يحمل لفظ الرواء دلالة الامتلاء والريّ، وهو معنى يتجاوز الماء ليبلغ المعرفة ذاتها؛ فالمعرفة مورد، والإنسان واردٌ عليها بظمأٍ لا ينقطع. ومن هنا جاءت فكرة هذه القناة لتكون منبعًا معرفيًا يقدّم للقارئ ما قد يُروي ظمأه إلى الفهم.
❤29
من بديع ما كتب الدكتور عبدالله الوهيبي في تقرير مكانة النص الشرعي، وبيان كيفية التعامل معه بوصفه مصدرًا أصيلًا للحق والهداية، قوله: "المسلم الذي يوقن بصدق الرسالة، تمام اليقين، وبثبوت القرآن، يجعل من نصوص الشارع الثابتة سنداً ومتناً، سبيلاً لإقرار الحقائق في النفس والمجتمع والطبيعة، والعادة أن عموم الناس إنما يبحثون عن مستندات من الشرع على ما استقر ثبوته، أو ما يتوهم ثبوته في "العلم"، أو يتمحّلون في تقوية ما ثبت في الشرع بالاستدلال له بنتائج العلوم المعاصرة، وأكثر ذلك من الجهل، ووهاء اليقين في القلب.
فنفس التشريعات إنما نزلت من خالق النفوس، ومبدع الطبيعة، فهي مناسبة تمام المناسبة لحال الخلائق من جهة، وهي كاشفة عن طبيعة النفوس من جهة أخرى.
وقد نبّه بعضهم على هذا المعنى في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾، فالاهتداء الأول هو بنفس فعل اليقين بصحة الخطاب الإلهي، وصوابيته المطلقة، ثم يمتن الله على المهتدي بأن يزيده هدى بإدراك أسرار الخطاب، وعظمة ملائمته لإصلاح النفوس، وإقامة دين الناس ودنياهم، وغير ذلك من ألوان الهدايات التي يعلمها الله".
فنفس التشريعات إنما نزلت من خالق النفوس، ومبدع الطبيعة، فهي مناسبة تمام المناسبة لحال الخلائق من جهة، وهي كاشفة عن طبيعة النفوس من جهة أخرى.
وقد نبّه بعضهم على هذا المعنى في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾، فالاهتداء الأول هو بنفس فعل اليقين بصحة الخطاب الإلهي، وصوابيته المطلقة، ثم يمتن الله على المهتدي بأن يزيده هدى بإدراك أسرار الخطاب، وعظمة ملائمته لإصلاح النفوس، وإقامة دين الناس ودنياهم، وغير ذلك من ألوان الهدايات التي يعلمها الله".
👍10👏7❤6👌3
"وصف القرآن الإنسان بالضعف في قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾.
وهنا تتضح دلالة تربوية مهمة: أن الإنسان لا يُربّى ليُنكر ضعفه، بل ليعيه. فالغاية العليا للتربية القرآنية ليست صناعة إنسان خالٍ من الضعف، بل إنسان مؤمن راشد. يعرف ضعفه، ويدرك مصدر قوته، ويهتدي بالإيمان والاستجابة لله. فتثمر هذه العلاقة رشدًا في الفهم والاختيار والسلوك.
ويتضح من هذا التأمل أن الرشد في المنظور القرآني لا يتحقق بمجرد امتلاك القدرات العقلية أو تنمية الذكاء، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإيمان والاستجابة لله بوصفهما مرجعية موجهة للسلوك والاختيار.
كما أن وصف الإنسان بالضعف لا يُعد نقيصة تربوية، بل منطلقًا لبناء إنسان واعٍ بذاته وحدوده، قادر على توجيه ضعفه توجيهًا إيمانيًا يثمر رشدًا في التفكير والممارسة.
وعليه، فإن الغاية العليا للتربية ليست نفي الضعف الإنساني، بل تربية الإنسان المؤمن الراشد"
وهنا تتضح دلالة تربوية مهمة: أن الإنسان لا يُربّى ليُنكر ضعفه، بل ليعيه. فالغاية العليا للتربية القرآنية ليست صناعة إنسان خالٍ من الضعف، بل إنسان مؤمن راشد. يعرف ضعفه، ويدرك مصدر قوته، ويهتدي بالإيمان والاستجابة لله. فتثمر هذه العلاقة رشدًا في الفهم والاختيار والسلوك.
ويتضح من هذا التأمل أن الرشد في المنظور القرآني لا يتحقق بمجرد امتلاك القدرات العقلية أو تنمية الذكاء، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإيمان والاستجابة لله بوصفهما مرجعية موجهة للسلوك والاختيار.
كما أن وصف الإنسان بالضعف لا يُعد نقيصة تربوية، بل منطلقًا لبناء إنسان واعٍ بذاته وحدوده، قادر على توجيه ضعفه توجيهًا إيمانيًا يثمر رشدًا في التفكير والممارسة.
