رِواء
147 subscribers
باحثة
Download Telegram
"حين نستبدل مصطلحات إسلامية أصيلة مثل البركة بالوفرة، والشكر بالامتنان، والرضا بالقبول، فإننا لا نقوم بتغيير سطحي في الألفاظ، بل نُحدث تحولًا عميقًا في الرؤية التي نُفسر بها العالم والوجود. المصطلحات الإسلامية ليست كلمات مجردة، بل مفاهيم متجذرة في رؤية توحيدية تجعل العلاقة بين الإنسان والخالق محورًا لكل شيء، فالبركة لا تعني مجرد الكثرة المادية، بل الخير الإلهي الذي يجعل القليل نافعًا ومثمرًا، متجاوزًا حدود الكم إلى الكيف، أما الوفرة فهي مفهوم مادي بحت، يُقاس بالكمية ويُغفل القيمة الأعمق للعطاء الإلهي. كذلك الشكر عبادة تربط النعمة بالمنعِم، وتُعبر عن وعي الإنسان بعجزه أمام مصدر النعمة الحقيقي، أما الامتنان في الأدبيات الحديثة، شعور ذاتي قد ينفصل عن الله، ويركز على الظرف أو الذات في إطار مادي أو نفسي. وأخيرًا فإن الرضا مقام إيماني يعكس التسليم لحكمة الله عن صبر وحب واحتساب للأجر، بينما القبول في سياقه الحديث قد يشير إلى التكيف مع الواقع دون أي بُعد توحيدي. هذا الاستبدال ليس عفويًا، بل جزء من هيمنة النموذج المادي الغربي، الذي يُعيد صياغة اللغة لتُعبر عن رؤيته للعالم بوصفه فضاءً ماديًا منفصلًا عن القيم الروحية حيث يُختزل الإنسان إلى مكونات مادية، وتُفهم النعمة بمنطق النفعية والكثرة، وليس بمنطق الخير الإلهي"

صالح التويجري
❤7👍6👏5💯4
"أثمنُ ما يبلغه الإنسان في مسيرته ليس صخب الوصول، ولا لمعان الانتصارات التي تصفّق لها الجموع، بل تلك السكينة الخفيّة التي تنبت في أعماقه دون ضجيج؛ أن يستيقظ قلبه على اكتفاءٍ صادق، فلا يمدّ بصره إلى ما في أيدي الآخرين، ولا يزن ذاته بميزان المقارنات، بل يمضي مطمئنًا كأنّه أدرك سرّ الرحلة أخيرًا.
أن تبلغ من الرضا منزلة لا تنازع فيها أحدا، ولا ترهق روحك لإثبات أنك الأجدر أو الأجمل أو الأكثر استحقاقاً، بل تعلم يقينا أن لكل إنسانٍ نصيبه، وأن لك من نفسك ما يغنيك عن كل هذا السباق.
هناك، تنسحب بهدوء من ضجيج المنافسة، لا هزيمةً بل تعاليًا، لا ضعفًا بل وعيًّا، وتعلن في صمتك أنك لم تعد تُشبه هذا الركض الطويل تتخفّف من عبء الإثبات، فلا تُحرق أيامك لتُقنع أحدًا بقيمتك، ولا تطفئ نورك لتناسب عيون الآخرين، بل تستقر في ذاتك استقرار من وجد أخيرًا أرضه التي لا تُزلزلها آراء العابرين. تدرك أن قيمتك ليست في تفوقك على غيرك، بل في صدقك مع نفسك، وفي قدرتك على أن تكون كما أنت، دون تزويرٍ أو ادّعاء.
