا يصل إلى موقفه الديني أو السياسي عن طريق البحث، بل عن طريق الانتماء، ثم يأتي البحث بعد ذلك ليبرر هذا الانتماء.
تذييل لهذه الجنبة: عامة الناس يعتمدون في معلوماتهم على الإعلام الرسمي، ويفترضون أن الإعلام ينقل الواقع كما هو.
والحقيقة أنه لا ينقل الواقع فقط، بل يختار ما ينقل منه، ويحدد طريقة عرض هذا المنقول، ويحدد الإطار الذي يُفهم من خلاله. فهو وإن كان لا يصنع الأحداث — في الغالب — لكنه يصنع الطريقة التي تُفهم بها الأحداث.
وهذا بحث يستحق مقالاً برأسه، لكن تكفي هذه الإشارة هنا.
تذييل آخر: لماذا يحاول بعض الناس فرض آرائهم؟
هما في الغالب دافعان:
أحدهما الحاجة إلى اليقين: الإنسان بطبعه لا يحب الغموض، والقضايا السياسية معقدة، فيفضل القصص البسيطة: طرف خير وطرف شر.. جرندايزر وڤيغا كما اعتاد وهو طفل! بينما الواقع أشد تعقيداً.
الآخر: هو الدفاع عن الهوية.
المتبنّى السياسي أو الديني غالباً جزء من هوية الإنسان الاجتماعية، وقليل من الناس من يفرق بين هويته الاجتماعية وهويته الشخصية؛ فيبدو نقد هذا الرأي أشبه بنقد الشخص نفسه، ولهذا قد يتحول النقاش الفكري إلى صراع شخصي.
هذا تمام الجنبة الأولى.
1️⃣
Forwarded from Hermit
[الفجوة المعرفيَّة]
كيف تتعامل مع هذه الحالة عملياً؟
أولاً: التمييز بين أنواع النقاش؛ هل يريد أن يفهم أم يريد أن ينتصر؟ إذا كان غرضه الانتصار فالنقاش عديم الجدوى، وتركه أفضل. وقد ينفع الوعظ في مثل هذا؛ أعني أن تحاول الوصول إلى ضميره المعرفي، تذكره أن المعرفة فضيلة والجهل رذيلة، وأن البحث الموضوعي فضيلة، والتقليد رذيلة، وأن الاستقلال الفكري فضيلة، والتبعية رذيلة، وهكذا.
ثانياً: انتهاج الطريقة السُّقراطيَّة. إذا قلت لشخص: أنت مخطئ، فإنه غالباً ما يتلبَّسه ردُّ فعلٍ دفاعي، ولكن اطرح عليه الأسئلة كما كان يصنع سقراط في محاوراته.
فلو قال لك مثلاً: الشخص الفلاني كذا وكذا.
فأنت تسأله: ماذا تعرف عن تاريخه؟ هل شاهدت أفلاماً وثائقية تسبر مراحل حياته؟ هل قرأت شيئاً من كتبه؟ هل قرأت أدبيات المرجعية التي ينتسب إليها؟
هذا أدعى أن يراجع نفسه، واحتمال تغييره لموقفه أكبر.
ثالثاً: لا بد أن نقبل أن هناك شريحة من الناس لا تعلم ولا تريد أن تعلم أصلاً. عندها نوع من الجهل الاختياري، إما لخلفية براغماتية أو لكسل معرفي يركن إلى رأي الجماعة والإعلام والانطباع العام.
وخلاصة الأمر : أن الفجوة المعرفية بين الناس ظاهرة طبيعية في كل مجتمع، لأن المعارف متفاوتة والاهتماماتِ مختلفةٌ. غير أن الإشكال لا ينشأ من الجهل نفسه، بل من الجهل المقرون باليقين والثقة المفرطة. فإذا اجتمع نقص المعرفة مع التعصب للرأي تحوّل النقاش من طلبٍ للحقيقة إلى صراعٍ للانتصار.
