سُرَى
3.08K subscribers
1 link
رفيقي اللهُ في سُرَى الليالي.
Download Telegram
سُرَى
- السّلام عليك، ثم ماذا بعد؟ هناك شيءٌ ينهشُ مهجتي في صمت، ويقتاتُ على ما تبقّى من روحي، حتى غدوتُ كخرابٍ يمشي على قدميه منذُ أن أفلتت يداي، خارت قواي، وما عدتُ أعرف إلى أيِّ الجهات تمضي قدماي، كأنني لا أسير، بل تُسيِّرني الأرضُ حيث تشاء، بلا وجهة، بلا يقين،…
-

السلامُ عليك.

أتعلم؟ ما انقطع بيننا حديثٌ يومًا، وإن انقطعت الكلمات، فما يزال قلبي يُتمُّ معك حوارًا لا يسمعه أحد، ويُعيد صياغة الجمل التي لم أكتبها، ويؤجِّل الرسائل على أمل لقاءٍ بالحرف.

أفتقد الكتابة إليك افتقادًا يثقل القلب؛ حتى غدت الكلمات إذا لم تبلغك، كأنها تختنق في صدري، وهذا الافتقاد مؤلم مؤلمٌ على نحوٍ لا تُجيده اللغة، ولا تُحيط به العبارة.

أما الشوق إلى الحديث إليك، فليس شوقًا عابرًا؛ إنَّه كثافةٌ تسكن الروح، ووحشةٌ تتكاثر كلما هممتُ أن أكتب ثم أحجمت، كأن القلب قد اعتاد أن يجد سكينته في مخاطبتك، فإذا مُنع منها، ضاق بما رحب.

أشتاق أن أقول لك أبسط الأشياء، لا لأنها عظيمة، بل لأنك أنت من تُضفي عليها معناها، وأخشى أن يطول الصمت، فيغدو أثقل من أن يُحتمل، وأن يصبح الحنين لغةً لا أجيد سواها.
سأدع هنا، هذه الليلة، نصّي الأخير.

ثم أمضي.. وأغادر هذه المنصّة، وربما أغادرها إلى الأبد فإن مررتم يومًا على هذا المكان، ولم تجدوا أثرًا لصاحب الحروف، فاذكروا أن بعض الراحلين لا يرحلون كرهًا، وإنما لأن قلوبهم أضناها المقام، وأتعبها البقاء.

أسأل الله أن يجعل ما كُتب هنا شاهدًا لي لا عليّ، وأن يغفر لي زللي، ويتقبّل مني ما كان خالصًا لوجهه الكريم السلام على من مرّ من هنا، وعلى كل دعوةٍ صادقةٍ لم أعلم بها، وعلى كل روحٍ آلفت حروفي ثم مضت.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
-

السلام عليك..

لم يَعُد في القلب متَّسعٌ لسؤال: ثم ماذا بعد؟ ولم أعد أريد جوابًا أصلًا؛ فبعض الأجوبة لا تُطفئ النار، وإنما تزيدها اتقادًا.

ليلةَ الأمس أتيتني في المنام على غير عادتك جلستَ إلى جواري في هدوءٍ غريب، وربّتَّ على كتفي كما لو أنك تُلقي عليَّ سلامًا أخيرًا، كنتُ أبكي، لكنك ولأول مرة لم تبكِ لبكائي، ولم تأخذني بيدِيك كما كنت تفعل، ولم تُمسد على روحي بكلمةٍ تُسكّن ارتجافها، ولم تقل: سيكون كل شيءٍ بخير، كنتَ صامتًا صمتًا لم أعرفه فيك قط.

ومنذ تلك اللحظة، أيقنتُ أن قلبك كان يتهيأ لأمرٍ لا أُطيق معرفته رأيتك تُحزم حقيبةً صغيرة، ولم أنتبه حينها لما كنت تضعه فيها، فقد كانت عيناي مشغولتين بخوفي عليك أكثر من انشغالهما بتفاصيل الرحيل.