وعليه، فإن الغاية العليا للتربية ليست نفي الضعف الإنساني، بل تربية الإنسان المؤمن الراشد"
❤10👍7👏6💯5
"حين يُساء فهم النص المقدّس
هذا المقال محاولة للتفريق بين الحقيقة الإلهية، والصوت البشري الذي ينقله الوحي كما هو في قراءتنا للقرآن، نقع أحيانًا في فخٍّ غير مرئي: أن نُساوي بين ما يقوله الله بوصفه حقيقة مطلقة، وبين ما ينقله الله عن قول إنسان داخل سياق قصة ، والفرق بين الأمرين ليس تفصيلاً لغويًا، بل فرق يمسّ طريقة فهمنا للوحي، وعدالتنا في التعامل مع النص ، فالقرآن لا ينقل الأحداث فقط، بل ينقل الأصوات ، أصوات الأنبياء، وأصوات البشر العاديين، وأصوات الخوف، والظنّ، والانفعال ، كلها محفوظة داخل النص الإلهي، لكن ليس كل صوتٍ فيها حقيقة كونية أو حكمًا إلهيًا ، من أشهر الأمثلة على هذا الالتباس، قول الله تعالى في سورةيوسف: «إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ» كثيرًا ما تُقتطع هذه الجملة من سياقها، وتُتداول وكأنها حكم إلهي قاطع على النساء، بينما الحقيقة أدقّ من ذلك بكثير، فالله أنزل الآية، نعم، لكن القائل ليس الله، بل عزيز مصر، رجل فوجئ بانقلاب ما كان يراه آمنًا في بيته، فتكلّم من موقع الصدمة، لا من مقام التشريع ، القرآن هنا لا يُقرِّر حقيقة، بل يحكي لحظة إنسانية، وهنا يظهر الفرق الجوهري بين: أن يقول الله وأن يقول الله إن إنسانًا قال ، الأولى حقيقة مطلقة والثانية أمانة سردية.
القرآن لم يُنزِل هذه الجملة ليجعل منها قانونًا أخلاقيًا أو توصيفًا أبديًا، بل ليكشف لنا كيف يرى الإنسان الأمور حين يُفاجأ، حين يُجرَح، حين يُربَك ، إنه ينقل الصوت البشري كما هو، دون تلميع، ودون تصحيح فوري، تاركًا للقارئ مسؤولية الفهم، ولو كانت الجملة حكمًا إلهيًا، لوردت بصيغة تقريرية مستقلة، لا على لسان شخصية داخل قصة ، لكن الله اختار أن يضعها في سياقها النفسي، والزمني، والإنساني.
وفي موضع آخر من القرآن، نرى الفرق بوضوح حين يقول الله تعالى: «إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا» هنا المتكلم هو الله، والسياق تقرير، والصيغة يقينية، والحكم عام ، هنا فقط نتعامل مع حقيقة إلهية خالصة، لا مع رأي، ولا مع انفعال.
بهذا التمييز، نبدأ في قراءة القرآن قراءة ناضجة، لا تُسطّح النص، ولا تُحوِّل كل جملة فيه إلى تشريع، ولا تُحمِّله ما لم يقله، قراءة تُدرك أن الوحي أوسع من الأحكام، وأن النص الإلهي يتّسع للإنسان بكل ضعفه ، فالقرآن لا يُقصي الصوت البشري، بل يحتويه لا يُلغيه، بل يضعه في مكانه الصحيح"
هذا المقال محاولة للتفريق بين الحقيقة الإلهية، والصوت البشري الذي ينقله الوحي كما هو في قراءتنا للقرآن، نقع أحيانًا في فخٍّ غير مرئي: أن نُساوي بين ما يقوله الله بوصفه حقيقة مطلقة، وبين ما ينقله الله عن قول إنسان داخل سياق قصة ، والفرق بين الأمرين ليس تفصيلاً لغويًا، بل فرق يمسّ طريقة فهمنا للوحي، وعدالتنا في التعامل مع النص ، فالقرآن لا ينقل الأحداث فقط، بل ينقل الأصوات ، أصوات الأنبياء، وأصوات البشر العاديين، وأصوات الخوف، والظنّ، والانفعال ، كلها محفوظة داخل النص الإلهي، لكن ليس كل صوتٍ فيها حقيقة كونية أو حكمًا إلهيًا ، من أشهر الأمثلة على هذا الالتباس، قول الله تعالى في سورةيوسف: «إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ» كثيرًا ما تُقتطع هذه الجملة من سياقها، وتُتداول وكأنها حكم إلهي قاطع على النساء، بينما الحقيقة أدقّ من ذلك بكثير، فالله أنزل الآية، نعم، لكن القائل ليس الله، بل عزيز مصر، رجل فوجئ بانقلاب ما كان يراه آمنًا في بيته، فتكلّم من موقع الصدمة، لا من مقام التشريع ، القرآن هنا لا يُقرِّر حقيقة، بل يحكي لحظة إنسانية، وهنا يظهر الفرق الجوهري بين: أن يقول الله وأن يقول الله إن إنسانًا قال ، الأولى حقيقة مطلقة والثانية أمانة سردية.
القرآن لم يُنزِل هذه الجملة ليجعل منها قانونًا أخلاقيًا أو توصيفًا أبديًا، بل ليكشف لنا كيف يرى الإنسان الأمور حين يُفاجأ، حين يُجرَح، حين يُربَك ، إنه ينقل الصوت البشري كما هو، دون تلميع، ودون تصحيح فوري، تاركًا للقارئ مسؤولية الفهم، ولو كانت الجملة حكمًا إلهيًا، لوردت بصيغة تقريرية مستقلة، لا على لسان شخصية داخل قصة ، لكن الله اختار أن يضعها في سياقها النفسي، والزمني، والإنساني.
