لِـوَاءُ الـھُـدَىٰ فِـي الـلَّـيْـلِ والـدُّجَـىٰ
4.39K subscribers
892 photos
68 videos
393 files
217 links
Περιπατητική Σχολή
Download Telegram
لأنَّ الخيلَ قد قلَّتْ تحلَّتْ
‏حميرُ الحيِّ بالسَّرْجِ الأنيقِ

‏إذا ظهرَ الحمارُ بزيِّ خيلٍ
‏تكشَّفَ أمرُهُ عندَ النهيقِ

بيتان يشرحان لك الحال في هذا الزمان الذي ارتفع فيه صوت الطِّغَام.

فيا أخي استمرَّ في التحصيل ودع عنك نهيق الناهقين، فما هي سوى سنوات معدودة وسينقشعُ الغُبار:

وتعلمُ حينَ ينقشِعُ الغُبَارُ
أخيلٌ تحتَ رِجلِكَ أم حِمَارُ
محاولة لتحسين صورة الفاضل يعقوب زاباريلا (ت: 1589م).
[مقدمة نيكولو كابيو (Niccolò Cabeo) لشرح كتاب الظواهر الجوية لأرسطو – بترجمة الذكاء الاصطناعي]

" إلى القارئ، إن الحكم بأن جموع البشر قاطبةً قد خُدعت هو من شأن المعتوهين؛ بل إن من يظن نفسه الحكيم الأوحد، وهو يرمي إلى منازعة إدراك الجميع، سيبدو أحمقاً لا محالة.

وبما أن أرسطو قد نُصِّب الآن –بإجماع فلاسفة هذا العصر تقريباً– ليس فقط إماماً للمشائين، بل رئيساً للفلاسفة الحقيقيين؛ فلن يُعتقد بقدرة أحدٍ على بلوغ خفايا الحكمة، عبر مسلك قويم وممهد، ما لم يوقع له "أمين سر الطبيعة" هذا على صكّ العبور؛ بل وما لم يرفع له "سيد القبول" هذا الستار، ويمدّ إليه يد العون.

وإذا كان الشاعر قد حاك ببراعة أسطورةً تقول إن وحش الجهل يكمن في تلك المتاهات المتعرجة، وأنه يجب على محب الحكمة قتله ليفوز بقران الحكمة الذي يبتغيه؛ فإن ألسنة الجميع تكاد تجمع على أن أرسطو هو من يقدم "الخيط" الذي يهتدي به المرء في خطواته العمياء.

لذا، لا ينبغي الإصغاء إلى بعض المحدثين، أو قلة من القدماء، الذين يتوهمون أن سمعة نبوغهم لن تترسخ إلا إذا اتهموا أرسطو بالجهل، ويظنون أنهم سيخلدون أسماءهم لدى الأجيال القادمة فقط إذا ما حاولوا إحراق "هيكل الحكمة" هذا.

إنني لأؤكد أن للإيمان وللعلم حدوداً متباينة تماماً. فإذا أردنا أرسطو قائداً للحكمة، فلا أمانع؛ وإذا أردناه معلماً للمذاب، فلا أرفض؛ وإذا اعتبرناه أباً للحكمة، فإني أعترف بفضله في أمور كثيرة وجليلة وأُعجب به. لكن، أن نذهب في آرائنا بناءً على قوله هو وحده، وأن تكون أقواله -دون أي برهان آخر- هي بالنسبة لنا قاعدة للحكم، فهذا ما لا أقبله؛ بل أقول إن من يفعلون ذلك يبتعدون كثيراً عن عقيدة أرسطو نفسه، الذي أراد للفيلسوف والحكيم أن يكون هو مَن يعرف أسباب الأشياء، لا مَن يستظهر أقوال غيره في ذاكرته.

لقد عرّف أرسطو العلم بأنه "معرفة الأشياء من خلال أسبابها"، وليس العلم هو المعرفة التامة بما يراه هذا الشخص أو ذاك. لذا، لن يكون علماً أن تعرف ما حدده أرسطو في أي مسألة، بل العلم هو أن تقتنع بالشيء ذاته، سواء بأدلة أرسطو أو بأدلة أخرى.