ولهذا فالحكمة في مثل هذه المواقف ليست دائماً في الإكثار من الحجج، بل في حسن تقدير المقام: متى يُناقش الإنسان، ومتى يسأل، ومتى يترك الجدل جملة. فليس كل خلاف يُحسم بالبرهان، ولا كل رأي يتغير بالنقاش.
والعاقل يدرك أن المعرفة بحر واسع، وأن نصيب الإنسان منه محدود، ولذلك يكون أول ما تحمله المعرفة إلى صاحبها هو التواضع المعرفي؛ فكلما ازداد علم الإنسان اتسع إدراكه لما يجهل، وازداد حذره في الحكم على الناس والأفكار.
فإن أدرك المرء هذا المعنى سلم من كثير من الجدل العقيم، واستطاع أن يحفظ عقله ووقته، وأن يجعل النقاش وسيلة للفهم لا ميداناً للخصومة.
2️⃣
كيف تتعامل مع هذه الحالة عملياً؟
أولاً: التمييز بين أنواع النقاش؛ هل يريد أن يفهم أم يريد أن ينتصر؟ إذا كان غرضه الانتصار فالنقاش عديم الجدوى، وتركه أفضل. وقد ينفع الوعظ في مثل هذا؛ أعني أن تحاول الوصول إلى ضميره المعرفي، تذكره أن المعرفة فضيلة والجهل رذيلة، وأن البحث الموضوعي فضيلة، والتقليد رذيلة، وأن الاستقلال الفكري فضيلة، والتبعية رذيلة، وهكذا.
ثانياً: انتهاج الطريقة السُّقراطيَّة. إذا قلت لشخص: أنت مخطئ، فإنه غالباً ما يتلبَّسه ردُّ فعلٍ دفاعي، ولكن اطرح عليه الأسئلة كما كان يصنع سقراط في محاوراته.
فلو قال لك مثلاً: الشخص الفلاني كذا وكذا.
فأنت تسأله: ماذا تعرف عن تاريخه؟ هل شاهدت أفلاماً وثائقية تسبر مراحل حياته؟ هل قرأت شيئاً من كتبه؟ هل قرأت أدبيات المرجعية التي ينتسب إليها؟
هذا أدعى أن يراجع نفسه، واحتمال تغييره لموقفه أكبر.
ثالثاً: لا بد أن نقبل أن هناك شريحة من الناس لا تعلم ولا تريد أن تعلم أصلاً. عندها نوع من الجهل الاختياري، إما لخلفية براغماتية أو لكسل معرفي يركن إلى رأي الجماعة والإعلام والانطباع العام.
وخلاصة الأمر : أن الفجوة المعرفية بين الناس ظاهرة طبيعية في كل مجتمع، لأن المعارف متفاوتة والاهتماماتِ مختلفةٌ. غير أن الإشكال لا ينشأ من الجهل نفسه، بل من الجهل المقرون باليقين والثقة المفرطة. فإذا اجتمع نقص المعرفة مع التعصب للرأي تحوّل النقاش من طلبٍ للحقيقة إلى صراعٍ للانتصار.
ولهذا فالحكمة في مثل هذه المواقف ليست دائماً في الإكثار من الحجج، بل في حسن تقدير المقام: متى يُناقش الإنسان، ومتى يسأل، ومتى يترك الجدل جملة. فليس كل خلاف يُحسم بالبرهان، ولا كل رأي يتغير بالنقاش.
والعاقل يدرك أن المعرفة بحر واسع، وأن نصيب الإنسان منه محدود، ولذلك يكون أول ما تحمله المعرفة إلى صاحبها هو التواضع المعرفي؛ فكلما ازداد علم الإنسان اتسع إدراكه لما يجهل، وازداد حذره في الحكم على الناس والأفكار.
فإن أدرك المرء هذا المعنى سلم من كثير من الجدل العقيم، واستطاع أن يحفظ عقله ووقته، وأن يجعل النقاش وسيلة للفهم لا ميداناً للخصومة.
2️⃣