" الفرق بين هذا المعنى المعتبر في الحمل الأولي وبين المعنى المعتبر في الحمل الشايع الصناعي أصلٌ عظيم النفع عزيز الجدوى في العلوم والصناعات، ولا تكون مهملة إلا مِغزار الخبط ومِكثار الغلط.
ومما تنحل به عقدة الإعضال فيه من القياسات المغالطية قولهم:
– «الإنسان مباينٌ للفرس، والفرس حيوان، فالإنسان مباين للحيوان».
– «زيد زائد على عمرو في الطب، والطب علم، فزيد زائد على عمرو في العلم».
والحل: أنه ينبغي أن لا يٌهمل رعاية نحو الحمل في المقدمات وفي النتيجة، فلمَّا كان الحمل في المقدمتين هناك هو الحمل الشايع الصناعي، وكان المفاد أن الإنسان متحدٌّ معه المباين للفرس في الوجود، والفرس متحدٌّ معه الحيوان، فبالضرورة كانت النتيجة أن الإنسان مباينٌ لما اتَّحد معه الحيوان –وهو قولٌ صادق– لا أن الإنسان مباينٌ لنفس الحيوان وحقيقته.
نعم، لو كان الصادق في الكبرى هو الحمل الأول حتى يصدق قولنا: «والفرس هو الحيوان»، لكانت النتيجة، أي أن الإنسان مباينٌ للحيوان.
وكذلك في القياس الثاني لو صدق قولنا: «والطب هو العلم»، لكانت النتيجة ما هي أن زيدًا زائدٌ على عمرو في العلم.
وحيث إن الصادق أن الطب متحدٌّ معه العلم، فالنتيجة الصادقة هي أن زيدًا زائدٌ على عمرو فيما متحدٌّ معه العلم، فالغلط نشأ من سوء اعتبار الحمل.
وبعبارة أخرى: قولنا: «الإنسان مباينٌ للفرس، والفرس حيوان» إنما ينتج قولنا: «الإنسان مباينٌ لحيوان» –وهو صادق– لا قولنا: «الإنسان مباينٌ للحيوان» –وهو كاذب–.
وكذلك قولنا: «زيد زائد على عمرو في الطب، والطب علم» إنما ينتج قولنا: «زيد زائد على عمرو في علمٍ» لا قولنا: «زيد زائد على عمرو في العلم».
والسر: أن النتيجة في أي قياس كان ليست إلا [ما] يبقى من المقدمتين بعد إسقاط المتكرر من غير زيادة ونقيصة سواء كان المتكرر هو نفس محمول الصغرى بتمامه أو هو ببعضه، أي بمتعلّقه، كما في قولنا: «زيد ابن عمرو، وعمرو كاتب، فزيد ابن كاتب»، فتكرير الوسط فيه بحذف شيء منه أو شيئًا من موضوع الكبرى، [و] كما في قولنا: «زيد إنسان، وفي عظام رأس كل إنسان خمسة دروز، ففي عظام رأس زيد خمسة دروز»، فتكرّر الوسط فيه بإدخال شيء عليه.
وهذا القانون مطّرد الحكم في السياق الأتم وفي ساير السياقات؛ ضرورة استيجاب ذلك بعدية الحكم بتّةً.
فإذًا ما يبقى في القياسَين بعد إسقاط المتكرِّر هو قولنا: «الإنسان مباينٌ لحيوان» و«زيد زائدٌ على عمرو في علمٍ» بدون لام تعريف الجنس؛ حتى يكون الملحوظ طبيعة الحيوان وطبيعة العلم من حيث الانطباق على فرد، لا قولنا: «الإنسان مباينٌ للحيوان» و«زيد زائدٌ على عمرو في العلم» زيادة أداة التعريف؛ حتى يصير الملحوظ نفسَ الطبيعة بما هي الطبيعة فرعَ لحاظ ذلك؛ فإنه من جملة ما عنه الجمهور في غفلة عريضة. "
منهيات الأفق المبين
ومما تنحل به عقدة الإعضال فيه من القياسات المغالطية قولهم:
– «الإنسان مباينٌ للفرس، والفرس حيوان، فالإنسان مباين للحيوان».
– «زيد زائد على عمرو في الطب، والطب علم، فزيد زائد على عمرو في العلم».
والحل: أنه ينبغي أن لا يٌهمل رعاية نحو الحمل في المقدمات وفي النتيجة، فلمَّا كان الحمل في المقدمتين هناك هو الحمل الشايع الصناعي، وكان المفاد أن الإنسان متحدٌّ معه المباين للفرس في الوجود، والفرس متحدٌّ معه الحيوان، فبالضرورة كانت النتيجة أن الإنسان مباينٌ لما اتَّحد معه الحيوان –وهو قولٌ صادق– لا أن الإنسان مباينٌ لنفس الحيوان وحقيقته.
نعم، لو كان الصادق في الكبرى هو الحمل الأول حتى يصدق قولنا: «والفرس هو الحيوان»، لكانت النتيجة، أي أن الإنسان مباينٌ للحيوان.
وكذلك في القياس الثاني لو صدق قولنا: «والطب هو العلم»، لكانت النتيجة ما هي أن زيدًا زائدٌ على عمرو في العلم.
وحيث إن الصادق أن الطب متحدٌّ معه العلم، فالنتيجة الصادقة هي أن زيدًا زائدٌ على عمرو فيما متحدٌّ معه العلم، فالغلط نشأ من سوء اعتبار الحمل.
وبعبارة أخرى: قولنا: «الإنسان مباينٌ للفرس، والفرس حيوان» إنما ينتج قولنا: «الإنسان مباينٌ لحيوان» –وهو صادق– لا قولنا: «الإنسان مباينٌ للحيوان» –وهو كاذب–.
وكذلك قولنا: «زيد زائد على عمرو في الطب، والطب علم» إنما ينتج قولنا: «زيد زائد على عمرو في علمٍ» لا قولنا: «زيد زائد على عمرو في العلم».
والسر: أن النتيجة في أي قياس كان ليست إلا [ما] يبقى من المقدمتين بعد إسقاط المتكرر من غير زيادة ونقيصة سواء كان المتكرر هو نفس محمول الصغرى بتمامه أو هو ببعضه، أي بمتعلّقه، كما في قولنا: «زيد ابن عمرو، وعمرو كاتب، فزيد ابن كاتب»، فتكرير الوسط فيه بحذف شيء منه أو شيئًا من موضوع الكبرى، [و] كما في قولنا: «زيد إنسان، وفي عظام رأس كل إنسان خمسة دروز، ففي عظام رأس زيد خمسة دروز»، فتكرّر الوسط فيه بإدخال شيء عليه.
وهذا القانون مطّرد الحكم في السياق الأتم وفي ساير السياقات؛ ضرورة استيجاب ذلك بعدية الحكم بتّةً.
فإذًا ما يبقى في القياسَين بعد إسقاط المتكرِّر هو قولنا: «الإنسان مباينٌ لحيوان» و«زيد زائدٌ على عمرو في علمٍ» بدون لام تعريف الجنس؛ حتى يكون الملحوظ طبيعة الحيوان وطبيعة العلم من حيث الانطباق على فرد، لا قولنا: «الإنسان مباينٌ للحيوان» و«زيد زائدٌ على عمرو في العلم» زيادة أداة التعريف؛ حتى يصير الملحوظ نفسَ الطبيعة بما هي الطبيعة فرعَ لحاظ ذلك؛ فإنه من جملة ما عنه الجمهور في غفلة عريضة. "
منهيات الأفق المبين
لِـوَاءُ الـھُـدَىٰ فِـي الـلَّـيْـلِ والـدُّجَـىٰ
" وكان - المحقق الطوسي - آية في التدقيق والتحقيق ، وحل المواضع المشكلة ، سيّما لطف التحرير ، الذي لم يلتفت إليه المتقدمون ، بل التفتوا إلى جانب المعنى فقط ، ثم إن الفاضل الشريف قلّده في أمر التحرير والتقرير ، كما يظهر ذلك بالنظر في تصانيفهما. " - أبجد العلوم
وكان أيضًا آيةً وقدوةً في حسنِ الخُلق والترفُّعِ عن التعصُّبات والمهاترات والمشاحنات والمشاجرات، فقد كان –قدِّس سرُّه– ذا نفسٍ بالفضائل عالية وعن الرذائل متعالية، وبمثل هذا العلَم فليَقتدِ طلاب العلْم.
