الآرَاءُ الفَاضِلَة ومُضَادّاتها
4.13K subscribers
128 photos
17 videos
79 files
32 links
قناة لمشاركة المقالات والكتب والمحاضرات في العلوم الحِكميّة والثقافة العقليّة.
Download Telegram
ومضات - ٣٥

عندما تهزأ من الأفكار التى تدعي أنك تعرفها، فإنك تبدو أشبه بالجندي الهارب من ميدان القتال، ولكنه كي يغطي على خزيه يسخر من الحرب والشجاعة.

وفي إحدى قصص دوستويفسكي يطأ العجوز صورة ابنته الحبيبة بقدمه لأنه مخطىء فى حقها، وأنت تسخر بصورة وضيعة مبتذلة من أفكار الخير والحق لأنك لم تعد قادرًا على العودة إليها.

- تشيخوف
روى ابن مسكان، عن عبد الله بن أبي يعفور قال: قال الصادق جعفر ابن محمد (عليهما السلام) لرجل: "

_١_ إجعل قلبك قرينا تزاوله

_٢_ واجعل علمك والدًا تتبعه

_٣_ واجعل نفسك عدوًا تجاهده

_٤_ واجعل مالك كعارية تردها ".

لن تجدَ شموليّةً سلوكيّة مقوِّمة ترشد الإنسان إلى كيفيّة التعاطي مع المحيطين الأصغر _ أعني نفسَه _ والأكبر _ أي المجتمع _ كما في تراثنا الروائي، البعيد عن التعقيد في التوجيه والتوصيف .

أسفي على الكثير مِن السذّج الذين يغمضون الطرف عن هذا الإرث الكبير كمًّا، الغني كيفًا، ليلهثوا وراء الأسماء التي يزينها الإعلام
وأسفي على مَن يفهم هذه الاخلاقيات فهمًا انهزاميًا، مختزلًا فهم منظومةٍ أخلاقيّة ذات جذور معرفية من خلال ممارسات جزئية .
في عتمةِ التنظير العدمي الأخلاقي النسبوي، لن ينير دربَك إلا الحكماء ومحمد وآله، ليس لأنّهم فوق طور العقل، بل لأنّ تنظيرهم الأخلاقي وتوجيههم العملاني ينطلق من امكانية الاتصال بين الذات والخارج، منطلقين من البديهيات، ممّا يجعل المعرفة كائنًا اجتماعيًا غير انعزالي، بعيدًا عن الفردانيّة والغربة فلا تكون أمرا شخصيا subjective

وكذلك لا يعطي للجمال والتوصيف والإحكام مجرّد بُعدٍ ذاتيًا مآله العدم، بعيدًا عن الذات المجمِّلة أو المدرِكة لدقّة الصنع والمصنوع، ممّا يعطي حدسًا بجمال الصانع وحكمته، فيخرج الحكمة والجمال عن ضرورة سجنها في مساحة دماغك المادي المتصرِّم
وكذلك يجعل فعلك كجزء ضمن كلٍّ يكمل بعضه بعضا
الذاتية المعرفية الابستمولوجية وكذلك الاخلاق الذاتية وكذا الذاتية في التوصيف الكوني، ولدت من رحمها العدمية النيتشوية والشبنهاورية والاخلاق السارترية، والتفريق بين العدمية الى جعلها سلبية تارة وإجابية أخرى هو تفريق غير فلسفي بل يعود إلى مواجهة مبطّنة بين حال اللاوعي من أصحاب هذه المدارس وبين تنظيراتهم

