الحرب في الحقبة الحديثة، لم تعد قرارا سياسيا، بل نمط من تنظيم الوجود، حيث أن الحداثة لن تقود الى السلام كما يتخيل أتباعها، بل الى نوع جديد من الحروب المستترة والمغروسة في تفاصيل الحياة اليومية: من الاعلانات الى البرامج المدرسية من تقنيات العمل إلى صناعات الوعي، وهكذا فأن التعبئة الشاملة ليست فقط الشكل النهائي للحرب بل الشكل النهائي للانسان في عالم لم يعد فيه مكان للحرية بل فقط للوظيفة. وهذا ما يسميه هايدجر بالمكننة: عندما يعاد تشكيل العالم وفقا لمنطق التوظيف الشامل، وحين يستخرج الانسان من ذاته ليلقى في نظام لا يفكر فيه الا بوصفه موردا قابلا للتنظيم والاستخدام.
ظاهريا تبدو الانظمة في هذه الحقبة الحديثة وكأنها تخوض صراعات مصيرية بسبب اختلافاتها الايديولوجية، لكن في الواقع أن هذه الصراعات على الرغم من شدتها ظاهريا فانها لا تخرج عن اطار واحد وهو اطار البنية التقنية التي تنظر للعالم والانسان بوصفهما قابلين للتنظيم التعبئة والتوظيف.
لهذا الصراعات بين هذه الانظمة هو في الحقيقة تنافس على ادارة نفس البنية التقنية بطريقة اكثر فاعلية حيث ان كل نظام يدعي انه يملك الحقيقة لكنه في العمق يخضع لنفس بنية المكننة، ولهذا الانسان الحديث سواء عاش في واشنطن او موسكو او طهران او تل ابيب او بكين فهو محكوم بنفس القاعدة الميتافيزيقية : ان يكون قابلا للتعبئة، للاستثمار وللاندماج داخل آلة لا هدف لها سوى استمرار تشغيل ذاتها وهو ما يجعل الحرب الحديثة صراعا بين مرايا متقابلة لا بين ذوات حقيقية، والانتصار لا يحمل اي خلاص بل فقط نسخة جديدة لنفس الجحيم التنظيمي.
الصراعات بين الأنظمة الحديثة تخفي دائما درجة عالية من الحسد السيادي لا الاخلاقي حيث أن الضغينة والحسد بينها قائم على من يطوع العالم بصورة أشد شمولا، فامريكا لا تكره الصين بسبب الشيوعية بل لانها اصبحت أفضل في تشغيل الرأسمالية بصيغتها التقنية، وايران لا تهاجم الغرب لانه كافر بل لانها تحلم بأن تنظم العالم تحت آلة ايديولوجية عقائدية خاصة بها، لا أن تبقى تابعة، وروسيا لا تقاتل الناتو دفاعا عن الارثودوكسية بل غيرة من انفراد الغرب بتوجيه التاريخ والتحكم بالسردية والسلاح والعملة. وتحت اقنعة الاختلاف تدار حرب غير معلنة بين اشكال متعددة لنفس البنية التقنية الشمولية.
في بلادنا كان هناك فقر لكنه كان مندمجا في نسيج قيمي ( الفلاح الفقير والصانع التقليدي الفقير الخ) لم يكن هذا الانفصال الكامل عن منظومات القيم، ولم يكن هذا الفراغ الوجودي الذي يتم تعويضه بالثقافة الاستهلاكية الفارغة، الفقراء الآن خاصة في الأحياء الشعبية يمثلون التجسيد الخالص لماهية أن تكون حثالة بشرية تتنفس وتأكل، هؤلاء مستهلكون شرهون للثقافة الأمريكية من موسيقى راب وافلام عنف مع ذلك لايفهمون أي شيء في السياق الذي أتت منه هذه الرموز كل ما يتم فعله هو تقليدها بشكل أعمى ومبتذل.
