رَزْنَة
748 subscribers
1.32K photos
104 videos
52 files
77 links
واجعلي لي أثرًا ممتدًّا بعد موتي، يضيء قبري ويشهد لي عند لقائك.
Download Telegram
لا تَفقِد اتّزانك..

إيّاك أن تسقط من الضّربة الأولىٰ، هذه هي الحياة، ضرباتها لا تقف، بلاءاتها لا تنتهي، شدائدها لا تقلّ، بل نُزاحمها بالصّبر، نتجاوزها باليقين، نغلبها بالإيمان والغرس والعمل، مَن أخبَرَكَ أنّك أضعَف من ثباتٍ أمام آلامها؟ من قال لك أنّك لا تستطيع الرّسوخ أمام رياحها العاتية؟ من أقنَعَك أنّك لست جبلًا راسيًا في وجه أمواجها الهادرة؟ أنت الثّابت الصَّلب، والرّقم الصّعب، ومهما تفتّت قلبك، فالله رَبُّك.

أ قصي العسيلي.
يا صاحبي:
لا تنتظر أن تلبس لك الحياة ثوب السرور دون أن يُشق بخنجر الابتلاء؛ أنت هنا لكي تجاهد، إن انتظرت سيهلك عمرك على رصيف الحياة، أنجز، اركض، اسلك دروبك، وحاول وأنت تبكي؛ واجعل دموعك مطراً يبلل صخر الصعاب حتى لا تكون عائقاً بل سبباً في لينها.
المهم ألّا تتوقف، فالوقوف موت.. صدقني.
#رزنة_صالح
"لقد كُنّا نداوي التعبَ بالتعب، والنَّصَبَ بالنَّصَب، فإِنْ تعبتْ أجسادُنا من العبادةِ حَمَّلناها على مزيدٍ من تلك العبادةِ، فذهبتْ تلك به، ووجدنا نَشاطاً ولذَّةً، وكُنّا إذا وجدَ الشَّيطانُ إلى القلبِ سبيلاً بخدعةِ الرَّاحةِ، طردْنا الشَّيطانَ بتركِ الرَّاحةِ، وتلَوْنا مُوقنين: «فإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ». وكان النَّصَبُ في ذاته سبيلاً للقضاءِ على كلِّ وحشةٍ، وعلى كلِّ فتورٍ في القلبِ."
ليس إلى السلامةِ مِنَ الناسِ سبيلٌ، فانظر الذي فيه صلاحُكَ فالزَمْهُ"

-الشافعي.
‏"على أملٍ لا أعرِفُهُ، ولكِني أعرِفُ باعِثَهُ، هُو الله الوَهَّاب !"
-
« ومُتعبون نجرّ العزم في دمنا
يا ربِّ إنّا لمّا أنزلتَه فُقَرَا

لُذنا إلى الظِّلّ منسيّين بهجتُنا
أن ينبُت الظِّلُّ في أرواحِنا شجرَا».
"أعلم أنّك لا تُفلت يدي، وأنّ هذا الدرب الطويل الشاقّ الذي بسطته أمامي محروسٌ بظلّك، أعلمُ أنني سأركض كثيرًا لأصل، وأنني سأفقد الاتجاه أحيانًا، لكنّ عين العناية لن تُفلتني، ولا الإشارات التي ستضعُها أمامي، وستُرشدني، أعلمُ أنّي سأتوه، وسأجلس على هوامش التّعب، وسأنظر إلى السّماء، وسيصلحُ حالي وسأنهض، أعلم أنّك تُسامحني أكثر ممّا أستغفر، وتحرسني أكثر ممّا ألجأ، وتحميني أكثر ممّا أحذر، وتحبّني أكثر ممّا أطيع، أعلمُ أنّي بئس العبد، وأنّك نعم الربّ.."
.
ثوبٌ أبيض


إلى الشابةِ الصغيرة (ر)
قبل أن تنهال على عقلك ذرّات التساؤلات، دعيني أخبرك بأن هذه الغرفة تبدو ضيقة، نوافذها صغيرة وسقفها من الخشب، تملأ الرطوبة ملامح جدرانها. لا توجد دورة مياه خارجية، حتى المطبخ متصل بالغرفة ذاتها، هُناك صوت لصدى حنجرة الهواء تتنفس على مسام وجهي، هواءٌ حار يفتح كل ذرة في ملامحي وتنام تحت طياتها. الغريب أني هُنا لا أشعر بالجوع، وتقول المرآة بأن جسدي نحيل جدًا ولا أشعر بذلك أيضًا. تتسلل الحرقة إلى قلبي كلما نظرت إلى صورتي القديمة. كيف يُصاب الوقت بالشيخوخة المُبكرة؟