قبل سنوات كنت أحدس أمام أحدهم لأقول له فلان سيصبح ملحدًا فيضحك السامع ويتعجّبّ ليعتبرني متجرءًا، وقد جاء اليوم وانكشفت الكثير من الأقنعة، ولا زلت أُسرّ للكثير من الناس عن حال بعضهم وبعضهنّ، لأنّني أعرف العلاقة بين الأفكار وبين عملية الاختيار.
سألني قبل سنتين أحد الأخوة متعجبًا، ألهذا الحدّ ترى الأرسطية شيئًا ضروريًا، فقلت له قد أسمح المساس بعصمة نبي دون أن أسمح بأن تُمسّ أوليات البرهان !
طالب العلم الذي لا يزال الى يومك لا يفقه أهميّة الأوليات العامة العقلية، فليجد مكانا لينًا وليعجّل بدفن نفسه

#شقشقة
من أسرعِ طرقِ ترسيخ الثقافةِ العقليةِ الخُلقيةِ المرتكزة على مراعاة الطبائع التكوينية، وتوسيع دائرتها في المجتمعات، هى التوعيةُ بمخاطرِ المسالكِ الخُلقية الأخرى التي يكون مبدأها غالباً إما اللذةُ أو القهر، ومن ثم تبيين المغالطات المنطقية التي يصاغُ التنظير لها من خلالها.
فوائد علميّة - ٦
فوائد علميّة - ٧

من أهم الإشكالات على القياس الأرسطي؛ دعوى إستبطان النتيجة بكبرى الإستدلال الذي يلزم عنه محذور تحصيل الحاصل غير المجدي في عملية التعلم القاضية بالعلم بالمجهول، والذي هو حصول صورة ذهنية لم تكن، وهو خلف تحصيل الحاصل.

قيل بأنّ حقيقة العلم هي: إخراج ما بالقوة إلى الفعل. فمثلًا عندما أقول هل العالم حادث أم لا؟
ما هي الخطوات التي نتّبعها؟

تقريب الإشكال

أمّا الكبرى فقولي "حادث" ما الذي أعرفه عن الحدوث؟ فإمّا أنني أعلم أنّ كل ما كان يقال أنه متغيّر يقال أنه حادث أو لا أعلم ذلك، فإذا كنت أعلم ذلك فهذا يعني أن علمي بكون العالم حادث هو موجود من أول الأمر، وذلك أن ما يقال عليه أنه حادث هو كل متغيّر، أي كل مصداق من مصاديق ما هو متغيّر، والعالم هو أحد مصاديق ما هو متغيّر، فعلمي بما أعلمه عن الحدوث يستبطن العلم بحكم الموضوع، وخصوصًا إذا تمّ لحاظ كيفية تشكّل الكبرى والتي لا يمكن أن تكون إلّا بعد الوقوف على كلّ جزئي جزئي ومصداق مصداق وإلّا بطلت الكلية!!
هكذا يُقال.

فإن قيل بأنَّ بعضَ المصاديق قد تكون مستحدثة فلا تكون الكلية الأولى تشملها على مستوى التعرف بل على مستوى وحدة مناط الحكم، قلنا هذا لا يوجب تعلمًا بل يوجب تعرفًا على مصداق القاعدة.

وعليه، فإما أن تكون كلية الكبرى شمولية بالفعل لكل المصاديق، فيكون الحاصل تذكّر وتنبّه، وليس الحاصل علمًا جديدًا، أي لم يفد القياس علماً لم يكن، وإما أن تكون كلية الكبرى شمولية بالقوة لوحدة المناط، فيكون الحاصل تعرفًا على مصداق القاعدة، وعليه فليس ما حصل علمًا جديدًا.

