لِـوَاءُ الـھُـدَىٰ فِـي الـلَّـيْـلِ والـدُّجَـىٰ
" Because Aristotle in the Meteorology was more concerned with explanations than with establishing principles (though he was concerned with establishing principles in Physics, De Caelo, and De Generatione et Corruptione), an understanding of meteorology is…
" Because the Meteorology and its commentary tradition have been much neglected by modern scholarship, the kinds of explanations and considerations of experience have largely been left out of considerations of natural philosophy, as scholars have concentrated on looking at logical works and commentaries on the Metaphysics and Physics in order to explain Aristotelianism and its views of nature. Commentaries on these works often correspond to the critiques of seventeenth- century novatores: they are filled with concerns over syllogisms and metaphysical distinctions while often devoid of considerations of experience much less experiment.
But the title of the Physics should not mislead. The work is largely dedicated to the general principles of natural philosophy, and as a result it is concerned more with the metaphysics of change, time, and space than with investigations of natural particulars.
The Physics' concern with metaphysical topics does not mean that Aristotle or his followers were not concerned with other matters in natural philosophy. Thus, if we wish to see how Aristotelians pursued inquiries into nature, as opposed to inquiries into the principles of nature, the Meteorology and later meteorological writings provide the appropriate window. The Meteorology and its tradition offer insight into the practice of natural philosophy rather than the establishment of the principles of the natural philosophy.
While there are some correspondences between the content of logical works and the approaches found in meteorological investigations, it is a mistake to assume that the idealized methods found in the Analytics that promoted syllogistic argumentation were applied uniformly to investigations of meteorology or other subjects of natural philosophy.
Once the division between idealized Aristotelian method and natural philosophical practice is admitted, the characterization of Aristotelianism as constricted by its demand for syllogism and logical rigor disappears.
In this new light, we can see Renaissance works on meteorology as open inquiries, which attempted to construct theories that corresponded to sensible evidence, observations, ancient texts, religious doctrines, and experiment. "
Craig Martin | Renaissance Meteorology
But the title of the Physics should not mislead. The work is largely dedicated to the general principles of natural philosophy, and as a result it is concerned more with the metaphysics of change, time, and space than with investigations of natural particulars.
The Physics' concern with metaphysical topics does not mean that Aristotle or his followers were not concerned with other matters in natural philosophy. Thus, if we wish to see how Aristotelians pursued inquiries into nature, as opposed to inquiries into the principles of nature, the Meteorology and later meteorological writings provide the appropriate window. The Meteorology and its tradition offer insight into the practice of natural philosophy rather than the establishment of the principles of the natural philosophy.
While there are some correspondences between the content of logical works and the approaches found in meteorological investigations, it is a mistake to assume that the idealized methods found in the Analytics that promoted syllogistic argumentation were applied uniformly to investigations of meteorology or other subjects of natural philosophy.
Once the division between idealized Aristotelian method and natural philosophical practice is admitted, the characterization of Aristotelianism as constricted by its demand for syllogism and logical rigor disappears.
In this new light, we can see Renaissance works on meteorology as open inquiries, which attempted to construct theories that corresponded to sensible evidence, observations, ancient texts, religious doctrines, and experiment. "
Craig Martin | Renaissance Meteorology
Forwarded from في ظلال المعقول | محمود نبيل
وقد شغّب الشاغبون في رسمِ الحدِّ، فقالوا: قد ادّعيتم معرفة الأمور بالحدود، ثم فسّرتم الحد فنحن سائلوكم عن تفسير الحد ثم عن تفسير تفسيره ثم عن تفسير تفسير التفسير، فإن علمتم أن هذا لا ينقضي وأن ما لا ينقضي لا يُدرَك فاعلموا أن تفسير الحد الأول قد بطل بما عجزتم عنه من قياده.
وهذا كقول الذين يجحدون العلم ويزعمون أن شيئا من الأشياء ليس بمعلوم وقد بدأوا قبل نقض حجتهم في الحدود بنقض رأيهم في الجحود.
فقيل: أرأيتم هذا الذي يحتجون بما لا يعلمون وإن كان معلوماً فقد بطل جحودكم العلم، إذ وقفتم على أمر معلوم.
ثم أُجيبوا بما شغّبوا به في رسم الحد من ذكر تفسير التفسير إلى ما لا ينقضي فقيل: إنّما الحد اسمٌ بُني على أحرف معلومة، ثم هو بعد ذلك كلام صار لذلك الاسم تفسيرا فلم تروا أنا إنما فسرنا الاسم ولم نفسر التفسير، ونحن مقرّون بأن كل اسم محتاج إلى التفسير الذي هو الحدّ ولم نقل كل تفسير محتاج إلى تفسير، ولو كنّا قد قلنا ذلك لجاز لكم أن تكلّفونا بالتفسير ثانيا وثالثا ورابعاً وخامسا، ولكن للأمور أصولاً إذا انتهى إليها استغنى ظهورها عن التفسير.
فهذا بيان النقض على الذين أرادوا أن يبطلوا الحدود ليبطل بذلك علم الأمور.
وهذا كقول الذين يجحدون العلم ويزعمون أن شيئا من الأشياء ليس بمعلوم وقد بدأوا قبل نقض حجتهم في الحدود بنقض رأيهم في الجحود.
فقيل: أرأيتم هذا الذي يحتجون بما لا يعلمون وإن كان معلوماً فقد بطل جحودكم العلم، إذ وقفتم على أمر معلوم.
ثم أُجيبوا بما شغّبوا به في رسم الحد من ذكر تفسير التفسير إلى ما لا ينقضي فقيل: إنّما الحد اسمٌ بُني على أحرف معلومة، ثم هو بعد ذلك كلام صار لذلك الاسم تفسيرا فلم تروا أنا إنما فسرنا الاسم ولم نفسر التفسير، ونحن مقرّون بأن كل اسم محتاج إلى التفسير الذي هو الحدّ ولم نقل كل تفسير محتاج إلى تفسير، ولو كنّا قد قلنا ذلك لجاز لكم أن تكلّفونا بالتفسير ثانيا وثالثا ورابعاً وخامسا، ولكن للأمور أصولاً إذا انتهى إليها استغنى ظهورها عن التفسير.
فهذا بيان النقض على الذين أرادوا أن يبطلوا الحدود ليبطل بذلك علم الأمور.
