الآرَاءُ الفَاضِلَة ومُضَادّاتها
انحيازات ذهنية
الانحيازات الذهنية هي العادات الفكرية التي يكتسبها الإنسان، وما أسميه "انحيازات" من بين الطرق الفكرية هي تلك العادات التي تكون الأقرب إليه والأخص به، حيث تتحكم في تقديره المعرفي للأفكار. وكما أن هناك عوامل أسرية واجتماعية تُكسب الإنسان طباعًا، واستحساناتٍ واستقباحاتٍ متناغمة معها، فإن عوامل ثقافية مثل نوعية الكتب التي يقرأها، وحلقات الدرس، ورفقاء الطريق الفكري، تُنشئ تلك الانحيازات الذهنية وما يمكن أن نسميه أيضًا بالذوق الفكري.
Forwarded from الآرَاءُ الفَاضِلَة ومُضَادّاتها
ومضات - ٣٧
أنظر للصورة جيدًا.. شخص قرر أخذ نصيبه العادل من وجهة نظره الشخصية، فأفسد على الآخرين نصيبهم!
هذا الشخص سيُقسم لك أنه أخذ حقه فقط، وهو صادق بالفعل ولكنه من المفسدين!!
من حقك أن تأخد حقك، ولكن ليس من حقك أن تأخذه بالشكل الذي تراه أنت عدلًا، فهذا تعسف في استعمال الحق.
وإلى مثل ذلك يشير الحديث المروي عن الإمام الهادي (ع): إن الظالم الحالم يكاد أن يعفى على ظلمه بحلمه، وإن المحق السفيه يكاد أن يطفئ نور حقه بسفهه. [تحف العقول ص ٣٨٧]
فعبارة (المحق السفيه) تشير إلى صاحب الحق، ولكنه (سفيه) ومن معاني السفه هو من يضع الأمور في غير محلها بخلاف الحكيم الذي يضع الشيء في محله.
- الشيخ مصطفى البغدادي
أنظر للصورة جيدًا.. شخص قرر أخذ نصيبه العادل من وجهة نظره الشخصية، فأفسد على الآخرين نصيبهم!
هذا الشخص سيُقسم لك أنه أخذ حقه فقط، وهو صادق بالفعل ولكنه من المفسدين!!
من حقك أن تأخد حقك، ولكن ليس من حقك أن تأخذه بالشكل الذي تراه أنت عدلًا، فهذا تعسف في استعمال الحق.
وإلى مثل ذلك يشير الحديث المروي عن الإمام الهادي (ع): إن الظالم الحالم يكاد أن يعفى على ظلمه بحلمه، وإن المحق السفيه يكاد أن يطفئ نور حقه بسفهه. [تحف العقول ص ٣٨٧]
فعبارة (المحق السفيه) تشير إلى صاحب الحق، ولكنه (سفيه) ومن معاني السفه هو من يضع الأمور في غير محلها بخلاف الحكيم الذي يضع الشيء في محله.
- الشيخ مصطفى البغدادي
الآرَاءُ الفَاضِلَة ومُضَادّاتها
تأمل ذلك فقد تتوسَّمه من معاريض تلك المفهومات ومثانيها، واعلم أن فقه المنطق حقُّ من يباري فِهمُهُ سمعَهُ، ويسبِقُ قلبُهُ أُذُنه، ويفهم من الإيماء قبل اللَّفظ، ومن النَّظر قبل الإيماء، ويكتفي بالإشارة ويسير الإبانة، ويستغني بالرمز عن العبارة،
الحقُّ أنَّ المنطق هيكل العقل، إلّا أنَّ بناء قصور الحكمة يحتاج إلى أكثر من هيكل. والمنطق شرطٌ للحكمة، ولكنه ليس ضمانًا لها. فكما أن النحو يحفظ اللسان من اللحن، فالمنطق يصون العقل من الزلل، لكنّ الحكمة لا يأتيها إلا النابغون.
Forwarded from لِـوَاءُ الـھُـدَىٰ فِـي الـلَّـيْـلِ والـدُّجَـىٰ
" كثيرًا ما يقال إن ابن رشد قد وضع شروحه على أرسطو كي يُخلِّص أعماله من التفسيرات الأفلاطونية المحدثة التي علقت بها لدى فلاسفة الإسلام من قبله وخاصة ابن سينا، وكي يعيد تأسيس المشائية الخالصة والأرسطية النقية دون أي خلط بين أرسطو وأفلاطون، وكي يعيد تقديم أرسطو وحده بعد التخلص من مشروع الجمع بين الحكيمين السائد والمسيطر في تاريخ الفلسفة منذ عصرها الهلينستي وطوال العصر الإسلامي، وكل هذا صحيح لا ننكره لكن لا يمكن رَدُّ الهدف من شروح ابن رشد إلى هذه الأغراض وحدها؛ لأن الظاهر من شروحه –التي تنوعت بين الجوامع والتلاخيص والشروح الكبيرة والتفسير– أن هذا المشروع الضخم قد أراد منه ابن رشد أن يكون مشروعًا تعليميًا كبيرًا في الفلسفة، ينقل الفلسفة في العالم الإسلامي إلى درجة أعلى من الاحترافية، ويدرب المتلقي على مهارات التفكير الفلسفي، ويُحدث نهضة علمية وعقلانية في العالم الإسلامي، لكن لم يتحقق ما أراده ابن رشد في العالم الإسلامي بالقصد الأول، وتحقق في الغرب بالقصد الثاني.
إن النهضة العلمية والعقلانية التي أحدثتها شروحه في أوروبا كانت هي غرضه ومقصوده منها، لكنه أراد ذلك للعالم الإسلامي وليس للغرب، بالتالي عندما نرى حجم التأثير الذي أحدثته هذه الشروح في أوروبا، فلا يجب أن نعتقد أن هذا التأثير قد حدث جُزافًا، بل كان مقصودًا من ابن رشد نفسه، رغم حدوث هذا التأثير في أوروبا لا في العالم الإسلامي.
كانت الرشدية تعني في نظر أتباعها النظرة العلمية إلى العالم، والتعامل العقلاني مع الطبيعة الإنسانية ومع موقع الإنسان من العالم، والبعد عن النظرات الخرافية والغيبية، والتمسك بتوجه طبيعاني في تفسير ظواهر الطبيعة، التي تفسرها على أنها نتيجة تفاعل متبادل لعناصر الطبيعة وفق قانون طبيعي خاص يعمل من داخل الطبيعة، والتمسك بنظرة إلى الإله بوصفه يحكم العالم من خلال قوانينه الطبيعية لا من خلال تدخل مفارق للطبيعة، والدفاع عن استقلال الفلسفة إزاء السلطة الدينية، واستقلال العقل إزاء اللاهوت المسيحي.
ويرجع السبب في سرعة انتشار الرشدية ودوامها في أوروبا لأربعة قرون متصلة –في نظر جون هرمان راندل– إلى أن الرشديين في أوروبا كانوا أول من قرأ أرسطو قراءة علمية بعيدًا عن التأويلات الأفلاطونية المحدثة التي علقت بالأرسطية منذ العصر الهلينستي، وبعيدًا عن مشروع الجمع بين أفلاطون وأرسطو الذي شوه فلسفة الأخير، كما ذكر راندل أن تبني الفلاسفة الأرسطيين –منذ ذلك العصر وطوال العصور الوسطى– للمذهب الصدوري والنظرية الفيضية من شروح بروقلس والشراح السكندريين لم يجعلهم أرسطيين تمامًا، ولذلك وجد رشديو عصر النهضة ضالتهم في شروح ابن رشد التي خلصت أرسطو من كل تلك التأثيرات اللا-أرسطية. "
رشدية عصر النهضة وتوابعها
إن النهضة العلمية والعقلانية التي أحدثتها شروحه في أوروبا كانت هي غرضه ومقصوده منها، لكنه أراد ذلك للعالم الإسلامي وليس للغرب، بالتالي عندما نرى حجم التأثير الذي أحدثته هذه الشروح في أوروبا، فلا يجب أن نعتقد أن هذا التأثير قد حدث جُزافًا، بل كان مقصودًا من ابن رشد نفسه، رغم حدوث هذا التأثير في أوروبا لا في العالم الإسلامي.
كانت الرشدية تعني في نظر أتباعها النظرة العلمية إلى العالم، والتعامل العقلاني مع الطبيعة الإنسانية ومع موقع الإنسان من العالم، والبعد عن النظرات الخرافية والغيبية، والتمسك بتوجه طبيعاني في تفسير ظواهر الطبيعة، التي تفسرها على أنها نتيجة تفاعل متبادل لعناصر الطبيعة وفق قانون طبيعي خاص يعمل من داخل الطبيعة، والتمسك بنظرة إلى الإله بوصفه يحكم العالم من خلال قوانينه الطبيعية لا من خلال تدخل مفارق للطبيعة، والدفاع عن استقلال الفلسفة إزاء السلطة الدينية، واستقلال العقل إزاء اللاهوت المسيحي.