قال العلامة الحلي –نقلًا عن طرائف المقال–: " وكان [أي الخواجه] أشرفَ مَن شاهدناه في الأخلاق نوَّر الله ضريحه. "
وجاء في الوافي بالوفيات –بتصرُّف يسير–: " وَمِن حِلمِه [أي الخواجه] مَا وقفت لَهُ على ورقةٍ حَضرتْ إِلَيْهِ من شخص، من جملَةِ مَا فِيهَا يَقُول لَهُ: يَا كَلْب يَا ابْن الْكَلْب.
فَكَانَ الْجَواب: وَأما قَوْله «كَلْب» فَلَيْسَ بِصَحِيح؛ لِأَن الْكَلْب من ذَوَات الْأَرْبَع، وَهُوَ نابح طَوِيل الْأَظْفَار، وَأمَّا أَنا فمنتصبُ الْقَامَة، بَادِي الْبشرَة، عريضُ الْأَظْفَار، نَاطِقٌ، ضَاحِكٌ، فَهَذِهِ الْفُصُول والخواص غير تِلْكَ الْفُصُول والخواص.
وَأطَال فِي نقضِ كلِّ مَا قَالَه هَكَذَا برطوبةٍ وتأنٍّ غيرَ مُنزعِجٍ، وَلم يقل فِي الْجَواب كلمةً قبيحةً. "
قال العلامة الحلي –نقلًا عن طرائف المقال–: " وكان [أي الخواجه] أشرفَ مَن شاهدناه في الأخلاق نوَّر الله ضريحه. "
وجاء في الوافي بالوفيات –بتصرُّف يسير–: " وَمِن حِلمِه [أي الخواجه] مَا وقفت لَهُ على ورقةٍ حَضرتْ إِلَيْهِ من شخص، من جملَةِ مَا فِيهَا يَقُول لَهُ: يَا كَلْب يَا ابْن الْكَلْب.
فَكَانَ الْجَواب: وَأما قَوْله «كَلْب» فَلَيْسَ بِصَحِيح؛ لِأَن الْكَلْب من ذَوَات الْأَرْبَع، وَهُوَ نابح طَوِيل الْأَظْفَار، وَأمَّا أَنا فمنتصبُ الْقَامَة، بَادِي الْبشرَة، عريضُ الْأَظْفَار، نَاطِقٌ، ضَاحِكٌ، فَهَذِهِ الْفُصُول والخواص غير تِلْكَ الْفُصُول والخواص.
وَأطَال فِي نقضِ كلِّ مَا قَالَه هَكَذَا برطوبةٍ وتأنٍّ غيرَ مُنزعِجٍ، وَلم يقل فِي الْجَواب كلمةً قبيحةً. "
Forwarded from المَعْقُوْلاتُ الثَّانِيَةُ المَنْطِقيّة . (أبو بخيت)
(ولم يُفرض علينا الإيمان بما بين دفتي "الشفاء" و"التحصيل").
- العلامة فضل حق الخيرآبادي | حاشيته على القاضي.
- العلامة فضل حق الخيرآبادي | حاشيته على القاضي.
Forwarded from ملاك صلاح الجابري (ملاك صلاح فليفل الجابري)
● في الذاتي وغير الذاتي
والأشياء الكليّة العاميّة لا تخلو من أن تكون ذاتيّة أو غير ذاتيّة؛
أعني بالذاتي: ما مقوِّمُ ذات الشيء
وهو الذي:
١. بوجوده قوام كونِ الشيء وثباته
٢. وبعدمه انتقاض الشيء وفساده
كالحياة التي بها قوام الحي وثباته وبعدمها فساد الحي وإنتقاضه، فالحياة ذاتيّة في الحي
والذاتي هو المسمى جوهريّاً؛ لأن به قوام جوهر الشيء
وأما الذي ليس بذاتي: فهو ضدُّ هذا المتقدِّمِ وصفُه
وهو الذي:
١. قوامه بالشيء الموضوع له، وثباته به
٢. وعدمه بعدم الشيء الموضوع له
فهو إذن في الجوهر الموضوع، وليس بجوهري بل عارض الجوهر، فسمّي لذلك عرضاً
الكندي
@malaksalahaljabrey
والأشياء الكليّة العاميّة لا تخلو من أن تكون ذاتيّة أو غير ذاتيّة؛
أعني بالذاتي: ما مقوِّمُ ذات الشيء
وهو الذي:
١. بوجوده قوام كونِ الشيء وثباته
٢. وبعدمه انتقاض الشيء وفساده
كالحياة التي بها قوام الحي وثباته وبعدمها فساد الحي وإنتقاضه، فالحياة ذاتيّة في الحي
والذاتي هو المسمى جوهريّاً؛ لأن به قوام جوهر الشيء
وأما الذي ليس بذاتي: فهو ضدُّ هذا المتقدِّمِ وصفُه
وهو الذي:
١. قوامه بالشيء الموضوع له، وثباته به
٢. وعدمه بعدم الشيء الموضوع له
فهو إذن في الجوهر الموضوع، وليس بجوهري بل عارض الجوهر، فسمّي لذلك عرضاً
الكندي
@malaksalahaljabrey
" We said there [on the Nature of Logic], of course, that logic is of two types: one is applied to things and thus put into use, the other is separate from things. We demonstrated that the latter is not a science but an instrument of the sciences or an instrumental discipline, and the former is no longer an instrument, but a science, for it becomes a science in that to which it is said to be applied.
For the same reason we can call method both that instrumental habit not yet applied to anything or to any discipline, and also the very discipline to which it is applied. "
Jacopo Zabarella | On Methods
For the same reason we can call method both that instrumental habit not yet applied to anything or to any discipline, and also the very discipline to which it is applied. "
Jacopo Zabarella | On Methods
" For in the second book of the Posterior Analytics, Aristotle taught that the definition of an accident is not perfect, even if it is essential and equal in total extent to what is defined, unless it expresses the external cause upon which accident depends. This definition, of course, is essential –an eclipse is the privation of the moon's light– and it reciprocates with eclipse, but it is not perfect unless the external cause, which is interposition of the earth, is added. "
Jacopo Zabarella | On Methods
Jacopo Zabarella | On Methods
Forwarded from منطق و فلسفه و کلام
🔹مدرسهی لوکئوم/لیقیون در آتن
🔻این مدرسه برای ارسطو بوده و مکتب مشاء در فلسفه از اینجا شروع شده است؛ پس از ارسطو، فیلسوف ثاوفرسطوس سرپرستی مدرسه را بر عهده میگیرد.
🔻این مدرسه برای ارسطو بوده و مکتب مشاء در فلسفه از اینجا شروع شده است؛ پس از ارسطو، فیلسوف ثاوفرسطوس سرپرستی مدرسه را بر عهده میگیرد.
Forwarded from 🌹 الميرزا أبو الحسن الإمامي💐
Forwarded from 🌹 الميرزا أبو الحسن الإمامي💐
صدر حديثا هذا العلق النفيس وبتحقيق جديد
Forwarded from كتب المعقولات
تاريخ الفلسفة اليونانية_يوسف كرم.pdf
7.5 MB
منطق و فلسفه و کلام
🔹مدرسهی لوکئوم/لیقیون در آتن 🔻این مدرسه برای ارسطو بوده و مکتب مشاء در فلسفه از اینجا شروع شده است؛ پس از ارسطو، فیلسوف ثاوفرسطوس سرپرستی مدرسه را بر عهده میگیرد.