فرفوريوس الصوري | إيساغوجي
Forwarded from الآرَاءُ الفَاضِلَة ومُضَادّاتها
Forwarded from الآرَاءُ الفَاضِلَة ومُضَادّاتها
الآرَاءُ الفَاضِلَة ومُضَادّاتها
Photo
قلت: كل بحث في حقيقة أمر ما يقوم على ثلاث: موضوع، ومنهج، ومُدركٌ قائمٌ على البحث. ولمّا كان الاستغراق في الموضوع هو جوهر البحث بداهةً، لم نحتج في تاريخنا العلمي إلى كثير عناء لتوجيه نظر الإنسان إلى موضوعات علمية كثيرة، خاصّة تلك الموضوعات التي يمتثل للنظر لها بدوافع فطرية، أما المنهج فهو الأقرب إلى الاهتمام والتدقيق بعد الموضوع، فما يجرُّ النظر اولًا هو الموضوع، وثانيًا المنهج؛ لكون أهمية اكتشافه ووضعه واعتماده لا تثبت أولًا. أما المدرِك - بقواه ومزاياه وعيوبه ونقاط ضعفه - فهو القائم بالبحث، إذ بدونه لا نزوع ولا نظر في الموضوع ولا منهج ولا علم، وإن النظر والمنهج والعلم من حيث حصوله وقيمته متعلّق كلَّ التعلّق بالمدرك إذ إنه الفاعل والأصل ومن تكون للنتائج قيمة بلحاظ إدراكه لها، فلا كائنات غيره تستخدم الآلة وتعين على إنجاز البحث وتقوم بالتقدير وتنتقي الموضوعات وتصيغ المناهج وتبذل الجهد وتراعي أخلاق البحث وتسوّي الانحراف، بل إن جميع ذلك مرهون بالمدرك، فالواقع - خصوص المغاير للمدرِك - جامد لا يحرك ساكنًا، ولا يشاركه قصد العلم والكشف، بل أنه - نسبة إلى البحث - محض صور في المحل القابل (الذهن). وأما المنهج فلا يضع نفسه بنفسه، ولا يدل أحدًا على نفسه بنفسه، بل إن وضعه والاستنتاج من خلاله يكون بفعل المدرك. ولمّا كان جميع ذلك مرهون بالمدرك، لم يجد كانط وسائر من يذهبون بمذهبه بُدًّا من التهيّب والتشكيك بضمانة الإدراك المطابق لنفس الأمر، وأفهم من هذا المقال أن الدكتور الوائلي يرجع ذلك إلى سوء التشخيص، وفقدان الدقة، بل فقدان العلم اللازم للبَتّ بقضية قيمة المعرفة.
Forwarded from الحَوْزَةُ الأشْعَرِيَةُ🕌
«احذَرْ أن تُسْكِنَ العِلْمَ الشَّريفَ في نَفْسٍ غير شريفـةٍ».
Forwarded from فلسفة المشاء المحضة (Riyad Al-Qawasmi)
Forwarded from مُسْكَة | جهاد الخُزاعي
هل معنى الكون هو الوجود؟ وما معنى الكون الأولي والكون العرضي؟
.
نعم، صحيح من حيث الجملة، لكن لا على المعنى الذي يسبق إلى الأذهان عادةً، إذ كثيرًا ما يتبادر من الوجود معنى الحلول في ظرفٍ متخيل كأنه جهة زائدة يقوم بها الشيء، وهذا معنى متأخر بالقياس إلى أصل المطلوب، والمراد بالكون هنا هو ثبوت الشيء لنفسه وكونه هو هو، أي: ما به يكون الشيء نفسَ ذلك الشيء، لا ما يعرض له من جهاتٍ وظروف كالأين والزمان وسائر الملابسات، وإن كانت تلك الجهات لازمة للشيء بالذات أو بالعرض.
وعليه نفرّق بين الكون الأولي والكون العرضي: فكونك أنت من حيث أنت هو الكون الأولي، لا بمعنى أن شيئًا آخر يكوِّنك، بل بمعنى أنك متحققٌ بنفسك لا بكونٍ زائدٍ عليك، وأما كونك هنا، وكونك الآن، وكونك قارئًا، فهذه أكوانٌ ثوانٍ (عرضية) راجعة إلى الأعراض والاعتبارات، أعني إلى الأين والزمان والهيئات ونحوها، فليس كونُك مساوقًا لكونك هنا، ولا لكونك الآن، ولا لكونك تقرأ، بل الأول أصل والثاني فروع.
[أزيدك فائدة] ومن هذا يظهر أن الفرق بين كون الشيء وكنهه ليس فرقًا حقيقيًّا في نفس الأمر عند هذا التحقيق، بل هو فرق اعتباري تابعٌ للإدراك: تارةً يُلحظ الشيء على جهة الإجمال فيقال كونه أو هوّيته، وتارةً يُلحظ على جهة التفصيل والتحليل فيقال كنهه أو ماهيته، فالمتغاير في الحقيقة هو اللحاظ لا الملحوظ، والتمييز إنما نشأ من طبيعة إدراكنا الانتقالية التي تتحرك من القوة إلى الفعل ومن الإجمال إلى التفصيل.
revospring.net/@ItC0ding/a/116077033203200479
.
نعم، صحيح من حيث الجملة، لكن لا على المعنى الذي يسبق إلى الأذهان عادةً، إذ كثيرًا ما يتبادر من الوجود معنى الحلول في ظرفٍ متخيل كأنه جهة زائدة يقوم بها الشيء، وهذا معنى متأخر بالقياس إلى أصل المطلوب، والمراد بالكون هنا هو ثبوت الشيء لنفسه وكونه هو هو، أي: ما به يكون الشيء نفسَ ذلك الشيء، لا ما يعرض له من جهاتٍ وظروف كالأين والزمان وسائر الملابسات، وإن كانت تلك الجهات لازمة للشيء بالذات أو بالعرض.
وعليه نفرّق بين الكون الأولي والكون العرضي: فكونك أنت من حيث أنت هو الكون الأولي، لا بمعنى أن شيئًا آخر يكوِّنك، بل بمعنى أنك متحققٌ بنفسك لا بكونٍ زائدٍ عليك، وأما كونك هنا، وكونك الآن، وكونك قارئًا، فهذه أكوانٌ ثوانٍ (عرضية) راجعة إلى الأعراض والاعتبارات، أعني إلى الأين والزمان والهيئات ونحوها، فليس كونُك مساوقًا لكونك هنا، ولا لكونك الآن، ولا لكونك تقرأ، بل الأول أصل والثاني فروع.
[أزيدك فائدة] ومن هذا يظهر أن الفرق بين كون الشيء وكنهه ليس فرقًا حقيقيًّا في نفس الأمر عند هذا التحقيق، بل هو فرق اعتباري تابعٌ للإدراك: تارةً يُلحظ الشيء على جهة الإجمال فيقال كونه أو هوّيته، وتارةً يُلحظ على جهة التفصيل والتحليل فيقال كنهه أو ماهيته، فالمتغاير في الحقيقة هو اللحاظ لا الملحوظ، والتمييز إنما نشأ من طبيعة إدراكنا الانتقالية التي تتحرك من القوة إلى الفعل ومن الإجمال إلى التفصيل.
revospring.net/@ItC0ding/a/116077033203200479
" إن أعظم ما ينبغي مراعاته في تفسير أرسطو هو: أن يُحفظ ترتيب كلامه، وأن يُنظر في كل مسألة بحسب الموضع الذي وُضعت فيه، والغرض الذي قُصد بها؛ فإن كثيرًا من المفسرين، إذ جمعوا أقوالًا متفرقة من مواضع شتى، وضمّوا بعضها إلى بعض من غير تمييز، جعلوا من فلسفة أرسطو شيئًا مركّبًا تركيبًا غير طبيعي.