ويرجع السبب في سرعة انتشار الرشدية ودوامها في أوروبا لأربعة قرون متصلة –في نظر جون هرمان راندل– إلى أن الرشديين في أوروبا كانوا أول من قرأ أرسطو قراءة علمية بعيدًا عن التأويلات الأفلاطونية المحدثة التي علقت بالأرسطية منذ العصر الهلينستي، وبعيدًا عن مشروع الجمع بين أفلاطون وأرسطو الذي شوه فلسفة الأخير، كما ذكر راندل أن تبني الفلاسفة الأرسطيين –منذ ذلك العصر وطوال العصور الوسطى– للمذهب الصدوري والنظرية الفيضية من شروح بروقلس والشراح السكندريين لم يجعلهم أرسطيين تمامًا، ولذلك وجد رشديو عصر النهضة ضالتهم في شروح ابن رشد التي خلصت أرسطو من كل تلك التأثيرات اللا-أرسطية. "
رشدية عصر النهضة وتوابعها
حوار - ٤
الأصل التجريبي للمنطق وجدل نشوء الأوليات العقليّة
داغِر: لم يوجد المنطق من العقل المجرد بمعزلٍ عن الواقع - كما نخال عند الاستماع لبيان الدكتور أيمن المصري المعتاد القائل بأن أرسطو عمد إلى تشريح العقل واكتشف المنطق... - فالعقل لم يكتشف قواعد المنطق مسبقًا في داخله، بل استنبطها العقل عبر ملاحظة العلاقات والترابطات بين الأشياء وما تفرضه في العالم الطبيعي.
فالادعاء أن المنطق موجود في العقل وعلى الإنسان أن يتنبه لوجوده ويكتشفه، ادعاء لا يسنده دليل من الواقع، فالعقل قوة ومحض أداة خالية، لا مجموعة قواعد أودعها الرب في الذهن خلال عالم الذر أو ما شابه. والفكر حرّ في جوهره ولا يأتيه الخضوع للمنطق من ذاته، بل القواعد المنطقية تُستلزم من النظر في طبيعة الموضوعات المدروسة وعلاقاتها الواقعية، وليست مُفْرَضة سلفاً من خارج التجربة.
ولم يبدأ أرسطو ومن قبله بدراسة العقل ليستخرجوا المنطق، بل بدأوا بدراسة العالم، ثم اكتشفوا – عبر الممارسة – المبادئ المنظمة للتفكير الصحيح، وسمّوها المنطق. فالعقل إذن ينظم المعاني المستمدة من العالم ويصوغها في قوانين نسميها "منطقًا". بمعنى أن المنطق صياغة تنظيرية لتجربة التفكير في الواقع، وليس نسقًا قبليًا نكتشفه في ذواتنا.
حتى البدهيات المنطقية أصلها تجريبي، فالشكل الأول من القياس مثلًا، الذي يبدو بديهيًا وواضحًا، لا يستمد وضوحه من كونه موجودًا في العقل سلفًا، بل من الوضوح العلائقي بين الحدود نفسها. فالأولى أن نقول إن الارتباط بين بعض المعاني (الحدود) يظهر لنا بديهيًا، فصغناه في صورة قياسية، وليس أن هناك شكلًا قبليًا في العقل نبحث له عن تطبيقات توافقه فنسميه بديهيا. وأصل وضوح البديهيات المنطقية هو اعتياد الذهن على الربط السببي (العلّية) والحكم بامتناع النقيضين، وضرورة السنخية، فأخذت القواعد المنطقية بالايضاح عن نفسها لعقل الدارس، لا لأنها قرينته القديمة الراسخة منذ النشأة الدنيا أو ما قبلها، بل لأنها شديدة الموافقة لهذه المبادئ العقليّة العادية شديدة التمكّن في العقل منذ الولادة.
والقول أن المنطق موجود في الذهن في الأصل يؤيد رأي الموقف المثالي التقليدي القائل: "أن المنطق صناعة ذهنية محضة، ثم نطبقه لاحقًا على الواقع بشكل تحكّمي." وهو رأي مقلوب للصورة الصحيحة لتشكل المعرفة المنطقية.
أمّا مُكنة المبادئ العقليّة التي يقوم عليها قبولنا للمنطق، فما يزال سببها محل شكّ وجدل، فقد خفى أصلها حتى على الفارابي على ما أظن عندما قرأت قوله: والبدهيّات "هي التي نجد أنفسنا كأنها فطرت على معرفتها منذ أول الأمر، وجبلت على اليقين بها." وهنا يستخدم كاف التشبيه مفصحًا عن غياب أصل هذه المبادئ عن علمه.
وعلى مستوى بحث هذا الأصل هناك من يدّعي أن الاوليات تنشأ عن الموضوعات الواقعية المدرَكة، وليست محض صناعة ذهنية تخيّلية. ذلك ما يواجه إشكالًا مفاده أن كيف يمكننا التمييز بين كون الذهن يصنع الأوليات بنفسه؟ وبين أنها قوالب فطرية مغروسة فيه كما يرى كانط؟ وبين أنها تُستنبط من ملاحظته لواقع الأشياء؟ والثالث ما أفاده الدكتور محمد ناصر في الفصل الأول، وأيضا في الفصل الثالث من نهج العقل عندما يتحدث عن المبادئ التلقائية بالقول أننا أدركناها قهرًا، مع إن هذا القهر قد يُحمل على وجهين: إما أنه ضرورة تفرضها طبيعة الذهن نفسه، باعتباره أداة الفكر، فهو لا يملك إلا أن يعمل وفق قوانين ذاتية تحكم بنيته. أو أنه قهر يفرضه الواقع الخارجي الذي يواجهه الذهن، بما يحتويه من معطيات تضطر العقل إلى إدراكه بنحوٍ ما، دون أن يكون له سلطانٌ على تغيير طبيعتها.
إذا كان الذهن يصنع الأوليات بنفسه، فهذا يعني أنه جوهر مستقل يبدع قوانينه دون حاجة إلى أي علة خارجية. ولكن كيف لعقلٍ لم يتصل بالواقع بعد أن يبتكر أدوات لفهم هذا الواقع فيما بعد؟ وكيف يمكن له أن يُنشئ تصورات وقواعد منطقية عن شيء لم يواجهه قط؟
أما إذا كانت هذه الأوليات قوالب فطرية كما يرى كانط، فإن ذلك يعني أن العقل لا يرى العالم كما هو، بل كما تسمح له بنيته الداخلية. وفي هذا التصور يصبح العقل أشبه بنافذة زجاجية ملوّنة، لا تعكس الواقع بصفائه، بل تلوّنه بألوانها. ولكن هل يمكن للعقل إثبات وجود ما هو مغروس فيه دون أن يستند إلى تجربة أو حواس؟ وإذا كانت هذه القوالب فطرية وثابتة، فلماذا تختلف تصورات البشر للعالم؟ أوليس هذا الاختلاف إشارة إلى أثر التجربة الحسيّة في إنشاء هذه القوالب؟
وأما إذا كانت الأوليات تُستنبط من ملاحظة الواقع، فإن الذهن هنا يكتشف القوانين من خلال التجربة. ولكن كيف يمكن للعقل أن يبدأ بالملاحظة التجريبية دون امتلاك الأوليات لفهم ما يلاحظه؟ أليس وجود هذه الأوليات شرطًا ضروريًا للبدء بالتجربة نفسها، ثم الاستنتاج منها؟
يتبع
الأصل التجريبي للمنطق وجدل نشوء الأوليات العقليّة
داغِر: لم يوجد المنطق من العقل المجرد بمعزلٍ عن الواقع - كما نخال عند الاستماع لبيان الدكتور أيمن المصري المعتاد القائل بأن أرسطو عمد إلى تشريح العقل واكتشف المنطق... - فالعقل لم يكتشف قواعد المنطق مسبقًا في داخله، بل استنبطها العقل عبر ملاحظة العلاقات والترابطات بين الأشياء وما تفرضه في العالم الطبيعي.
فالادعاء أن المنطق موجود في العقل وعلى الإنسان أن يتنبه لوجوده ويكتشفه، ادعاء لا يسنده دليل من الواقع، فالعقل قوة ومحض أداة خالية، لا مجموعة قواعد أودعها الرب في الذهن خلال عالم الذر أو ما شابه. والفكر حرّ في جوهره ولا يأتيه الخضوع للمنطق من ذاته، بل القواعد المنطقية تُستلزم من النظر في طبيعة الموضوعات المدروسة وعلاقاتها الواقعية، وليست مُفْرَضة سلفاً من خارج التجربة.
ولم يبدأ أرسطو ومن قبله بدراسة العقل ليستخرجوا المنطق، بل بدأوا بدراسة العالم، ثم اكتشفوا – عبر الممارسة – المبادئ المنظمة للتفكير الصحيح، وسمّوها المنطق. فالعقل إذن ينظم المعاني المستمدة من العالم ويصوغها في قوانين نسميها "منطقًا". بمعنى أن المنطق صياغة تنظيرية لتجربة التفكير في الواقع، وليس نسقًا قبليًا نكتشفه في ذواتنا.
حتى البدهيات المنطقية أصلها تجريبي، فالشكل الأول من القياس مثلًا، الذي يبدو بديهيًا وواضحًا، لا يستمد وضوحه من كونه موجودًا في العقل سلفًا، بل من الوضوح العلائقي بين الحدود نفسها. فالأولى أن نقول إن الارتباط بين بعض المعاني (الحدود) يظهر لنا بديهيًا، فصغناه في صورة قياسية، وليس أن هناك شكلًا قبليًا في العقل نبحث له عن تطبيقات توافقه فنسميه بديهيا. وأصل وضوح البديهيات المنطقية هو اعتياد الذهن على الربط السببي (العلّية) والحكم بامتناع النقيضين، وضرورة السنخية، فأخذت القواعد المنطقية بالايضاح عن نفسها لعقل الدارس، لا لأنها قرينته القديمة الراسخة منذ النشأة الدنيا أو ما قبلها، بل لأنها شديدة الموافقة لهذه المبادئ العقليّة العادية شديدة التمكّن في العقل منذ الولادة.
والقول أن المنطق موجود في الذهن في الأصل يؤيد رأي الموقف المثالي التقليدي القائل: "أن المنطق صناعة ذهنية محضة، ثم نطبقه لاحقًا على الواقع بشكل تحكّمي." وهو رأي مقلوب للصورة الصحيحة لتشكل المعرفة المنطقية.