وفي موضع آخر من القرآن، نرى الفرق بوضوح حين يقول الله تعالى: «إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا» هنا المتكلم هو الله، والسياق تقرير، والصيغة يقينية، والحكم عام ، هنا فقط نتعامل مع حقيقة إلهية خالصة، لا مع رأي، ولا مع انفعال.
بهذا التمييز، نبدأ في قراءة القرآن قراءة ناضجة، لا تُسطّح النص، ولا تُحوِّل كل جملة فيه إلى تشريع، ولا تُحمِّله ما لم يقله، قراءة تُدرك أن الوحي أوسع من الأحكام، وأن النص الإلهي يتّسع للإنسان بكل ضعفه ، فالقرآن لا يُقصي الصوت البشري، بل يحتويه لا يُلغيه، بل يضعه في مكانه الصحيح"
❤8👍6👏6💯5
"حين نستبدل مصطلحات إسلامية أصيلة مثل البركة بالوفرة، والشكر بالامتنان، والرضا بالقبول، فإننا لا نقوم بتغيير سطحي في الألفاظ، بل نُحدث تحولًا عميقًا في الرؤية التي نُفسر بها العالم والوجود. المصطلحات الإسلامية ليست كلمات مجردة، بل مفاهيم متجذرة في رؤية توحيدية تجعل العلاقة بين الإنسان والخالق محورًا لكل شيء، فالبركة لا تعني مجرد الكثرة المادية، بل الخير الإلهي الذي يجعل القليل نافعًا ومثمرًا، متجاوزًا حدود الكم إلى الكيف، أما الوفرة فهي مفهوم مادي بحت، يُقاس بالكمية ويُغفل القيمة الأعمق للعطاء الإلهي. كذلك الشكر عبادة تربط النعمة بالمنعِم، وتُعبر عن وعي الإنسان بعجزه أمام مصدر النعمة الحقيقي، أما الامتنان في الأدبيات الحديثة، شعور ذاتي قد ينفصل عن الله، ويركز على الظرف أو الذات في إطار مادي أو نفسي. وأخيرًا فإن الرضا مقام إيماني يعكس التسليم لحكمة الله عن صبر وحب واحتساب للأجر، بينما القبول في سياقه الحديث قد يشير إلى التكيف مع الواقع دون أي بُعد توحيدي. هذا الاستبدال ليس عفويًا، بل جزء من هيمنة النموذج المادي الغربي، الذي يُعيد صياغة اللغة لتُعبر عن رؤيته للعالم بوصفه فضاءً ماديًا منفصلًا عن القيم الروحية حيث يُختزل الإنسان إلى مكونات مادية، وتُفهم النعمة بمنطق النفعية والكثرة، وليس بمنطق الخير الإلهي"
صالح التويجري
❤7👍6👏5💯4
"أثمنُ ما يبلغه الإنسان في مسيرته ليس صخب الوصول، ولا لمعان الانتصارات التي تصفّق لها الجموع، بل تلك السكينة الخفيّة التي تنبت في أعماقه دون ضجيج؛ أن يستيقظ قلبه على اكتفاءٍ صادق، فلا يمدّ بصره إلى ما في أيدي الآخرين، ولا يزن ذاته بميزان المقارنات، بل يمضي مطمئنًا كأنّه أدرك سرّ الرحلة أخيرًا.
أن تبلغ من الرضا منزلة لا تنازع فيها أحدا، ولا ترهق روحك لإثبات أنك الأجدر أو الأجمل أو الأكثر استحقاقاً، بل تعلم يقينا أن لكل إنسانٍ نصيبه، وأن لك من نفسك ما يغنيك عن كل هذا السباق.
هناك، تنسحب بهدوء من ضجيج المنافسة، لا هزيمةً بل تعاليًا، لا ضعفًا بل وعيًّا، وتعلن في صمتك أنك لم تعد تُشبه هذا الركض الطويل تتخفّف من عبء الإثبات، فلا تُحرق أيامك لتُقنع أحدًا بقيمتك، ولا تطفئ نورك لتناسب عيون الآخرين، بل تستقر في ذاتك استقرار من وجد أخيرًا أرضه التي لا تُزلزلها آراء العابرين. تدرك أن قيمتك ليست في تفوقك على غيرك، بل في صدقك مع نفسك، وفي قدرتك على أن تكون كما أنت، دون تزويرٍ أو ادّعاء.
وحين تصل إلى هذا المعنى، يغتسل قلبك من شوائب الغيرة، وتصفو روحك من ثقل المقارنات، فترى الناس كما هم، لا مراة لنقصك ولا ميدانًا لإثباتك. يصبح النجاح لديك هدوءًا داخليا، لا صخبًا خارجيا، ويغدو السلام في صدرك أعظم من كل انتصارٍ يُروى ومن لم يبلغ هذا الإدراك، ظل عالقًا في طرقٍ متشابهة، يلهث خلفٍ صورٍ لا تخصه، ويبِدد عمره في سباقاتٍ لا نهاية لها، يربح فيها لحظة ويخسر نفسه طويلا. أمّا من وعى، فقّد آثر النجاة على الضجيج، واختار أن يكون قريبًا من ذاته بدل أن يكون بعيدًا عنها في زحام الآخرين.