وحين تصل إلى هذا المعنى، يغتسل قلبك من شوائب الغيرة، وتصفو روحك من ثقل المقارنات، فترى الناس كما هم، لا مراة لنقصك ولا ميدانًا لإثباتك. يصبح النجاح لديك هدوءًا داخليا، لا صخبًا خارجيا، ويغدو السلام في صدرك أعظم من كل انتصارٍ يُروى ومن لم يبلغ هذا الإدراك، ظل عالقًا في طرقٍ متشابهة، يلهث خلفٍ صورٍ لا تخصه، ويبِدد عمره في سباقاتٍ لا نهاية لها، يربح فيها لحظة ويخسر نفسه طويلا. أمّا من وعى، فقّد آثر النجاة على الضجيج، واختار أن يكون قريبًا من ذاته بدل أن يكون بعيدًا عنها في زحام الآخرين.
وهناك، في تلك المسافة الهادئة بينك وبين العالم، تولد النسخة الأصدق منك، نسخةٌ لا تُجامل على حساب روحها، ولا تساوم على سلامها، تعرف متى تمضي ومتى نتوقف، ومتى تمسك ومتى تترك، حتى تغدو الحياة عندها أخفّ، والروح أصفى، والقلب أوسع وكأنك أخيرًا وصلت لا إلى نهاية الطريق بل إلى نفسك"

عهود الخليوي
❤8👍6💯5👏3
قال الله تعالى:‏﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾
أي أنهم لا يشعرون بالنقص إن أُعطي غيرهم، وحُرِموا هم، بل يفرحون لهم.
هذا الكرم في المشاعر ذكره عبدالوهاب مطاوع عن رجل توفيت زوجته؛ فدعا: “اللهم لا تُفرّق بين حبيبين من بعدي.. اللهم فاجعل لمن ليس له حبيبٌ حبيبًا يُحب الحياة من أجله"
❤6👍6🕊4👏3
"واحدة من أجملِ المفردات العربيّة التي تصف حالةَ الإنسان في وقت الضعف هي (ضيقُ الذَّرْع)، صورةٌ بليغة تُعبّر عن وقوعِ الإنسان في ضيقٍ شديد؛ فقد كان العربُ في لسانِهم يَقيسون قدرتَهم بمَدِّ ذراعِهم، فالذي يضيقُ ذرعاً هو مَن اقتربَ منه الخطرُ حتى الْتصقَ بصدره، ولم يَعُد يجدُ مسافةً ليمدَّ يَدَهُ ويبعِد عن نفسه الأذى، فكأنَّ حيلتَهُ قد ضاقت، ويدَهُ قد قَصُرت، ولم يَبقَ له في حالة العجزِ هذه إلا سَعَةُ الالتجاء إلى الله"
❤7👍5💯5👏3
{قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَينٌ}
هناك لحظات يبلغ فيها الإنسان من الحيرة مبلغًا يستنفد معه كل ما يملكه من احتمالات، فلا يرى في الواقع منفذًا، ولا يجد في الأسباب المتاحة ما يقوده إلى ما يرجوه. وفي مثل هذه اللحظات تحديدًا، تتجلى المسافة بين حدود الإدراك البشري وسعة التدبير الإلهي؛ فالإنسان لا يرى من الأمر إلا ما تسمح له معرفته المحدودة، بينما يحيط الله بعواقب الأمور ومآلاتها، ويدبّرها على نحوٍ قد يتجاوز كل ما يستطيع الإنسان تصوره.
ولهذا لم يكن شق البحر لموسى عليه السلام مجرد نجاةٍ من مأزق، بل كان درسًا في أن الطريق قد يوجد حيث لا يراه الإنسان أصلًا. ولم تكن ولادة يحيى عليه السلام في قصة زكريا مجرد استجابةٍ لدعاء، بل كانت شاهدًا على أن العجز البشري لا يساوي عجزًا في القدرة الإلهية.
نحن نرى حدود الممكن، والله لا تحدّه تصوراتنا عن الممكن.