أمّا مُكنة المبادئ العقليّة التي يقوم عليها قبولنا للمنطق، فما يزال سببها محل شكّ وجدل، فقد خفى أصلها حتى على الفارابي على ما أظن عندما قرأت قوله: والبدهيّات "هي التي نجد أنفسنا كأنها فطرت على معرفتها منذ أول الأمر، وجبلت على اليقين بها." وهنا يستخدم كاف التشبيه مفصحًا عن غياب أصل هذه المبادئ عن علمه.
وعلى مستوى بحث هذا الأصل هناك من يدّعي أن الاوليات تنشأ عن الموضوعات الواقعية المدرَكة، وليست محض صناعة ذهنية تخيّلية. ذلك ما يواجه إشكالًا مفاده أن كيف يمكننا التمييز بين كون الذهن يصنع الأوليات بنفسه؟ وبين أنها قوالب فطرية مغروسة فيه كما يرى كانط؟ وبين أنها تُستنبط من ملاحظته لواقع الأشياء؟ والثالث ما أفاده الدكتور محمد ناصر في الفصل الأول، وأيضا في الفصل الثالث من نهج العقل عندما يتحدث عن المبادئ التلقائية بالقول أننا أدركناها قهرًا، مع إن هذا القهر قد يُحمل على وجهين: إما أنه ضرورة تفرضها طبيعة الذهن نفسه، باعتباره أداة الفكر، فهو لا يملك إلا أن يعمل وفق قوانين ذاتية تحكم بنيته. أو أنه قهر يفرضه الواقع الخارجي الذي يواجهه الذهن، بما يحتويه من معطيات تضطر العقل إلى إدراكه بنحوٍ ما، دون أن يكون له سلطانٌ على تغيير طبيعتها.
إذا كان الذهن يصنع الأوليات بنفسه، فهذا يعني أنه جوهر مستقل يبدع قوانينه دون حاجة إلى أي علة خارجية. ولكن كيف لعقلٍ لم يتصل بالواقع بعد أن يبتكر أدوات لفهم هذا الواقع فيما بعد؟ وكيف يمكن له أن يُنشئ تصورات وقواعد منطقية عن شيء لم يواجهه قط؟
أما إذا كانت هذه الأوليات قوالب فطرية كما يرى كانط، فإن ذلك يعني أن العقل لا يرى العالم كما هو، بل كما تسمح له بنيته الداخلية. وفي هذا التصور يصبح العقل أشبه بنافذة زجاجية ملوّنة، لا تعكس الواقع بصفائه، بل تلوّنه بألوانها. ولكن هل يمكن للعقل إثبات وجود ما هو مغروس فيه دون أن يستند إلى تجربة أو حواس؟ وإذا كانت هذه القوالب فطرية وثابتة، فلماذا تختلف تصورات البشر للعالم؟ أوليس هذا الاختلاف إشارة إلى أثر التجربة الحسيّة في إنشاء هذه القوالب؟
وأما إذا كانت الأوليات تُستنبط من ملاحظة الواقع، فإن الذهن هنا يكتشف القوانين من خلال التجربة. ولكن كيف يمكن للعقل أن يبدأ بالملاحظة التجريبية دون امتلاك الأوليات لفهم ما يلاحظه؟ أليس وجود هذه الأوليات شرطًا ضروريًا للبدء بالتجربة نفسها، ثم الاستنتاج منها؟
يتبع
يامِن: إن الفارابي في كتاب البرهان يذكر المبادئ البديهية على أنها ما يُتيقَّن منه دون الحاجة إلى معرفة منشئها أو كيفية نشأتها، أي أن انتقال العقل من كونه بالقوة إلى كونه بالفعل، ما دام قد حصل، فلا يهم الشيء الذي به حصل الانتقال، بل المهم أنه قد حصل.
كما يذكر أن هذه المبادئ ليست دائمًا معلومة بشكل كامل، بل قد تكون موجودة بالقوة، أي بشكل جزئي ومطبَّقة في كل مسألة على حدة أثناء الممارسة، لا على أنها مدلول عليها بألفاظ كلية أو ضمن قاعدة كلية.
ومن هنا يمكن القول إن المنطق هو صياغة صناعية لعملية التفكير، وهو أمر لا خلاف فيه. أما الخلاف فهو حول مدى مشروعيته: لماذا ما نمارسه صحيح؟ هذا السؤال يفتح باب الصناعة. والإجابة عنه أن صحة المبادئ ذاتية بالنسبة للأوليات، أي أنها لا تحتاج إلى معرفة منشئها الذي يقع خارجًا عن مضمونها، بل إلى معرفتها هي بذاتها، إذ إن ماهيتها كاشفة عن واقعيتها، وليس منشأها.
وهكذا تتضح مشروعية باقي الأمور من وضوحها ومدى علاقتها بالمبادئ التي لا تتطلب وسطًا. أما إرجاع مشروعية المبادئ إلى سبب نشوئها - كما يلفت الفارابي - فإنه يجعلها رهينة بذاتيتها أو ظاهريتها، بمعنى أنها قد تُعتبر إمّا ناشئة عن مزاج شخصي أو متأثرة بتطبّع الواقع المتغيّر.
لذلك يرى الفارابي أن العقل بما هو عقل لا يكون عقلًا إلا بهذه المبادئ، وبغياب هذه المبادئ لا يوجد عقل. ولا يعارض ذلك أن تكون القواعد الصناعية منتزعة من وجودها في الممارسة؛ إذ إنها في الممارسة صحيحة، كما أنها في الصناعة صحيحة. الفرق بينهما هو أن المبادئ تكون جزئية في الممارسة، بينما تصبح كلية في الصناعة.
ولهذا السبب يُقال إن برهان الهندسة يسبق برهان المنطق، لأن من ممارسة البرهان الجزئي في الهندسة، تُنتزع ماهية البرهان الكلي الذي يصبح أداة. وبالمثل، من ممارسة التفكير (المنطق الجزئي)، تُنتزع ماهية المنطق الكلي الذي يصبح أداة. أما صحة المبادئ، فهي واحدة في الحالتين، مع حفظ الفرق بين الجزئية في الممارسة والكلية في الصناعة.
يتبع
كما يذكر أن هذه المبادئ ليست دائمًا معلومة بشكل كامل، بل قد تكون موجودة بالقوة، أي بشكل جزئي ومطبَّقة في كل مسألة على حدة أثناء الممارسة، لا على أنها مدلول عليها بألفاظ كلية أو ضمن قاعدة كلية.
ومن هنا يمكن القول إن المنطق هو صياغة صناعية لعملية التفكير، وهو أمر لا خلاف فيه. أما الخلاف فهو حول مدى مشروعيته: لماذا ما نمارسه صحيح؟ هذا السؤال يفتح باب الصناعة. والإجابة عنه أن صحة المبادئ ذاتية بالنسبة للأوليات، أي أنها لا تحتاج إلى معرفة منشئها الذي يقع خارجًا عن مضمونها، بل إلى معرفتها هي بذاتها، إذ إن ماهيتها كاشفة عن واقعيتها، وليس منشأها.
وهكذا تتضح مشروعية باقي الأمور من وضوحها ومدى علاقتها بالمبادئ التي لا تتطلب وسطًا. أما إرجاع مشروعية المبادئ إلى سبب نشوئها - كما يلفت الفارابي - فإنه يجعلها رهينة بذاتيتها أو ظاهريتها، بمعنى أنها قد تُعتبر إمّا ناشئة عن مزاج شخصي أو متأثرة بتطبّع الواقع المتغيّر.
لذلك يرى الفارابي أن العقل بما هو عقل لا يكون عقلًا إلا بهذه المبادئ، وبغياب هذه المبادئ لا يوجد عقل. ولا يعارض ذلك أن تكون القواعد الصناعية منتزعة من وجودها في الممارسة؛ إذ إنها في الممارسة صحيحة، كما أنها في الصناعة صحيحة. الفرق بينهما هو أن المبادئ تكون جزئية في الممارسة، بينما تصبح كلية في الصناعة.
ولهذا السبب يُقال إن برهان الهندسة يسبق برهان المنطق، لأن من ممارسة البرهان الجزئي في الهندسة، تُنتزع ماهية البرهان الكلي الذي يصبح أداة. وبالمثل، من ممارسة التفكير (المنطق الجزئي)، تُنتزع ماهية المنطق الكلي الذي يصبح أداة. أما صحة المبادئ، فهي واحدة في الحالتين، مع حفظ الفرق بين الجزئية في الممارسة والكلية في الصناعة.
يتبع
يامِن مرة أخرى: فما قصده الفارابي هو ان المعرفة بها تتم من دون الحاجة الى العلم بكيفية حصولها، لأننا لا نطلبها فعلًا بل هي عندنا من أول ادراك (وليست سابقة على الادراك).
ويتبين ذلك من قوله (وليست بنا حاجة في هذا الكتاب - تعليم صناعة البرهان - أن نعرف كيف حصلت ومن أين حصلت) بل هذا غالبا يقع في كتاب النفس، فهناك في بحث الإدراك يستكشف هذا الأمر. أما في البرهان فمعرفة أصلها ومن أين اتت او الجهل به سواء؛ لأنها يقينية بذاتها، وبحثنا عن أصلها هو بحث في أمر آخر غير ماهياتها، فلا يقع في بحث صناعة البرهان.