وهناك، في تلك المسافة الهادئة بينك وبين العالم، تولد النسخة الأصدق منك، نسخةٌ لا تُجامل على حساب روحها، ولا تساوم على سلامها، تعرف متى تمضي ومتى نتوقف، ومتى تمسك ومتى تترك، حتى تغدو الحياة عندها أخفّ، والروح أصفى، والقلب أوسع وكأنك أخيرًا وصلت لا إلى نهاية الطريق بل إلى نفسك"
أن تبلغ من الرضا منزلة لا تنازع فيها أحدا، ولا ترهق روحك لإثبات أنك الأجدر أو الأجمل أو الأكثر استحقاقاً، بل تعلم يقينا أن لكل إنسانٍ نصيبه، وأن لك من نفسك ما يغنيك عن كل هذا السباق.
هناك، تنسحب بهدوء من ضجيج المنافسة، لا هزيمةً بل تعاليًا، لا ضعفًا بل وعيًّا، وتعلن في صمتك أنك لم تعد تُشبه هذا الركض الطويل تتخفّف من عبء الإثبات، فلا تُحرق أيامك لتُقنع أحدًا بقيمتك، ولا تطفئ نورك لتناسب عيون الآخرين، بل تستقر في ذاتك استقرار من وجد أخيرًا أرضه التي لا تُزلزلها آراء العابرين. تدرك أن قيمتك ليست في تفوقك على غيرك، بل في صدقك مع نفسك، وفي قدرتك على أن تكون كما أنت، دون تزويرٍ أو ادّعاء.
وحين تصل إلى هذا المعنى، يغتسل قلبك من شوائب الغيرة، وتصفو روحك من ثقل المقارنات، فترى الناس كما هم، لا مراة لنقصك ولا ميدانًا لإثباتك. يصبح النجاح لديك هدوءًا داخليا، لا صخبًا خارجيا، ويغدو السلام في صدرك أعظم من كل انتصارٍ يُروى ومن لم يبلغ هذا الإدراك، ظل عالقًا في طرقٍ متشابهة، يلهث خلفٍ صورٍ لا تخصه، ويبِدد عمره في سباقاتٍ لا نهاية لها، يربح فيها لحظة ويخسر نفسه طويلا. أمّا من وعى، فقّد آثر النجاة على الضجيج، واختار أن يكون قريبًا من ذاته بدل أن يكون بعيدًا عنها في زحام الآخرين.
وهناك، في تلك المسافة الهادئة بينك وبين العالم، تولد النسخة الأصدق منك، نسخةٌ لا تُجامل على حساب روحها، ولا تساوم على سلامها، تعرف متى تمضي ومتى نتوقف، ومتى تمسك ومتى تترك، حتى تغدو الحياة عندها أخفّ، والروح أصفى، والقلب أوسع وكأنك أخيرًا وصلت لا إلى نهاية الطريق بل إلى نفسك"
عهود الخليوي
❤8👍6💯5👏3
قال الله تعالى:﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾
أي أنهم لا يشعرون بالنقص إن أُعطي غيرهم، وحُرِموا هم، بل يفرحون لهم.
هذا الكرم في المشاعر ذكره عبدالوهاب مطاوع عن رجل توفيت زوجته؛ فدعا: “اللهم لا تُفرّق بين حبيبين من بعدي.. اللهم فاجعل لمن ليس له حبيبٌ حبيبًا يُحب الحياة من أجله"
أي أنهم لا يشعرون بالنقص إن أُعطي غيرهم، وحُرِموا هم، بل يفرحون لهم.
هذا الكرم في المشاعر ذكره عبدالوهاب مطاوع عن رجل توفيت زوجته؛ فدعا: “اللهم لا تُفرّق بين حبيبين من بعدي.. اللهم فاجعل لمن ليس له حبيبٌ حبيبًا يُحب الحياة من أجله"
❤6👍6🕊4👏3
"واحدة من أجملِ المفردات العربيّة التي تصف حالةَ الإنسان في وقت الضعف هي (ضيقُ الذَّرْع)، صورةٌ بليغة تُعبّر عن وقوعِ الإنسان في ضيقٍ شديد؛ فقد كان العربُ في لسانِهم يَقيسون قدرتَهم بمَدِّ ذراعِهم، فالذي يضيقُ ذرعاً هو مَن اقتربَ منه الخطرُ حتى الْتصقَ بصدره، ولم يَعُد يجدُ مسافةً ليمدَّ يَدَهُ ويبعِد عن نفسه الأذى، فكأنَّ حيلتَهُ قد ضاقت، ويدَهُ قد قَصُرت، ولم يَبقَ له في حالة العجزِ هذه إلا سَعَةُ الالتجاء إلى الله"
❤7👍5💯5👏3
{قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَينٌ}
هناك لحظات يبلغ فيها الإنسان من الحيرة مبلغًا يستنفد معه كل ما يملكه من احتمالات، فلا يرى في الواقع منفذًا، ولا يجد في الأسباب المتاحة ما يقوده إلى ما يرجوه. وفي مثل هذه اللحظات تحديدًا، تتجلى المسافة بين حدود الإدراك البشري وسعة التدبير الإلهي؛ فالإنسان لا يرى من الأمر إلا ما تسمح له معرفته المحدودة، بينما يحيط الله بعواقب الأمور ومآلاتها، ويدبّرها على نحوٍ قد يتجاوز كل ما يستطيع الإنسان تصوره.