" فلمَّا استقر [أرسطو] بها [أي أثينا] أنشأ مدرسة في ملعب رياضي يدعى «لوقيون»، فعرفت بهذا الاسم، ولكنه لم يكن صاحبها القانوني؛ لأنه كان أجنبيًّا، فسجلها باسم ثاوفراسطوس صديقه وتلميذه، ووهبه لهذا الغرض منازل وبساتين ابتاعها في المدينة، وقسَّم رجال المدرسة طائفتين: أعضاء مسنِّين ينتخبون الرئيس، وأعضاء أحداثًا، وكان من عادته أن يغشى ممشى إلى جانب الملعب، فيوافيه التلاميذ إليه، فيلقي عليهم دروسه وهو يتمشى وهم يسيرون من حوله؛ فلقب لذلك هو وأتباعه بالمشائين، ويقال: إن دروسه كانت نوعين: صباحية مخصصة للتلاميذ تدور على الفلسفة، ومسائية عامة تدور على الخطابة، ويذكر كذلك أنه أنشأ مكتبة كانت الأولى من نوعها في العصر القديم ومعملًا للتاريخ الطبيعي، ويشهد ما وصل إلينا من كتبه وكتب تلاميذه على أن العمل كان كثيرًا والبحث شاملًا جميع فروع العلم. "
الدكتور يوسف كرم | تاريخ الفلسفة اليونانية
الدكتور يوسف كرم | تاريخ الفلسفة اليونانية
[رأي الدكتور يوسف كرم حول القصة المشهورة عن كتب أرسطو]
" لكتب أرسطو قصة ذكرها أسترابون في جغرافيته وأفلوطرخس في ترجمة سيلَّا، ملخَّصها أن ثاوفراسطوس لمَّا حضرته الوفاة، أوصى بمكتبته لزميل له، وكانت فيها مخطوطات أرسطو مع مخطوطاته، فلمَّا توفي هذا الزميل وأدرك ورثته قدر الكتب، ضنُّوا بها أن تقع في أيدٍ غريبة، وكان بعض الأمراء وقتذاك يطلبون الكتب في جميع مظانها، فخبئُوها في قبو بقيت فيه مائة سنة أو أكثر إلى أن اكتشفت مكدسة من غير ترتيب، وقد نال منها التعفن فاشتراها رجل خبير بالكتب واستنسخها كما وجدت دون عناية بإصلاح ما فسد منها، ثم وقعت مكتبة هذا الرجل في أيدي الرومان، فنقلوها إلى روما وكلفوا بمراجعتها عالمًا كان عند شيشرون مؤدبًا وأمينًا للمكتبة، فلم يجئ عمله وافيًا بالمرام، فعرض للأمر بعد ذلك بقليل أندرونيقوس الرودسي الزعيم الحادي عشر على اللوقيون بعد أرسطو، وأخرج للناس نسخًا صحيحة أضاف إليها فهارسَ وكتابًا بين فيه المنهج الذي اتبعه.
هذه القصة موضوعة من غير شك؛ إذ كيف يعقل أن مكتبة اللوقيون لم تكن تحتوي على نسخ من مصنفات أرسطو يرجع إليها المعلمون والتلاميذ؟! وكان للمدرسة فروع منها فرع رودس أنشأه أوديموس تلميذ أرسطو وخرج منه أندرونيقوس، فكيف يمكن الاعتقاد أن هذه المدارس كانت خلوًا من نسخ تعول عليها؟!
يلوح أن الأصل في وضع القصة أن الجمهور المثقف لم يكن يعرف من أرسطو غير المصنفات التي أذاعها في دور الشباب، وأن تآليفه العلمية بقيت وقفًا على بعض المدارس والعلماء إلى أن نشرها أندرونيقوس في منتصف القرن الأول قبل الميلاد، وقد نسلم بصحة القصة إجمالًا فلا يلزم منها سوى أن ما ترويه من الأحداث أصاب نسخًا من كتب أرسطو لم تكن هي مخطوطاته ولا النسخ الوحيدة؛ لما قدمناه. "
الدكتور يوسف كرم | تاريخ الفلسفة اليونانية
" لكتب أرسطو قصة ذكرها أسترابون في جغرافيته وأفلوطرخس في ترجمة سيلَّا، ملخَّصها أن ثاوفراسطوس لمَّا حضرته الوفاة، أوصى بمكتبته لزميل له، وكانت فيها مخطوطات أرسطو مع مخطوطاته، فلمَّا توفي هذا الزميل وأدرك ورثته قدر الكتب، ضنُّوا بها أن تقع في أيدٍ غريبة، وكان بعض الأمراء وقتذاك يطلبون الكتب في جميع مظانها، فخبئُوها في قبو بقيت فيه مائة سنة أو أكثر إلى أن اكتشفت مكدسة من غير ترتيب، وقد نال منها التعفن فاشتراها رجل خبير بالكتب واستنسخها كما وجدت دون عناية بإصلاح ما فسد منها، ثم وقعت مكتبة هذا الرجل في أيدي الرومان، فنقلوها إلى روما وكلفوا بمراجعتها عالمًا كان عند شيشرون مؤدبًا وأمينًا للمكتبة، فلم يجئ عمله وافيًا بالمرام، فعرض للأمر بعد ذلك بقليل أندرونيقوس الرودسي الزعيم الحادي عشر على اللوقيون بعد أرسطو، وأخرج للناس نسخًا صحيحة أضاف إليها فهارسَ وكتابًا بين فيه المنهج الذي اتبعه.
هذه القصة موضوعة من غير شك؛ إذ كيف يعقل أن مكتبة اللوقيون لم تكن تحتوي على نسخ من مصنفات أرسطو يرجع إليها المعلمون والتلاميذ؟! وكان للمدرسة فروع منها فرع رودس أنشأه أوديموس تلميذ أرسطو وخرج منه أندرونيقوس، فكيف يمكن الاعتقاد أن هذه المدارس كانت خلوًا من نسخ تعول عليها؟!
يلوح أن الأصل في وضع القصة أن الجمهور المثقف لم يكن يعرف من أرسطو غير المصنفات التي أذاعها في دور الشباب، وأن تآليفه العلمية بقيت وقفًا على بعض المدارس والعلماء إلى أن نشرها أندرونيقوس في منتصف القرن الأول قبل الميلاد، وقد نسلم بصحة القصة إجمالًا فلا يلزم منها سوى أن ما ترويه من الأحداث أصاب نسخًا من كتب أرسطو لم تكن هي مخطوطاته ولا النسخ الوحيدة؛ لما قدمناه. "
الدكتور يوسف كرم | تاريخ الفلسفة اليونانية
لِـوَاءُ الـھُـدَىٰ فِـي الـلَّـيْـلِ والـدُّجَـىٰ
[رأي الدكتور يوسف كرم حول القصة المشهورة عن كتب أرسطو] " لكتب أرسطو قصة ذكرها أسترابون في جغرافيته وأفلوطرخس في ترجمة سيلَّا، ملخَّصها أن ثاوفراسطوس لمَّا حضرته الوفاة، أوصى بمكتبته لزميل له، وكانت فيها مخطوطات أرسطو مع مخطوطاته، فلمَّا توفي هذا الزميل وأدرك…
[مصنَّفات أرسطو المبكِّرة]
" أما مصنفات الشباب فقد ضاعت جميعًا، وكل ما نعلمه عنها مستمد من فهارسَ قديمةٍ وإشاراتٍ ومقتبساتٍ وردت لدى قدماء الكتاب، هي محاورات على طريقة أفلاطون في عهده الأخير، بل إن الحوار فيها قصير جدًّا لا يتعدى افتتاح الكلام ووضع المسألة ثم يشرح المؤلف رأيه في خطاب طويل كما يشرح سقراط رأي أفلاطون، يذكرون منها: السياسي، السوفسطائي، منكسينوس، المأدبة، في البيان، إسكندر، في العدالة، في الشعراء، في الصحة، في الصلاة، في التربية، في اللذة، ويذكرون «أوديموس» في خلود النفس، ويقولون: إن أرسطو حذا في هذا الكتاب حذو أستاذه في «فيدون» وأبان ضمنًا أنه كان يقبل القول بحياة سابقة وبالتناسخ والتذكر، وكتابًا «في الفلسفة أو في الخير» وضعه في الوقت الذي كان يتحرر فيه من تأثير أفلاطون، بدأه بفذلكة عن تاريخ الفكر وتقدم الإنسانية، وتطرق إلى نقد نظرية المثل وحدوث العالم، وانتهى بالبرهنة على ألوهية الكواكب. "
الدكتور يوسف كرم | تاريخ الفلسفة اليونانية