وعليه، أرى أن هناك أمرين يجب على الفيلسوف المشائي فعلهما ليسير على نهج أرسطو القويم:

– الأول: هو معرفة ما قاله أرسطو في كل مسألة، وفهم معنى كلماته تماماً، واستيعاب الحجج التي ساقها لإثبات كل نقطة.

الثاني: بعد أن يدرك المرء قصد أرسطو تماماً، يبقى عليه أن يبحث: هل ما صرّح به أرسطو حق أم باطل؟ وهل تلك الحجج التي ساقها تثبت استنتاجه بوضوح أم لا؟

فإن توقفت عند الأمر الأول، واكتفيت فقط بفهم رأي أرسطو الأصيل، فستكون حينها نحوياً (لغوياً) جيداً، ولكنك لن تكون فيلسوفاً. فكما أن اللغوي يبحث عن المعنى الحقيقي والدقيق للكلمات في نصوص "شيشرون" أو "فيرجيل" ليصل إلى قصد المؤلف، ويظن أنه أتمّ مهمته بمجرد استيضاح رأي المؤلف دون مناقشة حقيقته أو زيفه؛ فكذلك أنت، حتى لو شرحت قصد أرسطو بدقة، ولكنك لم تناقش صحته من كذبه، فأنت لا تمارس الفلسفة أبداً، بل تظهر كأنك مجرد "نحويّ" في شروحك لأرسطو.

أما إذا افترضت أن كل ما قاله "الفيلسوف" حق مطلق، ولم تبذل جهداً لترى ما إذا كانت حججه تقودك لهذا الاستنتاج، واكتفيت بسلطة القائل وحده، فأنت لست فيلسوفاً، بل صرت مفسراً أرسطياً مخلصاً، ولن تكون معرفتك "علماً" بل "إيماناً" (تسليماً)، لأن ما ساقك إلى هذا الرأي ليس قوة الحجة، بل سلطة القائل.

لهذا السبب، يجب على المفسر الجيد أن يقدم معنى كلام أرسطو بوضوح وسلاسة، مبيناً المعنى الأصيل للكلمات، وموضحاً الغامض، ومفسراً للموجز، ومكملاً لما أُغفل، ومستعيداً نقاء النص إذا ما شابَه كدرٌ عند نقله من المصادر اليونانية. بكلمة واحدة، يجب تقديم المعنى بأسلوب يجعل حتى متوسط الثقافة قادراً على استيعابه.

وبمجرد تحقيق ذلك، لا ينبغي تبجيل رأي أرسطو كأنه "عقيدة منزلة من السماء"، ولا النظر إليه كأمر مقدس لا يُمس؛ بل يجب فحصه بميزان الحقيقة، ومناقشة الأطروحة بذكاء، ووزن قوة الحجج والأسباب التي قدمها أرسطو نفسه. فنحن نقبل الحقيقة لا لأن "أرسطو قالها"، بل بسبب البرهان الجلي الذي يثبتها؛ بل تظل الحقيقة حقاً حتى لو قيلت على لسان عدوٍ لأرسطو.
لِـوَاءُ الـھُـدَىٰ فِـي الـلَّـيْـلِ والـدُّجَـىٰ
[مقدمة نيكولو كابيو (Niccolò Cabeo) لشرح كتاب الظواهر الجوية لأرسطو – بترجمة الذكاء الاصطناعي] " إلى القارئ، إن الحكم بأن جموع البشر قاطبةً قد خُدعت هو من شأن المعتوهين؛ بل إن من يظن نفسه الحكيم الأوحد، وهو يرمي إلى منازعة إدراك الجميع، سيبدو أحمقاً لا محالة.…
وهذا هو هدفي منذ البداية: أن أجمع بين الاثنين في شرحي لكتاب "الظواهر الجوية". ولتحقيق ذلك، سأجعل النص واضحاً أولاً، ولن أضيع وقت القارئ في سرد آراء الآخرين أو تفنيدها تجنباً للإطالة المملة. سأذكر المصادر باختصار، وما لا أذكر له مصدراً فهو من فكري الخاص، لا ادعاءً بالسبق، بل أمانةً في النقل. ولأن فصول أرسطو طويلة، سأقوم بتقسيمها إلى نصوص قصيرة ليسهل تتبع المعنى، وسأطرح عقِب كل نص "تساؤلات" (Quaestiones) علمية يثيرها محتوى النص.