شروع في بيان حل جذر المسألة

أقول: هذه المسألة حقها أن تبحث في مطلب أنحاء التعليم والذي يخصص فيه نحو التعليم والتعلم الذهني في مقابل الصناعي والتنبيهي وغيرهما، فالعلم يقوم على مبادئ أُوَل، لولا تلك المبادئ لما أمكنت المعرفة ولما حصلت من رأس، ومِن هنا قال المعلم الاول بأن (كلُّ تعليمٍ وتعلُّمٍ ذهنيين فبعلمٍ قد سبق)، فكل قضية أو مطلوب يراد معرفة مائيته أو هليّته ولميّته، فإنما يكون بعلمٍ سابقٍ، وإنما يتعرف على ثبوت المحمول للموضوع من خلال قاعدة التضمّن.
فعملية التعليم ليست إلّا عملية إلتفات الذهن إلى نحو التضمن الموجود بين المحمول والموضوع، وإن كان التضمن له أنحاء. فمن سأل عن قضية هل الواحد مزيد عليه واحد يساويه إثنان؟
لم تكن عملية المعرفة إلا عملية التعرف على خصائص ما نعرفه عن الموضوع وخصائص ما نعرفه عن المحمول، فتعقلنا للواحد من حيث هو مزيد عليه مثله، وهو تعقل للإثنينية، ولذا فكلما كانت حيثية الخصائص في أطراف الموضوع والمحمول بسيطة كلما كان الإلتفات إلى التضمن أقربَ إلى الفعلية، وبالتالي حصل العلم وتحققت المعرفة.

وهذا شأن كل قضية تُعدّ من مبادئ البرهان، حيث يكون التضمن أقرب وفعليًا وذلك لخاصية إما أطراف القضية وبساطتها كما في الأوليات، أو خاصية الطريق المحكوم للقواعد الأولية العامة بشكلٍ تلقائي، كالحس وما عنه يكون من محسوس يتناسب مع خاصية الحاسة والمحسوس تقعيدًا لقاعدة العلية والسنخية.

كيفما كان فالتضمن هو المبدأ الأوّل لفعلية حصول المعرفة والربط بين مقولين.

الآن بعد تجاوز عملية التضمن المباشر، والذي تكون قضاياه أُمَّ المعارف ومُعتمَد عملية التعلم والتعليم، نأتي لنطبّق نحو حصول التعلّم عن المبادئ، فبعد أن أدركت مثلا أنّ قضية كل معلول يحتاج إلى علة، قضية محمولها ضروري الثبوت لموضوعها وأنّ محمولها ضرورته ليست حينية بل دائمة غير قابلة للتخصيص.

فلو وقفت سائلاً عن الإنسان هل يحتاج إلى خالق أم لا؟
فأدرك أن الحاجة إلى الخالقية غير متضمنة في تعقلي للإنسان من حيث هو معقول أولي ومن حيث لحاظ حدّه أو رسمه، فليس إدراكي وتعقلي للإنسان هو تعقل للحاجة إلى الخالق، وذلك لأن حيثيات ما أعقله عن الإنسان متعددة بعضها ضروري وبعضها كسبي، وبعضها معقول أولي وبعضها ثانوي فلسفي، فأعقل عن الإنسان أنه جسم وأنه متحرك بالإرادة وناطقٌ، وتعقلي له من حيث هو جسم يمكن أن يقع مادة على أنه قابل للكون والفساد؛ أي التغيّر، والتغيُّر يعني الفعلية بعد القوة، أي الوجود بعد العدم.

لاحظ أن معرفتي للإنسان غير متضمنة لحاجته إلى الخالق بشكل فعلي، بل فعلية التضمن تحتاج إلى تحصيل معنى معقول عن الإنسان، لكن من حيث هو جسم لا من حيث هو ذا هوية خاصّة، وإدراكي للجسمية وأنه قابل للإمتداد في أبعاد ثلاثة وأن الجسم جوهر يصيبه الكون والفساد وأنهما يحتاجان لجوهر ذي مادة وصورة.

فإذا أدركت الجسم تضمن فيه بالفعل أنه متغيّر، وتضمن في إدراكي للتغيّر الكون والفساد، وتضمن في الكون والفساد لزوم رجوع ما بالعرض إلى ما بالذات، ولولا ضميمة المبدأ البيّن الثبوت والذي هو أن كلّ معلول يحتاج الى علّة، وإلتفاتي بأنّ الإنسان أحد مصاديق القاعدة لما حصلت المعرفة.
وهذا معنى حصول التعليم؛ وهو عملية تحليل أطراف القضية وربط كل طرف بمبدأ تصديقي بيّن سابق، فإذا فهمت هذا، فلا بد أن تفهم أن حاكمية وعموم القضايا الأولية -والتي هي المعقولات الثانية الفلسفية على كل الماهيات وأحكامها- تجعل من كون أحكام القضايا تطبيقات للأحكام الأولية العامة والخاصة.

