مسيرة ذاكرة
ــــــــــــــ
أرى الماضي
الناس يرقصون ويتسوقون ويأكلون ويتناكحون ويمرضون ويموتون ويحيون ، ولا أرى لي إشارة تدل على أنني سآتي للحياة غير أنهم يأكلون ويتناكحون بإستمرار!!
أرى البشر يعقدون الأمور ويسعون سعياً دؤوباً إلى حلها .. يعقدونها أكثر كلما جربوا حلولاً جديدة!!
يجب أن يكون العالم أكثر وضوحاً مما يجب!!
كما يجب أن تكون بعض الأشياء مجانية كالمال مثلاً .. ما قيمة الورق حتى نضع له قيمة!!
أرى العشاق وأشباه العشاق يتبادلون القبل والصدمات .. مقادين من حبال متفاوتة الطول والمتانة ، تتدلى من صدورهم يقود بها بعضهم بعضاً .. أكثرهم من العُميان والطريق أمامهم كثير الحفر والنتوءات .. يخرجون من حفرة ويقعون في جارتها ، يقومون من صخرة ويتعثرون بأختها .. يضحكون ويبكون و يتبادلون القبل والصدمات بإستمرار..
أرى الأرض .. الأم البخيلة الكسولة .. تنجب الملائيين من البشر .. تلفظهم في العراء بلا جدران بلا أسقف بلا نوافذ إنتظار!
أرى طفل في العاشرة يبكي .. سألت أصدقائي الأكثر مني ذكاءاً وخبرة ، لماذا يبكي؟ قيل أُنجِبت لصديقه الوحيد شقيقة صغيرة..
وأمه التي منحها مهلة أسبوع كامل لم تنجب له واحدة!
أرى الظلام (الشيء الوحيد الذي يمكنني رؤيته في الظلام)
الضيق .. الماء .. الألم .. الخدر.. الوعي .. التسلل من اللاشيء والكل شيء إلى الشيئية الخالصة أمر مرهق لكنه ليس بالأمر الأكثر إرهاقاً على الإطلاق .. هناك الكثير في إنتظاري .. أناس لا أعرفهم ولا يعرفونني وأعرفهم ويعرفونني جيداً .. كائنات جميلة ومؤلمة وشريرة.
الآن تلفظني أمي إلى الحياة عارياً إلا مني .. أصرخ في وجه القابلة أرجعيييييييييني! لكنها تبتسم ببلاهة وتتجه نحو أبي لتطالبه بمال إضافي لأنها أخرجتني ذكراً!
يا للماكرة!
أراني لا أرغب في رؤية أي شيء أو أي أحد .. بل أرى أنه لا شيء مما هو حولي يستحق مني عناء الرؤيا
أراني الآن في السابعة من الحياة .. أحفظ سورة الفاتحة والنشيد الوطني وأصلي في المسجد غير أنني كلما تعمقت في حياتي الجديدة أكثر كلما أبتعدت عن الله وعن ذاتي وحريتي أكثر .. وكلما سلكت طريقاً للذهاب فقدت آخراً للعودة .. وكلما تسائلت سخرت مني الإجابات!
ما معنى أن أعيش ولا أتسائل من أين لي بي؟! ما معنى أن أتسائل وتتوارى عني الإجابات ؟ ما معنى تواري الإجابات عني وأنا لا أعرفها حتى! ؟
ما معنى كل هذا؟ ما معنى المعنى!
في العام الثالث والعشرون مني أراني أكتب .. لأتحسس بأصابعي أحرفي لعلها بخير والحمى ملء الكلمات من حولي .. أكتبُ رسالةً إلى نفسِي .. رسالة محبة وشكر لأنني أنا .. لأنني الوحيد الذي وافقت على أن أكونني .. لأنني رجل جيد لا يهتم بشؤون الآخرين..
أنهِ الرسالة وأختمها و أضغط على زر الإرسال.. ثم أجلس القرفصاء منتظراً
..لماذا يتأخر الناس في الرد يا ترى؟
لماذا…
حسناً علي كتابة رسالة أخرى عل الأولى لم تصل وأنا أشعر بالحنين الجارف إليّ.. أباشر بكتابة أخرى وأرسلها ولكن لا رد يأتي من جانبي !!