❤8👍7🕊5👏3
"أتأملُ كثيراً في معنى أنَّ الله ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾؛ فأُدرِكُ أنه أقربُ لقلبِ الإنسانِ منه، تخيل أنَّ الله هو الذي يزرع فيك العزم فجأة، ويُوجّه بوصلةَ سعيِك نحو غايةٍ لم تكن في ظنك، ويُلهمك وسط المصيبة مخرجاً لم يخطر ببالك. كلُّ نجاحٍ وصلت له، وكلُّ بلاءٍ نجوت منه، لم يكن بذكائك وحده، بل لأنَّ الله هو الذي ثبّت في قلبك فكرة السعي وحرّك جوارحك للعمل. نحنُ لا نملكُ من قلوبنا إلا نبضها، أما مَيلها، وثباتها، وتحوّلها، فهو بيدِ من هو أعلمُ بنا من أنفسنا"
❤8👍7💯5👏3
‏﴿ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾
"أحياناً، لا يتعب الإنسان من الحياة نفسها، بل من محاولته المستمرة أن يبدو قويًا أمامها. يتحمّل أكثر مما يحتمل، يصمت أكثر مما ينبغي، ويُقنع نفسه أن الاعتراف بالتعب ضعف، وأن الانهيار المؤقت نقصٌ في الإيمان أو الصبر.
بينما الحقيقة أبسط وأرحم: أنت بشر.
خُلقت بقلبٍ يتأثر، وروحٍ تضعف، ونفسٍ تحتاج أن تطمئن، لا أن تُحمَّل فوق طاقتها دائمًا. وليس مطلوبًا منك أن تنجو وحدك من كل شيء، ولا أن تفهم كل ما تمرّ به فورًا، ولا أن تبقى ثابتًا طوال الوقت. فبعض الطمأنينة تبدأ حين تتوقف عن معاقبة نفسك لأنك إنسان، وحين تسمح لقلبك أن يستريح قليلًا دون مقاومة، دون تظاهرٍ بالقوة. فأخفّ الناس حملًا، ليسوا الذين لم يضعفوا أبداً، بل الذين عرفوا أن لهم ربًا يُسند ضعفهم برحمته"
❤9👏6👍5🕊3
"من أعجب السنن التي تكشفها لنا سورة طه بوضوحٍ لافت أن الله تعالى قد يقود الإنسان أحيانًا إلى الطريق ذاته الذي ظل يهابه معظم حياته؛ لا ليُهلكه، بل ليُريه من نفسه ما لم يكن يعهده.
ها هو كليم الله موسى عليه السلام يخرج من مصر خائفًا يترقب، فارًّا من بطش فرعون وظلمه، تاركًا خلفه أرض الطغيان والجبروت، مبتدئًا حياة جديدة بعيدًا فيها عن ذلك الماضي المثقل بالمِحن، وعن أرض الخوف التي فرّ منها يومًا.
غير أن الأعوام مضت والأحوال تبدلت، ثم جاءه النداء الإلهي العظيم: ﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾، عُد إلى الموضع الذي هربت منه يومًا، وواجه ما كنت تخشاه. وهنا تتجلّى سنة عجيبة من سنن الحياة؛ فبعض الطرق التي نظن أننا نجونا منها إلى الأبد، قد نُقاد إليها مرةً أخرى، ولكن ليس بالشخصية ذاتها، ولا بالقلب نفسه؛ بل بروحٍ أصلب، ويقينٍ أرسخ، ونفسٍ أكثر نضجًا وثباتًا. ولذلك لم يسأل موسى ربَّه أن يزيل الخطر من طريقه، ولم يطلب تبديل المهمة أو صرفها عنه، وإنما قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ۝ وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾، وكأنّما يُعلمنا القرآن دستورًا خفيًّا: أن العبرة ليست بمشقة الطريق، بل برحابة الصدر الذي نسير به في ذلك الطريق، فإذا اتسع الصدر بالإيمان، وقوي القلب باليقين، تحوّلت المخاوف إلى ميادين للثبات، وأصبحت الطرق التي كانت تُرعبنا بالأمس ساحاتٍ يظهر فيها أفضل ما أودعه الله في نفوسنا من صبرٍ وعزيمة"
❤9👏7👍5👌3
خوض المعارك الوهمية مع سُفهاء الناس وسفاسف الأمور ليس إلا إهدارًا للعمر وتشتيتًا للفكر، يُبدّد الطاقات ويُعيق المسير. ومع مرور الزمن، يُدرك المرء أنه انشغل بصراعات لا تمتّ إلى جوهر حياته بصلة؛ وكانت حائلاً بينه وبين غاياته الكبرى. فكثيرًا مما يعترضنا في هذه الحياة لا يستحق حتى عناء الالتفات، فضلًا عن ردّة الفعل. والأجدر بالإنسان أن يحيا بسلام، مترفّعًا عن خوض المعارك التافهة، مستغنيًا عنها، صائنًا وقته وطاقته لما هو أسمى وأبقى.