وهذا ما يجعل طلبَ معرفةِ حكمِ الموضوع والذي هو صغرى المطلوب متضمنًا دائمًا في الكبرى، التي مرجع تحليلها إلى مبادئ عامة أولية غير قابلة للتخصيص، وعليه فليس التعليم هو حصول نحو جديد من العلم، بل إدراكٌ فعليٌّ لتضمن مصداقٍ خاصٍ تحت مبدأ سابق تم إدراكه بالبداهة.

وأمّا من يطالب بكون التعليم والتعلم أمرين ينتج عنهما معلوم جديد بمعنى المغاير لحكم الكبرى، فهو يطلب تولد الأحكام عن قضايا مباينة لا ربط لأطرافها بعضها ببعض، وهو خلف قانون العلية والسنخية والمناسبة.

بمعنى آخر
الإنسان حادث
فأنا وإن كنت أعلم عن الحادث بأنه مقول بالذات على كل متغيّر، وذلك تطبيقًا لبداهة أن الحدوث لا يعني إلا الكينونة خاصة، والفعلية بعد العدم الملازم لعدم وجود الهوية بالذات، وعليه فهذا يستدعي عليّة بالغير، وحيث أن الإنسان هو كلي إدراكه عن أشخاص أُوَل هي موضوعات المعرفة الأولى، لكن ليست الكلية ههنا هي كلية إستقرائية تعدادية، بحيث يلزم تضمن موضوع النتيحة ضمن موضوع الكبرى بالإجمال، حتى يلزم عنه إما التذكر أو التنبه أو التفصيل بعد الإجمال، بل ما أعرفه عن الحادث بأنه يعرض كلّ ما كان بالعرض، والتغيّر هو كونٌ وفساد أي حدوث بعد عدم، وبعبارة أدق؛ ما أعرفه عن الحدوث أنه محمول على ما يكون وجوده بالعرض، دون أخذ قيد الكلية في مصداق ما بالعرَض، ولكن ولأنّ نسبة الحدوث إلى ما بالعرَض نسبة ذاتية، فكانت غير قابلة للتخصيص، ومآل عدم قبولها التخصيص هو كليتها، لكن بما أن الكلية تشترك بين ما كان إستقرائياً وبين ما كان ذاتيًا، تولدت الشبهة وتبلّد مَن تبلّد!

وبالتالي عبرنا بعد ذلك بالكلية لمكان عدم قابلية الحكم للتخصيص، وليس لأننا تتبعنا المصاديق حتى يلزم عن القياس تحصيل الحاصل، ومن هنا فإنّ منشأ إشتباه كون القياس تحصيلاً للحاصل هو الخلط بين أنحاء إنبساط الحكم العام في إنبساطه الإستقرائي وإنبساطه لمحلّ النسبة الذاتية، فالإنسان حادث أقول الإنسان متغيّر وكل متغيّر حادث، هذه الكبرى ليست كبرى تحصّلت بفعل التعداد الإحصائي الجزئي لأفراد نوع الإنسان حتى يقال بتوجّه الإشكال.