وهذه حيثيات دقيقة يجب التنبه لها؛ وهي أن كونها صادقة بذاتها، ليس لسبب غير ذات تلك القضايا، اذ معنى الصدق هو مطابقة ما في النفس لما في الخارج، فمطابقتها من دون وسط بل بالذات يجعلها صادقة بالذات، وهذا النوع من الادراك يشابه ما يفيده برهان الوجود من وجود المطلوب اي صدقه.
ولكن هذا الطلب يكفينا في صناعة دون أخرى، ففي الصنائع التي تحتاج من مبادئها ان تكون صادقة، لا يطلب لم هي صادقة؛ اي لم حصلت لنا هكذا. ولكن في صناعة أخرى يجب طلب هذا النوع من الطلب، وهذا النوع من الطلب - فحص نشوء الأوليات - يقع في علمين: العلم الطبيعي (علم النفس) والالهي.
أما الاول، فمن حيث ان النفس كيف أدركتها وكيف حصلت في النفس؟ وفي العلم الالهي من جهة القضية في نفسها، فيبحث هناك عن المصحح لهذه القضية والعلة لها. والبحث الالهي في هذه النقطة ليس يوجب ان تكون هذه القضايا صادقة بوسط، بل نفس القضية من داخلها صادقة بلا وسط، ولكن في البحث الالهي يبحث عن السبب للكل، لذلك يقولون: الله مبدأ كل البراهين.
وعلى عجالة يمكننا القول في الإجابة عن سؤال نشوء الأوليات، إنه قد يقال أن الذهن نفسه موجود معين وجزء من الواقع، والأوليات العامة (العلّية، امتناع التناقض أو الثالث المرفوع، السنخية) هي مبادئ تصح على كل موجود، فيكفي في استخراجها عدم الاتصال بما يقع خارج العقل، بل اتصاله بنفسه فقط.
يتبع
ويتبين ذلك من قوله (وليست بنا حاجة في هذا الكتاب - تعليم صناعة البرهان - أن نعرف كيف حصلت ومن أين حصلت) بل هذا غالبا يقع في كتاب النفس، فهناك في بحث الإدراك يستكشف هذا الأمر. أما في البرهان فمعرفة أصلها ومن أين اتت او الجهل به سواء؛ لأنها يقينية بذاتها، وبحثنا عن أصلها هو بحث في أمر آخر غير ماهياتها، فلا يقع في بحث صناعة البرهان.
وهذه حيثيات دقيقة يجب التنبه لها؛ وهي أن كونها صادقة بذاتها، ليس لسبب غير ذات تلك القضايا، اذ معنى الصدق هو مطابقة ما في النفس لما في الخارج، فمطابقتها من دون وسط بل بالذات يجعلها صادقة بالذات، وهذا النوع من الادراك يشابه ما يفيده برهان الوجود من وجود المطلوب اي صدقه.
ولكن هذا الطلب يكفينا في صناعة دون أخرى، ففي الصنائع التي تحتاج من مبادئها ان تكون صادقة، لا يطلب لم هي صادقة؛ اي لم حصلت لنا هكذا. ولكن في صناعة أخرى يجب طلب هذا النوع من الطلب، وهذا النوع من الطلب - فحص نشوء الأوليات - يقع في علمين: العلم الطبيعي (علم النفس) والالهي.
أما الاول، فمن حيث ان النفس كيف أدركتها وكيف حصلت في النفس؟ وفي العلم الالهي من جهة القضية في نفسها، فيبحث هناك عن المصحح لهذه القضية والعلة لها. والبحث الالهي في هذه النقطة ليس يوجب ان تكون هذه القضايا صادقة بوسط، بل نفس القضية من داخلها صادقة بلا وسط، ولكن في البحث الالهي يبحث عن السبب للكل، لذلك يقولون: الله مبدأ كل البراهين.
وعلى عجالة يمكننا القول في الإجابة عن سؤال نشوء الأوليات، إنه قد يقال أن الذهن نفسه موجود معين وجزء من الواقع، والأوليات العامة (العلّية، امتناع التناقض أو الثالث المرفوع، السنخية) هي مبادئ تصح على كل موجود، فيكفي في استخراجها عدم الاتصال بما يقع خارج العقل، بل اتصاله بنفسه فقط.
يتبع
داغِر:
١- قلتُ أن الإنسان لم يتأمل العقل المجرد ليكتشف المنطق، بل تأمل العالم الطبيعي واستنبط المنطق منه. وان وضوح البديهيات المنطقية مثل الشكل الأول من القياس، لا ينبع من العقل المجرد، بل من طبيعة الحدود نفسها ومن الارتباط الواضح بينها، فالأولى أن نقول إن الحدود ارتبطت بديهية، فاعتبرنا هذا الشكل أكثر بديهية. وليس أن الشكل الأول موجود في العقل مسبقًا، ثم بدأنا نبحث عن أي حدود ترتبط بديهياً وأيها لا.
٢- وهذا مقدمة لتعليل وضوح القواعد المنطقية برسوخ الأوليات العقليّة في مرحلة سابقة على العلم بالقواعد المنطقية.
٣- الآن، نحن أمام قواعد منطقية ندّعي مطابقتها لما ينبغي أن يكون عليه الفكر، وأنها مناسبة للأشياء وكافية لإيصالنا إلى العلم المطلق بها، لكن لإثبات هذا الادعاء يجب أن نعود إلى الأكواد التي تترجم العلائق بين الأشياء إلى قواعد منطقية كلّية، لنتأكد من منشأها.
٤- فإن كان منشأها الذهن، فلن تكون القواعد مطابقة للواقع المجرد، بل ستكون المطابقة امرًا فرضيًا في الذهن، وننسى حلم مطابقة ما في الأذهان لما في الأعيان، ونذهب مذهبًا متشائمًا.
٥- ولو قلنا أن منشأ الأوليات هو واقع الأشياء ذاته بما فيها الإنسان، يمكن مجادلة ذلك أيضًا بطريق آخر غير ما ذكرته في الأول، وذلك بالقول أننا بذلك نسلّم بالأصل الاستقرائي للأوليات، وأننا لا يمكن بناءً على استقراء هذا الواقع المحدود الانتهاء إلى أقوال كلّية ومطلقة. وهذا تبرير كبير وقوي للنسبية المعرفية.
٦- وقبل كل ذلك، هل يمتلك العقل هذه الأهلية لمعرفة أصل الأوليات، بالعودة إلى الخلف متذكرًا بدقّة كيف نشأت؟ أم أن هذا النشوء يبقى غامضًا يحجزنا عنه النسيان وغياب الوسيلة؟ فمن الضروري معرفة ما ان كنا نتكلم عن الأوليات بتمييز دقيق؛ التمييز بين كون الذهن يصنع الأوليات بنفسه. وبين أنها قوالب فطرية مغروسة فيه كما يرى كانط. وبين أنها تُستنبط من ملاحظته لواقع الأشياء. والتي لا يخلو أي منها من إشكال حسب فهمي. بل يمكن القول أنها طالما كانت بعيدة النشأة وخفية عن الملاحظة المباشرة، فسيكتنف الحديث عنها التخمين والحزر.
٧- والذي أراه أن التفسيرات الموجودة لنشوء الأوليات هي فرضيات يتحكّم فيها ما بُني عليها في الذهن من تصوّرات. فإن كان الفيلسوف مثاليًا وأراد التحدّث عن نشوء الأوليات، فسيكون محابيًا لنوع معرفته بالعقل. كذلك البرهاني؛ لا يعقل أن يحوز بيانات المثاليين عن العقل، فتوصله إلى تفسير البرهانيين للأوليات. بل يحوز بيانات البرهانيين، فلا يجيد التفكير بأمر الأوليات إلا بما تعلّمه من البرهانيين أمثاله. وهكذا صار تفسير نشوء الأوليات يدور مدار المقدمات والبيانات التي عرفناها في وقت سابق.
٨- وأرى أننا نعاني من مشكلة التجاوز السريع للنقد الجذري، فتبني النتائج واليقينيات قبل استكشاف عمق الإشكاليات التي تهدد أساسيات المعرفة. والتعامل مع الشكوكية كموقف يمكن تجاوزه بسهولة، دون الاعتراف بأنها تمثل تحديات قوية للمشروع المعرفي البشري بأكمله. والاستجابة الدفاعية، إذ بدلًا من مواجهة النقوض بقلب منشرح للحقيقة، يتم تقديم ردود تحمي الموقف المسبق دون اختباره حقًا. جميعها مواقف تعبّر عن انحياز أخلاقي للمعرفة العقليّة المطلقة، ونفور من الشكوكية الراديكالية المتشائمة والعدمية. ونبذ الشكوكية والعدمية المعرفية والتشاؤم ابتداءً ثم تبني النتائج تاليًا دون البحث المفصّل في الاشكاليات التي تواجه الأساس وفهم النقوض هو أمر غير منصف. لا بأس بافتراض أن الإنسان واهم، وان لا سبيل إلى إدراك الحقائق المجردة إذا تبين عدم جدوائية الرد الموجود على هؤلاء.
يتبع
١- قلتُ أن الإنسان لم يتأمل العقل المجرد ليكتشف المنطق، بل تأمل العالم الطبيعي واستنبط المنطق منه. وان وضوح البديهيات المنطقية مثل الشكل الأول من القياس، لا ينبع من العقل المجرد، بل من طبيعة الحدود نفسها ومن الارتباط الواضح بينها، فالأولى أن نقول إن الحدود ارتبطت بديهية، فاعتبرنا هذا الشكل أكثر بديهية. وليس أن الشكل الأول موجود في العقل مسبقًا، ثم بدأنا نبحث عن أي حدود ترتبط بديهياً وأيها لا.
٢- وهذا مقدمة لتعليل وضوح القواعد المنطقية برسوخ الأوليات العقليّة في مرحلة سابقة على العلم بالقواعد المنطقية.