سيدتي أشعرُ بالوحدة ولكني لا أرغب بأن يزورني أحد، لا تصدقي هذا العذر يا (ر) غرفتي لن تتسع لجسدٍ آخر، ولكني حاولت فتح ثقب صغير في الجدار الجاثم أمامي، أحاول سماع صوت العابرين؛ حتى لا أنسى همساتهم كما نسيت أشكالهم.

عزيزتي (ر) أبدو مرهقًا هذا الصباح، حتى البهجة تطل مبللة بدم الساعات، حاولت ذبح الوقت وبدأت بعمل عدة أمور قد تكون مسلية بعض الشيء...

حضرت القهوة، ورتبت مظهري المبعثر على زجاج النافذة، لا أعلم كم الساعة ولكن حين نظرت إلى خصلات الشيب المحتلة جمجمتي آمنت بأن كُل دقيقةٍ تمر من أمامي تسقط من بستان عمري.

صديقتي (ر) كل شيءٍ هنا بلون العظام، حتى قلمي يبدو عظمًا أعجف لا يتحمل الضغط، البرد يتسلق صدر غرفتي ولكن الغريب أني أراه ولا أشعر به أبدًا!

أعتذر منك يا (ر) أطلت الحديث عن نفسي ونسيت أن اسألك عنك.
كيف حالكِ يا عزيزتي؟ كم بقي لك من الطريق لتصلي إليّ؟
أنا أشعر ببعض الغرابة في هذا المكان، ربما لا يعجبك أبدًا، ولكن لا بد أن تزوري هذه المدينة وتضعي رحالك على خد دقائقها...

لدي طلب قبل أن تغادري منزلك، لا تنسي أن تضعي بعضًا من الخبز الجاف والماء للطيور التي تزور منزلك كل صباح، أخبريها أنّ هذه رسالتي إليها.

عباءة الصمت بدأت تخنقني، وما يخفف هذا الألم هو صوت التسبيحات. صدقيني الليل في هذه المدينة مختلف، تسمعين أصواتًا كثيرة، وحدهُ صوت الدعاء من يكون حاضرًا كموسيقى عذبة تشفي الأرواح.

نسيت أن أخبرك بأن من يسكن هنا خالٍ لا يملك إلا جسدًا خاويًا. الروح لا مكان لها بيننا. كما أن الضباب هُنا يملأ المنزل بالتجاعيد، الشمس لا تشرق يا (ر) الظل مات منذ زمن، ذاكرتي تجهض الأسماء، وتقوم ذكرياتي بمأتم مُفعم بالبكاء، هُنا عرفت بأن الحزن وليمة تشارك في نهشها جميع أعضاء الجسد ولا يخرج منها أحد ببطن جائع.

عزيزتي، نسيت أن أخبركِ بأنّه لا داعي لحمل حقيبة معك، فقط ثوب أبيض فضفاض، أشعر بأن النهار قد ألقى ثوبه على السماء، القهوة تخمرت أخيرًا ولكني لا أشتم إلا رائحة تراب، خطوات تقترب وزفير الممرات مسجور تحت قفصي الصدري، يدا الليل طويلتان جدًا، وجسدي الصغير يتوه في أحضانها. وأخيرًا ها أنا أتوضأ بدلو من بئرِ النسيان؛ لعلي أترك لكِ بعض الغموض للتعرفِ على ما تبقى لوحدكِ.

صلي كثيرًا يا (ر) هذه الغرفة تحتاج الكثير من الصلوات، لا تنسي أن تضعي ساعتكِ في معصم يديك؛ حتى لا تموتي حسرة على معرفة الأوقات.
آه، نسيت بأن الغرفة هنا لا تتسع إلا لجسدكِ الصغير.