سأعمل كعالم فيزيائي؛ حيث تتصارع الحجج، وستكون للأدلة المستمدة من التجارب العملية القوة الغالبة والأهم. ولا ينبغي لنا، إن كنا فلاسفة حقاً، أن نضفي على سلطة أرسطو قدسية تجعلنا نتوهم أن إخضاع آرائه للشك أو الجدال أمرٌ محظور.

ورغم أن هذا الكتاب مخصص للظواهر الجوية، أرجو ألا يستاء القارئ إذا أقحمتُ تساؤلات من علم الطبيعة العام؛ فإذا لم يرق لك تساؤل ما، فما عليك إلا أن تقلب الصفحة.

أما عن أسلوب الكتابة، فإن الموضوع الذي أعالجه سامٍ بطبيعته، لكن موهبتي تزحف على الأرض؛ لذا لا يمكن للغة أن ترتقي ما لم تكن العبقرية هي ما يقودها. هذه التساؤلات سامية وتكاد تتجاوز إدراك البشر، ولهذا قال صاحب المزامير: (وحقك يبلغ إلى الغمام)؛ وكأن الحقيقة تسكن فوق السحاب، ونحن لا ندرك إلا شذرات منها تحتها.

سأبذل قصارى جهدي لأشرح ما أعتقده بأقصى قدر من الوضوح، فأنا لا أسعى لأن أظهر كرجلٍ متبحرٍ في الكتب، بل كـ فيلسوف باحثٍ عن الحقيقة. "

نيكولو كابيو (ت: 1650م) | شرح كتاب الظواهر الجوية
ولْيَعلمْ أبناؤنا أن كثيرا من أبواب العلم إنما يحصُل بالجهد الشخصي الدؤوب، وأن وظيفة المُعلِّم إنما تقفُ عند حدود تعبيد الطُّرق، ووضعِ العلامات والصُّوَى.

- الأستاذ العلامة محمود الطناحي رحمه الله-
" Because Aristotle in the Meteorology was more concerned with explanations than with establishing principles (though he was concerned with establishing principles in Physics, De Caelo, and De Generatione et Corruptione), an understanding of meteorology is an important corrective to portrayals of Aristotelianism as overly conceptual and bookish.

Renaissance meteorology exemplifies the practice of natural philosophy with regard to nature rather than the principles of nature and with regard to particulars rather than general overviews. The history of Renaissance meteorology offers a counterpoint to the perception of clean or revolutionary breaks from Aristotelianism during the early modern period.

Renaissance meteorology demonstrates not just the flexibility of Aristotelianism and the tendency of Aristotelians to see their theories as provisional but also internal concerns with the applicability of final and formal causation, the willingness to adapt theory to developments derived from empirical undertakings, such as those conducted in chymistry, and the adoption of corpuscular motifs as bases for material explanation. "

Craig Martin | Renaissance Meteorology
لِـوَاءُ الـھُـدَىٰ فِـي الـلَّـيْـلِ والـدُّجَـىٰ
" Because Aristotle in the Meteorology was more concerned with explanations than with establishing principles (though he was concerned with establishing principles in Physics, De Caelo, and De Generatione et Corruptione), an understanding of meteorology is…
" Because the Meteorology and its commentary tradition have been much neglected by modern scholarship, the kinds of explanations and considerations of experience have largely been left out of considerations of natural philosophy, as scholars have concentrated on looking at logical works and commentaries on the Metaphysics and Physics in order to explain Aristotelianism and its views of nature. Commentaries on these works often correspond to the critiques of seventeenth- century novatores: they are filled with concerns over syllogisms and metaphysical distinctions while often devoid of considerations of experience much less experiment.