٣- الآن، نحن أمام قواعد منطقية ندّعي مطابقتها لما ينبغي أن يكون عليه الفكر، وأنها مناسبة للأشياء وكافية لإيصالنا إلى العلم المطلق بها، لكن لإثبات هذا الادعاء يجب أن نعود إلى الأكواد التي تترجم العلائق بين الأشياء إلى قواعد منطقية كلّية، لنتأكد من منشأها.
٤- فإن كان منشأها الذهن، فلن تكون القواعد مطابقة للواقع المجرد، بل ستكون المطابقة امرًا فرضيًا في الذهن، وننسى حلم مطابقة ما في الأذهان لما في الأعيان، ونذهب مذهبًا متشائمًا.
٥- ولو قلنا أن منشأ الأوليات هو واقع الأشياء ذاته بما فيها الإنسان، يمكن مجادلة ذلك أيضًا بطريق آخر غير ما ذكرته في الأول، وذلك بالقول أننا بذلك نسلّم بالأصل الاستقرائي للأوليات، وأننا لا يمكن بناءً على استقراء هذا الواقع المحدود الانتهاء إلى أقوال كلّية ومطلقة. وهذا تبرير كبير وقوي للنسبية المعرفية.
٦- وقبل كل ذلك، هل يمتلك العقل هذه الأهلية لمعرفة أصل الأوليات، بالعودة إلى الخلف متذكرًا بدقّة كيف نشأت؟ أم أن هذا النشوء يبقى غامضًا يحجزنا عنه النسيان وغياب الوسيلة؟ فمن الضروري معرفة ما ان كنا نتكلم عن الأوليات بتمييز دقيق؛ التمييز بين كون الذهن يصنع الأوليات بنفسه. وبين أنها قوالب فطرية مغروسة فيه كما يرى كانط. وبين أنها تُستنبط من ملاحظته لواقع الأشياء. والتي لا يخلو أي منها من إشكال حسب فهمي. بل يمكن القول أنها طالما كانت بعيدة النشأة وخفية عن الملاحظة المباشرة، فسيكتنف الحديث عنها التخمين والحزر.
٧- والذي أراه أن التفسيرات الموجودة لنشوء الأوليات هي فرضيات يتحكّم فيها ما بُني عليها في الذهن من تصوّرات. فإن كان الفيلسوف مثاليًا وأراد التحدّث عن نشوء الأوليات، فسيكون محابيًا لنوع معرفته بالعقل. كذلك البرهاني؛ لا يعقل أن يحوز بيانات المثاليين عن العقل، فتوصله إلى تفسير البرهانيين للأوليات. بل يحوز بيانات البرهانيين، فلا يجيد التفكير بأمر الأوليات إلا بما تعلّمه من البرهانيين أمثاله. وهكذا صار تفسير نشوء الأوليات يدور مدار المقدمات والبيانات التي عرفناها في وقت سابق.
٨- وأرى أننا نعاني من مشكلة التجاوز السريع للنقد الجذري، فتبني النتائج واليقينيات قبل استكشاف عمق الإشكاليات التي تهدد أساسيات المعرفة. والتعامل مع الشكوكية كموقف يمكن تجاوزه بسهولة، دون الاعتراف بأنها تمثل تحديات قوية للمشروع المعرفي البشري بأكمله. والاستجابة الدفاعية، إذ بدلًا من مواجهة النقوض بقلب منشرح للحقيقة، يتم تقديم ردود تحمي الموقف المسبق دون اختباره حقًا. جميعها مواقف تعبّر عن انحياز أخلاقي للمعرفة العقليّة المطلقة، ونفور من الشكوكية الراديكالية المتشائمة والعدمية. ونبذ الشكوكية والعدمية المعرفية والتشاؤم ابتداءً ثم تبني النتائج تاليًا دون البحث المفصّل في الاشكاليات التي تواجه الأساس وفهم النقوض هو أمر غير منصف. لا بأس بافتراض أن الإنسان واهم، وان لا سبيل إلى إدراك الحقائق المجردة إذا تبين عدم جدوائية الرد الموجود على هؤلاء.
يتبع
يامِن: الشك، فرعُ اليقين، كما أنّ الخطأ فرعُ الصواب؛ إذ لا يُتصوّر معنى للشكّ إلا بعد تصور وثبوت ما يشك فيه على نحو ما، ولا يُعقَل توصيف الخطأ إلا بالقياس إلى معيار ثابت للصواب. ومن ثمّ، فإن الشكّ المعرفي المنهجي لا غضاضة فيه، بل هو ديدن الباحثين وطريقتهم إلى التمييز والتحقيق. أما الشكّ المطلق، الذي يهدم جميع أعمدة المعرفة، فلا ينتهي إلى بحثٍ ولا إلى نقد، بل يسحب البساط من تحت أقدام الشكّ نفسه، ويقع في تناقض ذاتيّ يستحيل معه أي ادّعاء معرفي.
داغِر: بهذا الكلام عادةً نثبت ضرورة الأوليات لمن ينكر صدقها من المتشككيين، ونبين له أنه يفكّر ويشك وينقد بإستخدام الأوليات، وأنها عناصر تحكم الفكر بأي شكل كان لا محالة، وإلا فلن يوجد فكر.
غير أن من يجادل في أصل هذه الأوليات، عندما يقرأ هذا الكلام يرى فيه بوضوح دليلًا على نوع من الجبرية العقلية، حيث يزعم أن ذهن الإنسان قد تَشكَّل ليعمل وفق هذه المبادئ لا غير، دون أن يكون ذلك بالضرورة دليلًا على إطلاق تصوّراته المجردة أو كونها انعكاسًا لحقيقة موضوعية.
وله الحق في ذلك، فكيف تدّعي بيقين أنك تمتلك الحقيقة المطلقة استنادًا فقط إلى طبيعة ذهنك وما تمليه عليك بنيته الإدراكية التي لا تستطيع الفكاك منها؟ ألا يُغفل هذا الادّعاء إمكانية أن تكون الحقيقة ذاتها قابلة للظهور بوجوه مختلفة أمام أنظمة إدراكية أخرى لو وجدت؟ أو أن يكون تنوّع المدركات واختلاف طرائق الإدراك مدخلًا لتعدد أوجه الحقيقة، بحيث لا يُمكن حصرها في قالب واحد يفرضه نظامنا العقلي؟
مهما بدا لك أن الأوليات شاملة في العالم ولا تتخلف عن أي إدراك ما دام الإنسان، فطالما أنها ناشئة من الذهن، لا تعدو كونها نظام ذهنك الخاص.
يتبع
داغِر: بهذا الكلام عادةً نثبت ضرورة الأوليات لمن ينكر صدقها من المتشككيين، ونبين له أنه يفكّر ويشك وينقد بإستخدام الأوليات، وأنها عناصر تحكم الفكر بأي شكل كان لا محالة، وإلا فلن يوجد فكر.
غير أن من يجادل في أصل هذه الأوليات، عندما يقرأ هذا الكلام يرى فيه بوضوح دليلًا على نوع من الجبرية العقلية، حيث يزعم أن ذهن الإنسان قد تَشكَّل ليعمل وفق هذه المبادئ لا غير، دون أن يكون ذلك بالضرورة دليلًا على إطلاق تصوّراته المجردة أو كونها انعكاسًا لحقيقة موضوعية.
وله الحق في ذلك، فكيف تدّعي بيقين أنك تمتلك الحقيقة المطلقة استنادًا فقط إلى طبيعة ذهنك وما تمليه عليك بنيته الإدراكية التي لا تستطيع الفكاك منها؟ ألا يُغفل هذا الادّعاء إمكانية أن تكون الحقيقة ذاتها قابلة للظهور بوجوه مختلفة أمام أنظمة إدراكية أخرى لو وجدت؟ أو أن يكون تنوّع المدركات واختلاف طرائق الإدراك مدخلًا لتعدد أوجه الحقيقة، بحيث لا يُمكن حصرها في قالب واحد يفرضه نظامنا العقلي؟
مهما بدا لك أن الأوليات شاملة في العالم ولا تتخلف عن أي إدراك ما دام الإنسان، فطالما أنها ناشئة من الذهن، لا تعدو كونها نظام ذهنك الخاص.
يتبع
يامِن: للدكتور محمد ناصر كلام عن هذا الشكّ القائل " صدق الأحكام العقليّة يتبع خصائص عقلنا، فكل عقل مخصّص لإنتاج أحكام معينة، فلا مبرر لاعتماد أحكام عقولنا طالما أنها تحكم وفق خصائصها ".
قال: هذا الحكم نفسه ناتج عن التسليم بقاعدة السنخية، فالقائل افترض سابقًا أن اختلاف المعلول (الأحكام) تابع لاختلاف العلة (العقل).
والفكرة من الجواب أن أصل السؤال يبطن ورائه معقولية السنخية وأنه لا يمكن تصوّر هذا الاشكال بدونها. لأننا حتى لو فرضنا انظمة فكرية أخرى، وعقولًا أخرى، فستكون احكامها (المعلول) راجعة لطبيعة عقلها ونظامها الفكري (العلة).