" أما مصنفات الشباب فقد ضاعت جميعًا، وكل ما نعلمه عنها مستمد من فهارسَ قديمةٍ وإشاراتٍ ومقتبساتٍ وردت لدى قدماء الكتاب، هي محاورات على طريقة أفلاطون في عهده الأخير، بل إن الحوار فيها قصير جدًّا لا يتعدى افتتاح الكلام ووضع المسألة ثم يشرح المؤلف رأيه في خطاب طويل كما يشرح سقراط رأي أفلاطون، يذكرون منها: السياسي، السوفسطائي، منكسينوس، المأدبة، في البيان، إسكندر، في العدالة، في الشعراء، في الصحة، في الصلاة، في التربية، في اللذة، ويذكرون «أوديموس» في خلود النفس، ويقولون: إن أرسطو حذا في هذا الكتاب حذو أستاذه في «فيدون» وأبان ضمنًا أنه كان يقبل القول بحياة سابقة وبالتناسخ والتذكر، وكتابًا «في الفلسفة أو في الخير» وضعه في الوقت الذي كان يتحرر فيه من تأثير أفلاطون، بدأه بفذلكة عن تاريخ الفكر وتقدم الإنسانية، وتطرق إلى نقد نظرية المثل وحدوث العالم، وانتهى بالبرهنة على ألوهية الكواكب. "
الدكتور يوسف كرم | تاريخ الفلسفة اليونانية
لِـوَاءُ الـھُـدَىٰ فِـي الـلَّـيْـلِ والـدُّجَـىٰ
[مصنَّفات أرسطو المبكِّرة] " أما مصنفات الشباب فقد ضاعت جميعًا، وكل ما نعلمه عنها مستمد من فهارسَ قديمةٍ وإشاراتٍ ومقتبساتٍ وردت لدى قدماء الكتاب، هي محاورات على طريقة أفلاطون في عهده الأخير، بل إن الحوار فيها قصير جدًّا لا يتعدى افتتاح الكلام ووضع المسألة…
[فهرس مصنَّفات أرسطو من كتاب الدكتور يوسف كرم]
" وأما مصنفات الكهولة فقد بقي معظمها وليس للحوار أثر فيها، وإنما هي موضوعة في قالب تعليمي، لم تكن معدة للنشر، ولكنها مذكرات أجزاء منها فقط محررة تحريرًا نهائيًّا والباقي منه ما دوَّنه لنفسه —وهو الأكثر— ومنه ما دوَّنه تلامذته عنه وراجعه هو، وهذا يفسر صعوبة أسلوبها وافتقارها للشرح منذ القديم، وكونها لم تتداول إلا في المدرسة إلى أن نشرها أندرونيقوس كما قلنا، وكان يعود عليها كل وقت بالتنقيح والزيادة والإحالة من بعضها إلى بعض؛ لذلك يستحيل تأريخها أو تبين أي تطور من كتاب إلى آخر، ولسنا بحاجة لتأريخ فإن لكل منها موضوعًا خاصًّا لا يخرج عنه، والكلام فيه مرتب ترتيبًا منطقيًّا والمذهب فيها واحد متناسق، ولسنا نصف هنا محتوياتها فإن هذا الوصف سيأتي في سياق عرض المذهب، فنقتصر على ذكر أسمائها، وهي تنقسم خمسة أقسام بحسب مبدأ سنبينه في موضعه:
(١) الكتب المنطقية: وقد لقبت فيما بعد بأورغانون أي الآلة «الفكرية»: المقولات، العبارة، التحليلات الأولى أو القياس، التحليلات الثانية أو البرهان، الجدل، الأغاليط، وقد جرت عادة الفلاسفة الإسلاميين أن يذكروها بأسمائها اليونانية فيقولون: قاطيغورياس، باري أرمنياس، أنالوطيقا الأولى، أنالوطيقا الثانية، طوبيقا، سوفسطيقا.
(٢) الكتب الطبيعية: ومنها كتب كلية يتعلم منها الأمور التي تعم جميع الطبائع، وكتب جزئية يتعلم منها الأمور التي تخص كل واحد من الطبائع وهي: السماع الطبيعي أو سمع الكيان —وهو كتاب كلي في الطبيعة— الكون والفساد، الآثار العلوية، المسائل الحيلية —الآليات— يشك البعض في إمكان نسبتها إليه ويقبلها البعض، ثم كتاب النفس؛ وهو كلي يأتي بعده ثمانية كتب صغيرة جمعت تحت اسم «الطبيعيات الصغرى» هي: الحس والمحسوس، الذكر والتذكر، النوم واليقظة، تعبير الرؤيا في الأحلام، طول العمر وقصره، الحياة والموت، التنفس، الشباب والهرم. ثم خمسة كتب في التاريخ الطبيعي هي تاريخ الحيوان، أعضاء الحيوان، تكوين الحيوان، مشي الحيوان، حركة الحيوان.
(٣) الكتب الميتافيزيقية —أي ما بعد الطبيعة—: يلوح أن أندرونيقوس هو الذي جمعها على الترتيب المعروف منذ أيامه ووسمها بهذا الاسم؛ لأنها تأتي بعد الطبيعيات، وكان أرسطو قد سمى موضوعها بالعلم الإلهي وبالفلسفة الأولى، وهي تؤلف مجموعة واحدة وتعرف عند الإسلاميين بهذه الأسماء الثلاثة وأيضًا بكتاب الحروف؛ لأنها مرقومة بحروف الهجاء اليونانية.
(٤) الكتب الخلقية والسياسية: الأخلاق الأوديمية «في سبع مقالات» والأخلاق النيقوماخية «في عشر مقالات»، والأخلاق الكبرى «في مقالتين»، والكتابان الأول والثاني روايتان لدروس أرسطو الشفوية، ولكن الأول أقدم؛ لأنه أقرب إلى أفلاطون، والثاني أقرب إلى مذهب أرسطو وأكمل؛ لأن المقالات: الرابعة والخامسة والسادسة من الأول ضاعت فوضعت مكانها المقالات المقابلة لها في الثاني، أما الثالث فهو تلخيص الكتابين بالرغم من ضخامة اسمه... أما الكتب السياسية فهي كتاب السياسة، وكتاب النظم السياسية وهو مجموعة دساتير نحو ١٥٨ مدينة يونانية لم يصل إلينا منها سوى دستور أثينا وجد في مصر على بردي سنة ١٨٩٠.
(٥) الكتب الفنية: وهي الخطابة والشعر.
(د) وتُذكر له كتب أخرى أثبت النقد أنها منحولة: منها كتاب العالم، كان قد ضم إلى كتاب السماء ولقب بالسماء والعالم، ولكن فيه آراء رواقية تخرجه من المجموعة الأرسطوطالية، ومنها تدبير المنزل، وكتاب المسائل يتناول مسائل من مختلف العلوم وهو يرجع إلى المدرسة، وكتاب «في مليسوس وأكسانوفان وغورغياس» وهو بقلم أرسطوطالي من أهل القرن الأول للميلاد، وكتاب المناظر، وكتاب الخطوط، وكتاب فيضان النيل، وكتاب اللاهوت المعروف عند الإسلاميين «بأوثولوجيا أرسطوطاليس» وهو مجموعة مقتطفات من أفلوطين.
ويتبين من هذا الفهرس أن مؤلفات أرسطو موسوعة كبرى انتظم فيها العلم القديم بأكمله ما عدا الرياضيات، ولئن بليت أجزاء منها بتقدم العلوم، فإن كتبه الفلسفية وكثيرًا من نظرياته المنبثة في كتبه الجزئية خالدة؛ ليس فقط من حيث أهميتها التاريخية؛ بل أيضًا وعلى الأخص من حيث قيمتها الذاتية. "
الدكتور يوسف كرم | تاريخ الفلسفة اليونانية
" وأما مصنفات الكهولة فقد بقي معظمها وليس للحوار أثر فيها، وإنما هي موضوعة في قالب تعليمي، لم تكن معدة للنشر، ولكنها مذكرات أجزاء منها فقط محررة تحريرًا نهائيًّا والباقي منه ما دوَّنه لنفسه —وهو الأكثر— ومنه ما دوَّنه تلامذته عنه وراجعه هو، وهذا يفسر صعوبة أسلوبها وافتقارها للشرح منذ القديم، وكونها لم تتداول إلا في المدرسة إلى أن نشرها أندرونيقوس كما قلنا، وكان يعود عليها كل وقت بالتنقيح والزيادة والإحالة من بعضها إلى بعض؛ لذلك يستحيل تأريخها أو تبين أي تطور من كتاب إلى آخر، ولسنا بحاجة لتأريخ فإن لكل منها موضوعًا خاصًّا لا يخرج عنه، والكلام فيه مرتب ترتيبًا منطقيًّا والمذهب فيها واحد متناسق، ولسنا نصف هنا محتوياتها فإن هذا الوصف سيأتي في سياق عرض المذهب، فنقتصر على ذكر أسمائها، وهي تنقسم خمسة أقسام بحسب مبدأ سنبينه في موضعه:
(١) الكتب المنطقية: وقد لقبت فيما بعد بأورغانون أي الآلة «الفكرية»: المقولات، العبارة، التحليلات الأولى أو القياس، التحليلات الثانية أو البرهان، الجدل، الأغاليط، وقد جرت عادة الفلاسفة الإسلاميين أن يذكروها بأسمائها اليونانية فيقولون: قاطيغورياس، باري أرمنياس، أنالوطيقا الأولى، أنالوطيقا الثانية، طوبيقا، سوفسطيقا.