But the title of the Physics should not mislead. The work is largely dedicated to the general principles of natural philosophy, and as a result it is concerned more with the metaphysics of change, time, and space than with investigations of natural particulars.

The Physics' concern with metaphysical topics does not mean that Aristotle or his followers were not concerned with other matters in natural philosophy. Thus, if we wish to see how Aristotelians pursued inquiries into nature, as opposed to inquiries into the principles of nature, the Meteorology and later meteorological writings provide the appropriate window. The Meteorology and its tradition offer insight into the practice of natural philosophy rather than the establishment of the principles of the natural philosophy.

While there are some correspondences between the content of logical works and the approaches found in meteorological investigations, it is a mistake to assume that the idealized methods found in the Analytics that promoted syllogistic argumentation were applied uniformly to investigations of meteorology or other subjects of natural philosophy.

Once the division between idealized Aristotelian method and natural philosophical practice is admitted, the characterization of Aristotelianism as constricted by its demand for syllogism and logical rigor disappears.

In this new light, we can see Renaissance works on meteorology as open inquiries, which attempted to construct theories that corresponded to sensible evidence, observations, ancient texts, religious doctrines, and experiment. "

Craig Martin | Renaissance Meteorology
وقد شغّب الشاغبون في رسمِ الحدِّ، فقالوا: قد ادّعيتم معرفة الأمور بالحدود، ثم فسّرتم الحد فنحن سائلوكم عن تفسير الحد ثم عن تفسير تفسيره ثم عن تفسير تفسير التفسير، فإن علمتم أن هذا لا ينقضي وأن ما لا ينقضي لا يُدرَك فاعلموا أن تفسير الحد الأول قد بطل بما عجزتم عنه من قياده.
وهذا كقول الذين يجحدون العلم ويزعمون أن شيئا من الأشياء ليس بمعلوم وقد بدأوا قبل نقض حجتهم في الحدود بنقض رأيهم في الجحود.

فقيل: أرأيتم هذا الذي يحتجون بما لا يعلمون وإن كان معلوماً فقد بطل جحودكم العلم، إذ وقفتم على أمر معلوم.
ثم أُجيبوا بما شغّبوا به في رسم الحد من ذكر تفسير التفسير إلى ما لا ينقضي فقيل: إنّما الحد اسمٌ بُني على أحرف معلومة، ثم هو بعد ذلك كلام صار لذلك الاسم تفسيرا فلم تروا أنا إنما فسرنا الاسم ولم نفسر التفسير، ونحن مقرّون بأن كل اسم محتاج إلى التفسير الذي هو الحدّ ولم نقل كل تفسير محتاج إلى تفسير، ولو كنّا قد قلنا ذلك لجاز لكم أن تكلّفونا بالتفسير ثانيا وثالثا ورابعاً وخامسا، ولكن للأمور أصولاً إذا انتهى إليها استغنى ظهورها عن التفسير.
فهذا بيان النقض على الذين أرادوا أن يبطلوا الحدود ليبطل بذلك علم الأمور.