وبكلمة؛ إنّ محكومية كون التعليم والتعلّم عن علم سابق، يوجِب إستحالة كون المعلوم المحصَّل مغايرًا وإلّا لبطُل كونه عن علمٍ سابقٍ، نعم من لم يرَ حجيّة علمية للقضايا الفلسفية لن يجد طريقًا لتحصيل العلم إلّا من خلال الحس والذي هو حصولٌ بعد العدم لا عن علم سابق، لأنه ليس تعليمًا وتعلمًا بل معرفة، والمعرفة أعم، والقياس لا يكون منتجاً لعلمٍ لم يكن -غير مباين بل مندرج تحت عنوان الكبرى- إلا إذا كان للمعقولات الثانية الفلسفية قيمة علمية وإلا لبقيت القضايا مفككة لا يصح إرتباط بعضها ببعض.

الشيخ إبراهيم مشيك
ومضات - ٣٦

وأناشدك بالله وملكوته وأهل رسالاته أن تترك عادة النفوس السفليّة من الإلف بما هو مشهور بين الجمهور، والتوحّش عمّا لم تسمعه من المشايخ والآباء وإن كان مبرهناً عليه بالحجّة البيضاء، فلا تكن ممّن ذمّهم الله على التقليد المحض في مواضيع كثيرة من القرآن: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ).

فإياك أن تجعل الشريعة الإلهية وحقائق الملّة الحقيقة مقصورة على ما سمعته من معلّميك وأشياخك منذ أوّل إسلامك، فتجمد دائماً على عتبة بابك ومقامك غير مهاجر إلى ربّك.

- صدر المتألهين الشيرازي.
#إفـادة_مـصـريـة

نصيحة

أصلح التفكير قبل الفكر ، فالبحث الآلي أولًا ، أي المنطق ، ثم البحث الواقعي ثانيًا ، أي الفلسفة.

قال - دامت إفاداته -:

" صناعة البرهان أهم من المسائل الفلسفية "
🔸️ أعتذر منكم بسبب نشاط القناة شبه المنعدم، في المرحلة القادمة سوف أنشر المجموعة الثانية من كتب نظرية المعرفة وستكون كتبًا متينة لأحد الفلاسفة الراسخين النبلاء، تلحقها مقالات هي من أهم ما سننشره هنا، فيرجى منكم مشاركة القناة مع من خبرتموهم مهتمين بعلوم المعقول.
ومضات - ٣٧

‏أنظر للصورة جيدًا.. شخص قرر أخذ نصيبه العادل من وجهة نظره الشخصية، فأفسد على الآخرين نصيبهم!

هذا الشخص سيُقسم لك أنه أخذ حقه فقط، وهو صادق بالفعل ولكنه من المفسدين!!‏

من حقك أن تأخد حقك، ولكن ليس من حقك أن تأخذه بالشكل الذي تراه أنت عدلًا، فهذا تعسف في استعمال الحق.

وإلى مثل ذلك يشير الحديث المروي عن الإمام الهادي (ع): إن الظالم الحالم يكاد أن يعفى على ظلمه بحلمه، وإن المحق السفيه يكاد أن يطفئ نور حقه بسفهه. [تحف العقول ص ٣٨٧]

فعبارة (المحق السفيه) تشير إلى صاحب الحق، ولكنه (سفيه) ومن معاني السفه هو من يضع الأمور في غير محلها بخلاف الحكيم الذي يضع الشيء في محله.

- الشيخ مصطفى البغدادي
توجيهات

١- ننصح الطلبة المبتدئين بترك الإهتمام بكتاب "خلاصة المنطق" للدكتور الفضلي، فهو مقارنة بكتاب "ميزان الفكر" مع دروس شرحه للسيد سعد البخاتي يكاد يكون عديم الفائدة، إذ أنه تجاهل بحث الصناعات الخمس وهي أهم ما في المنطق، على عكس ميزان الفكر، فمثلًا بحث صناعة البرهان فيه أوسع وأفضل حتى من بعض الكتب المفصّلة.