وإني لا أنكر أن بعض الشراح —ولا سيما من اليونانيين— قد أدركوا هذا النظام إدراكًا حسنًا، لكنّ عددهم قليل، أما الأكثرون —سواء من اللاتين أو من العرب— فقد انشغلوا بإيراد الاعتراضات، وتكثير التقسيمات، وتوليد الأسئلة، أكثر من انشغالهم بإظهار قصد الفيلسوف نفسه.
ومن ثمّ، بدل أن يكون الشرح معينًا على الفهم، صار في كثير من الأحيان عبئًا عليه؛ وبدل أن يقود إلى الوضوح، انتهى إلى الشك؛ وبدل أن يثبّت العقل في العلم، أوقعه في الحيرة. وليس هذا من طبيعة العلم، بل من سوء استعماله.
فإن أرسطو –في كتبه– لا يقدّم شيئًا عبثًا، ولا يذكر مسألة إلا لغرض، ولا يستعمل لفظًا إلا بدلالة. ومن لم يراعِ ذلك، وظنّ أن كل ما في الكتاب متساوٍ في المقصد والمرتبة، فقد أبعد النجعة، وضيّع الطريق. "
جريجوريو زوكولو | شرح البرهان (ترجمة الذكاء الاصطناعي)
وإني لا أنكر أن بعض الشراح —ولا سيما من اليونانيين— قد أدركوا هذا النظام إدراكًا حسنًا، لكنّ عددهم قليل، أما الأكثرون —سواء من اللاتين أو من العرب— فقد انشغلوا بإيراد الاعتراضات، وتكثير التقسيمات، وتوليد الأسئلة، أكثر من انشغالهم بإظهار قصد الفيلسوف نفسه.
ومن ثمّ، بدل أن يكون الشرح معينًا على الفهم، صار في كثير من الأحيان عبئًا عليه؛ وبدل أن يقود إلى الوضوح، انتهى إلى الشك؛ وبدل أن يثبّت العقل في العلم، أوقعه في الحيرة. وليس هذا من طبيعة العلم، بل من سوء استعماله.
فإن أرسطو –في كتبه– لا يقدّم شيئًا عبثًا، ولا يذكر مسألة إلا لغرض، ولا يستعمل لفظًا إلا بدلالة. ومن لم يراعِ ذلك، وظنّ أن كل ما في الكتاب متساوٍ في المقصد والمرتبة، فقد أبعد النجعة، وضيّع الطريق. "
جريجوريو زوكولو | شرح البرهان (ترجمة الذكاء الاصطناعي)
Forwarded from الحكمة المشّائية الاسلامية🔻
Relation between the forms in simple and mixed bodies according to the Easterners
" ... بعد ترك تلك الآراء، أقول أنا إن الموضوع الحقيقي [لهذا الكتاب] هو البرهان، فهذا هو الذي يُطرح صراحة لنظر الكتاب، وهو النوع التام من القياس، وهو الذي يُبيِّن "ما هو" و "لمَ هو"، وأخيراً فإنّ أجزاءه وأعراضه الذاتية يستقصيها أرسطو بأقصى جهد، وكل الأشياء التي يُعلمها يوجّهها إلى معرفته.
ولكن بما أن أنواع البرهان كثيرة من جهة، ومن جهة أخرى يمكن أن يُرى بوضوح أن أرسطو يبحث بدقة في طبيعة وخواص نوع واحد فقط بالذات، انقسمت آراء الشرَّاح إلى قسمين:
[1] قسمٌ اتبع فقط الكلمات التي طرحها الفيلسوف صراحة أمام أعين الجميع، وأرادوا أن يكون موضوع [كتاب] البرهان هو ذلك النوع الذي يُسمى "المطلق" (simpliciter).
[2] وقسمٌ بدا لهم من الصعب –وربما من غير اللائق– بتعليم فيلسوف عظيم كهذا أن يُعالج نوعاً واحداً من البرهان مع إهمال البقية، حيث يظهر بوضوح أنه وضع على عاتقه تعليم طبيعة البرهان، فزعموا أن البرهان من حيث هو "عام" هو الموضوع.
ومع ذلك، فهؤلاء [الفريق الثاني] لا يصرحون بوضوح كافٍ بأي وجه نكتسب المعرفة التامة بجميع [الأنواع] من تعليم نوع واحد فقط عند أرسطو؛ كما لم يوضِّح هؤلاء لماذا يزدري أرسطو الأنواع الأخرى من البراهين التي وضعها هو نفسه باستثناء نوع واحد؛ لأنه رغم أن البرهان "المطلق" يفوق الأنواع الأخرى في الكمال، إلا أن الأنواع الأخرى لم يكن ينبغي إهمالها من تلك الملكة التي تَعِد بتعليم آلات العلم، لا سيما وأن استعمالها في العلوم ربما يكون أكثر من استعمال ذلك النوع الكامل من كل جهة.
لهذه الأسباب، ترك الفريقان آراءهما محفوفة بصعوبات جمة.
أما أنا، فلكي أُظهر أن الأمر الذي جعلوه مشكوكاً فيه ليس مشكوكاً فيه أبداً، ولكي تظهر حقيقة هذا الكتاب في أبهى ضياء، سأحاول أن أكشف قصد وخطة أرسطو بالبحث في ذهنه بعمق أكبر قليلاً.
من الواضح لكل من يتأمل كلمات أرسطو أن البرهان المأخوذ تحت لفظه العام هو جنس؛ فله طبيعة عامة، وله فصول تقسيمه إلى أنواع، وإذا كانت هذه الأنواع بعضها أكثر كمالاً وبعضها أقل كمالاً، فهذا لا يمنع أن تكون الفصول مقوّمة؛ لأن هذا يحدث أيضاً في الفصول والأنواع التي تصدر عن الطبيعة.
والبراهين التي نالت كمالاً أقل لا توصف بأنها كذلك لأن صانعها كان ناقصاً، أو أنها تُفصل عن الأكمل لمجرد السلب والنقص –كما يحدث في المصنوعات كالبناء أو الخطابة–، بل هي بطبيعتها كذلك، وتتقوّم بفصول موجبة، ولا يمكن لمنطقي كامل أن يبنيها على نحو آخر، وحين تُعلّم هذه الأنواع، لا يعني ذلك أننا يجب أن نهرب منها كما يجب الهروب من الخطابة الفاسدة أو البيت الفاسد، بل لكي نستعملها، كأدوات تكون ضرورية لإعطاء وتلقي معرفة الأشياء.
يجب أن ندرك أن البرهان ليس جنساً طبيعياً كالحيوان؛ لأن مادته هي الألفاظ والقضايا المتمايزة، وصورته هي ترتيب وتوزيع الحدود، التي لا يمكن أن يبرز منها واحد بذاته، كما هو الحال في الذي يصدر عن الطبيعة، بل هو بالمشابهة والمحاكاة جنس؛ فإن "الفن" يحاكي "الطبيعة"، ويحاكي لنفسه أيضاً أجناساً وأنواعاً يصورها ويصيغها، وهو ما سيتضح بجلاء أكبر في موضعه.