(٢) الكتب الطبيعية: ومنها كتب كلية يتعلم منها الأمور التي تعم جميع الطبائع، وكتب جزئية يتعلم منها الأمور التي تخص كل واحد من الطبائع وهي: السماع الطبيعي أو سمع الكيان —وهو كتاب كلي في الطبيعة— الكون والفساد، الآثار العلوية، المسائل الحيلية —الآليات— يشك البعض في إمكان نسبتها إليه ويقبلها البعض، ثم كتاب النفس؛ وهو كلي يأتي بعده ثمانية كتب صغيرة جمعت تحت اسم «الطبيعيات الصغرى» هي: الحس والمحسوس، الذكر والتذكر، النوم واليقظة، تعبير الرؤيا في الأحلام، طول العمر وقصره، الحياة والموت، التنفس، الشباب والهرم. ثم خمسة كتب في التاريخ الطبيعي هي تاريخ الحيوان، أعضاء الحيوان، تكوين الحيوان، مشي الحيوان، حركة الحيوان.
(٣) الكتب الميتافيزيقية —أي ما بعد الطبيعة—: يلوح أن أندرونيقوس هو الذي جمعها على الترتيب المعروف منذ أيامه ووسمها بهذا الاسم؛ لأنها تأتي بعد الطبيعيات، وكان أرسطو قد سمى موضوعها بالعلم الإلهي وبالفلسفة الأولى، وهي تؤلف مجموعة واحدة وتعرف عند الإسلاميين بهذه الأسماء الثلاثة وأيضًا بكتاب الحروف؛ لأنها مرقومة بحروف الهجاء اليونانية.
(٤) الكتب الخلقية والسياسية: الأخلاق الأوديمية «في سبع مقالات» والأخلاق النيقوماخية «في عشر مقالات»، والأخلاق الكبرى «في مقالتين»، والكتابان الأول والثاني روايتان لدروس أرسطو الشفوية، ولكن الأول أقدم؛ لأنه أقرب إلى أفلاطون، والثاني أقرب إلى مذهب أرسطو وأكمل؛ لأن المقالات: الرابعة والخامسة والسادسة من الأول ضاعت فوضعت مكانها المقالات المقابلة لها في الثاني، أما الثالث فهو تلخيص الكتابين بالرغم من ضخامة اسمه... أما الكتب السياسية فهي كتاب السياسة، وكتاب النظم السياسية وهو مجموعة دساتير نحو ١٥٨ مدينة يونانية لم يصل إلينا منها سوى دستور أثينا وجد في مصر على بردي سنة ١٨٩٠.
(٥) الكتب الفنية: وهي الخطابة والشعر.
(د) وتُذكر له كتب أخرى أثبت النقد أنها منحولة: منها كتاب العالم، كان قد ضم إلى كتاب السماء ولقب بالسماء والعالم، ولكن فيه آراء رواقية تخرجه من المجموعة الأرسطوطالية، ومنها تدبير المنزل، وكتاب المسائل يتناول مسائل من مختلف العلوم وهو يرجع إلى المدرسة، وكتاب «في مليسوس وأكسانوفان وغورغياس» وهو بقلم أرسطوطالي من أهل القرن الأول للميلاد، وكتاب المناظر، وكتاب الخطوط، وكتاب فيضان النيل، وكتاب اللاهوت المعروف عند الإسلاميين «بأوثولوجيا أرسطوطاليس» وهو مجموعة مقتطفات من أفلوطين.
ويتبين من هذا الفهرس أن مؤلفات أرسطو موسوعة كبرى انتظم فيها العلم القديم بأكمله ما عدا الرياضيات، ولئن بليت أجزاء منها بتقدم العلوم، فإن كتبه الفلسفية وكثيرًا من نظرياته المنبثة في كتبه الجزئية خالدة؛ ليس فقط من حيث أهميتها التاريخية؛ بل أيضًا وعلى الأخص من حيث قيمتها الذاتية. "
الدكتور يوسف كرم | تاريخ الفلسفة اليونانية
" But that someone endowed with the habit of logic should teach others logic and convey to others the same habits is accidental, alien to the nature of logic itself. Just as it happens with the art of building, that he who has the habit may teach it to others. The goal of his art is not this, however, but rather to effect a house. And someone who teaches no one else can still have this art. In the same way, a logician can have these instrumental habits and convey them to no one, but himself investigate by means of them the science of things; or he can convey the sciences on to others. For it is one thing to teach logic, another to teach the sciences and arts by means of the habit of logic. "
Jacopo Zabarella | On Methods
Jacopo Zabarella | On Methods
[أسلوب أرسطو في الكتابة]
" كان القدماء معجبين بكتابة أرسطو، وقد قال شيشرون: «إن أسلوبه يتدفق كنهر من تبر»، ولا شك أن هذا الإعجاب كان منصبًّا على مصنفاته الأولى؛ فإن كتبه العلمية جافة مجهدة موضوعة بلغة دقيقة لا تخلو من الاقتضاب والغموض، وليس فيها حوار ولا قصص ولا شيء مما يتميز به أسلوب أفلاطون، وكان أرسطو قد دل على هذا الاتجاه منذ المرحلة الأولى؛ إذ قسم للحوار نصيبًا ضئيلًا وللشرح النصيب الأوفر، على أن الكتب العلمية تحمل البينات على صدق إعجاب القدماء، فكتبه في الجدل والشعر والخطابة تدل على تضلعه من الثقافة اليونانية بجميع فنونها، وعلى رسوخ قدمه في الأدب وسمو ذوقه، ثم هو قد عني عناية عظيمة بتحديد معاني الألفاظ، ووضع ألفاظًا جديدة في العلوم وفي الفلسفة ذاعت في لغته ونقلت إلى اللغات الأوروبية وإلى اللغة العربية بحيث يصح أن يقال: إنه الواضع الحقيقي للغة العلمية العامة.
أما أسلوبه في التأليف فله مراحل أربع:
[1] فهو أولًا يعين موضوع البحث.
[2] ثم يسرد الآراء في هذا الموضوع ويمحصها —وهو بالفعل قد جهد نفسه للوقوف على الآراء في جميع فروع العلم—.
[3] ثم يسجل «الصعوبات» أي المسائل المشكلة في الموضوع ويستقصيها للنهاية، وتعريف «الصعوبة» أنها وضع رأيين متعارضين لكل منهما حجته في الجواب عن مسألة بعينها (كتاب الجدل).
[4] وأخيرًا ينظر في المسائل أنفسها، ويفحص عن حلولها مستعينًا بالنتائج المستخلصة في المراحل السابقة.
وإليك نصًّا بما تقدم: «من الضروري أن يبدأ العلم بالفحص عن مسائله؛ لأن العقل إنما يبلغ إلى الاطمئنان بعد حل الصعوبات التي اعترضته، ثم لأن الباحث الذي لا يبدأ بوضع المسألة كالماشي الذي لا يدري إلى أي جهة هو متوجه، بل هو مستهدف لعدم معرفة إن كان قد وجد ما يبحث عنه أم لم يجد من حيث إنه لا يتوخى غاية، وأما الذي يبدأ بمناقشة الصعوبات فهو الذي يستطيع أن يعين لنفسه غاية، والذي يسمع الحجج المتعارضة جميعها يكون موقفه أفضل للحكم».
ولتعيين الموضوع ميزة أخرى هي تعيين نوع الدليل الذي يلائمه؛ فإن «البعض لا يقبل إلا لغة رياضية، والبعض لا يريد إلا أمثلة، والبعض يريد الاستشهاد بالشعر، والبعض يحتم في كل بحث برهانًا محكمًا، بينما غيره يعتبر هذا الإحكام إسرافًا … (ولكن) يجب أن يبدأ بتعرف مقتضيات كل نوع من العلم … فلا تُقتضى الدقة الرياضية في كل موضوع، وإنما فقط في الكلام على المجردات، ولذلك فالمنهج الرياضي لا يصلح للعلم الطبيعي؛ لأن الطبيعة تحتوي على المادة». "
الدكتور يوسف كرم | تاريخ الفلسفة اليونانية
" كان القدماء معجبين بكتابة أرسطو، وقد قال شيشرون: «إن أسلوبه يتدفق كنهر من تبر»، ولا شك أن هذا الإعجاب كان منصبًّا على مصنفاته الأولى؛ فإن كتبه العلمية جافة مجهدة موضوعة بلغة دقيقة لا تخلو من الاقتضاب والغموض، وليس فيها حوار ولا قصص ولا شيء مما يتميز به أسلوب أفلاطون، وكان أرسطو قد دل على هذا الاتجاه منذ المرحلة الأولى؛ إذ قسم للحوار نصيبًا ضئيلًا وللشرح النصيب الأوفر، على أن الكتب العلمية تحمل البينات على صدق إعجاب القدماء، فكتبه في الجدل والشعر والخطابة تدل على تضلعه من الثقافة اليونانية بجميع فنونها، وعلى رسوخ قدمه في الأدب وسمو ذوقه، ثم هو قد عني عناية عظيمة بتحديد معاني الألفاظ، ووضع ألفاظًا جديدة في العلوم وفي الفلسفة ذاعت في لغته ونقلت إلى اللغات الأوروبية وإلى اللغة العربية بحيث يصح أن يقال: إنه الواضع الحقيقي للغة العلمية العامة.