.. أشعر بالغضب مني والحنين إليّ وأكتب ثالثة وأمذقها .. ثم عاشرة و واحدة وإثنتان بعدها ولكن… . ! ثكلتني أمي لماذا لا أرد عليّ؟؟ هل أنا غاضب مني إلى هذه الدرجة؟
أنفجر ضحكاً على جنوني وسخافتي.. هاه .. جاءتي فكرة .. لماذا لا أكتب رداً وأرسله إليّ .. الأمر سهل ومسلٍ .. ولا أحد هنا ليسخر .. أنا ألعب مع نفسي!
قصصت وريقة من هامش كتاب قديم وكتبت :
(السلام عليكم أيها الحقير .. لماذا تزعجني برسائلك التافهة .. أنا مشغول بأموري ولا وقت لدي لأضيعه في الثرثرة معك .. مُت غيظاً)
المرسل: رجل جيد تدعيه)
أراني في منتصفي تماماً .. رجل بقامة نهر وشساعة أُفُق و وهم مدينة بحجم الكرة الأرضية بحالها .. ههههه جسد نحيل برأس كبيرة عليها شعر خفيف متساقط ونظارة طبية وأوراق ثبوتية لثلاثة أطفال وإمرأة يحملون إسمي .. وضحكة مريبة غامضة تشق طريقها بين شفتيَّ .. الجميع قالوا لي نحن أنت ومضوا
أراني لا أرى .. الظلام .. الخدر.. الماء .. الضيق .. اللاوعي
الضوء يقترب مني .. وأنا لا أعي من أنا !
الضوء يتسع ويضيق .. يشملني ويرحل بي إلى اللامكان أو السماء!
أرى الناس .. أراني وأعرفني .. أرى كل شيء .. إني أرى
أرى كل شيء.
إنتهت.
ــــــــــــــ
الشفيع جمال العجبين ـ 18 ديسمبر 2015م
ــــــــــــــ
أرى الماضي
الناس يرقصون ويتسوقون ويأكلون ويتناكحون ويمرضون ويموتون ويحيون ، ولا أرى لي إشارة تدل على أنني سآتي للحياة غير أنهم يأكلون ويتناكحون بإستمرار!!
أرى البشر يعقدون الأمور ويسعون سعياً دؤوباً إلى حلها .. يعقدونها أكثر كلما جربوا حلولاً جديدة!!
يجب أن يكون العالم أكثر وضوحاً مما يجب!!
كما يجب أن تكون بعض الأشياء مجانية كالمال مثلاً .. ما قيمة الورق حتى نضع له قيمة!!
أرى العشاق وأشباه العشاق يتبادلون القبل والصدمات .. مقادين من حبال متفاوتة الطول والمتانة ، تتدلى من صدورهم يقود بها بعضهم بعضاً .. أكثرهم من العُميان والطريق أمامهم كثير الحفر والنتوءات .. يخرجون من حفرة ويقعون في جارتها ، يقومون من صخرة ويتعثرون بأختها .. يضحكون ويبكون و يتبادلون القبل والصدمات بإستمرار..
أرى الأرض .. الأم البخيلة الكسولة .. تنجب الملائيين من البشر .. تلفظهم في العراء بلا جدران بلا أسقف بلا نوافذ إنتظار!
أرى طفل في العاشرة يبكي .. سألت أصدقائي الأكثر مني ذكاءاً وخبرة ، لماذا يبكي؟ قيل أُنجِبت لصديقه الوحيد شقيقة صغيرة..
وأمه التي منحها مهلة أسبوع كامل لم تنجب له واحدة!
أرى الظلام (الشيء الوحيد الذي يمكنني رؤيته في الظلام)
الضيق .. الماء .. الألم .. الخدر.. الوعي .. التسلل من اللاشيء والكل شيء إلى الشيئية الخالصة أمر مرهق لكنه ليس بالأمر الأكثر إرهاقاً على الإطلاق .. هناك الكثير في إنتظاري .. أناس لا أعرفهم ولا يعرفونني وأعرفهم ويعرفونني جيداً .. كائنات جميلة ومؤلمة وشريرة.