ولهذا لم يكن شق البحر لموسى عليه السلام مجرد نجاةٍ من مأزق، بل كان درسًا في أن الطريق قد يوجد حيث لا يراه الإنسان أصلًا. ولم تكن ولادة يحيى عليه السلام في قصة زكريا مجرد استجابةٍ لدعاء، بل كانت شاهدًا على أن العجز البشري لا يساوي عجزًا في القدرة الإلهية.
نحن نرى حدود الممكن، والله لا تحدّه تصوراتنا عن الممكن.
هناك لحظات يبلغ فيها الإنسان من الحيرة مبلغًا يستنفد معه كل ما يملكه من احتمالات، فلا يرى في الواقع منفذًا، ولا يجد في الأسباب المتاحة ما يقوده إلى ما يرجوه. وفي مثل هذه اللحظات تحديدًا، تتجلى المسافة بين حدود الإدراك البشري وسعة التدبير الإلهي؛ فالإنسان لا يرى من الأمر إلا ما تسمح له معرفته المحدودة، بينما يحيط الله بعواقب الأمور ومآلاتها، ويدبّرها على نحوٍ قد يتجاوز كل ما يستطيع الإنسان تصوره.
ولهذا لم يكن شق البحر لموسى عليه السلام مجرد نجاةٍ من مأزق، بل كان درسًا في أن الطريق قد يوجد حيث لا يراه الإنسان أصلًا. ولم تكن ولادة يحيى عليه السلام في قصة زكريا مجرد استجابةٍ لدعاء، بل كانت شاهدًا على أن العجز البشري لا يساوي عجزًا في القدرة الإلهية.
نحن نرى حدود الممكن، والله لا تحدّه تصوراتنا عن الممكن.
❤8👍7🕊5👏3
"أتأملُ كثيراً في معنى أنَّ الله ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾؛ فأُدرِكُ أنه أقربُ لقلبِ الإنسانِ منه، تخيل أنَّ الله هو الذي يزرع فيك العزم فجأة، ويُوجّه بوصلةَ سعيِك نحو غايةٍ لم تكن في ظنك، ويُلهمك وسط المصيبة مخرجاً لم يخطر ببالك. كلُّ نجاحٍ وصلت له، وكلُّ بلاءٍ نجوت منه، لم يكن بذكائك وحده، بل لأنَّ الله هو الذي ثبّت في قلبك فكرة السعي وحرّك جوارحك للعمل. نحنُ لا نملكُ من قلوبنا إلا نبضها، أما مَيلها، وثباتها، وتحوّلها، فهو بيدِ من هو أعلمُ بنا من أنفسنا"
❤8👍7💯5👏3
﴿ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا ﴾
"أحياناً، لا يتعب الإنسان من الحياة نفسها، بل من محاولته المستمرة أن يبدو قويًا أمامها. يتحمّل أكثر مما يحتمل، يصمت أكثر مما ينبغي، ويُقنع نفسه أن الاعتراف بالتعب ضعف، وأن الانهيار المؤقت نقصٌ في الإيمان أو الصبر.
بينما الحقيقة أبسط وأرحم: أنت بشر.
خُلقت بقلبٍ يتأثر، وروحٍ تضعف، ونفسٍ تحتاج أن تطمئن، لا أن تُحمَّل فوق طاقتها دائمًا. وليس مطلوبًا منك أن تنجو وحدك من كل شيء، ولا أن تفهم كل ما تمرّ به فورًا، ولا أن تبقى ثابتًا طوال الوقت. فبعض الطمأنينة تبدأ حين تتوقف عن معاقبة نفسك لأنك إنسان، وحين تسمح لقلبك أن يستريح قليلًا دون مقاومة، دون تظاهرٍ بالقوة. فأخفّ الناس حملًا، ليسوا الذين لم يضعفوا أبداً، بل الذين عرفوا أن لهم ربًا يُسند ضعفهم برحمته"
"أحياناً، لا يتعب الإنسان من الحياة نفسها، بل من محاولته المستمرة أن يبدو قويًا أمامها. يتحمّل أكثر مما يحتمل، يصمت أكثر مما ينبغي، ويُقنع نفسه أن الاعتراف بالتعب ضعف، وأن الانهيار المؤقت نقصٌ في الإيمان أو الصبر.
بينما الحقيقة أبسط وأرحم: أنت بشر.
خُلقت بقلبٍ يتأثر، وروحٍ تضعف، ونفسٍ تحتاج أن تطمئن، لا أن تُحمَّل فوق طاقتها دائمًا. وليس مطلوبًا منك أن تنجو وحدك من كل شيء، ولا أن تفهم كل ما تمرّ به فورًا، ولا أن تبقى ثابتًا طوال الوقت. فبعض الطمأنينة تبدأ حين تتوقف عن معاقبة نفسك لأنك إنسان، وحين تسمح لقلبك أن يستريح قليلًا دون مقاومة، دون تظاهرٍ بالقوة. فأخفّ الناس حملًا، ليسوا الذين لم يضعفوا أبداً، بل الذين عرفوا أن لهم ربًا يُسند ضعفهم برحمته"
❤9👏6👍5🕊3
"من أعجب السنن التي تكشفها لنا سورة طه بوضوحٍ لافت أن الله تعالى قد يقود الإنسان أحيانًا إلى الطريق ذاته الذي ظل يهابه معظم حياته؛ لا ليُهلكه، بل ليُريه من نفسه ما لم يكن يعهده.