طبعا هذا نتيجة حتمية لتفكيك الحداثة للبنى التقليدية مثل الأسرة الممتدة وروابط القبيلة والجماعة وآليات الضبط الثقافي التقليدي كالدين والأعراف.
هذه الفئة التي تسمى الأندركلاس لاحظت أنها منتشرة في شمال إفريقيا أكثر مماهي في الشرق الأوسط. الفقير في المجتمع المغربي قديما كمثال كان عنده جاره ومسجده وله ارضه أو حرفته وله قصته ومعناه في هذا العالم أي أنه مندمج في نسيج عضوي. أما الأندركلاس اليوم فليسوا فقراء فقط بل ممسوخون وجوديا خاصة أسلوبهم في الكلام المتدحرج بين الكلمات الممسوخة من دارجة سطحية ممزوجة بالفرنسية والإنجليزية المبتذلة. هؤلاء الفئة لا مكان لهم في الاقتصاد ولا التاريخ و لا اللغة هم حرفيا لا شيء مجرد ضجيج متواصل.
يوجد الكثير من القواسم المشتركة بين دول شمال إفريقيا، لكن بالنسبة لي أن أكثر قاسم يجمعها هي أنها أكبر تجمع لحثالات البشر. وأتمنى فعليا أن أرى مشاهد الدمار الشامل عندنا لأنه كما يبدو أن حرب الكل ضد الكل هي النتيجة الملائمة لترجع الأمور لمنحاها الطبيعي.
لا ننسى أن مفهوم هؤلاء في الحرية مشوه و يعطي مبررات للدولة الحديثة من أجل مزيد من القوانين وبالتالي المزيد من الصلاحيات حتى تصل لأتفه مناحي الحياة، لا عجب أننا صرنا نرى تدخل الدولة قضائيا للحسم في مشاحنة كلامية. فقط الحمقى ممن ينادون بتدخل الدولة لإفناء الأندركلاس أو التقليل منها ما أمكن، هؤلاء هكذا يضعون أنفسهم تحت رحمة الدولة إعتقادا منهم أنها تدعم أي نوع من الوحدة العضوية أو ما شابه بينما الدولة الحديثة مجرد بيدق في آلة شمولية عالمية وبمجرد أن تنتهي منهم ( هذا إن انتهت أصلا ) ستتوجه لتحشر نفسها في أتفه تفاصيل حياتك اليومية .
Forwarded from Resurrection
تلك هي المفارقة التراجيدية الملازمة للحرّية: وحدهم التافهون يجعلون ممارستها ممكنة، لكنّهم لا يملكون ضمان استمرارها. نحن مدينون إلى تفاهتهم بكلّ شيء، وعن طريقها نخسر كلّ شيء.
— إميل سيوران، تاريخ ويوتوبيا.
— إميل سيوران، تاريخ ويوتوبيا.
لولا إحساس شريحة كبيرة من الأفراد بالرقابة الإلهية لتحولت منطقة شمال إفريقيا الى بؤرة من العهر والشرمطة والمخدرات تتجاوز أمريكا اللاتينية أضعافا مضاعفة.
حثالات الخلق والإنسان الأخير أصبحوا عبارة عن قدوة ومصدر إلهام، اللهم مشاهد الدمار والأنقاض أفضل من العيش وسط هذه المهزلة.
Forwarded from Out of Season
ما يجعلُ المدن القديمة ساحرة على الرغم من تعاقب القرون على تأسيسها، أنها نشأت نشأةً عضويةً متصلةً بحياة الناس واحتياجاتهم وواقعهم الاجتماعيّ. فكلُّ حيٍّ، وكلُّ زقاقٍ، بل وكلُّ دارٍ، يحمل في باطنه إرثًا حيًّا، تتجلى آثاره في المعمار والمظهر العام.
في ذلك الزمان، لم تكن فكرة السرعة والإنجاز والكسب السريع تعصف بالبشر كما هو الحال اليوم، ولم تكن ثمّة سلطةٌ مركزيةٌ تفرض تنظيمًا صارمًا على سائر مناحي الحياة، الأمر الذي أفسح للناس مجالًا ليحيوا ويُبدعوا نمطًا من العيش يُشبههم ويصدر عنهم.