وحين مضيت اقتربتُ من المكان الذي كنتَ فيه، كمن يُفتش عن بقاياه، وأطلتُ النظر في الحقيبة بعد أن تركتَها مفتوحةً قليلًا فرأيتُ ما لم يكن ينبغي لي أن أراه، رأيتُ بتلاتِ وردٍ يابسة، احتفظتَ بها منذ سنوات حسبتُ أنك نسيتها، ورأيتُ رسائلَ ورقيةً خطّتها أيدينا المرتجفة، وقد اصفرَّت أطرافها من طول الانتظار ورأيتُ صورًا، وأصواتًا، وضحكاتٍ كانت تملأ الأمكنة حياةً، وأرصفةً شهدت خطواتنا قبل أن نمشي عليها، ومقاعدَ حفظت أحاديثنا، وطرقاتٍ كانت تعرف أسماءنا قبل أن نمشيها رأيتُ عمرًا كاملًا مطويًّا بعنايةٍ داخل حقيبة كأنك كنت تجمع ما تبقى منّا، لا ما تبقى منك، كنت تقتلع جذورك من كل أرضٍ نبتت فيها حكايتنا، وتطويها معك، حتى لا يظل لك في الدنيا ما يُعيدك إليَّ.

ثم رحلت..

رحلتَ ولم تأخذ أشياءك فقط أخذتَ معك جزءًا من أيامي، ومن لغتي، ومن قدرتي على الفرح، وأخذتَ الجهات التي كنت أعرف بها الطريق، حتى صار كلُّ مكانٍ أمرُّ به غريبًا، وكلُّ وقتٍ يأتي بعدك يتيمًا.

ومنذ استيقظتُ..

وأنا لا أحاول نسيان المنام، بل أخشى أن يكون وعدًا مؤجلًا، أو وداعًا سبق موعده، أو رسالةً لم أفهمها إلا بعدما أفقت أخشى أن يكون قلبي قد رأى ما عجزت عيناي عن احتماله.

ولعلَّ هذا ليس إلا أوَّل الطريق، أمَّا بقيَّة الحكاية، فلن تُكتب هنا.
السلام عليك..

أودّ أن أجلس إليك طويلًا، لا لأحدّثك عن شيءٍ بعينه، بل لأشكو إليك أشياءً عجزتُ عن تسميتها، وأوجاعًا كلما حاولتُ أن أضعها في كلماتٍ تاهت الكلمات قبل أن تصل.

نفدت الكلمات ونفدت قدرتي على الشرح، بل نفدتُ أنا أيضًا في داخلي حديثٌ طويل، لو خرج كما هو لبكى من يسمعه، لكنني لا أعرف من أين أبدأ، ولا كيف أقول إنني متعب دون أن أبدو ضعيف، ولا كيف أشرح أنني أبتسم أحيانًا لأنني لم أعد أملك طاقةً كافية لأشرح للناس كم يؤلمني كل شيء أريد أن أشكو إليك، أن أضع رأسي قليلًا جانبك، وأقول لك: لقد أثقلني ما لا أستطيع قوله هناك أشياء لا تُحكى، ليس لأنها صغيرة، بل لأنها أكبر من اللغة، وأعمق من أن تحملها جملة.

أشياء تسكن في الصدر كالغصّة لا هي تخرج فترتاح، ولا هي تبقى دون أن تؤلم.

وأنا منذ زمنٍ وأنا أقول: أنا بخير، حتى صدّقتني الكلمة، وكذّبتني روحي فإن سألتني ما بك، ربما لن أجيب ليس لأنني لا أريد الحديث، بل لأنني لا أعرف كيف أشرح لك وجعًا لا أملك له اسمًا.

كل ما أعرفه أنني تعبت تعبًا لا يُرى على الوجه، لكنه يأكل القلب في صمت ولعلّ أكثر ما يؤلمني أنني لم أعد أبحث عن حلّ لكل شيء، ولا عن إجابة لكل سؤال؛ أريد فقط مكانًا آمنًا أقول فيه كل ما أخفيه، دون أن أضطر بعده إلى الاعتذار عن ضعفي.

فهل تجلس معي قليلًا؟
لا تسألني كثيرًا فقط دعني أتكلم حتى تنتهي الأشياء العالقة في صدري، وحتى تنفد الدموع، وحتى أشعر، ولو لمرة، أنني لست مضطرًا لأن أحمل كل هذا وحدي.
مخيفٌ بكاء الصّبور!.
السلام عليك..

أودّ أن أخبرك أن صوتك ما زال مسموعًا في قلبي، مهما تباعدت بنا الطرق، وتفلّتت الأيام من بين أيدينا، ومهما طال الصمت واتّسعت المسافات

ثَمّة حديثٌ طويل أحتفظ به لك، سأرويه لك قريبًا جدًا عن أول مطرةٍ هطلت في آب، بعد صيفٍ طويل؛ عن ذلك الشعور الذي باغتني لحظتها، وعن أشياء كثيرةٍ حرّكها المطر في داخلي، وأعادني إليها دون استئذان.