👍8❤7💯6👏3
يُكثر بعض الناس من الحديث فيما لم يذوقوا مرارته، ويجيدون التنظير وهم في سعةٍ من العافية، فتراهم يضعون للناس مقاييس النجاة ويُملون عليهم أسباب السلامة، كأنما أدركوا ذلك بحذقهم أو نالوه بحسن تدبيرهم. ولو ألم بهم من البلاء ما ألم بغيرهم، لقلّ كلامهم وعظم اعتبارهم، ولأيقنوا أن العبد مخلوقٌ ضعيف لا يملك لنفسه حولًا ولا قوة، وأن النجاة فضلٌ من الله ورحمة يمن بها على من يشاء
❤7👍6👏3💯3
﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
تكشف هذه الآية الكريمة عن أدقّ لحظات الابتلاء وأشدّها وقعًا على النفوس، حين يبلغ الكرب منتهاه، وتضيق السبل، وتنقطع الأسباب، حتى يصل المرء إلى حالاً لا يبقى معه إلا انتظار فرج الله. ففي تلك اللحظة التي تستنفد فيها الطاقة البشرية، وتبلغ القلوب مبلغًا عظيمًا من الشدة، يأتي التعبير القرآني مصورًا هذا المقام بأبلغ تصوير، فيقول: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾.
وهنا تتجلّى سنة الله الجارية في عباده؛ فإن النصر كثيرًا ما يأتي عند انقطاع كل أمل في الأسباب الظاهرة، لا لأن الله أخّر نصره تخلّيًا أو عجزًا، تعالى الله عن ذلك، وإنما لأن حكمته اقتضت أن يبلغ الابتلاء غايته، فتتمّ التربية الإيمانية، ويخلص التوكّل من شوائب الاعتماد على الأسباب، ويعلم العباد أن القوة كلها لله، وأن الأمر كله بيده.
فإذا بلغ البلاء ذروته، وانطفأت في أعين الناس آخر بارقة من الأمل، جاء نصر الله بغتة، سريعًا على غير توقع، ليكشف أن ما ظُنَّ تأخيرًا لم يكن إلا تدبيرًا محكمًا، وأن ما حسبه الناس إبطاءً كان في حقيقته إعدادًا للحظة الفرج التي يضعها الله في أكمل موضع وأحكم زمان.
ومن هنا، فإن هذه الآية ليست وصفًا ليأسٍ مذموم، وإنما هي تصوير بالغ الدقة لأقصى ما تبلغه النفس البشرية من ضيق تحت وطأة البلاء، ثم يأتي النصر الإلهي ليؤكد أن الفرج يولد من رحم الشدة، وأن الأبواب التي يراها العبد موصدة قد يفتح الله منها ما لم يخطر له على بال، وأن النصر ليس ثمرة قوة العبد ولا حسن تدبيره، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء في الوقت الذي تقتضيه حكمته البالغة.
وهكذا تبقى الآية شاهدًا خالدًا على أن وراء كل عُسر يسرًا، وأن وعد الله حق لا يتخلّف، وأن تأخير النصر ليس حرمانًا، بل رحمة خفية، وتدبيرًا ربانيًا، وامتحانًا يميز الله به أهل الصدق واليقين من أهل الجزع والارتياب.
❤10👏5👍3🕊3
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
ليس من اللافت أن يقرن القرآن برَّ الوالدين بالتوحيد فحسب، بل أن يجعل الإحسان إليهما أول حقٍّ يأتي بعد حق الله. وكأن استقامة الإنسان لا تكتمل إلا باستقامة صلته بخالقه، ثم باستقامة صلته بمن تشكَّلت في كنفهما ملامحُ نفسه الأولى.