في ذلك الزمان، لم تكن فكرة السرعة والإنجاز والكسب السريع تعصف بالبشر كما هو الحال اليوم، ولم تكن ثمّة سلطةٌ مركزيةٌ تفرض تنظيمًا صارمًا على سائر مناحي الحياة، الأمر الذي أفسح للناس مجالًا ليحيوا ويُبدعوا نمطًا من العيش يُشبههم ويصدر عنهم.
ساكن المدينة عندنا بالكاد يصنع أي شيء من الأشياء التي تجعله يشعر بالإستعلاء على ساكن القرى والبوادي، هل يصنع السيارة التي يركب فوقها؟ لا، هل يصنع الهاتف الذي يستخدمه ؟ لا، هل يصنع أو يبتكر الأدوية أو الأجهزة الطبية لعلاج صحته المتدهورة ؟ لا، كل شيء تقريبا مما يشكل بنية العالم الحديث لا زال يستورده ويستهلكه، لو كان في اليابان أو الصين أو المانيا كنت لأستوعب ذلك، أنت مجرد حثالة إستهلاكي متدهور الصحة واذا توقف عنك الإستيراد وهمك بالتفوق سيتبخر فجأة.
العهر والإنحلال لطالما كان موجودا بنسب متفاوتة عبر مختلف الحضارات والأزمنة، لكن هذا العصر هو الوحيد الذي أصبحت فيه الأنثى الحديثة قادرة على إستخلاص موارد مالية ضخمة من عرض جسدها فقط. دعك من غطرسة الرجل الحديث الذي يعيش وهم الإعتقاد انه أفضل منزلة من أسلافه، لو كان كذلك لما عاش هذا الوضع المثير للشفقة حيث يمكن لانثى بدون مواهب تذكر أن تعيش عن طريقه حياة الرفاهية والهيدونية المتواصلة، لم يحصل ان كان هناك عصر فيه قيمة للعاهرات أكثر من عصرنا هذا وهو أبسط دليل على أن الرجل الحديث فقد بوصلته ولا إمكانية للإصلاح.
الدولة الحديثة في شمال افريقيا لا تُعبّئ نحو حرب حضارية أو مشروع إنساني ما ، بل نحو الفراغ حرفيا. إنها تعبئة شاملة بلا أفق، تتحرك بدافع البقاء لا بدافع المعنى.
فهي دول لم تولد من رحم مجتمعها ولا من جدل تاريخي داخلي، بل استنسخت من النموذج الغربي على شكل الة جاهزة، لا مشروع لها إلا إعادة إنتاج السيطرة. ولأنها لم تدخل مسار “الحداثة العضوية” الذي عاشته أوروبا، فقد اختزلت الدولة في مجرد جهاز تعبوي.
فهي دول لم تولد من رحم مجتمعها ولا من جدل تاريخي داخلي، بل استنسخت من النموذج الغربي على شكل الة جاهزة، لا مشروع لها إلا إعادة إنتاج السيطرة. ولأنها لم تدخل مسار “الحداثة العضوية” الذي عاشته أوروبا، فقد اختزلت الدولة في مجرد جهاز تعبوي.
أنت تعتبر بخيل إذا كنت غير مصابا بالهوس الإستهلاكي للإنسان الحديث خاصة عند المرأة.
مفهوم التبادلية غير موجود عندنا والسائد هو الاحتيال كإستراتيجية للبقاء، وماهو موجود تحديدا هو تبادلية مشروطة بالخداع كنوع من المكر الاجتماعي حيث أن كل طرف يدخل العلاقة متوقعا أن الطرف الآخر سيحاول استغلاله فيستبق هو الآخر بالتحايل، لهذا السبب لا يمكنك بناء مؤسسات فعلية وذات كفاءة لأن لديك أكبر تجمع للطفيليات.