الجنس إذن هو البرهان [العام]، وهو الذي ينقسم إلى أنواع كثيرة؛ وتلك الأنواع التي تفتقر إلى لفظ خاص بها، تستمد اسمها من الجنس مقترناً بفصلٍ ما به تنفصل عن الجنس، والتي سنعرف كل واحدة منها بأقصى سهولة إذا برهنا بهذا الطريق الذي هو تقسيم الشيء إلى أجزائه.
أحد البراهين هو الذي يسمى برهان "لِمَ" (demonstratio propter quid)، والآخر هو الذي يسمى برهان "إن" (demonstratio quia)، وهذا هو التقسيم الأول له.
وتلك الأنواع التي تسمى "لِمَ" طبيعتها أن تكون بحيث تُقدم دائمًا "العلة القريبة"، وبلا أي فاصل [واسطة] عن المعلول، ومرتبة في القياس بهذا الترتيب بحيث تسبق العلةُ المعلولَ في الذهن كما هو في نظام الوجود والأمر الطبيعي.
أما تلك التي هي "إن"، فلها حال آخر، إذ إما بالترتيب العكسي تبرهن العلة من المعلول، أو إذا أخذ المبدأ من العلة، فإنها تكون علة بعيدة.
وينقسم بعد ذلك برهان "لِم" إلى أنواع أخرى بحسب أنواع العلل التي يمكن أن يُبنى منها البرهان، والتي هي أربعة: فبعضها يكون [1] من الصورة، أو [2] من المادة، وأخرى [3] من الغاية، [4] ومن الفاعل.
والبرهان الذي يكون من الصورة يسمّى عند أرسطو باسم منفصل عن البقية، وهو "البرهان المطلق" (simpliciter)، وهو ما يعطي ذلك العلم الذي هو الأسمى والرئيس، أو باسم الجنس "لِم"، ويسمّى عند اللاتينيين "الأقوى" (Potissima).
والباقي يُسمى بحسب العلة المستخدمة أو بأن يقرَن اسم الجنس بالعلة، ويسمّى: برهان "اللّم" بالعلة الغائية، أو المادية، أو الفاعلية. "
جريجوريو زوكولو | شرح البرهان (ترجمة الذكاء الاصطناعي وبتصرّف يسير)
ولكن بما أن أنواع البرهان كثيرة من جهة، ومن جهة أخرى يمكن أن يُرى بوضوح أن أرسطو يبحث بدقة في طبيعة وخواص نوع واحد فقط بالذات، انقسمت آراء الشرَّاح إلى قسمين:
[1] قسمٌ اتبع فقط الكلمات التي طرحها الفيلسوف صراحة أمام أعين الجميع، وأرادوا أن يكون موضوع [كتاب] البرهان هو ذلك النوع الذي يُسمى "المطلق" (simpliciter).
[2] وقسمٌ بدا لهم من الصعب –وربما من غير اللائق– بتعليم فيلسوف عظيم كهذا أن يُعالج نوعاً واحداً من البرهان مع إهمال البقية، حيث يظهر بوضوح أنه وضع على عاتقه تعليم طبيعة البرهان، فزعموا أن البرهان من حيث هو "عام" هو الموضوع.
ومع ذلك، فهؤلاء [الفريق الثاني] لا يصرحون بوضوح كافٍ بأي وجه نكتسب المعرفة التامة بجميع [الأنواع] من تعليم نوع واحد فقط عند أرسطو؛ كما لم يوضِّح هؤلاء لماذا يزدري أرسطو الأنواع الأخرى من البراهين التي وضعها هو نفسه باستثناء نوع واحد؛ لأنه رغم أن البرهان "المطلق" يفوق الأنواع الأخرى في الكمال، إلا أن الأنواع الأخرى لم يكن ينبغي إهمالها من تلك الملكة التي تَعِد بتعليم آلات العلم، لا سيما وأن استعمالها في العلوم ربما يكون أكثر من استعمال ذلك النوع الكامل من كل جهة.
لهذه الأسباب، ترك الفريقان آراءهما محفوفة بصعوبات جمة.
أما أنا، فلكي أُظهر أن الأمر الذي جعلوه مشكوكاً فيه ليس مشكوكاً فيه أبداً، ولكي تظهر حقيقة هذا الكتاب في أبهى ضياء، سأحاول أن أكشف قصد وخطة أرسطو بالبحث في ذهنه بعمق أكبر قليلاً.
من الواضح لكل من يتأمل كلمات أرسطو أن البرهان المأخوذ تحت لفظه العام هو جنس؛ فله طبيعة عامة، وله فصول تقسيمه إلى أنواع، وإذا كانت هذه الأنواع بعضها أكثر كمالاً وبعضها أقل كمالاً، فهذا لا يمنع أن تكون الفصول مقوّمة؛ لأن هذا يحدث أيضاً في الفصول والأنواع التي تصدر عن الطبيعة.
والبراهين التي نالت كمالاً أقل لا توصف بأنها كذلك لأن صانعها كان ناقصاً، أو أنها تُفصل عن الأكمل لمجرد السلب والنقص –كما يحدث في المصنوعات كالبناء أو الخطابة–، بل هي بطبيعتها كذلك، وتتقوّم بفصول موجبة، ولا يمكن لمنطقي كامل أن يبنيها على نحو آخر، وحين تُعلّم هذه الأنواع، لا يعني ذلك أننا يجب أن نهرب منها كما يجب الهروب من الخطابة الفاسدة أو البيت الفاسد، بل لكي نستعملها، كأدوات تكون ضرورية لإعطاء وتلقي معرفة الأشياء.
يجب أن ندرك أن البرهان ليس جنساً طبيعياً كالحيوان؛ لأن مادته هي الألفاظ والقضايا المتمايزة، وصورته هي ترتيب وتوزيع الحدود، التي لا يمكن أن يبرز منها واحد بذاته، كما هو الحال في الذي يصدر عن الطبيعة، بل هو بالمشابهة والمحاكاة جنس؛ فإن "الفن" يحاكي "الطبيعة"، ويحاكي لنفسه أيضاً أجناساً وأنواعاً يصورها ويصيغها، وهو ما سيتضح بجلاء أكبر في موضعه.
الجنس إذن هو البرهان [العام]، وهو الذي ينقسم إلى أنواع كثيرة؛ وتلك الأنواع التي تفتقر إلى لفظ خاص بها، تستمد اسمها من الجنس مقترناً بفصلٍ ما به تنفصل عن الجنس، والتي سنعرف كل واحدة منها بأقصى سهولة إذا برهنا بهذا الطريق الذي هو تقسيم الشيء إلى أجزائه.
أحد البراهين هو الذي يسمى برهان "لِمَ" (demonstratio propter quid)، والآخر هو الذي يسمى برهان "إن" (demonstratio quia)، وهذا هو التقسيم الأول له.
وتلك الأنواع التي تسمى "لِمَ" طبيعتها أن تكون بحيث تُقدم دائمًا "العلة القريبة"، وبلا أي فاصل [واسطة] عن المعلول، ومرتبة في القياس بهذا الترتيب بحيث تسبق العلةُ المعلولَ في الذهن كما هو في نظام الوجود والأمر الطبيعي.