وتلتقي مع هذا المعنى نتائجُ علم النفس الحديث؛ إذ تشير إلى أن العلاقة بالوالدين هي المرجع العاطفي الأول للإنسان، ومنها تتكون صورته عن الأمان والثقة والقرب. وما يترسخ في هذه العلاقة لا ينتهي بانتهاء الطفولة، بل يمتد أثره إلى كل علاقةٍ يقيمها بعد ذلك.
وبهذا المنظور، لا يُعَدّ برُّ الوالدين امتثالًا لأمرٍ تعبدي فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تربية النفس؛ إذ يدربها على كظم الغيظ، وضبط السلوك، ومراعاة ما يقتضيه المقام من حلمٍ وصبر. فما تتعلمه النفس في أقرب دوائرها، ينسحب أثره على دوائر علاقاتها الأوسع.
ولهذا جاء قوله سبحانه: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾، ليعلّم الإنسان أن الأخلاق لا تظهر حقيقتها في أسهل المواقف وأيسرها، وإنما في اللحظة التي تضيق فيها النفس بمن أمامها. وبر الوالدين من أعمق ميادين هذا الاختبار؛ إذ يتعلم فيه الإنسان ضبط الانفعال، وإيثار الأدب على سوء الرد، واحتمال ما لا يوافق هواه دون ضيقٍ أو جزع. وهذه الممارسة المتكررة لا تصنع برًّا بالوالدين فحسب، بل تصنع نمطًا في الشخصية يرافق صاحبه؛ فالنفس التي اعتادت الرفق مع أقرب الناس إليها تكون أقدر على الرفق بغيرهم، والتي تدربت على كبح الأذى في موطنه الأول تحمل هذا الخلق معها إلى سائر علاقاتها. وهكذا يمتد أثر البر من علاقة مخصوصة إلى بناء إنسان أكثر اتزانًا في علاقاته كلها.
ولذلك لم يكن اقتران برِّ الوالدين بالتوحيد ترتيبًا للأحكام فحسب، بل ترتيبًا لبناء الإنسان؛ فالتوحيد يُصلح علاقة العبد بربه، وبرُّ الوالدين يُصلح المنبع الذي تتشكل منه سائر علاقاته، وإذا صلح المنبع، استقام ما تفرع عنه.
❤6👍4👏3💯3
﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾
بهذه العبارة واجه فرعون موسى عليه السلام، مستحضرًا حادثة من ماضيه، لا بقصد التذكير المجرد، وإنما في سياقٍ أراد من خلاله أن يضعه في موضع المتهم، وأن يستثمر خطأً قديم للنيل من موقفه وإضعاف حجته. فأراد أن يختزل موسى في فعلٍ مضى، وأن يجعل من ماضيه قيدًا على حاضره.
غير أنّ موسى عليه السلام لم يُنكر، ولم يُوارِ، ولم يلجأ إلى تبريرٍ يلتفّ به على الحقيقة؛ بل قال بثباتٍ ووضوح: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ ۝ فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾. فقد قدّم اعترافًا صريحًا، لكنه اعترافٌ لا يُسلم صاحبه لسطوة الماضي، ولا يجعل من الخطأ القديم هويةً ملازمة أو قدرًا محتومًا.
في هذا الموقف معنى بالغ الأهمية: الاعتراف بالماضي لا يعني الارتهان له، والإقرار بالخطأ لا يعني أن يظل الإنسان أسيرًا لهويةٍ تشكلت في لحظةٍ تجاوزها.
فالإنسان يتغير، وينضج، ويراجع نفسه، وقد يخطئ ثم يتوب، ويضل ثم يهتدي، ويترك خلفه من السلوك والأفكار والعلاقات ما لم يعد يشبهه. وليس من العدل أن يُحاكم الإنسان إلى الأبد بأقدم نسخةٍ منه، بينما تُغفل كل المسافة التي قطعها منذ ذلك الحين.