فرفوريوس الصوري | إيساغوجي
الآرَاءُ الفَاضِلَة ومُضَادّاتها
Photo
قلت: كل بحث في حقيقة أمر ما يقوم على ثلاث: موضوع، ومنهج، ومُدركٌ قائمٌ على البحث. ولمّا كان الاستغراق في الموضوع هو جوهر البحث بداهةً، لم نحتج في تاريخنا العلمي إلى كثير عناء لتوجيه نظر الإنسان إلى موضوعات علمية كثيرة، خاصّة تلك الموضوعات التي يمتثل للنظر لها بدوافع فطرية، أما المنهج فهو الأقرب إلى الاهتمام والتدقيق بعد الموضوع، فما يجرُّ النظر اولًا هو الموضوع، وثانيًا المنهج؛ لكون أهمية اكتشافه ووضعه واعتماده لا تثبت أولًا. أما المدرِك - بقواه ومزاياه وعيوبه ونقاط ضعفه - فهو القائم بالبحث، إذ بدونه لا نزوع ولا نظر في الموضوع ولا منهج ولا علم، وإن النظر والمنهج والعلم من حيث حصوله وقيمته متعلّق كلَّ التعلّق بالمدرك إذ إنه الفاعل والأصل ومن تكون للنتائج قيمة بلحاظ إدراكه لها، فلا كائنات غيره تستخدم الآلة وتعين على إنجاز البحث وتقوم بالتقدير وتنتقي الموضوعات وتصيغ المناهج وتبذل الجهد وتراعي أخلاق البحث وتسوّي الانحراف، بل إن جميع ذلك مرهون بالمدرك، فالواقع - خصوص المغاير للمدرِك - جامد لا يحرك ساكنًا، ولا يشاركه قصد العلم والكشف، بل أنه - نسبة إلى البحث - محض صور في المحل القابل (الذهن). وأما المنهج فلا يضع نفسه بنفسه، ولا يدل أحدًا على نفسه بنفسه، بل إن وضعه والاستنتاج من خلاله يكون بفعل المدرك. ولمّا كان جميع ذلك مرهون بالمدرك، لم يجد كانط وسائر من يذهبون بمذهبه بُدًّا من التهيّب والتشكيك بضمانة الإدراك المطابق لنفس الأمر، وأفهم من هذا المقال أن الدكتور الوائلي يرجع ذلك إلى سوء التشخيص، وفقدان الدقة، بل فقدان العلم اللازم للبَتّ بقضية قيمة المعرفة.
«احذَرْ أن تُسْكِنَ العِلْمَ الشَّريفَ في نَفْسٍ غير شريفـةٍ».
هل معنى الكون هو الوجود؟ وما معنى الكون الأولي والكون العرضي؟
.
نعم، صحيح من حيث الجملة، لكن لا على المعنى الذي يسبق إلى الأذهان عادةً، إذ كثيرًا ما يتبادر من الوجود معنى الحلول في ظرفٍ متخيل كأنه جهة زائدة يقوم بها الشيء، وهذا معنى متأخر بالقياس إلى أصل المطلوب، والمراد بالكون هنا هو ثبوت الشيء لنفسه وكونه هو هو، أي: ما به يكون الشيء نفسَ ذلك الشيء، لا ما يعرض له من جهاتٍ وظروف كالأين والزمان وسائر الملابسات، وإن كانت تلك الجهات لازمة للشيء بالذات أو بالعرض.

وعليه نفرّق بين الكون الأولي والكون العرضي: فكونك أنت من حيث أنت هو الكون الأولي، لا بمعنى أن شيئًا آخر يكوِّنك، بل بمعنى أنك متحققٌ بنفسك لا بكونٍ زائدٍ عليك، وأما كونك هنا، وكونك الآن، وكونك قارئًا، فهذه أكوانٌ ثوانٍ (عرضية) راجعة إلى الأعراض والاعتبارات، أعني إلى الأين والزمان والهيئات ونحوها، فليس كونُك مساوقًا لكونك هنا، ولا لكونك الآن، ولا لكونك تقرأ، بل الأول أصل والثاني فروع.

[أزيدك فائدة] ومن هذا يظهر أن الفرق بين كون الشيء وكنهه ليس فرقًا حقيقيًّا في نفس الأمر عند هذا التحقيق، بل هو فرق اعتباري تابعٌ للإدراك: تارةً يُلحظ الشيء على جهة الإجمال فيقال كونه أو هوّيته، وتارةً يُلحظ على جهة التفصيل والتحليل فيقال كنهه أو ماهيته، فالمتغاير في الحقيقة هو اللحاظ لا الملحوظ، والتمييز إنما نشأ من طبيعة إدراكنا الانتقالية التي تتحرك من القوة إلى الفعل ومن الإجمال إلى التفصيل.

revospring.net/@ItC0ding/a/116077033203200479
" إن أعظم ما ينبغي مراعاته في تفسير أرسطو هو: أن يُحفظ ترتيب كلامه، وأن يُنظر في كل مسألة بحسب الموضع الذي وُضعت فيه، والغرض الذي قُصد بها؛ فإن كثيرًا من المفسرين، إذ جمعوا أقوالًا متفرقة من مواضع شتى، وضمّوا بعضها إلى بعض من غير تمييز، جعلوا من فلسفة أرسطو شيئًا مركّبًا تركيبًا غير طبيعي.