أما تلك التي هي "إن"، فلها حال آخر، إذ إما بالترتيب العكسي تبرهن العلة من المعلول، أو إذا أخذ المبدأ من العلة، فإنها تكون علة بعيدة.
وينقسم بعد ذلك برهان "لِم" إلى أنواع أخرى بحسب أنواع العلل التي يمكن أن يُبنى منها البرهان، والتي هي أربعة: فبعضها يكون [1] من الصورة، أو [2] من المادة، وأخرى [3] من الغاية، [4] ومن الفاعل.
والبرهان الذي يكون من الصورة يسمّى عند أرسطو باسم منفصل عن البقية، وهو "البرهان المطلق" (simpliciter)، وهو ما يعطي ذلك العلم الذي هو الأسمى والرئيس، أو باسم الجنس "لِم"، ويسمّى عند اللاتينيين "الأقوى" (Potissima).
والباقي يُسمى بحسب العلة المستخدمة أو بأن يقرَن اسم الجنس بالعلة، ويسمّى: برهان "اللّم" بالعلة الغائية، أو المادية، أو الفاعلية. "
جريجوريو زوكولو | شرح البرهان (ترجمة الذكاء الاصطناعي وبتصرّف يسير)
لِـوَاءُ الـھُـدَىٰ فِـي الـلَّـيْـلِ والـدُّجَـىٰ
" ... بعد ترك تلك الآراء، أقول أنا إن الموضوع الحقيقي [لهذا الكتاب] هو البرهان، فهذا هو الذي يُطرح صراحة لنظر الكتاب، وهو النوع التام من القياس، وهو الذي يُبيِّن "ما هو" و "لمَ هو"، وأخيراً فإنّ أجزاءه وأعراضه الذاتية يستقصيها أرسطو بأقصى جهد، وكل الأشياء…
" وبما أن مادة البرهان تُفترض تحت صورة القياس، يحدث أيضاً أنها تُفترض تحت بعض الفصول المتقابلة، ولذلك فإن تقسيم كل هذه الأنواع –التي انقسم إليها البرهان العام حتى الآن– يمكن أن يصير أيضاً إلى أقسام أخرى كثيرة جداً، فإما أن تكون موجبة أو سالبة، وسواء كانت براهين من العلة أو من المعلول، وسواء كانت كلية أو جزئية، ومستقيمة وبراهين تُساق إلى المحال، أو في أي شكل من الأشكال الثلاثة التي علمها أرسطو في كتاب "القياس"، وهذا هو ربما عدد الأنواع التي يمكن أن يصير إليها تقسيم البرهان، والتي ذكرها أرسطو جميعها في مواضع مختلفة من هذا الكتاب.
... ومن هذه المواضع أيضاً يعرف أولئك الذين يشكون فيما إذا كانت بعض هذه تستحق اسم البرهان، أنها براهين وتسمى عند أرسطو باسم البرهان، لكن ليس "بإطلاق" (absolute)، بما أن اسماً من هذا القبيل هو تسمية للجنس، بل مع شركة لشيء ما يعبر عن النوع.
فلما كانت إذن أنواع البرهان بهذه الكثرة، فإن أرسطو الذي سيعالج في هذا الكتاب البرهان أولًا وبالقصد مُجبر على تعليم كل أنواع البرهان بحيث لا يغفل عن أي نوع منه، ولا يترك طبيعته غير مبيَّنة تماماً، بل لا يترك شيئاً مما ينتمي إلى المعرفة التامة من كل وجه لكل واحدة منها، فلا بد من الاعتراف بوجه آخر أن أرسطو الذي علّم بدقة وعناية أنواع القياس بالنظر إلى الصورة، وهو الذي في كل مكان اعتاد أن يعالج الأشياء بنظر ونظام عجيبين، قد كان في هذا الكتاب مختلفاً عن نفسه.
ومع هذا نقول إن أرسطو علّم كل نوع من أنواع البرهان بملء الاستقصاء، ولكن نلاحظ وسيلة خاصة كانت مجهولة للمفسرين: بوليكليتوس (Polycletus)، الذي يُحتفى به منذ القِدَم كالأعظم في فن النحت، لكي يدعم تلاميذه ويجعلهم متعلمين، كان يدرّسهم بطريق ما وجيز وسهل، فصنع تمثالاً يحتوي على كل أجزائه بجمال وبهاء عظيمين، ومتناسبين بِلُطْفٍ كبير فيما بينهم، بحيث لا يمكن أن يُطلب فيه أي شيء ينتمي إلى الكمال التام للجمال؛ فسمى هذا النحت الممتاز باسم "القاعدة" (Regulam)، لكي تكون تلك هي القاعدة والمعيار التي بها يمكن الحصول على المعرفة القصوى لكل التماثيل بأقصى سهولة؛ فكان يعرض هذا لهم، لكي يدركوا بالنظر فيه أجزاء وخطوط وتناسبات وعيوب كل البقية.
وبفن مماثل استخدمه أرسطو في هذا الكتاب، إذ هو مزمع أن يُعلم القواعد والخواص لجميع البراهين، أخذ [أرسطو] على عاتقه التصريح بذلك الواحد فقط [البرهان المطلق (simpliciter)]، الذي فيه يُرى كل الأجزاء الأكثر شرفاً، والأفضل، والتي هي حقاً تلك التي تكون "لِم" (propter quid)، ومن العلة التي هي الصورية، والكلية، والموجبة، والمستقيمة، وفي الشكل الأول؛ ففي معرفة هذا النوع لا يقدّم معرفة أخرى غير معرفة جميع [البراهين] الأخرى، كما لو كان قد عالج كل واحدة على حدة، بما أنه يقوم في البراهين بذلك الدور الذي كان يقوم به بين التماثيل تمثال بوليكليتوس.
فإذا نظرنا في هذه، فإنه من الضروري أن يظهر منها ما هو خاص في ذلك النوع نفسه، وما هو مشترك بينها وبين جميع البراهين الأخرى، كما سيظهر قليلاً بعد ذلك؛ وبوضوح يمكن أن تُعرف "سعة البرهان" (latitudo demonstrationis) الكلية التي تمتد إلى هذا الحد بحيث لا تخرج عن "الضروري"، وسنعرف الأجزاء والأعراض الخاصة بالبراهين الأخرى التي تكون أقل كمالاً من البرهان المطلق، وما يمكن أن يكون فيها ضرورياً، كما هو الأمر في التي من العلة المادية، والغائية، والفاعلة، وكما هو في السالبة، والجزئية، والبقية التي عددتُها أعلاه في أنواع البرهان، وسنعرف بالمثل من هذا "الضروري" نفسه أيها يكون، والذي لا يدخل في البرهان بأي وجه ولا يكون له فيه موضع؛ فإن لهذه الأنواع [أمور] كثيرة جداً التي هي بالعرض (الأعراض غير الذاتية)، والتي هي فاسدة، والتي هي محسوسة، وتلك التي تصدر عن الاتفاق (Fortuna)، وأخيراً الانتقال من جنس إلى جنس.