❤9👏5👍4💯3👌1
فيما يتعلق بمفهوم المعنى، في ظني أن الفرق بين فرانكل «رائد العلاج بالمعنى» والمنظور الإسلامي، ليس في أهمية المعنى، بل في مصدره وموقعه من الإنسان.
عند فرانكل، المعنى هو ما يجعل الإنسان قادرًا على احتمال الألم. ولهذا كان سؤاله للمرضى اليائسين «لماذا لم تنتحر؟» ذكيًا علاجيًا؛ لأنه لا يفترض أن هناك معنى واحدًا يصلح للجميع، بل يحاول اكتشاف المعنى الذي لا يزال يربط هذا الشخص تحديدًا بالحياة.
لكن من المنظور الإسلامي يمكن أن نقول إن هناك نقلة مهمة: المعنى ليس شيئًا يصنعه الإنسان من تجربته فقط، وإنما هو شيء يُعطى له قبل تجربته.
فالقرآن لا يترك الإنسان أمام سؤال: لماذا أنا هنا؟ وكأن عليه أن يخترع الإجابة بنفسه، فالله يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.
وهذا يغيّر المسألة جذريًا. لأن معنى الحياة هنا لا يتوقف على بقاء الزوج، أو الصحة، أو الأبناء، أو المكانة الاجتماعية. هذه كلها معانٍ داخل المعنى، وليست المعنى النهائي.
وهنا تظهر قوة التصور الإسلامي نفسيًا: إذا كان معنى حياتي قائمًا على شيء يمكن للحياة أن تسلبه مني، فأنا معرض لأن أفقد معنى حياتي حين أفقد ذلك الشيء. أما إذا كان المعنى متجاوزًا للحياة نفسها، فإن خسارات الحياة لا تستطيع من حيث المبدأ أن تنتزع المعنى كله.
وأظن أن أجمل ما في التصور الإسلامي للمعنى ليس فقط أنه يعطي الإنسان إجابة، بل أنه أيضًا يعلمه متى يتوقف عن طلب الإجابة. وهذا فارق بالغ الأهمية.
فالعقل الإنساني لديه ميل شديد إلى السببية:
لماذا حدث هذا؟ لماذا مُنع هذا؟ لماذا مات فلان؟. وهذا الميل ليس مذمومًا في ذاته. بل القرآن نفسه يحفز الإنسان على التفكر والتدبر والنظر. ولذلك نجد في الشريعة تعليلًا وحِكمًا ومقاصد كثيرة، وكأن الوحي يخاطب عقل الإنسان ويقول له: فكر، وتأمل، وافهم.
لكن في المقابل، هناك نقطة لا يستطيع العقل تجاوزها: ليس كل ما له معنى يمكن لعقلك أن يعرف تفاصيل معناه. وهنا يصبح التسليم بالله نوعاً من الاعتراف بحدود العقل.
وهذا يظهر بصورة جميلة جدًا في قصة موسى والخضر. موسى لم يكن جاهلًا، ولم يكن قليل الفهم، بل كان نبيًا. ومع ذلك رأى أشياء لا يستطيع تفسيرها وفق المعلومات التي لديه: خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار. وفي النهاية جاء التفسير. واللافت أن القصة لا تقول لنا فقط: ستعرف الحكمة لاحقًا، بل تعلمنا شيئًا أكثر تعقيدًا: هناك أشياء لن تعرف حكمتها الآن، وربما لا تعرفها في هذه الدنيا أصلًا. وهنا يصبح الإيمان نوعًا من القدرة على العيش مع المعنى غير المكتمل معرفيًا.
ويذهب الإسلام لخطوة أبعد أيضاً ويقول: لا تجعل معنى وجودك كله رهينًا بما تستطيع هذه الحياة أن تمنحك إياه. الحياة نفسها ليست المحطة الأخيرة حتى تكون قادرة على إعطائك المعنى النهائي. لذلك نجد في التصور الإسلامي أن الموت نفسه لا يمثل انهيار المعنى. الموت ليس نهاية القصة، ولذلك لا يصبح فقدان بعض الأشياء في الدنيا فقدانًا لكل شيء.