وإني لا أنكر أن بعض الشراح —ولا سيما من اليونانيين— قد أدركوا هذا النظام إدراكًا حسنًا، لكنّ عددهم قليل، أما الأكثرون —سواء من اللاتين أو من العرب— فقد انشغلوا بإيراد الاعتراضات، وتكثير التقسيمات، وتوليد الأسئلة، أكثر من انشغالهم بإظهار قصد الفيلسوف نفسه.

ومن ثمّ، بدل أن يكون الشرح معينًا على الفهم، صار في كثير من الأحيان عبئًا عليه؛ وبدل أن يقود إلى الوضوح، انتهى إلى الشك؛ وبدل أن يثبّت العقل في العلم، أوقعه في الحيرة. وليس هذا من طبيعة العلم، بل من سوء استعماله.

فإن أرسطو –في كتبه– لا يقدّم شيئًا عبثًا، ولا يذكر مسألة إلا لغرض، ولا يستعمل لفظًا إلا بدلالة. ومن لم يراعِ ذلك، وظنّ أن كل ما في الكتاب متساوٍ في المقصد والمرتبة، فقد أبعد النجعة، وضيّع الطريق. "

جريجوريو زوكولو | شرح البرهان (ترجمة الذكاء الاصطناعي)
Relation between the forms in simple and mixed bodies according to the Easterners
" ... بعد ترك تلك الآراء، أقول أنا إن الموضوع الحقيقي [لهذا الكتاب] هو البرهان، فهذا هو الذي يُطرح صراحة لنظر الكتاب، وهو النوع التام من القياس، وهو الذي يُبيِّن "ما هو" و "لمَ هو"، وأخيراً فإنّ أجزاءه وأعراضه الذاتية يستقصيها أرسطو بأقصى جهد، وكل الأشياء التي يُعلمها يوجّهها إلى معرفته.

ولكن بما أن أنواع البرهان كثيرة من جهة، ومن جهة أخرى يمكن أن يُرى بوضوح أن أرسطو يبحث بدقة في طبيعة وخواص نوع واحد فقط بالذات، انقسمت آراء الشرَّاح إلى قسمين:

[1] قسمٌ اتبع فقط الكلمات التي طرحها الفيلسوف صراحة أمام أعين الجميع، وأرادوا أن يكون موضوع [كتاب] البرهان هو ذلك النوع الذي يُسمى "المطلق" (simpliciter).

[2] وقسمٌ بدا لهم من الصعب –وربما من غير اللائق– بتعليم فيلسوف عظيم كهذا أن يُعالج نوعاً واحداً من البرهان مع إهمال البقية، حيث يظهر بوضوح أنه وضع على عاتقه تعليم طبيعة البرهان، فزعموا أن البرهان من حيث هو "عام" هو الموضوع.

ومع ذلك، فهؤلاء [الفريق الثاني] لا يصرحون بوضوح كافٍ بأي وجه نكتسب المعرفة التامة بجميع [الأنواع] من تعليم نوع واحد فقط عند أرسطو؛ كما لم يوضِّح هؤلاء لماذا يزدري أرسطو الأنواع الأخرى من البراهين التي وضعها هو نفسه باستثناء نوع واحد؛ لأنه رغم أن البرهان "المطلق" يفوق الأنواع الأخرى في الكمال، إلا أن الأنواع الأخرى لم يكن ينبغي إهمالها من تلك الملكة التي تَعِد بتعليم آلات العلم، لا سيما وأن استعمالها في العلوم ربما يكون أكثر من استعمال ذلك النوع الكامل من كل جهة.

لهذه الأسباب، ترك الفريقان آراءهما محفوفة بصعوبات جمة.

أما أنا، فلكي أُظهر أن الأمر الذي جعلوه مشكوكاً فيه ليس مشكوكاً فيه أبداً، ولكي تظهر حقيقة هذا الكتاب في أبهى ضياء، سأحاول أن أكشف قصد وخطة أرسطو بالبحث في ذهنه بعمق أكبر قليلاً.