لكي أرجع أخيراً إلى حيث انصرفتُ، إن أرسطو يعلِّم البرهان، ولكن ليس ذلك [النوع الأفضل من البرهان] فقط، الذي يظن الكثيرون أنه يُسمى "المطلق"، بل [البرهان] العام، والذي يشتمل على كل أنواعه، ولا يعلمه، كما يظن كثيرون آخرون، لأنه مع البرهان المطلق يتحدث في الوقت نفسه عن برهان "إن" (quia) مستقصياً طبيعته وخواصه، بل لأن معرفة ذلك النوع، الذي هو [البرهان] المطلق، تكون كأنها تلك المرآة التي فيها تُرى بوضوح شديد كل [البراهين] الأخرى.
في الحاصل إذن أقول: إن موضوع الكتاب الحاضر هو البرهان العام، ولكن أرسطو يعالجه بتعليم البرهان المطلق وحده، بما أن هذا هو الذي فيه، كما في مرآة ما، تُرى طبيعة كل [البراهين] الأخرى، وكل هذه [الأشياء] في سياق الكلام، إذا قرأوا المواضع الخاصة والملاحظات الأخرى، فستبدو لهم دائماً أكثر وضوحاً. "
جريجوريو زوكولو | شرح البرهان (ترجمة الذكاء الاصطناعي وبتصرّف يسير)
... ومن هذه المواضع أيضاً يعرف أولئك الذين يشكون فيما إذا كانت بعض هذه تستحق اسم البرهان، أنها براهين وتسمى عند أرسطو باسم البرهان، لكن ليس "بإطلاق" (absolute)، بما أن اسماً من هذا القبيل هو تسمية للجنس، بل مع شركة لشيء ما يعبر عن النوع.
فلما كانت إذن أنواع البرهان بهذه الكثرة، فإن أرسطو الذي سيعالج في هذا الكتاب البرهان أولًا وبالقصد مُجبر على تعليم كل أنواع البرهان بحيث لا يغفل عن أي نوع منه، ولا يترك طبيعته غير مبيَّنة تماماً، بل لا يترك شيئاً مما ينتمي إلى المعرفة التامة من كل وجه لكل واحدة منها، فلا بد من الاعتراف بوجه آخر أن أرسطو الذي علّم بدقة وعناية أنواع القياس بالنظر إلى الصورة، وهو الذي في كل مكان اعتاد أن يعالج الأشياء بنظر ونظام عجيبين، قد كان في هذا الكتاب مختلفاً عن نفسه.
ومع هذا نقول إن أرسطو علّم كل نوع من أنواع البرهان بملء الاستقصاء، ولكن نلاحظ وسيلة خاصة كانت مجهولة للمفسرين: بوليكليتوس (Polycletus)، الذي يُحتفى به منذ القِدَم كالأعظم في فن النحت، لكي يدعم تلاميذه ويجعلهم متعلمين، كان يدرّسهم بطريق ما وجيز وسهل، فصنع تمثالاً يحتوي على كل أجزائه بجمال وبهاء عظيمين، ومتناسبين بِلُطْفٍ كبير فيما بينهم، بحيث لا يمكن أن يُطلب فيه أي شيء ينتمي إلى الكمال التام للجمال؛ فسمى هذا النحت الممتاز باسم "القاعدة" (Regulam)، لكي تكون تلك هي القاعدة والمعيار التي بها يمكن الحصول على المعرفة القصوى لكل التماثيل بأقصى سهولة؛ فكان يعرض هذا لهم، لكي يدركوا بالنظر فيه أجزاء وخطوط وتناسبات وعيوب كل البقية.
وبفن مماثل استخدمه أرسطو في هذا الكتاب، إذ هو مزمع أن يُعلم القواعد والخواص لجميع البراهين، أخذ [أرسطو] على عاتقه التصريح بذلك الواحد فقط [البرهان المطلق (simpliciter)]، الذي فيه يُرى كل الأجزاء الأكثر شرفاً، والأفضل، والتي هي حقاً تلك التي تكون "لِم" (propter quid)، ومن العلة التي هي الصورية، والكلية، والموجبة، والمستقيمة، وفي الشكل الأول؛ ففي معرفة هذا النوع لا يقدّم معرفة أخرى غير معرفة جميع [البراهين] الأخرى، كما لو كان قد عالج كل واحدة على حدة، بما أنه يقوم في البراهين بذلك الدور الذي كان يقوم به بين التماثيل تمثال بوليكليتوس.
فإذا نظرنا في هذه، فإنه من الضروري أن يظهر منها ما هو خاص في ذلك النوع نفسه، وما هو مشترك بينها وبين جميع البراهين الأخرى، كما سيظهر قليلاً بعد ذلك؛ وبوضوح يمكن أن تُعرف "سعة البرهان" (latitudo demonstrationis) الكلية التي تمتد إلى هذا الحد بحيث لا تخرج عن "الضروري"، وسنعرف الأجزاء والأعراض الخاصة بالبراهين الأخرى التي تكون أقل كمالاً من البرهان المطلق، وما يمكن أن يكون فيها ضرورياً، كما هو الأمر في التي من العلة المادية، والغائية، والفاعلة، وكما هو في السالبة، والجزئية، والبقية التي عددتُها أعلاه في أنواع البرهان، وسنعرف بالمثل من هذا "الضروري" نفسه أيها يكون، والذي لا يدخل في البرهان بأي وجه ولا يكون له فيه موضع؛ فإن لهذه الأنواع [أمور] كثيرة جداً التي هي بالعرض (الأعراض غير الذاتية)، والتي هي فاسدة، والتي هي محسوسة، وتلك التي تصدر عن الاتفاق (Fortuna)، وأخيراً الانتقال من جنس إلى جنس.
لكي أرجع أخيراً إلى حيث انصرفتُ، إن أرسطو يعلِّم البرهان، ولكن ليس ذلك [النوع الأفضل من البرهان] فقط، الذي يظن الكثيرون أنه يُسمى "المطلق"، بل [البرهان] العام، والذي يشتمل على كل أنواعه، ولا يعلمه، كما يظن كثيرون آخرون، لأنه مع البرهان المطلق يتحدث في الوقت نفسه عن برهان "إن" (quia) مستقصياً طبيعته وخواصه، بل لأن معرفة ذلك النوع، الذي هو [البرهان] المطلق، تكون كأنها تلك المرآة التي فيها تُرى بوضوح شديد كل [البراهين] الأخرى.