ويمكن أن يصبح السؤال البديل لسؤال فرانكل: ما المعنى الذي يجعل حياتك جديرة بأن تُعاش حتى عندما تسلب منك الحياة الأشياء التي كنت تظن أن حياتك قائمة عليها؟
وهنا سيظهر الفرق بين المعنى العرضي والمعنى الجوهري. فالابن معنى، الزوجة معنى، العمل معنى. لكن كلها قابلة للفقد. أما أن يكون الإنسان عبدًا لله، فهذه ليست قيمة عرضية من هذا النوع؛ لأنها لا تعتمد على امتلاك شيء من العالم حتى تستمر.
ولهذا أعتقد أن العبارة الأدق ليست أن الإسلام «يعطي الإنسان معنى يمنع من الانتحار»، فهذا اختزال شديد للمسألة، وإنما أن الإسلام يعيد تعريف علاقة الإنسان بوجوده نفسه.
أنت لست موجودًا لكي تحصل على مجموعة معينة من الأشياء، ثم إذا لم تحصل عليها انتهت جدوى وجودك. أنت موجود لله، وفي طريقك إلى الله، وهذه الحياة بما فيها من فقد ومرض ونجاح وفشل ليست هي التي تحدد القيمة النهائية لوجودك. ومن هنا تصبح المعاناة قابلة لأن تدخل داخل المعنى بدل أن تهدمه. وهذه ربما نقطة يلتقي فيها فرانكل مع الإسلام بصورة مذهلة: المعاناة لا تكون بالضرورة نقيضًا للمعنى؛ أحيانًا تصبح جزءًا من الطريق إليه.
إذاً وفق المنظور الإسلامي إذا طُرح سؤال: لو سقطت منك كل الأشياء التي كنت تستمد منها قيمتك، فما الذي يبقى؟. الجواب يكون في النهاية ليس شيئًا من الأشياء. يبقى الله، وتبقى علاقتك به، ويبقى التكليف، وتبقى الآخرة، ويبقى معنى أن وجودك لم يكن عبثًا منذ البداية.
وأظن أن هذه واحدة من أقوى الإجابات التي يمكن أن يقدمها التصور الإسلامي لمشكلة المعنى: ليس عليك أن تفهم كل شيء لكي يكون كل شيء ذا معنى. أحيانًا يكون النضج الإيماني هو أن تعرف ما تستطيع أن تعرفه، وتسأل عما تستطيع أن تسأل عنه، ثم تقف عند حدودك المعرفية دون أن يتحول عجزك عن الفهم إلى اتهام للوجود بالعبث. وهذا لا يجعل التسليم عدوًا للمعنى، بل قد يكون في بعض المراحل أعمق صورة من صور المعنى.
❤5👏5👍3👌3
ليس النُبل دائمًا في المواقف الكبيرة التي تُرى؛ أحيانًا يكون في كلمة تنقذ إنسانًا من حرج، أو موقف يُسند فيه ضعيف، أو حُجّة تُقال نيابةً عن صاحب حقٍّ أعجزه المقام. وتلك والله من أصدق دلائل المروءة والفطنة. وما يبدو للناس فعلًا عابرًا قد يُبقي في النفس أثرًا لا يزول؛ لأن أعظم العطاء أحيانًا أن تنقذ إنسانًا من موقف لا يملك فيه إنقاذ نفسه. وممّا جاء في شرح هذا النُبل ما ذكره أبو حيان التوحيدي في البصائر والذخائر، حيث قال: "أعجبُ الأشياء: بديهةُ أمنٍ وردت في مقام خوف"
❤7👍2👌2💯2
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾
لا يمكن قياس جودة العلاقات بمدى التطابق بين أطرافها فحسب، بل ينبغي النظر أيضًا إلى قدرتها على توفير بيئة تسمح بتبادل المعارف، وإعادة تقييم الأفكار، واكتشاف وجهات النظر المغايرة. فقد يتيح الاختلاف للفرد فرصة إدراك جوانب لم تكن حاضرة في وعيه، أو التعرف إلى بدائل لم يسبق له التفكير فيها، فضلًا عن استيعاب خبرات إنسانية تختلف عن تجربته الخاصة.