ها هو كليم الله موسى عليه السلام يخرج من مصر خائفًا يترقب، فارًّا من بطش فرعون وظلمه، تاركًا خلفه أرض الطغيان والجبروت، مبتدئًا حياة جديدة بعيدًا فيها عن ذلك الماضي المثقل بالمِحن، وعن أرض الخوف التي فرّ منها يومًا.
غير أن الأعوام مضت والأحوال تبدلت، ثم جاءه النداء الإلهي العظيم: ﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾، عُد إلى الموضع الذي هربت منه يومًا، وواجه ما كنت تخشاه. وهنا تتجلّى سنة عجيبة من سنن الحياة؛ فبعض الطرق التي نظن أننا نجونا منها إلى الأبد، قد نُقاد إليها مرةً أخرى، ولكن ليس بالشخصية ذاتها، ولا بالقلب نفسه؛ بل بروحٍ أصلب، ويقينٍ أرسخ، ونفسٍ أكثر نضجًا وثباتًا. ولذلك لم يسأل موسى ربَّه أن يزيل الخطر من طريقه، ولم يطلب تبديل المهمة أو صرفها عنه، وإنما قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾، وكأنّما يُعلمنا القرآن دستورًا خفيًّا: أن العبرة ليست بمشقة الطريق، بل برحابة الصدر الذي نسير به في ذلك الطريق، فإذا اتسع الصدر بالإيمان، وقوي القلب باليقين، تحوّلت المخاوف إلى ميادين للثبات، وأصبحت الطرق التي كانت تُرعبنا بالأمس ساحاتٍ يظهر فيها أفضل ما أودعه الله في نفوسنا من صبرٍ وعزيمة"
ها هو كليم الله موسى عليه السلام يخرج من مصر خائفًا يترقب، فارًّا من بطش فرعون وظلمه، تاركًا خلفه أرض الطغيان والجبروت، مبتدئًا حياة جديدة بعيدًا فيها عن ذلك الماضي المثقل بالمِحن، وعن أرض الخوف التي فرّ منها يومًا.
غير أن الأعوام مضت والأحوال تبدلت، ثم جاءه النداء الإلهي العظيم: ﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾، عُد إلى الموضع الذي هربت منه يومًا، وواجه ما كنت تخشاه. وهنا تتجلّى سنة عجيبة من سنن الحياة؛ فبعض الطرق التي نظن أننا نجونا منها إلى الأبد، قد نُقاد إليها مرةً أخرى، ولكن ليس بالشخصية ذاتها، ولا بالقلب نفسه؛ بل بروحٍ أصلب، ويقينٍ أرسخ، ونفسٍ أكثر نضجًا وثباتًا. ولذلك لم يسأل موسى ربَّه أن يزيل الخطر من طريقه، ولم يطلب تبديل المهمة أو صرفها عنه، وإنما قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾، وكأنّما يُعلمنا القرآن دستورًا خفيًّا: أن العبرة ليست بمشقة الطريق، بل برحابة الصدر الذي نسير به في ذلك الطريق، فإذا اتسع الصدر بالإيمان، وقوي القلب باليقين، تحوّلت المخاوف إلى ميادين للثبات، وأصبحت الطرق التي كانت تُرعبنا بالأمس ساحاتٍ يظهر فيها أفضل ما أودعه الله في نفوسنا من صبرٍ وعزيمة"
❤9👏7👍5👌3
خوض المعارك الوهمية مع سُفهاء الناس وسفاسف الأمور ليس إلا إهدارًا للعمر وتشتيتًا للفكر، يُبدّد الطاقات ويُعيق المسير. ومع مرور الزمن، يُدرك المرء أنه انشغل بصراعات لا تمتّ إلى جوهر حياته بصلة؛ وكانت حائلاً بينه وبين غاياته الكبرى. فكثيرًا مما يعترضنا في هذه الحياة لا يستحق حتى عناء الالتفات، فضلًا عن ردّة الفعل. والأجدر بالإنسان أن يحيا بسلام، مترفّعًا عن خوض المعارك التافهة، مستغنيًا عنها، صائنًا وقته وطاقته لما هو أسمى وأبقى.
👍8❤7💯6👏3
يُكثر بعض الناس من الحديث فيما لم يذوقوا مرارته، ويجيدون التنظير وهم في سعةٍ من العافية، فتراهم يضعون للناس مقاييس النجاة ويُملون عليهم أسباب السلامة، كأنما أدركوا ذلك بحذقهم أو نالوه بحسن تدبيرهم. ولو ألم بهم من البلاء ما ألم بغيرهم، لقلّ كلامهم وعظم اعتبارهم، ولأيقنوا أن العبد مخلوقٌ ضعيف لا يملك لنفسه حولًا ولا قوة، وأن النجاة فضلٌ من الله ورحمة يمن بها على من يشاء
❤7👍6👏3💯3
﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾.