أما أسلوبه في التأليف فله مراحل أربع:
[1] فهو أولًا يعين موضوع البحث.
[2] ثم يسرد الآراء في هذا الموضوع ويمحصها —وهو بالفعل قد جهد نفسه للوقوف على الآراء في جميع فروع العلم—.
[3] ثم يسجل «الصعوبات» أي المسائل المشكلة في الموضوع ويستقصيها للنهاية، وتعريف «الصعوبة» أنها وضع رأيين متعارضين لكل منهما حجته في الجواب عن مسألة بعينها (كتاب الجدل).
[4] وأخيرًا ينظر في المسائل أنفسها، ويفحص عن حلولها مستعينًا بالنتائج المستخلصة في المراحل السابقة.
وإليك نصًّا بما تقدم: «من الضروري أن يبدأ العلم بالفحص عن مسائله؛ لأن العقل إنما يبلغ إلى الاطمئنان بعد حل الصعوبات التي اعترضته، ثم لأن الباحث الذي لا يبدأ بوضع المسألة كالماشي الذي لا يدري إلى أي جهة هو متوجه، بل هو مستهدف لعدم معرفة إن كان قد وجد ما يبحث عنه أم لم يجد من حيث إنه لا يتوخى غاية، وأما الذي يبدأ بمناقشة الصعوبات فهو الذي يستطيع أن يعين لنفسه غاية، والذي يسمع الحجج المتعارضة جميعها يكون موقفه أفضل للحكم».
ولتعيين الموضوع ميزة أخرى هي تعيين نوع الدليل الذي يلائمه؛ فإن «البعض لا يقبل إلا لغة رياضية، والبعض لا يريد إلا أمثلة، والبعض يريد الاستشهاد بالشعر، والبعض يحتم في كل بحث برهانًا محكمًا، بينما غيره يعتبر هذا الإحكام إسرافًا … (ولكن) يجب أن يبدأ بتعرف مقتضيات كل نوع من العلم … فلا تُقتضى الدقة الرياضية في كل موضوع، وإنما فقط في الكلام على المجردات، ولذلك فالمنهج الرياضي لا يصلح للعلم الطبيعي؛ لأن الطبيعة تحتوي على المادة». "
الدكتور يوسف كرم | تاريخ الفلسفة اليونانية
لِـوَاءُ الـھُـدَىٰ فِـي الـلَّـيْـلِ والـدُّجَـىٰ
[أسلوب أرسطو في الكتابة] " كان القدماء معجبين بكتابة أرسطو، وقد قال شيشرون: «إن أسلوبه يتدفق كنهر من تبر»، ولا شك أن هذا الإعجاب كان منصبًّا على مصنفاته الأولى؛ فإن كتبه العلمية جافة مجهدة موضوعة بلغة دقيقة لا تخلو من الاقتضاب والغموض، وليس فيها حوار ولا…
[المنهج الجدلي عند أرسطو]
" وللجدل فوائد منها: أنه رياضة عقلية، وأنه منهج يستطيع العالم والجاهل أن يمتحن بموجبه مدعي العلم، بل إن له فائدة علمية هي أنه يساعد على كشف المبادئ الأولية في علم من العلوم ببحث الآراء العامة وآراء العلماء في موضوع ذلك العلم؛ فإن العلوم الجزئية لا تبرهن بنفسها على مبادئها الخاصة؛ فامتحان الآراء يعين العقل على الاقتراب من المبادئ ووضع المسائل¹، وقد كان أرسطو القدوة في هذا المنهج علمًا وعملًا، ففي كل علم وكل مسألة سرد أقوال المتقدمين ومحَّصها، ومهَّد بذلك لدراسة المسألة في ذاتها بحيث يمكن أن يستخرج من كتبه تاريخ الفلسفة والعلم والفن. "
الدكتور يوسف كرم | تاريخ الفلسفة اليونانية
¹ ولهذا غلط من طرح بحث أرسطو عن آراء من تقدمه ومن عاصره كابن الصائغ، بل إن فهم كيف وصل أرسطو إلى تلك النتائج يعتمد —بنحوٍ ما— على العلم بكيف نشأت تلك المسائل أصلًا، وبالتالي فهم الجو العلمي العام عند أهل ذلك الزمان، فإن جل أقوال أرسطو إنما نشأت بعد النظر إلى آراء القدماء، بمعنى أن القدماء اختلفوا في مسألة —ولتكن ظاهرة طبيعية—، فجاء القدماء بتفسيرات متباينة حول تلك المسألة، وبعد أن يعرض أرسطو تلك التفسيرات، يشرع في بيان الصعوبات والإشكالات الموجَّهة على كل واحد من التفسيرات، ولكن يقتنص أثناء هذا البيان شيئًا من الصواب غير التام، ثم يبيِّن التفسير الصحيح للمسألة ناظرًا إلى تلك الصعوبات —ثانيًا وبتبع النظر أولًا إلى نفس المسألة الداخلة في العلم— بحيث يكون التفسير متجاوزًا تلك الصعوبات.
" وللجدل فوائد منها: أنه رياضة عقلية، وأنه منهج يستطيع العالم والجاهل أن يمتحن بموجبه مدعي العلم، بل إن له فائدة علمية هي أنه يساعد على كشف المبادئ الأولية في علم من العلوم ببحث الآراء العامة وآراء العلماء في موضوع ذلك العلم؛ فإن العلوم الجزئية لا تبرهن بنفسها على مبادئها الخاصة؛ فامتحان الآراء يعين العقل على الاقتراب من المبادئ ووضع المسائل¹، وقد كان أرسطو القدوة في هذا المنهج علمًا وعملًا، ففي كل علم وكل مسألة سرد أقوال المتقدمين ومحَّصها، ومهَّد بذلك لدراسة المسألة في ذاتها بحيث يمكن أن يستخرج من كتبه تاريخ الفلسفة والعلم والفن. "
الدكتور يوسف كرم | تاريخ الفلسفة اليونانية
¹ ولهذا غلط من طرح بحث أرسطو عن آراء من تقدمه ومن عاصره كابن الصائغ، بل إن فهم كيف وصل أرسطو إلى تلك النتائج يعتمد —بنحوٍ ما— على العلم بكيف نشأت تلك المسائل أصلًا، وبالتالي فهم الجو العلمي العام عند أهل ذلك الزمان، فإن جل أقوال أرسطو إنما نشأت بعد النظر إلى آراء القدماء، بمعنى أن القدماء اختلفوا في مسألة —ولتكن ظاهرة طبيعية—، فجاء القدماء بتفسيرات متباينة حول تلك المسألة، وبعد أن يعرض أرسطو تلك التفسيرات، يشرع في بيان الصعوبات والإشكالات الموجَّهة على كل واحد من التفسيرات، ولكن يقتنص أثناء هذا البيان شيئًا من الصواب غير التام، ثم يبيِّن التفسير الصحيح للمسألة ناظرًا إلى تلك الصعوبات —ثانيًا وبتبع النظر أولًا إلى نفس المسألة الداخلة في العلم— بحيث يكون التفسير متجاوزًا تلك الصعوبات.