داغِر: الآن عندنا إحدى الفرضيات حول نشوء الأوليات تقول أن المنشأ هو الذهن، وهذه الفرضية تواجه الإشكال الذي ذكرتُه. وانت أجبت بجواب أفهم منه أنك تقول أنه حتى لو كان منشأها ذهننا، يبقى الإدراك مطلقًا خاضعًا للسنخية، وأن اختلاف التصورات ناتج عن اختلاف المؤثرات. مما يعني أن مبدأ السنخية مطلق صادق في كل زمان ومكان وحال. لكن الا يعزز هذا الجواب القول بأن الفكر خاضع لحتمية ذهنية، ويبقى الإشكال نفسه - وإن تفرع الكلام - ان التعقل مرهون بنسيج الذهن، سواء ذهني أو ذهن الكائن الفضائي مثلًا؟
يامِن: مادام هذا التصوّر للأوليات لا يفهم إلا في ضوء قاعدة السنخية؛ فإنه يبين أن هناك اوائل تتخطى النسيج الذهني حتى لو تصوّرنا انه منشأها. فنحن نعمد إلى هذا النوع الخاص من الاوائل (التي لا تعتمد على خصوصية عقلنا) وهي لا تعتمد على وجود عقلنا أو عدم وجوده؛ لأنها مبادئ متعلقة بالموجود المطلق، بحيث أنها متحققة في اي افتراض وأي سؤال، وفي كل نظام فكري وكل عقل، وفي ظل اي تصور لأي شيء.
فنحن بعد ان تتفصل عندنا هذه المبادئ التي تتخطى النسيج الذهني، نرجع الى الموضوعات التي نبحثها، فنبين في واحدة واحدة - وبتوسط هذه المبادئ - صحة تعقلنا، وأن تعقلنا لها يتخطى ايضا النسيج الذهني. ولهذا السبب بالضبط كانت الفلسفة الأولى هي العلم الوحيد الذي يعطي اليقين على الحقيقة والتمام بقدر يعجز عنه اي علم تحت هذه السماء.
إضافة من يامِن: لا يمكن أن تقطع جذر هذه الإشكالات دون تصور حقيقة النفس وحقيقة العلم، فلو تصورنا النفس وكأنها مجرد جهاز استقبال ومعالجة، يستحيل دفع هذه الشكوك، وبطبيعة الحال سيمكن دائما في ظل هذا التصور أن نسأل ونجيب، ثم نعيد السؤال على هذا الجواب... وهكذا، لان مصحح السؤال موجود في ظل هذا التصور.
وبشكل عام مصحح السؤال هو إيجاد نقص في الجواب يبطل كونه جوابًا. أمّا أن لا تعاين ذات الجواب، وتكتفي بملاحظة أنه جواب ما، ومنتوج عقلي، والمنتوج العقلي قد يكون متأثرًا بخصائص العقل وقد لا يكون، فتعيد السؤال... وإما بأن تعاينه بشيء مرتبط بالعرض مع الجواب، كأن تعاينه بوصفه صادرًا عن دماغ تطور بشكل عشوائي، والذي يتطور بعشوائية لا تنضبط احواله؛ فقد يزيّف الأمور وقد يتشوّه ويشوّه الواقع.
او تتصوره - أي العقل - بوصفه منفعلًا فقط (أي متأثّرًا - مُؤثَّرًا فيه)، والمنفعل قد يستقبل الأثر مع تغييره لطبيعة هذا الاثر (مع أن خصائص الأثر المعلول تحددها خصائص المنفعل والفاعل معًا، لا فقط المنفعل) فترى أن العقل قد يلوّث ما يستقبله من معقولات، وأن ما يتصوّره عن الأشياء منقطع الصلة الموضوعية بالأشياء أنفسها. وجميع هذه سببها تصور خاطئ للنفس. إن تصورت التعقل بأنه فقط فعل صادر عن العقل، لا فعل وانفعال وتاثّرٌ بالأشياء، لن تقدر على أن تطرح السؤال حول تشويه العقل للأشياء، ولا أن تفهمه أصلا لان مبادئه مفقودة من رأس في ظل هكذا تصوّر.
انتهى
قال: هذا الحكم نفسه ناتج عن التسليم بقاعدة السنخية، فالقائل افترض سابقًا أن اختلاف المعلول (الأحكام) تابع لاختلاف العلة (العقل).
والفكرة من الجواب أن أصل السؤال يبطن ورائه معقولية السنخية وأنه لا يمكن تصوّر هذا الاشكال بدونها. لأننا حتى لو فرضنا انظمة فكرية أخرى، وعقولًا أخرى، فستكون احكامها (المعلول) راجعة لطبيعة عقلها ونظامها الفكري (العلة).
داغِر: الآن عندنا إحدى الفرضيات حول نشوء الأوليات تقول أن المنشأ هو الذهن، وهذه الفرضية تواجه الإشكال الذي ذكرتُه. وانت أجبت بجواب أفهم منه أنك تقول أنه حتى لو كان منشأها ذهننا، يبقى الإدراك مطلقًا خاضعًا للسنخية، وأن اختلاف التصورات ناتج عن اختلاف المؤثرات. مما يعني أن مبدأ السنخية مطلق صادق في كل زمان ومكان وحال. لكن الا يعزز هذا الجواب القول بأن الفكر خاضع لحتمية ذهنية، ويبقى الإشكال نفسه - وإن تفرع الكلام - ان التعقل مرهون بنسيج الذهن، سواء ذهني أو ذهن الكائن الفضائي مثلًا؟
يامِن: مادام هذا التصوّر للأوليات لا يفهم إلا في ضوء قاعدة السنخية؛ فإنه يبين أن هناك اوائل تتخطى النسيج الذهني حتى لو تصوّرنا انه منشأها. فنحن نعمد إلى هذا النوع الخاص من الاوائل (التي لا تعتمد على خصوصية عقلنا) وهي لا تعتمد على وجود عقلنا أو عدم وجوده؛ لأنها مبادئ متعلقة بالموجود المطلق، بحيث أنها متحققة في اي افتراض وأي سؤال، وفي كل نظام فكري وكل عقل، وفي ظل اي تصور لأي شيء.
فنحن بعد ان تتفصل عندنا هذه المبادئ التي تتخطى النسيج الذهني، نرجع الى الموضوعات التي نبحثها، فنبين في واحدة واحدة - وبتوسط هذه المبادئ - صحة تعقلنا، وأن تعقلنا لها يتخطى ايضا النسيج الذهني. ولهذا السبب بالضبط كانت الفلسفة الأولى هي العلم الوحيد الذي يعطي اليقين على الحقيقة والتمام بقدر يعجز عنه اي علم تحت هذه السماء.
إضافة من يامِن: لا يمكن أن تقطع جذر هذه الإشكالات دون تصور حقيقة النفس وحقيقة العلم، فلو تصورنا النفس وكأنها مجرد جهاز استقبال ومعالجة، يستحيل دفع هذه الشكوك، وبطبيعة الحال سيمكن دائما في ظل هذا التصور أن نسأل ونجيب، ثم نعيد السؤال على هذا الجواب... وهكذا، لان مصحح السؤال موجود في ظل هذا التصور.
وبشكل عام مصحح السؤال هو إيجاد نقص في الجواب يبطل كونه جوابًا. أمّا أن لا تعاين ذات الجواب، وتكتفي بملاحظة أنه جواب ما، ومنتوج عقلي، والمنتوج العقلي قد يكون متأثرًا بخصائص العقل وقد لا يكون، فتعيد السؤال... وإما بأن تعاينه بشيء مرتبط بالعرض مع الجواب، كأن تعاينه بوصفه صادرًا عن دماغ تطور بشكل عشوائي، والذي يتطور بعشوائية لا تنضبط احواله؛ فقد يزيّف الأمور وقد يتشوّه ويشوّه الواقع.
او تتصوره - أي العقل - بوصفه منفعلًا فقط (أي متأثّرًا - مُؤثَّرًا فيه)، والمنفعل قد يستقبل الأثر مع تغييره لطبيعة هذا الاثر (مع أن خصائص الأثر المعلول تحددها خصائص المنفعل والفاعل معًا، لا فقط المنفعل) فترى أن العقل قد يلوّث ما يستقبله من معقولات، وأن ما يتصوّره عن الأشياء منقطع الصلة الموضوعية بالأشياء أنفسها. وجميع هذه سببها تصور خاطئ للنفس. إن تصورت التعقل بأنه فقط فعل صادر عن العقل، لا فعل وانفعال وتاثّرٌ بالأشياء، لن تقدر على أن تطرح السؤال حول تشويه العقل للأشياء، ولا أن تفهمه أصلا لان مبادئه مفقودة من رأس في ظل هكذا تصوّر.
انتهى
ومضات - ١٤٠
في بدايات طلبي للعلم كنتُ أتوهّم أنّ الكمال كلَّه في صواب الرؤية النظريّة ! كانت لذّتي أن يُقال إنّ معلوماتي مطابقة للواقع، أو أن تنتهي بحوثي البرهانيّة أو الجدليّة إلى ما يوافق المشهور أو ما أعتقد أنّه حقٌّ في نفسه .
ثمّ بعد أن قطعت شوطًا أطول في الدراسة، تبدّى لي شيء آخر، وتبدّل تصوّري لطريق الاستكمال المعرفي.
صرت أرى نفسَ مزاولة التفكير جزءًا من عملية الاستكمال نفسها، وكذا في ملاحظة الحيثيّات، وفي حِرفة بناء المطلب العلمي.
فانعطف شغفي من مجرّد موافقة الرأي إلى تقديرِ أصحاب الفضيلة العلميّة وقوّة النظر، بلا شرط الانتماء الفكري.
وثمرة الإنعطاف، أنّي تعلّمت أن أقدّر الأشخاص لملكتهم الذهنيّة والاستدلاليّة، لا لمجرّد اتّفاق آرائنا، وأدركت أنّ من أكبر الأخطاء – لطالب العلم وأستاذه معًا – أن يخلط بين التقدير لفضيلة العلم والتقدير الناتج عن مجرّد التوافق في المواقف والأفكار.