"رسالة من داخل القبر"

من صديقكِ الذي هاجر قبلك (أ)

بقلم: رزنة صالح

١٦ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
٣ مايو ٢٠٢٦ م

#أسنة_الضياء

@AsennatAdiyaa
كأنّي إنسان لا تنتهي اختباراتُه ولا تَقِلّ شدائدُه!
خيطٌ في ثوب الحياة

دونَ أنْ أعصِر أفكارَكَ بالمُقدّماتِ، سأبدأ:

مرحبًا سيد (ح)، قبل ترتيل السطور دعني أنفُضْ ثوبَ عُمري الممتلئَ بالتراب، وأقوم بالبحث عن مرآة كي أضعَ ما يُخفي التجاعيدَ التي رَمَتْها على قميص ملامحي الأيامُ.

وضعتُ يدي على رأسي كي أُرَتِّبَ خصلاتِ شعري المُتناثرة، لكي أصنع مظهرًا يليق بمقامكَ، ولكن للأسف لم أجد غيرَ جُمجُمةٍ تسرَّب منها الشَّعرُ دون سابقِ إنذار!

هل تعلم؟ آلمني الأمر في البداية، ولكن حين فكّرت بدقّة علمتُ بأنه شيءٌ مريح، فمن أين لي مشطٌ في هذا المكان!

آه يا سيد (ح)! حتى الثياب هنا شحيحة، لذلك كلما رتَّبتُ موضعَ جلستي انشقَّ ثوبي من أحد الجِهات. لذلك إن وجدتَ خيطًا تسرَّبَ منه على وريد الورقة، لا تجعل الشفقة تتسرَّب إلى ملامحكَ... هل تعلم يا عزيزي (ح)؟ الوقت هنا عقيمٌ جدًا، لذلك لا أعلم التوقيتَ بكل دقّة، ولن أكتب لكَ مساءَ الخير، أو حتى صباحًا. أنا لا أسكن عالمَكَ، وأنتَ لا تسكن عالمي. ثَمّةَ شيءٌ غريبٌ يتسرَّب من أحشاء الصمت، ولا أجدُ طفلًا يُتقن الكلام.

صديقي (ح)، حاولتُ البحثَ عن دورةِ مياه لكي أُصلّي، لا يفرّق أيُّ فرضٍ من الخمسة، المهمُّ رغبتي الكبيرةُ في الصلاة. المصيبةُ يا عزيزي أني لم أجد ماءً ولا ترابًا حتى أتيمَّم، وبقيتُ دون صلاة!

يا للخيبةِ التي تسكنني! لذلك أرجوكَ صَلِّ كثيرًا دون توقّف، ولو سمحتْ لكَ الدقائقُ بأن تبقى عالقًا على كاهل الأرض، إياكَ والتراجُع. أنا الآن أعرفُ قيمةَ كلِّ هذه الفروض التي فرّطتُ بها، لا تكُنْ مثلي. جسدُ الليل نحيلٌ يا صديقي، وعُمري يقضمُ أظافرَ النَّدم، ولكن مهما فعلتُ لن أعودَ لتعويض ما تسرَّب منكَ.

حتى أناملي يا سيد (ح) تستعمرُها الشيخوخةُ. حاولتُ كثيرًا تحريكَها لتُسبِّحَ، ولكن لا فائدة. أصابها الصدأُ وذَبُلَتْ. لذلك استُرْ خصرَ أناملكَ بالمسبحة، وإياكَ والتعرّي، فإنَّ المسبحةَ وشاحٌ لمن لا يمتلك وشاحًا. لن تُصدِّقَ بأنَّ المآذنَ عاريةٌ من المصلين، لذلك ارتدِ ثوبَ مآذنِ القريةِ وكُنْ لها إمامًا.

قمتُ للبحث عن إبريق لكي أصنعَ لي القهوة، فلم أجدْ إلا دموعي تملأُ إناءَ الساعات.

سيد (ح)، أعلمُ بأنَّ العالمَ الذي تسكنُه ممتلئٌ بالكثير من الكَبَد والوحدة والظلم والخيبات، ولكن يجب أن تؤمنَ بأنك في النهايةِ ستُغادرُ، وتضعُ رأسَكَ على صدرِ التراب. أنا الآن يا صديقي أتحسَّسُ ملامحَ الطريق لعلّي أجدَ المخرجَ لأهربَ إليكَ، ولكن لا فائدة. أخرجُ من مَمَرٍّ لأعودَ إليه، وكأنَّ الدروبَ عاقرةٌ عن النهايات. اصطدمتُ أخيرًا بشيءٍ، رفعتُ رأسي فإذا بي أجدُ عمودًا من عِظام. حتى ظِلّي يا رفيقي انخلعَ عني وراح يبحثُ عن الشمس! كلُّ شيءٍ هنا يتخلّى عنكَ يا عزيزي، وحدهُ عملُكَ من يُرافقُكَ، يُضاجِعُكَ ويقبلُ دربَكَ الطويل.