" وأما كونهم أخرجوا الفاعل عن أن يكون فاعلًا فإن العقل الصريح يقضي بالفرق بين صفات الفاعل اللازمة لذاته وبين أفعاله ومفعولاته، فما لم يزل مقارنًا للشيء يمتنع أن يكون مفعولًا له، بل حقيقة الفعل لا تُعقل إلا مع حدوثه إما حدوثه جملةً وإما حدوث أفراده شيئًا بعد شيءٍ، فأما فعلٌ ومفعولٌ بدون حدوث شيءٍ فهذا مما يَعلم العقلاءُ انتفاءَه، بل يقولون: «إن فساده معلومٌ بالضرورة»، حتى الفلاسفة الذين هم أشد إلحادًا –كابن سينا ومحمد بن زكريا الرازي وأمثالهما– يقرُّون بأن فساد هذا معلومٌ بضرورة العقل، وهذا ثابتٌ فيما قدِّر أنه يَفعل بالطبع، وهو بالفاعل بالاختيار أظهر؛ ولهذا قال كثيرٌ من الناس –كالرازي وغيره–: «إنه متفقٌ عليه في الفاعل بالاختيار»، ولا ريب أن جماهير الذين يقولون: «إنه فاعل بالاختيار» يقولون: «إنه يمتنع أن يكون مفعولٌ معيَّنٌ أزليُّ العين معه».
... ومما يُعرف به امتناع أن يكون شيءٌ من الممكنات قديمًا، وأن ما سوى الله –تعالى– محدَثٌ كائنٌ بعد أن لم يكن، أن يقال: كل ممكن فهو مفعولٌ مصنوعٌ مخلوقٌ للواجب، وباصطلاحهم: هو معلولٌ لعلةٍ فاعلةٍ فعلته، وهو الواجب بذاته، ومن الممتنع في صريح المعقول –وهو مما اتفق عليه جماهيرُ العقلاء من الأولين والآخرين– أن يكون الشيء مفعولًا لعلةٍ فاعلةٍ وهو –مع ذلك– مقارنٌ للفاعل لم يتقدَّم الفاعل عليه؛ فإن تصور كون الشيء مبدِعًا لغيره فاعلًا له خالقًا له –ونحو ذلك من المعاني والعبارات– توجِب كون المفعول بعد الفاعل، ولهذا كان مجرَّد تصور العقلاء أن الرب –تعالى– خالق السماوات والأرض أو أنه خالقٌ لكل شيء يوجِب أن تكون هذه المخلوقات حادثة كائنة بعد أن لم تكن.
وإذا قيل للعقلاء: «هي مخلوقةٌ له، وهي مقارنةٌ له، قديمةٌ بقدمه أزلًا وأبدًا»، صرَّحوا بأن هذا غير معقول، بل هو جمعٌ بين النقيضين؛ معناه أنها مخلوقةٌ ليست مخلوقةً.
ولهذا لم يعرف هذا عن أحدٍ من العقلاء إلا عن هذه الشرذمة القليلة من المتفلسفة الدهرية.
ولهذا كان جماهير أهل النظر لا يذكرون عن الدهرية إلا القول بإنكار الصانع [أي العلة الفاعلية]، ولا يعرفون القول بإثبات مبدِع العلل مع القول بأنه قديم.
وإنما صار هذا يُحكى في كتب النظر لمَّا ظهر قولُ هؤلاء المتفلسفة المنتسبين إلى الملل –كابن سينا وأمثاله–، فأظهروا هذا القول المركب من قول سلفهم الدهرية القائلين بقدم العالم ومن قول جماهير الأمم –أهل الملل وغيرهم– بإثبات رب العالمين، وإلا فأرسطو وأتباعه ليس في كتبهم إثبات علة للفلك، وإنما فيه إثبات علة غائية يتحرَّك الفلكُ للتشبُّه بها، فقولهم وإن كان أشدَّ فسادًا في العقل والشرع من قول ابن سينا، فليس فيه المكابرة بأن الممكن المفعول يكون قديمًا أزليًّا.
وهؤلاء إنما احتاجوا إلى هذه المكابرة لمَّا رأوا أن إثبات صانع العالم أمرٌ لا بدَّ منه، وأرادوا أن يضموا إلى ذلك كون الفلك قديمًا، فجمعوا بين المتناقضين.
ومما بيَّن هذا أن الفلاسفة –أرسطو وشيعته– عندهم «أن يفعل» هو من جملة الأعراض، وكذلك «أن ينفعل»، والوجود عندهم ينقسم إلى جوهر وعرض، والأجناس العالية عندهم عشرة: الجوهر والأعراض التسعة... والحركة عندهم اسم جنس تتناول الحركة في الكم والكيف والأين والوضع.
وحينئذٍ فيجب إذا كان الرب –تعالى– فاعلًا، أن يكون يقوم به أمرٌ وجودي –وهو «أن يفعل»–، فيمتنع أن يكون فاعلًا بدون أمر وجودي يقوم به؛ فإنه إذا كان ما سواه من الفاعلين لا يكون فعله إلا وجوديًّا، فالفاعل لجميع الممكنات أولى أن يكون فعله وجوديًّا، والحركة لا تكون إلا شيئًا فشيئًا، يمتنع حركة قديمة الأجزاء، بل كل جزء من أجزائها حادثٌ بعد الآخر.
وهم متنازعون في المتحرِّكات: هل تنتهي إلى محرٍّك لا يتحرَّك؟ على قولَين:
فالأساطين منهم قبل أرسطو يقولون: لا بد أن يكون المحرِّك لها متحرِّكًا؛ لأن التحريك فعل، والفعل مستلزم للحركة أو هو الحركة، فيمتنع أن يكون محرِّكٌ غير متحرِّك.
وأرسطو وأتباعه إذا أثبتوا محرِّكًا لا يتحرَّك، فلم يقولوا: إنه علة فاعلة للحركة، بل يقولون: إن المتحرِّك –وهو الفلك– لمَّا كان تحرُّكه للتشبِّه به، صار الأول مع الفلك بمنزلة المحبوب مع محبِّه الذي يحب أن يقتدي به ويتشبَّه به، فالمحب المقتدي المتشبِّه الذي يتحرِّك لأجل التشبُّه بالمقتدى به المتشبَّه به يتحرَّك لأجل المحبوب وإن كان المحبوب لا يشعر بذلك، ولا يفعل شيئًا من حركة المحب، بل ولا يقدر على ذلك.
ومعلومٌ أن المحبوب بمجرد كونه محبوبًا لا يكون مبدِعًا للمحب فاعلًا له خالقًا له، بل كونه خالقًا فاعلًا له أمرٌ غير كونه محبوبًا له.
ولهذا كان قول الأساطين القدماء مخالفًا لأرسطو وأمثاله في هذا؛ فإنهم قالوا: إنه لا يحرِّك غيرَه إلا لحركةٍ بنفسه، وقالوا: إن العلة الأولى تقوم بها الحركة، ولولا ذلك لامتنع أن يفعل شيئًا أو يحرِّك شيئًا. "
ابن تيمية | شرح الأصبهانية
... ومما يُعرف به امتناع أن يكون شيءٌ من الممكنات قديمًا، وأن ما سوى الله –تعالى– محدَثٌ كائنٌ بعد أن لم يكن، أن يقال: كل ممكن فهو مفعولٌ مصنوعٌ مخلوقٌ للواجب، وباصطلاحهم: هو معلولٌ لعلةٍ فاعلةٍ فعلته، وهو الواجب بذاته، ومن الممتنع في صريح المعقول –وهو مما اتفق عليه جماهيرُ العقلاء من الأولين والآخرين– أن يكون الشيء مفعولًا لعلةٍ فاعلةٍ وهو –مع ذلك– مقارنٌ للفاعل لم يتقدَّم الفاعل عليه؛ فإن تصور كون الشيء مبدِعًا لغيره فاعلًا له خالقًا له –ونحو ذلك من المعاني والعبارات– توجِب كون المفعول بعد الفاعل، ولهذا كان مجرَّد تصور العقلاء أن الرب –تعالى– خالق السماوات والأرض أو أنه خالقٌ لكل شيء يوجِب أن تكون هذه المخلوقات حادثة كائنة بعد أن لم تكن.
وإذا قيل للعقلاء: «هي مخلوقةٌ له، وهي مقارنةٌ له، قديمةٌ بقدمه أزلًا وأبدًا»، صرَّحوا بأن هذا غير معقول، بل هو جمعٌ بين النقيضين؛ معناه أنها مخلوقةٌ ليست مخلوقةً.
ولهذا لم يعرف هذا عن أحدٍ من العقلاء إلا عن هذه الشرذمة القليلة من المتفلسفة الدهرية.
ولهذا كان جماهير أهل النظر لا يذكرون عن الدهرية إلا القول بإنكار الصانع [أي العلة الفاعلية]، ولا يعرفون القول بإثبات مبدِع العلل مع القول بأنه قديم.