ولكَ أن تلاحظ كيف كان نصير الدين الطوسي يعبّر عن اافخر الرازي في دفاعه عن متن الشيخ الرئيس في الإشارات والتنبيهات، وكيف كان يمتدحه بعظيم اللقب وبيان جليل المنزلة العلميّة .
فأيّ شيء كان سيكون الطوسي لولا الفخر ؟!
فموقف الفخر الرازي يمثّل (النفي المعيَّن) أو الأطروحةَ المضادّة التي غدت شرطًا تكوينيًّا لولادة تركيبٍ أعلى في أفق الطوسي والحلّي؛ فخصومته لم تكن معطًى خارجيًّا، بل كانت في صميمها شرطَ إمكان اكتمال المدرسة التي نازعها.
يا حبّذا لو ننظر للعلم بهذه النظرة السياقيّة، حتّى نبقى في طور الاستكمال والعطاء والتزاحم والمنافسة.
سيموت الشتّامون ويندثرون ويبقى المؤلّفون ببقاء ما خلّفوا [ حسنًا كان أم قبيحًا ]
- ابراهیم مشيك
في بدايات طلبي للعلم كنتُ أتوهّم أنّ الكمال كلَّه في صواب الرؤية النظريّة ! كانت لذّتي أن يُقال إنّ معلوماتي مطابقة للواقع، أو أن تنتهي بحوثي البرهانيّة أو الجدليّة إلى ما يوافق المشهور أو ما أعتقد أنّه حقٌّ في نفسه .
ثمّ بعد أن قطعت شوطًا أطول في الدراسة، تبدّى لي شيء آخر، وتبدّل تصوّري لطريق الاستكمال المعرفي.
صرت أرى نفسَ مزاولة التفكير جزءًا من عملية الاستكمال نفسها، وكذا في ملاحظة الحيثيّات، وفي حِرفة بناء المطلب العلمي.
فانعطف شغفي من مجرّد موافقة الرأي إلى تقديرِ أصحاب الفضيلة العلميّة وقوّة النظر، بلا شرط الانتماء الفكري.
وثمرة الإنعطاف، أنّي تعلّمت أن أقدّر الأشخاص لملكتهم الذهنيّة والاستدلاليّة، لا لمجرّد اتّفاق آرائنا، وأدركت أنّ من أكبر الأخطاء – لطالب العلم وأستاذه معًا – أن يخلط بين التقدير لفضيلة العلم والتقدير الناتج عن مجرّد التوافق في المواقف والأفكار.
ولكَ أن تلاحظ كيف كان نصير الدين الطوسي يعبّر عن اافخر الرازي في دفاعه عن متن الشيخ الرئيس في الإشارات والتنبيهات، وكيف كان يمتدحه بعظيم اللقب وبيان جليل المنزلة العلميّة .
فأيّ شيء كان سيكون الطوسي لولا الفخر ؟!
فموقف الفخر الرازي يمثّل (النفي المعيَّن) أو الأطروحةَ المضادّة التي غدت شرطًا تكوينيًّا لولادة تركيبٍ أعلى في أفق الطوسي والحلّي؛ فخصومته لم تكن معطًى خارجيًّا، بل كانت في صميمها شرطَ إمكان اكتمال المدرسة التي نازعها.
يا حبّذا لو ننظر للعلم بهذه النظرة السياقيّة، حتّى نبقى في طور الاستكمال والعطاء والتزاحم والمنافسة.
سيموت الشتّامون ويندثرون ويبقى المؤلّفون ببقاء ما خلّفوا [ حسنًا كان أم قبيحًا ]
- ابراهیم مشيك
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
طرائف - ٢
أنا عندما أرى فتاة تراعي الشريعة والأخلاق الإسلامية
أنا عندما أرى فتاة تراعي الشريعة والأخلاق الإسلامية
سؤال وجواب - ١٨
السؤال: بعد حوار (داغِر - يامِن) السابق يمكننا القول عن الأوليات أنها ليست راجعة للذهن.
١- يبقى الآن إشكال حول إمكان الإدراك المطابق، وقدرة أدوات المعرفة واتساع حدودها لتشمل الحقائق.
فأن هناك قضايا مجردة تعبّر عن احوال ظاهرة، هو شيء، وأن الإنسان قادر على الوصول إلى الإدراك المطابق شيء آخر. ويمكن الاحتجاج على ذلك بالحدود التي يقرّها العلم للسمع الإنساني على سبيل المثال، فإنه يسمع الصوت في حدود نطاق تردد محدد (٢٠ - ٢٠.٠٠٠ هرتز)، أما ما فوق هذا النطاق وما تحته لا يسمعه. وعلى غراره البصر، فالإنسان يرى في حدود ما يسمى نطاق الطيف الكهرومغناطيسي، وأما الأطوال الموجية التي لا تقع ضمن هذا النطاق فلا ترى. وعلى هذا قد نكون محدودي الحس السمعي والبصري مطلقًا، إذ هذه ليست قياسات مجال السمع والبصر الذي يمكن تغييره بإستخدام المنظار أو مكبرات الصوت... نحن على غرار سائر الحيوانات التي لا ترى إلا لونين أو أكثر قليلًا ولا تتصوّر أن هناك ألوانًا أخرى، ورغم أننا نرى ألوانًا بل نصنع تدرجات لونية جمّة ليست موجودة في الطبيعة، لا يمكننا الجزم أن بإمكاننا ان نرى كل شيء، بل قد لا نرى الأشياء كما هي. لكن هل السعي إلى العلم بالأشياء والوصول إلى الكمال النظري يتأثر بفقد الانسان المعرفة بما يتجاوز هذه الحدود، أم أن العلم داخل هذه الحدود - التي قد يغيب خارجها مسامع ومناظر قليلة أو كثيرة - يكفي؟
٢- هل يمكن للعقل أن يصل إلى الإدراك المطلق ويدرك المعاني الكلية دون أن يكون للغة أي دور في تشكيل هذه المعاني؟ بعض الفلاسفة - مثل فيتجنشتاين في مرحلته المتأخرة - يرون أن الفكر لا يمكن أن يوجد خارج اللغة، وأن المعاني تتشكل داخل اللغة لا قبلها. لكننا في المنطق الأرسطي قالوا لنا أن المعاني الكلية تنشأ في العقل أولًا إدراكات مجردة ثم تأتي اللغة أداة للتعبير عنها.
فكيف تتشكل هذه المعاني الكلية في العقل؟ إن قيل إنها تتشكل بالتجريد العقلي، فسيُقال إن عملية التجريد ذاتها تعتمد على اللغة، وإن الألفاظ ليست لاحقةً بل حاضرة في طول عملية التجريد. وقد لا يكون هناك تحليل وتركيب دون وجود ألفاظ في الذهن. فهل القوة العاقلة تُكوّن المعاني الكلية باستقلال عن اللغة، أم أن اللغة هي الأساس الذي يقوم عليه إدراك الكليات؟ وإذا كانت اللغة - كما يرى اللغوي فردينان دو سوسير أيضًا - ليست مجرد أداة، بل هي التي تُنشئ المعنى من خلال علاقات الألفاظ بعضها ببعض، فكيف يمكن اعتبار حصول الكليات محض تعقّلٍ سابقٍ لاستخدام اللغة أو مستقل عنها؟
ومن جهة أخرى يشكك الاستاذ محمد ناصر - في مواضع عديدة - في قدرة الإنسان على استخدام اللغة للتعبير عن المعاني بدقّة، ويدعو إلى إدراك المعاني بمعزل عن قيد اللغة وحدودها.
فإذا كانت اللغة عاجزة عن تصوير الواقع تصويرًا مطابقًا، وكان ضعف التصورات ناشئًا عن قصور اللغة، فكيف يمكن الركون إلى المفاهيم اللغوية في التعبير عن الجواهر والأعراض بدقة؟
ومن هنا يتولد شك آخر: هل الموضوعات التي يتعرض لها الفلاسفة بيانًا وتحقيقًا هي ثمرة تعقّل خالص نقي من شوائب اللغة، أم أنها متأثرة باللغة التي تعلَّم بها هذه المعاني، والتي يعبر بواسطتها عنها؟ إذ يبدو من كلمات محمد ناصر أن إدراك المعاني على وجه الدقة أمر ممكن بمعزل عن اللغة، مع ظهور احتمال أن تكون اللغة ذاتها هي التي تخلق تلك المعاني ابتداءً.
السؤال: بعد حوار (داغِر - يامِن) السابق يمكننا القول عن الأوليات أنها ليست راجعة للذهن.
١- يبقى الآن إشكال حول إمكان الإدراك المطابق، وقدرة أدوات المعرفة واتساع حدودها لتشمل الحقائق.