الآن تلفظني أمي إلى الحياة عارياً إلا مني .. أصرخ في وجه القابلة أرجعيييييييييني! لكنها تبتسم ببلاهة وتتجه نحو أبي لتطالبه بمال إضافي لأنها أخرجتني ذكراً!
يا للماكرة!
أراني لا أرغب في رؤية أي شيء أو أي أحد .. بل أرى أنه لا شيء مما هو حولي يستحق مني عناء الرؤيا
أراني الآن في السابعة من الحياة .. أحفظ سورة الفاتحة والنشيد الوطني وأصلي في المسجد غير أنني كلما تعمقت في حياتي الجديدة أكثر كلما أبتعدت عن الله وعن ذاتي وحريتي أكثر .. وكلما سلكت طريقاً للذهاب فقدت آخراً للعودة .. وكلما تسائلت سخرت مني الإجابات!
ما معنى أن أعيش ولا أتسائل من أين لي بي؟! ما معنى أن أتسائل وتتوارى عني الإجابات ؟ ما معنى تواري الإجابات عني وأنا لا أعرفها حتى! ؟
ما معنى كل هذا؟ ما معنى المعنى!
في العام الثالث والعشرون مني أراني أكتب .. لأتحسس بأصابعي أحرفي لعلها بخير والحمى ملء الكلمات من حولي .. أكتبُ رسالةً إلى نفسِي .. رسالة محبة وشكر لأنني أنا .. لأنني الوحيد الذي وافقت على أن أكونني .. لأنني رجل جيد لا يهتم بشؤون الآخرين..
أنهِ الرسالة وأختمها و أضغط على زر الإرسال.. ثم أجلس القرفصاء منتظراً
..لماذا يتأخر الناس في الرد يا ترى؟
لماذا…
حسناً علي كتابة رسالة أخرى عل الأولى لم تصل وأنا أشعر بالحنين الجارف إليّ.. أباشر بكتابة أخرى وأرسلها ولكن لا رد يأتي من جانبي !!
.. أشعر بالغضب مني والحنين إليّ وأكتب ثالثة وأمذقها .. ثم عاشرة و واحدة وإثنتان بعدها ولكن… . ! ثكلتني أمي لماذا لا أرد عليّ؟؟ هل أنا غاضب مني إلى هذه الدرجة؟
أنفجر ضحكاً على جنوني وسخافتي.. هاه .. جاءتي فكرة .. لماذا لا أكتب رداً وأرسله إليّ .. الأمر سهل ومسلٍ .. ولا أحد هنا ليسخر .. أنا ألعب مع نفسي!
قصصت وريقة من هامش كتاب قديم وكتبت :
(السلام عليكم أيها الحقير .. لماذا تزعجني برسائلك التافهة .. أنا مشغول بأموري ولا وقت لدي لأضيعه في الثرثرة معك .. مُت غيظاً)
المرسل: رجل جيد تدعيه)
أراني في منتصفي تماماً .. رجل بقامة نهر وشساعة أُفُق و وهم مدينة بحجم الكرة الأرضية بحالها .. ههههه جسد نحيل برأس كبيرة عليها شعر خفيف متساقط ونظارة طبية وأوراق ثبوتية لثلاثة أطفال وإمرأة يحملون إسمي .. وضحكة مريبة غامضة تشق طريقها بين شفتيَّ .. الجميع قالوا لي نحن أنت ومضوا
أراني لا أرى .. الظلام .. الخدر.. الماء .. الضيق .. اللاوعي
الضوء يقترب مني .. وأنا لا أعي من أنا !
الضوء يتسع ويضيق .. يشملني ويرحل بي إلى اللامكان أو السماء!
أرى الناس .. أراني وأعرفني .. أرى كل شيء .. إني أرى
أرى كل شيء.
إنتهت.
ــــــــــــــ
الشفيع جمال العجبين ـ 18 ديسمبر 2015م