وسأحكي لك أيضًا عن زيارتي لحلب عن المدينة، وعن كل ما شعرت به هناك، وعن تفاصيل صغيرةٍ لا أدري كيف أصفها إلا لك.

لي حديثٌ طويل معك، ولعلّ المطر كان أول فصوله.
سُرَى
- السلام عليك.. لم يَعُد في القلب متَّسعٌ لسؤال: ثم ماذا بعد؟ ولم أعد أريد جوابًا أصلًا؛ فبعض الأجوبة لا تُطفئ النار، وإنما تزيدها اتقادًا. ليلةَ الأمس أتيتني في المنام على غير عادتك جلستَ إلى جواري في هدوءٍ غريب، وربّتَّ على كتفي كما لو أنك تُلقي عليَّ…
السّلام عليك..

ولمّا أشرقت شمس الصباح، لم أشعر أنّ الليل انقضى؛ كان شيءٌ منه لا يزال عالقًا في صدري، كأن المنام لم يكن نومًا عابرًا، بل نافذةً فُتحت لثوانٍ على غيابٍ لم يقع بعد.

جلستُ طويلًا أستعيد التفاصيل؛ موضع يديك، هدوء صوتك، تلك الحقيبة الصغيرة، وحتى الأشياء التي لم تقلها. وكلما حاولتُ أن أجد في ذاكرتي تفسيرًا يطمئنني، أعادني قلبي إلى صمتك الأخير، كأن الصمت كان أبلغ من كل الكلام.

ومنذ ذلك الصباح، صرتُ أنظر إلى الأشياء بطريقةٍ أخرى؛ إلى الوداعات التي نقولها على عجل، إلى الأبواب التي نغلقها دون أن ندري إن كنا سنفتحها مرةً أخرى، إلى الأشخاص الذين نؤجل لهم حديثًا، ورسالةً، واعتذارًا، و”ابقَ قليلًا” نظن أن العمر طويلٌ بما يكفي لنقولها لاحقًا، لكنني تعلّمت أن بعض (لاحقًا)لا تأتي.

لذلك، إن كان في هذه الحكاية بقيّة، فلا أريد أن أكتبها بخوفٍ هذه المرة، ولا أن أفتّش في الغيب عن جواب يكفيني أنني عرفتُ، ولو متأخرًا، أن بعض الناس لا يعبرون حياتنا كما يعبرها الآخرون؛ إنهم يتركون فيها أثرً، فإذا ابتعدوا لم نفقد شخصًا فحسب، بل فقدنا شيئًا من الطريق الذي كنّا نعرفه.
-

إدلب منذُ زمنٍ لا بواكيَ لها.
السلام عليك.

أكتب لك منذ زمن، وأنت لا تعلم أن هذا الحبر الذي ينسكب منّي، إنما ينسكب لأجلك أكتبك بين السطور، وأخبّئ حضورك في الكلمات، كما تُخفى الجراح تحت الثياب لا يراها أحد، ولا يدرك أحد كم تؤلم.

يمرّ الغرباء على كلماتي، يتأملون بعضها، ويتوقفون عند بعضها الآخر، ثم يقولون: ما أجمل هذا النص، وما أعمق هذه العبارة! ولا يعلمون أنهم لا يقرأون أدبًا، بل يقرأون بقاياي؛ أشياء صغيرة مني سقطت على الورق وأنا أحاول أن أحتمل غيابك.

أكتب لغائبٍ لعلّه لن يأتي، وأنتظر أن تقرأ، وأنا أعرف أنك ربما لن تقرأ أبدًا ثم أقف بعيدًا، أراقب دهشة الآخرين وهم يصفقون لما ظنّوه جمالًا، وأبتسم بصمت فهم يرون نصًا بديعًا، وأنا وحدي أعرف أنهم لا يرون سوى هيئة الحطام.

لا يعرفون أن بعض النصوص لا تُكتب لتُعجب أحدًا، بل لتُنقذ صاحبها من شيءٍ لم يستطع أن يقوله بصوت عالٍ
ثُم ماذا بعد؟!
سُرَى
ثُم ماذا بعد؟!
مامن إجابة..