تكشف هذه الآية الكريمة عن أدقّ لحظات الابتلاء وأشدّها وقعًا على النفوس، حين يبلغ الكرب منتهاه، وتضيق السبل، وتنقطع الأسباب، حتى يصل المرء إلى حالاً لا يبقى معه إلا انتظار فرج الله. ففي تلك اللحظة التي تستنفد فيها الطاقة البشرية، وتبلغ القلوب مبلغًا عظيمًا من الشدة، يأتي التعبير القرآني مصورًا هذا المقام بأبلغ تصوير، فيقول: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾.
وهنا تتجلّى سنة الله الجارية في عباده؛ فإن النصر كثيرًا ما يأتي عند انقطاع كل أمل في الأسباب الظاهرة، لا لأن الله أخّر نصره تخلّيًا أو عجزًا، تعالى الله عن ذلك، وإنما لأن حكمته اقتضت أن يبلغ الابتلاء غايته، فتتمّ التربية الإيمانية، ويخلص التوكّل من شوائب الاعتماد على الأسباب، ويعلم العباد أن القوة كلها لله، وأن الأمر كله بيده.
فإذا بلغ البلاء ذروته، وانطفأت في أعين الناس آخر بارقة من الأمل، جاء نصر الله بغتة، سريعًا على غير توقع، ليكشف أن ما ظُنَّ تأخيرًا لم يكن إلا تدبيرًا محكمًا، وأن ما حسبه الناس إبطاءً كان في حقيقته إعدادًا للحظة الفرج التي يضعها الله في أكمل موضع وأحكم زمان.
ومن هنا، فإن هذه الآية ليست وصفًا ليأسٍ مذموم، وإنما هي تصوير بالغ الدقة لأقصى ما تبلغه النفس البشرية من ضيق تحت وطأة البلاء، ثم يأتي النصر الإلهي ليؤكد أن الفرج يولد من رحم الشدة، وأن الأبواب التي يراها العبد موصدة قد يفتح الله منها ما لم يخطر له على بال، وأن النصر ليس ثمرة قوة العبد ولا حسن تدبيره، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء في الوقت الذي تقتضيه حكمته البالغة.
وهكذا تبقى الآية شاهدًا خالدًا على أن وراء كل عُسر يسرًا، وأن وعد الله حق لا يتخلّف، وأن تأخير النصر ليس حرمانًا، بل رحمة خفية، وتدبيرًا ربانيًا، وامتحانًا يميز الله به أهل الصدق واليقين من أهل الجزع والارتياب.
تكشف هذه الآية الكريمة عن أدقّ لحظات الابتلاء وأشدّها وقعًا على النفوس، حين يبلغ الكرب منتهاه، وتضيق السبل، وتنقطع الأسباب، حتى يصل المرء إلى حالاً لا يبقى معه إلا انتظار فرج الله. ففي تلك اللحظة التي تستنفد فيها الطاقة البشرية، وتبلغ القلوب مبلغًا عظيمًا من الشدة، يأتي التعبير القرآني مصورًا هذا المقام بأبلغ تصوير، فيقول: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾.
وهنا تتجلّى سنة الله الجارية في عباده؛ فإن النصر كثيرًا ما يأتي عند انقطاع كل أمل في الأسباب الظاهرة، لا لأن الله أخّر نصره تخلّيًا أو عجزًا، تعالى الله عن ذلك، وإنما لأن حكمته اقتضت أن يبلغ الابتلاء غايته، فتتمّ التربية الإيمانية، ويخلص التوكّل من شوائب الاعتماد على الأسباب، ويعلم العباد أن القوة كلها لله، وأن الأمر كله بيده.
فإذا بلغ البلاء ذروته، وانطفأت في أعين الناس آخر بارقة من الأمل، جاء نصر الله بغتة، سريعًا على غير توقع، ليكشف أن ما ظُنَّ تأخيرًا لم يكن إلا تدبيرًا محكمًا، وأن ما حسبه الناس إبطاءً كان في حقيقته إعدادًا للحظة الفرج التي يضعها الله في أكمل موضع وأحكم زمان.
ومن هنا، فإن هذه الآية ليست وصفًا ليأسٍ مذموم، وإنما هي تصوير بالغ الدقة لأقصى ما تبلغه النفس البشرية من ضيق تحت وطأة البلاء، ثم يأتي النصر الإلهي ليؤكد أن الفرج يولد من رحم الشدة، وأن الأبواب التي يراها العبد موصدة قد يفتح الله منها ما لم يخطر له على بال، وأن النصر ليس ثمرة قوة العبد ولا حسن تدبيره، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء في الوقت الذي تقتضيه حكمته البالغة.
وهكذا تبقى الآية شاهدًا خالدًا على أن وراء كل عُسر يسرًا، وأن وعد الله حق لا يتخلّف، وأن تأخير النصر ليس حرمانًا، بل رحمة خفية، وتدبيرًا ربانيًا، وامتحانًا يميز الله به أهل الصدق واليقين من أهل الجزع والارتياب.