فأن هناك قضايا مجردة تعبّر عن احوال ظاهرة، هو شيء، وأن الإنسان قادر على الوصول إلى الإدراك المطابق شيء آخر. ويمكن الاحتجاج على ذلك بالحدود التي يقرّها العلم للسمع الإنساني على سبيل المثال، فإنه يسمع الصوت في حدود نطاق تردد محدد (٢٠ - ٢٠.٠٠٠ هرتز)، أما ما فوق هذا النطاق وما تحته لا يسمعه. وعلى غراره البصر، فالإنسان يرى في حدود ما يسمى نطاق الطيف الكهرومغناطيسي، وأما الأطوال الموجية التي لا تقع ضمن هذا النطاق فلا ترى. وعلى هذا قد نكون محدودي الحس السمعي والبصري مطلقًا، إذ هذه ليست قياسات مجال السمع والبصر الذي يمكن تغييره بإستخدام المنظار أو مكبرات الصوت... نحن على غرار سائر الحيوانات التي لا ترى إلا لونين أو أكثر قليلًا ولا تتصوّر أن هناك ألوانًا أخرى، ورغم أننا نرى ألوانًا بل نصنع تدرجات لونية جمّة ليست موجودة في الطبيعة، لا يمكننا الجزم أن بإمكاننا ان نرى كل شيء، بل قد لا نرى الأشياء كما هي. لكن هل السعي إلى العلم بالأشياء والوصول إلى الكمال النظري يتأثر بفقد الانسان المعرفة بما يتجاوز هذه الحدود، أم أن العلم داخل هذه الحدود - التي قد يغيب خارجها مسامع ومناظر قليلة أو كثيرة - يكفي؟
٢- هل يمكن للعقل أن يصل إلى الإدراك المطلق ويدرك المعاني الكلية دون أن يكون للغة أي دور في تشكيل هذه المعاني؟ بعض الفلاسفة - مثل فيتجنشتاين في مرحلته المتأخرة - يرون أن الفكر لا يمكن أن يوجد خارج اللغة، وأن المعاني تتشكل داخل اللغة لا قبلها. لكننا في المنطق الأرسطي قالوا لنا أن المعاني الكلية تنشأ في العقل أولًا إدراكات مجردة ثم تأتي اللغة أداة للتعبير عنها.
فكيف تتشكل هذه المعاني الكلية في العقل؟ إن قيل إنها تتشكل بالتجريد العقلي، فسيُقال إن عملية التجريد ذاتها تعتمد على اللغة، وإن الألفاظ ليست لاحقةً بل حاضرة في طول عملية التجريد. وقد لا يكون هناك تحليل وتركيب دون وجود ألفاظ في الذهن. فهل القوة العاقلة تُكوّن المعاني الكلية باستقلال عن اللغة، أم أن اللغة هي الأساس الذي يقوم عليه إدراك الكليات؟ وإذا كانت اللغة - كما يرى اللغوي فردينان دو سوسير أيضًا - ليست مجرد أداة، بل هي التي تُنشئ المعنى من خلال علاقات الألفاظ بعضها ببعض، فكيف يمكن اعتبار حصول الكليات محض تعقّلٍ سابقٍ لاستخدام اللغة أو مستقل عنها؟
ومن جهة أخرى يشكك الاستاذ محمد ناصر - في مواضع عديدة - في قدرة الإنسان على استخدام اللغة للتعبير عن المعاني بدقّة، ويدعو إلى إدراك المعاني بمعزل عن قيد اللغة وحدودها.
فإذا كانت اللغة عاجزة عن تصوير الواقع تصويرًا مطابقًا، وكان ضعف التصورات ناشئًا عن قصور اللغة، فكيف يمكن الركون إلى المفاهيم اللغوية في التعبير عن الجواهر والأعراض بدقة؟
ومن هنا يتولد شك آخر: هل الموضوعات التي يتعرض لها الفلاسفة بيانًا وتحقيقًا هي ثمرة تعقّل خالص نقي من شوائب اللغة، أم أنها متأثرة باللغة التي تعلَّم بها هذه المعاني، والتي يعبر بواسطتها عنها؟ إذ يبدو من كلمات محمد ناصر أن إدراك المعاني على وجه الدقة أمر ممكن بمعزل عن اللغة، مع ظهور احتمال أن تكون اللغة ذاتها هي التي تخلق تلك المعاني ابتداءً.
الجواب:
١- إن فقدان المعرفة بما يتجاوز الاحساس بطبيعة الحال يؤثر جدا في مقدار المعرفة الممكنة، إلا أن هذا في العلوم الطبيعية الجزئية فقط، أما العلوم التي تعنى بالمبادئ فإنه يظن استقلالها عن الإحساس بدرجة لابأس بها.
وهذا ظاهر فإن العلوم هذه متعلقة بالمبادئ بمعنى أنها التي تتقدم كُلَّ ما يفرض تعليمًا او تعلّمًا بواسطة ما تحتها الذي يستخرج من الحس. وهي تتقدم لأنها متضمنة في تعقل ما يعقل تحتها.
٢- لعل المقصود باللغة في هذا القول هو نفس ما تعكسه الأحوال اللغوية من احوال ذهنية تصاحب الإدراك، وإلا لا تبلغ القحة بالسفسطائي أن يضع نفس خيالات الألفاظ سببا ذاتيا حقيقيا في زيف الإدراك او في نشوءه على وفق حال محددة فإنها خيالات بالوضع للمعقول.
وبعبارة عامة، حقيقة هذا الكلام حول دخول اللغة في الإدراك هو أنها عاكسة بطبعها للأحوال الذهنية الداخلة في الإدراك، ولكن لمّا لم تظهر هذه الأحوال سوى في هيئة العلاقات بين الألفاظ، ظن القوم أن نفس الألفاظ داخلة في تكوّن الإدراك وتحديد كيفيته.
وفيما يخص القول بانحصار التفكير داخل اسوار اللغة فهذا صحيح بالكلية، إلا أنه صحيح بالعرض فقط، وسيتبين هذا بملاحظة التساوق بين الموجود والمعقول أولا وبملاحظة أننا مالكون بالطبع للألفاظ التي تدل على عناصر التوجه إلى كل ما يكون بلا فرق بين التوجه بالذات او بالتبع، اي بلا فرق بين ما يدل منها بالمطابقة او بالالتزام.
ومن لطيف ما رد به بعض الافلاطونيين هذا القول: هو أنك لا تفكر خارج اللغة لأنك لا تفكر خارج ما تدركه، لا أنك لا تفكر خارج ما تدركه لأنك لا تفكر خارج اللغة.
ولكن إذا كان هذا هكذا، فكيف نفهم قول الاستاذ الدكتور؟
لعله يتبين بما سبق فإنه إذا كانت الألفاظ لها أن تدل بالإلتزام على ما يعقل فإن التعقل الحقيقي (اي تعقل نفس الملزوم لا تعقله بتوسط لازمه المساوي الذي لاحظناه به) يكون بتجاوزها بأن تُجعل ظرفا لبلوغ تعقل هذا الذي تدل عليه بالإلتزام في نفسه بمعزل عنها.
محمد بوهَلّو
١- إن فقدان المعرفة بما يتجاوز الاحساس بطبيعة الحال يؤثر جدا في مقدار المعرفة الممكنة، إلا أن هذا في العلوم الطبيعية الجزئية فقط، أما العلوم التي تعنى بالمبادئ فإنه يظن استقلالها عن الإحساس بدرجة لابأس بها.
وهذا ظاهر فإن العلوم هذه متعلقة بالمبادئ بمعنى أنها التي تتقدم كُلَّ ما يفرض تعليمًا او تعلّمًا بواسطة ما تحتها الذي يستخرج من الحس. وهي تتقدم لأنها متضمنة في تعقل ما يعقل تحتها.
٢- لعل المقصود باللغة في هذا القول هو نفس ما تعكسه الأحوال اللغوية من احوال ذهنية تصاحب الإدراك، وإلا لا تبلغ القحة بالسفسطائي أن يضع نفس خيالات الألفاظ سببا ذاتيا حقيقيا في زيف الإدراك او في نشوءه على وفق حال محددة فإنها خيالات بالوضع للمعقول.
وبعبارة عامة، حقيقة هذا الكلام حول دخول اللغة في الإدراك هو أنها عاكسة بطبعها للأحوال الذهنية الداخلة في الإدراك، ولكن لمّا لم تظهر هذه الأحوال سوى في هيئة العلاقات بين الألفاظ، ظن القوم أن نفس الألفاظ داخلة في تكوّن الإدراك وتحديد كيفيته.
وفيما يخص القول بانحصار التفكير داخل اسوار اللغة فهذا صحيح بالكلية، إلا أنه صحيح بالعرض فقط، وسيتبين هذا بملاحظة التساوق بين الموجود والمعقول أولا وبملاحظة أننا مالكون بالطبع للألفاظ التي تدل على عناصر التوجه إلى كل ما يكون بلا فرق بين التوجه بالذات او بالتبع، اي بلا فرق بين ما يدل منها بالمطابقة او بالالتزام.
ومن لطيف ما رد به بعض الافلاطونيين هذا القول: هو أنك لا تفكر خارج اللغة لأنك لا تفكر خارج ما تدركه، لا أنك لا تفكر خارج ما تدركه لأنك لا تفكر خارج اللغة.
ولكن إذا كان هذا هكذا، فكيف نفهم قول الاستاذ الدكتور؟
لعله يتبين بما سبق فإنه إذا كانت الألفاظ لها أن تدل بالإلتزام على ما يعقل فإن التعقل الحقيقي (اي تعقل نفس الملزوم لا تعقله بتوسط لازمه المساوي الذي لاحظناه به) يكون بتجاوزها بأن تُجعل ظرفا لبلوغ تعقل هذا الذي تدل عليه بالإلتزام في نفسه بمعزل عنها.
محمد بوهَلّو
العقل_و_الوجود,_دور_العقل_في_إدراك.pdf
5.5 MB
كتاب (٢٨)
إذابة السبائك العقليّة في مِسبَكة رحبة
هذا ما أصف به أسلوب يوسف كرم في كتابه هذا؛ حيث يقدم أولى مفاهيم وقضايا المنطق والفلسفة بعبارات غاية في الاناقة والوضوح.
إذابة السبائك العقليّة في مِسبَكة رحبة
هذا ما أصف به أسلوب يوسف كرم في كتابه هذا؛ حيث يقدم أولى مفاهيم وقضايا المنطق والفلسفة بعبارات غاية في الاناقة والوضوح.
Forwarded from جَوْهَرُ المَعْقُولِ
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
معنى السنخية
الدكتور أيمن المصري من شرح البرهان
الدكتور أيمن المصري من شرح البرهان