٢- نتمنى أن لا يكون المتابع قد تجاهل وصيتنا بالإستماع إلى محاضرات الشيخ المصري في نظرية المعرفة -المحاضرات السبعة الأولى على الأقل- إلى جانب كتابه "أصول المعرفة"، فهي نافعة للطالب الذي أكمل المستوى الأول في دراسة المنطق، ويريد تأسيسًا منهجيًا سليمًا.
🔸️ في المرحلة الحالية، وإلى وقتٍ ليس قريبًا، لن يكون عمل هذه القناة الاحتجاج والتشييد والتأييد لمقالة فلسفية مخصوصة، وإبطال مقالات أهل النزاع، لذا فليطمئن إخواني من مريدي الملا صدرا والعرفاء والمتكلمين، فقد يسيئون الظن بسبب نشري بعض كتابات البرهانيين وتأكيدي على أهميّتها، فأنا أفعل ذلك لغرض صنع مفكِّرٍ منطقي نموذجي، وأدَّعي أن ما أنشره يحقق هذا الهدف، وما جاء في محاضرات الشيخ المصري من نقدٍ لبعض المذاهب لا يعبّر بالضرورة عن توجهاتي، فقد نشرته مراعاة لتسلسل الحلقات، كما أنه لا بأس بأن تؤخذ رؤاه ونقوده بنظر الاعتبار، فهي مما يحرّك الذهن ويحفِّز البحث.
ولك حق نقد ما تجده يستحق النقد بميزان العلم ومطرقة الدليل، فأي حق يثبت بالدليل فهو وجهتنا، وإليه رحلتنا.
● كتب نظرية المعرفة - المجموعة الثانية

بالنسبة للطلبة الذين تجاوزوا المستوى المتوسط من دراسة علم المنطق، يمكنهم البدء بقراءة هذه الدراسات القيّمة، والبحوث المعرفية الدقيقة، للأستاذ القدير والعلَّامة النِّحرير الشيخ محمد ناصر العاملي، التي يخاطبنا فيها بروح الصِّدق، وشَذى العقلانيّة، وإلهامِ الحكمة النَّجيبة، كأنه قد عاد توًّا من "اللقيون" بعد محاورات طويلة مع "أرسطوطاليس"، ويريد لعقول مَالَت عن جادَّة الحقِّ أن تَنفُض غبار الجهل والعمى وتُسفِرَ بنزاهة النَّفس التي تتوق لتحصيل كمالها، فينثر عليها درر الحكمة الضائعة في دروب الغفلة واللَّهو، لتأوي إلى ركنها الشديد، وتحتمي بحصنها المنيع، مستهديةً بما خطه يراعه وهو النابغة الصُّلب والراسخ القدم، الذي نقش اسمه على الأحجار الكريمة، حيث لا يزول أبدا، فهو من زرّاع الحكمة ورعاتها المبدعين، فتتسابق الكلمات وتتزاحم العبارات لتنظم عقد الثناء الذي يستحقه، فقد وطئ بعقله الثُريَّا، واجتمع بالفلاسفة الأولين، فأخذ من علومهم وقرَّب لنا مأخذها، ووصفها فكساها بهاءً، وأضفى عليها عبارات أعطتها رونقًا، وكتبه تجعل القارئ يعيش تجربة التفكير الفلسفي بنفسه ويستحضر تأملات الفلاسفة النجباء، ويتذوَّق الطعم الساحر للفلسفة العقليّة، لأنّه لا يملي على عقلك ولا يلقِّنك الأفكار، بل يأخذ بيدك لترافقه في رحلة الاستكشاف، فشأن كتاباته أن لا تتركك مملوءًا بأفكار وأجوبة معلّبة، بل تعود مفكّرًا وتعظُمُ خبرتك المنطقيّة، ولأنَّها كتب بنائيّة يكمِّل بعضها الآخر، اقتضت أن تُقرأ بتسلسل معيّن وضعه الكاتب، فنبدأ بقراءة:

الأول: (نهج العقل؛ تأصيل الأسس وتقويم النُّهج) الذي في قسمه الأول بيّن طريق المعرفة البرهانيّة ببيانٍ متينٍ كالقلعة التي يصعب اختراقها فتستعصي على المغرضين، والمعضلة التي يستحيل حلُّها فتصعب على المغالطين، وهو في قسمه الثاني تقويمٌ للمناهج المنحرفة على ضوء ذلك المنهج الهادي، وهو كتابٌ لتهذيب الفكر وشحذ الذهن، ينبهك على أنَّ البحث عن ضوابط الإدراك اليقيني ليس بحثًا عمّا يُملى على العقل، بل عتقًا من كل ما ينافيه، مما يقضي بالتسليم بما لا يستلزم التسليم به الجمع بين النقيضين، فالعقل بذاته ومن ذاته يسلك طريقًا محدّدًا في إدراكه تبعًا لما يناسب غرضه وهو كشف الواقع.

الثاني: (الإلحاد، أسبابه ومفاتيح العلاج) هو كتاب يتكون من ثلاثة فصول؛ الأول فيه بيانٌ مختصر للمنهج البرهاني، وبيان قيمة مطلق المبادئ المعرفية المنبسطة على مختلف القضايا، وهو شرح مختصر وبديع لمواد القياس المنطقي، ويقسِّمها إلى:
أ) ما هو صالح للركون إليه، لأن هذه المبادئ بذاتها مالكة بحسب نحو نشوئها لما يوجب صدقها ويضمن واقعيّة مفادها.
ب) وإلى ما هو غير صالح للركون إليه، لأنه في خصوصية ذاته لا يستلزم الصواب فهو فاقد لمسوغ التصديق التلقائي به، بل ينشأ ذلك من خصوصيات ذواتنا النسبية والمتغيرة.
والفصل الثاني في نقد الإلحاد بناءً على ما بيَّنه في الفصل الأول، إذ ينظر المؤلف نظرًا مترويًا ومنصفًا في الأسباب المعرفية التي قدمت لتأييد الإلحاد وينتهي لكونها -سواءٌ كان الإلحاد حقًا أم باطلًا- أسبابًا غير صالحةٍ للاستناد عليها بالنسبة للأغلبية الساحقة من الملحدين على الأقل، ولأن هذه الطريقة المنطقية في النقد قد تستخدم لنقد أصول العقيدة الدينية، إذ قد يستند المتدين في إيمانه على المبادئ المعرفية غير الصالحة، فقد وعد الشيخ كاشف الغمّة بكتاب -ضمن مشروعه المستقبلي الضخم- يوضح فيه وفق المنهج البرهاني استناد الدين على المبادئ المعرفية الصالحة. وهو فصل مهم لأنه يعلِّم القارئ كيف يكون النّقد المعرفي مبنيًّا على المنهج البرهاني، لا المنهج الجدلي الذي اشتهر استخدامه عند بعض الكتُّاب المسيحيين والمسلمين الذين تصدَّوا للرد على الملحدين.
أما الفصل الثالث -نصف الكتاب تقريبًا- فهو الأهم والأعظم نفعًا لطالب العلوم العقليّة، إذ يبيّن الاختلالات التي أدت إلى فساد الخريطة المعرفيّة وإنتاج رؤى فلسفية باطلة، ويبين سوء الفهم الذي أوصل إليه الخلط بين دور الحسّ في التصوُّر والتصديق، ودوره المباشر وغير المباشر في التصوُّر، الذي كان السبب الأساس في التشكيك بمصداقية وحدود الأوليات العقلية، وما تبع ذلك من سوء الفهم لحقيقة الأحكام الحسّية البسيطة والتجريبيّة، وبيان الخلط بين الأحكام العقليّة والأحكام الوهميّة، الذي أدى إلى نشوء الكثير من الاشتباهات فيما يتعلق بالبراهين العقليّة التي تقوم على الأوّليّات العقليّة، والخلل في فهم دور العقل في تحصيل المعرفة العقديّة والسلوكيّة.