والآن دعني أبثَّ لكَ ما تبقّى من كلماتي في نهاية السطر: أنتَ مسؤولٌ عن كل ما سيحدثُ معكَ حين تَصِلُ إلى هذا المكان.

مِن ميتٍ يسكن البرزخ، إلى حيٍّ نسيَ أنه سيموت.


بقلم: رزنة صالح

١٧ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
٤ مايو ٢٠٢٦ م

#أسنة_الضياء

@AsennatAdiyaa
-
«ليستْ جهودُ المرءِ تصنعُ مجدَهُ
إن لــم يَكُن توفيقُهُ مِــن خالقِه»
"إِذَا عَرَفَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ، فَمَا يَنْفَعُهُ كَلَامُ النَّاسِ"
— الإمام أحمد بن حنبل
Forwarded from رَزْنَة
وَكلُّ تَعبٍ فِي السَّيرِ إلىٰ اللهِ لَهُ عِوَض!
قنَاة إِسفَار
ست سنوات يا سعد! هكذا تتبلل الأسئلة في ميدان الذاكرة: ست سنوات يا سعد! وُلدت روحك من أحشاء الجهل، ليقصّ الإسلام عنق الحبل السري، فتخرج من سبات الكفر إلى صحوة الإيمان. أسلم سعد بن معاذ رضي الله عنه، فكانت ست سنوات قصيرة في نظرنا، لكنها أعظم من أعمارٍ طويلة…
ما مررتُ على قصةِ سعدٍ يوماً إلا وفاضت عبرتي بكاءً، ثم تلاها ضحكُ الاستبشار؛ وكأنني لا أقرأ حكايةً من الغابرين، بل أحيا بين ثناياها حقبةً كاملةً من المشاعر، تتقلبُ فيها روحي بين ألمِ الفقدِ وعظمةِ الكرامة..
فسلامٌ على مَن اهتزَّ العرشُ لموته، وعلَّمنا أنَّ ميزانَ الإيمانِ بِصِدقِ القلوبِ لا بِكثرةِ السنين.
أدرك الإنسانُ أخيرًا أن خطاهُ المتعثرة وسعيه الدؤوب لم يكونا يومًا محض جهدٍ بشري مجرد، بل كانا ثمرة لليقين حين فر من حَوله وقوته إلى رحابِ التوكلِ على الله.
لقد آمنَ القلبُ أنه إن لم ينتزع الروح من بين أشواكِ الدُنيا، سيظل أسيراً لضيقها؛ فكان لا بد من بذلِ الراحةِ قرباناً لرضا الله هنا في محاريب الصمتِ الطويل والمحاولات التي لا تنتهي، يكمنُ العزاءُ الأكبر: أن كل وخزةِ تعب، وكل خطوةٍ في العتمة، وكل مجاهدةٍ للنفس، هي بعينِ الله التي لا تنام، نحن لا نصلُ بذكائنا، بل بلطفه الذي يحيطنا بينما نحنُ نظن أننا نمشي وحدنا.
#رزنة_صالح
على الرغم من تَعَلُّق المرء بالصمت، وحديثه المستمر عنه، إلا أن ذاكرته تظلُّ وفيةً للصوت؛ تحتفظ بتفاصيله وملامحه الدقيقة.
كثيراً ما أقول إنَّ الصوت روحٌ أخرى تسكن روح الإنسان، لذا أحبُّ أن أحتفظ بالنبرات وكأنها ملامحُ مرئية.
أشعر بالحناجر حين تغضب، حين تضحك، وحين تتألم..
إنَّ ذاكرة الأصوات مختلفةٌ جداً، وآسرةٌ في آنٍ واحد؛ حتى حين يصمت الصوت فجأة، أجدني أقرأ ذلك الصمت وكأنه بقايا لحنٍ لم يكتمل.

#رزنة_صالح