في الحاصل إذن أقول: إن موضوع الكتاب الحاضر هو البرهان العام، ولكن أرسطو يعالجه بتعليم البرهان المطلق وحده، بما أن هذا هو الذي فيه، كما في مرآة ما، تُرى طبيعة كل [البراهين] الأخرى، وكل هذه [الأشياء] في سياق الكلام، إذا قرأوا المواضع الخاصة والملاحظات الأخرى، فستبدو لهم دائماً أكثر وضوحاً. "
جريجوريو زوكولو | شرح البرهان (ترجمة الذكاء الاصطناعي وبتصرّف يسير)
لِـوَاءُ الـھُـدَىٰ فِـي الـلَّـيْـلِ والـدُّجَـىٰ
" وبما أن مادة البرهان تُفترض تحت صورة القياس، يحدث أيضاً أنها تُفترض تحت بعض الفصول المتقابلة، ولذلك فإن تقسيم كل هذه الأنواع –التي انقسم إليها البرهان العام حتى الآن– يمكن أن يصير أيضاً إلى أقسام أخرى كثيرة جداً، فإما أن تكون موجبة أو سالبة، وسواء كانت براهين…
جريجوريو زوكولو (Gregorio Zuccolo)، توفي سنة 1588م، من علماء عصر النهضة في فاينزا إيطاليا، تخصَّص في الطب والأخلاق والطبيعيات والمنطق والهندسة العسكرية، من مصنَّفاته: تاريخ مدينة فاينزا، رسائل في الشرف والنبل والحب، رسالة بالإيطالية في زلزال فيرارا، شرح لكتاب البرهان لأرسطو (يقع في 960 صفحة تقريبًا بحسب الطبعة اللاتينية القديمة).
لعل أكثر ما عرف به زوكولو هي رسالته حول زلزال فيرارا (1570-1571) الذي عاينه مباشرةً، ولمَّا كانت الزلازل أحد موضوعات علم الآثار العلوية (Meteorology)، وكان قد اشتهر بين علماء عصر النهضة أن طبيعة هذا العلم هي احتمالية ظنية لا يقينية قطعية، فكانت أدلة أرسطو في هذا العلم حجج ظنية (جدلية عند الأكثر وخطابية عند البعض مثل بومبانازي)، كان لزوكولو المجال للخروج من سلطة أرسطو وإبداء آرائه الخاصة ورد آراء أرسطو والمشائين، واعتمد على مشاهدته الميدانية للزلزال والاستدلال العقلي المشائي، حيث لم يخالف في نمط التحليل المشائي للطبيعة، نحو الاعتماد على العلل الفاعلية والمادية، فلم يرفض العلل الأربع من حيث هي أدوات تفسيرية، وإنما خالف في تعيين المصاديق، ومع هذا، أحدث زوكولو قطيعة منهجية باعتماد مبدأ "تفسير الطبيعي بالصناعي" (يمكن أن يسمَّى بـ"المماثلة الصناعية" Artificial Analogy) كأداة تفسيرية، فذهب إلى استعارة نماذج ميكانيكية من صناعة المدافع والبارود؛ حيث رأى في الانفجارات الصناعية والمواد الكيميائية "نظيرًا" يفسِّر ما لا يمكن للباحث رؤيته سواء في باطن الأرض (الزلزال) أو في طبقات الجو العليا (البرق والرعد)، وقد أسهم هذا المنحى الصناعي/الكيميائي في تغيير طبيعة الأرصاد الأرسطية في السنوات التي أعقبت زلازل فيرارا، وبهذا ربما يعدُّ زوكولو ضمن أوائل الفلاسفة الذين مهدوا لظهور الفلسفة الآلية والتفسيرات الكيميائية (إرجاع العلل المادية لموضوعات الآثار العلوية كالزلازل والبرق والرعد إلى مواد كيميائية كالكبريت والقار) التي سادت في القرن السابع عشر.
وما يتعلَّق بشرحه لكتاب البرهان (التحليلات الثانية) لأرسطو فقد كان عالمًا مشاركًا محقِّقًا لا مجرّد شارح يحل العبارة ويتابع المشهور، وقد يكون مجيدًا للغة اليونانية القديمة (وكانت نزعة تعلم اليونانية القديمة والرجوع إلى الأصل اليوناني كما هو منتشرة جدًا بين علماء عصر النهضة بسبب التيار الإنساني، وفي الحقيقة لم تكن النهضة إلا نهضة للتراث اليوناني)، وقد يكون اعتمد نسخةً حديثة أوردت الأصل اليوناني مع الترجمة اللاتينية، وعلى أي تقدير، فقد سلك زوكولو مسلك جيِّدًا في غالب الشرح، وهو أن يبدأ بالأصل اليوناني القديم، ثم الترجمة الحرفية إلى اللاتينية (وكانت ترجمات الإنسانيين –أو النهضويين عمومًا– حرفية)، ثم الترجمة التفسيرية إلى اللاتينية، ثم شرح المعنى، ثم تقسيم منطقي للنص، ثم مطابقة الألفاظ للمعاني، ثم مناقشة الشراح اليونانيين القدماء مثل يوحنا النحوي وثامسطيوس وغيرهم، ثم مناقشة تفسير ابن رشد، ثم مناقشة الشراح اللاتينيين المتقدمين مثل توما الأكويني، ثم مناقشة الشراح اللاتينيين المتأخرين مثل فيليبو زافيري وفرانشيسكو دي توليدو.
لعل أكثر ما عرف به زوكولو هي رسالته حول زلزال فيرارا (1570-1571) الذي عاينه مباشرةً، ولمَّا كانت الزلازل أحد موضوعات علم الآثار العلوية (Meteorology)، وكان قد اشتهر بين علماء عصر النهضة أن طبيعة هذا العلم هي احتمالية ظنية لا يقينية قطعية، فكانت أدلة أرسطو في هذا العلم حجج ظنية (جدلية عند الأكثر وخطابية عند البعض مثل بومبانازي)، كان لزوكولو المجال للخروج من سلطة أرسطو وإبداء آرائه الخاصة ورد آراء أرسطو والمشائين، واعتمد على مشاهدته الميدانية للزلزال والاستدلال العقلي المشائي، حيث لم يخالف في نمط التحليل المشائي للطبيعة، نحو الاعتماد على العلل الفاعلية والمادية، فلم يرفض العلل الأربع من حيث هي أدوات تفسيرية، وإنما خالف في تعيين المصاديق، ومع هذا، أحدث زوكولو قطيعة منهجية باعتماد مبدأ "تفسير الطبيعي بالصناعي" (يمكن أن يسمَّى بـ"المماثلة الصناعية" Artificial Analogy) كأداة تفسيرية، فذهب إلى استعارة نماذج ميكانيكية من صناعة المدافع والبارود؛ حيث رأى في الانفجارات الصناعية والمواد الكيميائية "نظيرًا" يفسِّر ما لا يمكن للباحث رؤيته سواء في باطن الأرض (الزلزال) أو في طبقات الجو العليا (البرق والرعد)، وقد أسهم هذا المنحى الصناعي/الكيميائي في تغيير طبيعة الأرصاد الأرسطية في السنوات التي أعقبت زلازل فيرارا، وبهذا ربما يعدُّ زوكولو ضمن أوائل الفلاسفة الذين مهدوا لظهور الفلسفة الآلية والتفسيرات الكيميائية (إرجاع العلل المادية لموضوعات الآثار العلوية كالزلازل والبرق والرعد إلى مواد كيميائية كالكبريت والقار) التي سادت في القرن السابع عشر.