❤10👏5👍3🕊3
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
ليس من اللافت أن يقرن القرآن برَّ الوالدين بالتوحيد فحسب، بل أن يجعل الإحسان إليهما أول حقٍّ يأتي بعد حق الله. وكأن استقامة الإنسان لا تكتمل إلا باستقامة صلته بخالقه، ثم باستقامة صلته بمن تشكَّلت في كنفهما ملامحُ نفسه الأولى.
وتلتقي مع هذا المعنى نتائجُ علم النفس الحديث؛ إذ تشير إلى أن العلاقة بالوالدين هي المرجع العاطفي الأول للإنسان، ومنها تتكون صورته عن الأمان والثقة والقرب. وما يترسخ في هذه العلاقة لا ينتهي بانتهاء الطفولة، بل يمتد أثره إلى كل علاقةٍ يقيمها بعد ذلك.
وبهذا المنظور، لا يُعَدّ برُّ الوالدين امتثالًا لأمرٍ تعبدي فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تربية النفس؛ إذ يدربها على كظم الغيظ، وضبط السلوك، ومراعاة ما يقتضيه المقام من حلمٍ وصبر. فما تتعلمه النفس في أقرب دوائرها، ينسحب أثره على دوائر علاقاتها الأوسع.
ولهذا جاء قوله سبحانه: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾، ليعلّم الإنسان أن الأخلاق لا تظهر حقيقتها في أسهل المواقف وأيسرها، وإنما في اللحظة التي تضيق فيها النفس بمن أمامها. وبر الوالدين من أعمق ميادين هذا الاختبار؛ إذ يتعلم فيه الإنسان ضبط الانفعال، وإيثار الأدب على سوء الرد، واحتمال ما لا يوافق هواه دون ضيقٍ أو جزع. وهذه الممارسة المتكررة لا تصنع برًّا بالوالدين فحسب، بل تصنع نمطًا في الشخصية يرافق صاحبه؛ فالنفس التي اعتادت الرفق مع أقرب الناس إليها تكون أقدر على الرفق بغيرهم، والتي تدربت على كبح الأذى في موطنه الأول تحمل هذا الخلق معها إلى سائر علاقاتها. وهكذا يمتد أثر البر من علاقة مخصوصة إلى بناء إنسان أكثر اتزانًا في علاقاته كلها.
ولذلك لم يكن اقتران برِّ الوالدين بالتوحيد ترتيبًا للأحكام فحسب، بل ترتيبًا لبناء الإنسان؛ فالتوحيد يُصلح علاقة العبد بربه، وبرُّ الوالدين يُصلح المنبع الذي تتشكل منه سائر علاقاته، وإذا صلح المنبع، استقام ما تفرع عنه.
ليس من اللافت أن يقرن القرآن برَّ الوالدين بالتوحيد فحسب، بل أن يجعل الإحسان إليهما أول حقٍّ يأتي بعد حق الله. وكأن استقامة الإنسان لا تكتمل إلا باستقامة صلته بخالقه، ثم باستقامة صلته بمن تشكَّلت في كنفهما ملامحُ نفسه الأولى.
وتلتقي مع هذا المعنى نتائجُ علم النفس الحديث؛ إذ تشير إلى أن العلاقة بالوالدين هي المرجع العاطفي الأول للإنسان، ومنها تتكون صورته عن الأمان والثقة والقرب. وما يترسخ في هذه العلاقة لا ينتهي بانتهاء الطفولة، بل يمتد أثره إلى كل علاقةٍ يقيمها بعد ذلك.
وبهذا المنظور، لا يُعَدّ برُّ الوالدين امتثالًا لأمرٍ تعبدي فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى تربية النفس؛ إذ يدربها على كظم الغيظ، وضبط السلوك، ومراعاة ما يقتضيه المقام من حلمٍ وصبر. فما تتعلمه النفس في أقرب دوائرها، ينسحب أثره على دوائر علاقاتها الأوسع.
ولهذا جاء قوله سبحانه: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾، ليعلّم الإنسان أن الأخلاق لا تظهر حقيقتها في أسهل المواقف وأيسرها، وإنما في اللحظة التي تضيق فيها النفس بمن أمامها. وبر الوالدين من أعمق ميادين هذا الاختبار؛ إذ يتعلم فيه الإنسان ضبط الانفعال، وإيثار الأدب على سوء الرد، واحتمال ما لا يوافق هواه دون ضيقٍ أو جزع. وهذه الممارسة المتكررة لا تصنع برًّا بالوالدين فحسب، بل تصنع نمطًا في الشخصية يرافق صاحبه؛ فالنفس التي اعتادت الرفق مع أقرب الناس إليها تكون أقدر على الرفق بغيرهم، والتي تدربت على كبح الأذى في موطنه الأول تحمل هذا الخلق معها إلى سائر علاقاتها. وهكذا يمتد أثر البر من علاقة مخصوصة إلى بناء إنسان أكثر اتزانًا في علاقاته كلها.
ولذلك لم يكن اقتران برِّ الوالدين بالتوحيد ترتيبًا للأحكام فحسب، بل ترتيبًا لبناء الإنسان؛ فالتوحيد يُصلح علاقة العبد بربه، وبرُّ الوالدين يُصلح المنبع الذي تتشكل منه سائر علاقاته، وإذا صلح المنبع، استقام ما تفرع عنه.
❤6👍4👏3💯3