وبهذا المعنى، يغدو التباين بين الأشخاص عاملًا محفزًا للنمو المتبادل، شريطة أن يُدار في إطار من الاحترام والانفتاح، دون أن يستلزم ذلك التخلي عن الهوية الشخصية أو التنازل عن المبادئ الأساسية.
وبناءً على هذا التصور، فإن العلاقات الناجحة لا تتطلب تماثلًا كاملًا بين أطرافها، وإنما تقوم على توازن يجمع بين التقارب في القيم الجوهرية والاختلاف في السمات وطرائق التفكير والخبرات. فوجود أرضية مشتركة يعزز الثقة والاستقرار، في حين يتيح التنوع إمكانية توسيع المدارك وتطوير أساليب التعامل مع المواقف المختلفة. وإذا كان التشابه يعزز شعور الفرد بالألفة والأمان، فإن الاحتكاك بوجهات نظر مغايرة قد يساعد على اكتساب وعي أعمق بالذات وبالعالم المحيط.
ويتصل هذا التصور بمفهوم التكامل بين الأشخاص في علم النفس الاجتماعي، الذي يتيح فهمًا للعلاقات من منظور التفاعل بين الأنماط السلوكية والخصائص الشخصية المختلفة، وكيفية إسهام هذا التفاعل في تشكيل طبيعة العلاقة. والكيفية التي يمكن من خلالها إدارة هذه الاختلافات وتوظيفها بما يسهم في تحقيق التوافق وتعزيز جودة التواصل.
وكذلك يمكن استجلاء هذا المعنى من خلال مبدأ الشورى، الذي تقوم قيمته على تعدد الآراء وإتاحة المجال لتبادل وجهات النظر، لا على التطابق المسبق بين المشاركين. وبذلك، لا يُنظر إلى الاختلاف بوصفه عائقًا أمام التوافق، بل باعتباره عنصرًا يمكن أن يسهم في ترشيد التفكير وتحسين الرؤية، متى اقترن بالحوار المسؤول واحترام الرأي الآخر.
وخلاصة القول، إن القيمة الحقيقية للعلاقات الإنسانية لا تكمن في التشابه وحده ولا في الاختلاف لذاته، بل في القدرة على إقامة توازن واعٍ بينهما؛ توازن يرسخ القواسم المشتركة دون أن يلغي التمايز الفردي، ويستثمر التنوع دون أن يحوّله إلى مصدر للصراع. وفي هذا الإطار، تصبح العلاقة مجالًا للتعلم المتبادل وتطوير الوعي، حيث لا يقتصر دور كل طرف على توفير الشعور بالألفة للطرف الآخر، بل يمتد إلى إثراء تجربته وتوسيع آفاقه، بما يعزز نضج العلاقة واستدامتها.
❤3👍3👏2💯1
“الإنسان لا يتحمل الألم إلا من خلال إيمانه بشيء ما يتجاوز ذاته الضيقة” عبدالوهاب المسيري.
لعلّ أعمق ما في كلام المسيري أن الإنسان لا يملك طاقةً لا نهائية على احتمال الألم، وإنما يحتمل منه بقدر ما يرى فيه معنى يتجاوزه. فإذا لم يرَ الإنسان في الألم إلا وجعه، وفي المعاناة إلا قسوتها، أثقلت روحه واستنزفت قدرته على الاحتمال؛ أما حين يؤمن بأن لهذا الوجع غايةً أسمى، وأن في الابتلاء حكمة، وفي العجز قدرة، وفي العتمة أفقًا لم يُكشف بعد، فإن الألم، على قسوته، لا يعود قادرًا على ابتلاع وجوده كله.
👍3❤2👏2