وإنما صار هذا يُحكى في كتب النظر لمَّا ظهر قولُ هؤلاء المتفلسفة المنتسبين إلى الملل –كابن سينا وأمثاله–، فأظهروا هذا القول المركب من قول سلفهم الدهرية القائلين بقدم العالم ومن قول جماهير الأمم –أهل الملل وغيرهم– بإثبات رب العالمين، وإلا فأرسطو وأتباعه ليس في كتبهم إثبات علة للفلك، وإنما فيه إثبات علة غائية يتحرَّك الفلكُ للتشبُّه بها، فقولهم وإن كان أشدَّ فسادًا في العقل والشرع من قول ابن سينا، فليس فيه المكابرة بأن الممكن المفعول يكون قديمًا أزليًّا.
وهؤلاء إنما احتاجوا إلى هذه المكابرة لمَّا رأوا أن إثبات صانع العالم أمرٌ لا بدَّ منه، وأرادوا أن يضموا إلى ذلك كون الفلك قديمًا، فجمعوا بين المتناقضين.
ومما بيَّن هذا أن الفلاسفة –أرسطو وشيعته– عندهم «أن يفعل» هو من جملة الأعراض، وكذلك «أن ينفعل»، والوجود عندهم ينقسم إلى جوهر وعرض، والأجناس العالية عندهم عشرة: الجوهر والأعراض التسعة... والحركة عندهم اسم جنس تتناول الحركة في الكم والكيف والأين والوضع.
وحينئذٍ فيجب إذا كان الرب –تعالى– فاعلًا، أن يكون يقوم به أمرٌ وجودي –وهو «أن يفعل»–، فيمتنع أن يكون فاعلًا بدون أمر وجودي يقوم به؛ فإنه إذا كان ما سواه من الفاعلين لا يكون فعله إلا وجوديًّا، فالفاعل لجميع الممكنات أولى أن يكون فعله وجوديًّا، والحركة لا تكون إلا شيئًا فشيئًا، يمتنع حركة قديمة الأجزاء، بل كل جزء من أجزائها حادثٌ بعد الآخر.
وهم متنازعون في المتحرِّكات: هل تنتهي إلى محرٍّك لا يتحرَّك؟ على قولَين:
فالأساطين منهم قبل أرسطو يقولون: لا بد أن يكون المحرِّك لها متحرِّكًا؛ لأن التحريك فعل، والفعل مستلزم للحركة أو هو الحركة، فيمتنع أن يكون محرِّكٌ غير متحرِّك.
وأرسطو وأتباعه إذا أثبتوا محرِّكًا لا يتحرَّك، فلم يقولوا: إنه علة فاعلة للحركة، بل يقولون: إن المتحرِّك –وهو الفلك– لمَّا كان تحرُّكه للتشبِّه به، صار الأول مع الفلك بمنزلة المحبوب مع محبِّه الذي يحب أن يقتدي به ويتشبَّه به، فالمحب المقتدي المتشبِّه الذي يتحرِّك لأجل التشبُّه بالمقتدى به المتشبَّه به يتحرَّك لأجل المحبوب وإن كان المحبوب لا يشعر بذلك، ولا يفعل شيئًا من حركة المحب، بل ولا يقدر على ذلك.
ومعلومٌ أن المحبوب بمجرد كونه محبوبًا لا يكون مبدِعًا للمحب فاعلًا له خالقًا له، بل كونه خالقًا فاعلًا له أمرٌ غير كونه محبوبًا له.
ولهذا كان قول الأساطين القدماء مخالفًا لأرسطو وأمثاله في هذا؛ فإنهم قالوا: إنه لا يحرِّك غيرَه إلا لحركةٍ بنفسه، وقالوا: إن العلة الأولى تقوم بها الحركة، ولولا ذلك لامتنع أن يفعل شيئًا أو يحرِّك شيئًا. "
ابن تيمية | شرح الأصبهانية
لِـوَاءُ الـھُـدَىٰ فِـي الـلَّـيْـلِ والـدُّجَـىٰ
" وأما كونهم أخرجوا الفاعل عن أن يكون فاعلًا فإن العقل الصريح يقضي بالفرق بين صفات الفاعل اللازمة لذاته وبين أفعاله ومفعولاته، فما لم يزل مقارنًا للشيء يمتنع أن يكون مفعولًا له، بل حقيقة الفعل لا تُعقل إلا مع حدوثه إما حدوثه جملةً وإما حدوث أفراده شيئًا بعد…
قال الدكتور يوسف كرم في كتاب تاريخ الفلسفة اليونانية: "إن العلة الأولى عند أرسطو ليست محرِّكةً بوصفها علة فاعلية، بل بوصفها علة غائية"، وقال في موضع آخر: "إن أرسطو لم يعرف فكرة الخلق"، وهذا هو المشهور عن قدماء المشائين (اليونان) والأليق بالفلسفة المشائية (الأرسطية).
وحاصل كلام ابن تيمية: أن المبدأ الأول إذا كان علة فاعلية، فالعالم لا يكون قديمًا، وأن العالم إذا كان قديمًا، فالمبدأ الأول لا يكون علة فاعلية، وأن مذهب قدماء المشائين القول بقدم العالم وبعدم فاعلية المبدأ الأول، بل القول بأن المبدأ الأول علة غائية فقط.
ولعل أول من أحدث أقوالًا متعلقة بالمبدأ الأول والعقل الفعَّال لم تكن عند المشائين القدماء (اليونان) هو الإسكندر الأفروديسي، حيث –بعد أن أثبت انفصال العقل الفعَّال عن النفس– جعل مصداق العقل الفعَّال ومصداق المحرك الذي لا يتحرك واحدًا، فكان هذا المصداق من حيث هو العقل الفعال علة فاعلية، ومن حيث هو المحرك الذي لا يتحرك علة غائية، فنتج من هذا أن المحرك الذي لا يتحرك من حيث هو عين العقل الفعال علة فاعلية، وأن العقل الفعال من حيث هو عين المحرك الذي لا يتحرك المبدأ الأول (الله)؛ للعينية بين العقل الفعال والمبدأ الأول، فالظاهر أن الإسكندر الأفروديسي هو أول من أحدث القول بانفصال العقل الفعال عن النفس وبفاعلية المحرك الذي لا يتحرك خلافًا للمشائين اليونان من أن العقل الفعال ليس منفصلًا عن النفس وأن المحرك الذي لا يتحرك علة غائية فقط، والله أعلم.
وحاصل كلام ابن تيمية: أن المبدأ الأول إذا كان علة فاعلية، فالعالم لا يكون قديمًا، وأن العالم إذا كان قديمًا، فالمبدأ الأول لا يكون علة فاعلية، وأن مذهب قدماء المشائين القول بقدم العالم وبعدم فاعلية المبدأ الأول، بل القول بأن المبدأ الأول علة غائية فقط.
ولعل أول من أحدث أقوالًا متعلقة بالمبدأ الأول والعقل الفعَّال لم تكن عند المشائين القدماء (اليونان) هو الإسكندر الأفروديسي، حيث –بعد أن أثبت انفصال العقل الفعَّال عن النفس– جعل مصداق العقل الفعَّال ومصداق المحرك الذي لا يتحرك واحدًا، فكان هذا المصداق من حيث هو العقل الفعال علة فاعلية، ومن حيث هو المحرك الذي لا يتحرك علة غائية، فنتج من هذا أن المحرك الذي لا يتحرك من حيث هو عين العقل الفعال علة فاعلية، وأن العقل الفعال من حيث هو عين المحرك الذي لا يتحرك المبدأ الأول (الله)؛ للعينية بين العقل الفعال والمبدأ الأول، فالظاهر أن الإسكندر الأفروديسي هو أول من أحدث القول بانفصال العقل الفعال عن النفس وبفاعلية المحرك الذي لا يتحرك خلافًا للمشائين اليونان من أن العقل الفعال ليس منفصلًا عن النفس وأن المحرك الذي لا يتحرك علة غائية فقط، والله أعلم.
" ولم يرد لفظ «لوجيكا» [ولا لفظ «أورغانون»] في كتب أرسطو كاسم لهذا العلم [الذي لم يكن]، ثم ورد في عصر شيشرون [ت: 43 قبل الميلاد] بمعنى الجدل، إلى أن استعمله الإسكندر الإفروديسي [القرن الثالث بعد الميلاد] بمعنى المنطق. "
الدكتور يوسف كرم | تاريخ الفلسفة اليونانية (بزيادة)
الدكتور يوسف كرم | تاريخ الفلسفة اليونانية (بزيادة)