من الواضح لكل من يتأمل كلمات أرسطو أن البرهان المأخوذ تحت لفظه العام هو جنس؛ فله طبيعة عامة، وله فصول تقسيمه إلى أنواع، وإذا كانت هذه الأنواع بعضها أكثر كمالاً وبعضها أقل كمالاً، فهذا لا يمنع أن تكون الفصول مقوّمة؛ لأن هذا يحدث أيضاً في الفصول والأنواع التي تصدر عن الطبيعة.

والبراهين التي نالت كمالاً أقل لا توصف بأنها كذلك لأن صانعها كان ناقصاً، أو أنها تُفصل عن الأكمل لمجرد السلب والنقص –كما يحدث في المصنوعات كالبناء أو الخطابة–، بل هي بطبيعتها كذلك، وتتقوّم بفصول موجبة، ولا يمكن لمنطقي كامل أن يبنيها على نحو آخر، وحين تُعلّم هذه الأنواع، لا يعني ذلك أننا يجب أن نهرب منها كما يجب الهروب من الخطابة الفاسدة أو البيت الفاسد، بل لكي نستعملها، كأدوات تكون ضرورية لإعطاء وتلقي معرفة الأشياء.

يجب أن ندرك أن البرهان ليس جنساً طبيعياً كالحيوان؛ لأن مادته هي الألفاظ والقضايا المتمايزة، وصورته هي ترتيب وتوزيع الحدود، التي لا يمكن أن يبرز منها واحد بذاته، كما هو الحال في الذي يصدر عن الطبيعة، بل هو بالمشابهة والمحاكاة جنس؛ فإن "الفن" يحاكي "الطبيعة"، ويحاكي لنفسه أيضاً أجناساً وأنواعاً يصورها ويصيغها، وهو ما سيتضح بجلاء أكبر في موضعه.

الجنس إذن هو البرهان [العام]، وهو الذي ينقسم إلى أنواع كثيرة؛ وتلك الأنواع التي تفتقر إلى لفظ خاص بها، تستمد اسمها من الجنس مقترناً بفصلٍ ما به تنفصل عن الجنس، والتي سنعرف كل واحدة منها بأقصى سهولة إذا برهنا بهذا الطريق الذي هو تقسيم الشيء إلى أجزائه.

أحد البراهين هو الذي يسمى برهان "لِمَ" (demonstratio propter quid)، والآخر هو الذي يسمى برهان "إن" (demonstratio quia)، وهذا هو التقسيم الأول له.

وتلك الأنواع التي تسمى "لِمَ" طبيعتها أن تكون بحيث تُقدم دائمًا "العلة القريبة"، وبلا أي فاصل [واسطة] عن المعلول، ومرتبة في القياس بهذا الترتيب بحيث تسبق العلةُ المعلولَ في الذهن كما هو في نظام الوجود والأمر الطبيعي.

أما تلك التي هي "إن"، فلها حال آخر، إذ إما بالترتيب العكسي تبرهن العلة من المعلول، أو إذا أخذ المبدأ من العلة، فإنها تكون علة بعيدة.

وينقسم بعد ذلك برهان "لِم" إلى أنواع أخرى بحسب أنواع العلل التي يمكن أن يُبنى منها البرهان، والتي هي أربعة: فبعضها يكون [1] من الصورة، أو [2] من المادة، وأخرى [3] من الغاية، [4] ومن الفاعل.

والبرهان الذي يكون من الصورة يسمّى عند أرسطو باسم منفصل عن البقية، وهو "البرهان المطلق" (simpliciter)، وهو ما يعطي ذلك العلم الذي هو الأسمى والرئيس، أو باسم الجنس "لِم"، ويسمّى عند اللاتينيين "الأقوى" (Potissima).

والباقي يُسمى بحسب العلة المستخدمة أو بأن يقرَن اسم الجنس بالعلة، ويسمّى: برهان "اللّم" بالعلة الغائية، أو المادية، أو الفاعلية. "

جريجوريو زوكولو | شرح البرهان (ترجمة الذكاء الاصطناعي وبتصرّف يسير)