وما يتعلَّق بشرحه لكتاب البرهان (التحليلات الثانية) لأرسطو فقد كان عالمًا مشاركًا محقِّقًا لا مجرّد شارح يحل العبارة ويتابع المشهور، وقد يكون مجيدًا للغة اليونانية القديمة (وكانت نزعة تعلم اليونانية القديمة والرجوع إلى الأصل اليوناني كما هو منتشرة جدًا بين علماء عصر النهضة بسبب التيار الإنساني، وفي الحقيقة لم تكن النهضة إلا نهضة للتراث اليوناني)، وقد يكون اعتمد نسخةً حديثة أوردت الأصل اليوناني مع الترجمة اللاتينية، وعلى أي تقدير، فقد سلك زوكولو مسلك جيِّدًا في غالب الشرح، وهو أن يبدأ بالأصل اليوناني القديم، ثم الترجمة الحرفية إلى اللاتينية (وكانت ترجمات الإنسانيين –أو النهضويين عمومًا– حرفية)، ثم الترجمة التفسيرية إلى اللاتينية، ثم شرح المعنى، ثم تقسيم منطقي للنص، ثم مطابقة الألفاظ للمعاني، ثم مناقشة الشراح اليونانيين القدماء مثل يوحنا النحوي وثامسطيوس وغيرهم، ثم مناقشة تفسير ابن رشد، ثم مناقشة الشراح اللاتينيين المتقدمين مثل توما الأكويني، ثم مناقشة الشراح اللاتينيين المتأخرين مثل فيليبو زافيري وفرانشيسكو دي توليدو.
لِـوَاءُ الـھُـدَىٰ فِـي الـلَّـيْـلِ والـدُّجَـىٰ
جريجوريو زوكولو (Gregorio Zuccolo)، توفي سنة 1588م، من علماء عصر النهضة في فاينزا إيطاليا، تخصَّص في الطب والأخلاق والطبيعيات والمنطق والهندسة العسكرية، من مصنَّفاته: تاريخ مدينة فاينزا، رسائل في الشرف والنبل والحب، رسالة بالإيطالية في زلزال فيرارا، شرح لكتاب…
Gregorii_Zuccoli_Fauentini_In_libros_pos.pdf
153.2 MB
شرح كتاب البرهان لأرسطو (باللغة اللاتينية)
المؤلِّف: جريجوريو زوكولو (ت:1588م)
https://books.google.com.sa/books?id=l1q1pOOKvrwC&pg=PP7&source=gbs_selected_pages&cad=1#v=onepage&q&f=false
المؤلِّف: جريجوريو زوكولو (ت:1588م)
https://books.google.com.sa/books?id=l1q1pOOKvrwC&pg=PP7&source=gbs_selected_pages&cad=1#v=onepage&q&f=false
Forwarded from في ظلال المعقول | محمود نبيل
ليس كل علمٍ برهاني، فالعلم المباشر يحصل بلا برهان.
وضرورةُ هذا الأمر بيّنة.
وضرورةُ هذا الأمر بيّنة.
أرسطوطاليس | التحليلات الثانية
Forwarded from في ظلال المعقول | محمود نبيل
قد تبيّن أنه متى وضعنا أمرًا واحدّا أي: طرفًا واحدًا أو مقدمة واحدة، فلا يمكن لنا أن نستنتج أيَّ شيء أصلا، بل، إن كان استنتاج فإنّ أوّل وأقل ما منه يكون ذلك هو وضع اثنين.
أرسطوطاليس | التحليلات الثانية
Forwarded from في ظلال المعقول | محمود نبيل
وأما أجزاء الحدود فإنما تعطي الحدود، لا على جهة ما يعطي المعلومُ التصور بنفسه المجهولَ التصور بنفسه، فإنّه ليس يوجد في التصوّر هذا النوع من الطريق؛ أعني أن يصير فيه من التصور المعلوم بنفسه إلى التصور المجهول بالطبع حتى يُستنبط المجهول منها من المعلوم، فإنه لو كان ذلك، لما احتيج في الحدود المجهولة بالطبع إلى استعمال القياس في استنباطها، وسنقف على هذه المعاني كلها - إن شاء الله - في المقالة الثانية.
أبو الوليد ابن رشد | شرح التحليلات الثانية
Forwarded from في ظلال المعقول | محمود نبيل
هذا، ومن الواجب أن يكون لديك معرفة من جهتين، فبعض الأمور
• يجب أن يكون لدينا اعتقاد بكونها،
• وأخرى يجب تصورها من القول الدال عليها،
• ويجب في أخرى كليهما،
فيجب مثلاً أن نعتقد أن "النسبة في أي شيء تكون إما الإيجاب وإما السلب"،
وأنّ المثلث يدل على "كذا"،
وفي الوحدة كليهما، أي: مدلولها وكونها.
ثامسطيوس يرى أنّ هذه المعارف المتقدمة التي عدَّدها أنها أنحاءٌ يجب أن تتقدّم في المطلوبات أنفسها، لا في الأوائل التي يُبنى عليها البرهان، فيقول: إن بعض المطالب تحتاج أن يُعلم من أمرها أنها موجودة، وحينئذ يُطلب المجهول فيها، وهي جميع الأشياء التي تطلب أسبابها على ما سيأتي بعد، وبعضها تحتاج أن يعلم من أمرها على ماذا يدل الاسم، أعني القول الشارح له، وحينئذ نطلب: هل هي موجودة، أو غير موجودة ؟ مثل أن الذي يَطلب هل الخلاء موجود، أو غير موجود، فيجب أن يتقدم فيعرف على ماذا يدل اسم الخلاء.
والذي قاله صحيح.
• يجب أن يكون لدينا اعتقاد بكونها،
• وأخرى يجب تصورها من القول الدال عليها،
• ويجب في أخرى كليهما،
فيجب مثلاً أن نعتقد أن "النسبة في أي شيء تكون إما الإيجاب وإما السلب"،
وأنّ المثلث يدل على "كذا"،
وفي الوحدة كليهما، أي: مدلولها وكونها.
أرسطوطاليس | التحليلات الثانية
ثامسطيوس يرى أنّ هذه المعارف المتقدمة التي عدَّدها أنها أنحاءٌ يجب أن تتقدّم في المطلوبات أنفسها، لا في الأوائل التي يُبنى عليها البرهان، فيقول: إن بعض المطالب تحتاج أن يُعلم من أمرها أنها موجودة، وحينئذ يُطلب المجهول فيها، وهي جميع الأشياء التي تطلب أسبابها على ما سيأتي بعد، وبعضها تحتاج أن يعلم من أمرها على ماذا يدل الاسم، أعني القول الشارح له، وحينئذ نطلب: هل هي موجودة، أو غير موجودة ؟ مثل أن الذي يَطلب هل الخلاء موجود، أو غير موجود، فيجب أن يتقدم فيعرف على ماذا يدل اسم الخلاء.
والذي قاله صحيح.
أبو الوليد ابن رشد | شرح التحليلات الثانية
" If such be the case [that all the attributes of the soul exist with the body], it is clear that the attributes of the soul are things whose formulae include matter. So the corresponding definitions will be as follows: anger, for instance, is a certain motion [formal cause], of such a body or bodily part or faculty of that body [material cause, i.e., subject], caused by such and such a mover [efficient cause], for the sake of such and such an end [final cause]. "
On the Soul
On the Soul