وقراءته بعد (نهج العقل) لا تلزم إلا من ينشد الفهم التّام للمباحث المطروحة، لأن الكاتب يحيل القارئ في بعض المواضع إلى ذلك الكتاب، ويختصر شرح بعض المسائل باعتبار أن تفصيلها مرَّ على القارئ في كتاب نهج العقل.
الثالث: (السؤال عن الإله والكون والإنسان) ثم إنَّ الشيخ يبرهن لنا في هذا الكتاب أن الذكاء من حقائق ما طبعت عليه نفسه النبيلة، حتى ظهر على ملامح قواه فاكتحلت عينه نظرًا ثاقبًا، واتَّقد ذهنه فاشتعل قلمه فكتب نارًا أحاطت بفكري وقلبي، وألهبت إرادتي وشجَّعت جهدي ووجَّهت سعيي وأنارت طريقي، فمن حمل حسام البرهان مؤيدًا بمقالات أرسطو والفارابي وإبن باجَّة أخرج لنا هذه التحفة النادرة، ينبهنا على أن السؤال الصحيح نصف الجواب، وأننا يجب أن لا نشرع بالبحث عن الإجابة كما تعودنا، وتعوّد ذلك من لنا به أسوة سيئة، فنشرع في تعلّم الجواب وكيفيّة الإجابة دون تحليل السؤال والنَّظر في مبادئه لنعرف كيف نشأ، ليتبين لنا أن أطنان الجدالات والنزاعات التي ملأت الكتب كانت في الرد على أسئلة صورية لا معنى لها أزيد من معاني ألفاظها، وأننا بحاجة إلى تحديد موضوعات ومتعلقات أسئلتنا بنحو صحيح، ولنفعل ذلك نحتاج أن ننطلق من المبادئ الصالحة، وأن نستقصي مبادئ تصورنا لموضوع السؤال لنضمن طرح سؤال علميٍّ برهانيّ. وهو كتاب طافح بالمعايير التي تساعدنا في تمييز السؤال العلمي عن السفسطائي والجدلي، ومعرفة كيفية نشوء الأسئلة الحقيقية حول الكون والإنسان، وبيان أن حركة استكمال الإنسان لذاته تستوجب المرور بهذه العمليّة التفحصيّة. وهو بعد -كحال كتاب نهج العقل- أكبر وأعمق من أن أكتب عنه مراجعة مختصرة، فأترك اكتشافه ومعرفة أحواله للقارئ العزيز، راجيًا أن يلقى أمواج هذا البحر الزاخر بمركب التأمل ومجداف التفكير رافعًا شراع الجدِّ والاجتهاد، وأن يوفَّق في سعيه، وأن ينال مراده.

ويُشتَرَطُ أن يكون القارئ دارسًا لعلم المنطق، على أمل أن يفهم شرح المباحث المنطقية والميتامنطقية -تماهيًا مع ما يسمّى ميتافيزيقيا-، وعلى أمل أنه تعلَّم أن يلاحظ النَّص جيّدًا ويقرأه كلمة كلمة، فهذه الكتب ليست كتبًا ثقافية للاطلاع صفتها الليونة واليسر والانبساط، بل هي كتب علميّة تحتاج توافر تلك العادّة التي اكتسبها دارس علم المنطق، نعم.. الفصلان الأوّلان من الكتاب الثاني قد تكون في متناول القارئ المتوسط، لكن نصف الكتاب الذي يشغله الفصل الثالث -وهو الأهم- يحتاج مقدِّمة جيّدة في علم المنطق.

ويُنصح أن تُكرَّر قراءة هذه الكتب وأن تلخَّص وأن تُعرض عليها الأسئلة، فهذا يضمن فهمًا أدقَّ وأتم.
الأوليات_العقلية_ودورها_فى_بناء_الاعتقاد.pdf
386.9 KB
● مقالة (الأوليات العقلية ودورها في بناء الإعتقاد)

للشيخ محمد ناصر

تُقرأ بعد كتاب (نهج العقل)