Nomos
35 subscribers
38 photos
1 file
1 link
حيث المذبح، توجَدُ الحضارة
Download Telegram
ناصر الدّين شاه قاجار (حكم 1848-1896) شخصيةٌ مؤثرةٌ في التّاريخ الحديث للشيعة عامةً، وذو أثرٍ بليغ في شيعة العراق.

دعم الشّاه حركة التّشيع المتزايدة في العراق من خلال دعم العلماء والمجتهدين بشتّى الطرق وزيادة الطلبة الإيرانيين في المدن المقدّسة الذين لعبوا دورا مهمًا في تعليم أهل الوسط والجنوب العراقي التّشيع وتثبيته بينهم.

لكنّ الثّمرة المهمّة لجهود ناصر الدّين هي إفشال محاولات السّلطان العثماني عبدالحميد الثاني لما يسمّى بـ"الوحدة الإسلامية".

إن تراكمًا كبيرًا من دعم الشّيعة في العراق وتقوية شوكتهم كان لناصر الدّين دورٌ حاسمٌ فيه، أدى ليأس عبدالحميد والسلطات العثمانية من محاولة تضعيف التّشيع أو إرجاع الأمور لسابق عهدها منتقلين بذلك لإستراتيجية جمع الشّيعة مع السّنة تحت إطار واحد عثماني إسلامي، لكنّها إستراتيجية فاشلة بحكم ذلك التّراكم ذاته.
3👎1
حاول السّلطان عبدالحميد جاهدًا احتواء الشّيعة بطرقٍ عديدة، منها، على سبيل المثال، إرسال طلبة شيعة لمراكز تعليم سنّية خارج العراق وهي طريقةٌ لم تؤتِ أُكُلَها أبدًا (بل وتُناقض ما حاول إظهاره لاحقًا بتقاربه مع الشّيعة قليلًا)، وكذا محاولات لإستعادة ولاء بعض القبائل، والأمر الأهم من ذلك محاولته إستمالة علماء إيرانيين لمشروعه الوحدويّ، وهي إستمالةٌ لم تكن بعيدةً عن مراقبة السّفارة الإيرانية.

حاول عبدالحميد أيضًا التّقرب من الشّيعة عبر إصلاح المراقد وترميمها ووضعِ نفسه موضعَ الحامي لقبور الائمة المعصومين، لكنّ هذه الأفعال لم تكن لتنفع استراتيجيته المحكوم عليها بالفشل مسبقًا.
فالشّيعة لا يرون أحدًا حاميًا ومسؤولًا عن المراقد إلا الشّاه الإيراني¹، مع الإشارة إلى أن ناصر الدين رفض في البداية طلب السّلطان أن يصلح المراقد لكن عبدالحميد مضى في ذلك.

إن تناقضًا جليًّا ظهر في كل هذا المشروع الحميدي الفاشل، من جهة أن التّشيع في العراق مرتبط ببنية معقدة لا يمكن احتواءها بمثل هذه الطرق السّاذجة وهي ذات صلة عميقة بإيران والشّاه، ومن جهة أن السياسات العثمانية نفسها تتناقض فيما بينها وتختلف باختلاف مستويات السلطة والأجهزة مما يجعل ثقة العلماء الشّيعة بالعثمانيين معدومة فضلًا عن وضوح أن هدفهم الرئيسي كان فصل الشيعة عن إيران وفقًا لرؤيتهم التي اعتبرت التشيع مسبقًا ملفًا أمنيًا.


[1] في ذلك رسالة وصلت للمركز العثماني من العتبات بواسطة عالم إيراني يتحدث عن إصلاح قبة أمير المؤمنين عليه السلام ولكنّه قدم طلبًا للسفارة الإيرانية أولا لأخذ إذن الشّاه.

التّفاصيل تُطلب من دراسة إرخان بكتاش : الشيعة ودولة التنظيمات.
2👎1
Nomos
هدفهم الرئيسي كان فصل الشيعة عن إيران وفقًا لرؤيتهم التي اعتبرت التشيع مسبقًا ملفًا أمنيًا.
من الأمور اللافتة اعتبارُ العثمانيين التّشيعَ المتزايد بالعراق ملفًا أمنيًا مرتبطًا بإيران وبريطانيا يهدف لفصل مناطق الشيعة عن السّلطنة العثمانية ابتغاءَ تحقيق المصالح الإستراتيجية البريطانية

إن محاولات بريطانيا الجادّة في القرن التّاسع عشر السّاعية لإستغلال الفقهاء وعموم الشيعة العراقيين عبر التّواصل مع بعضهم ومحاولة إستمالة عدد من المجتهدين من خلال التحكم بخيرية أوده الهندية ذات الأموال الغزيرة المتدفقة لشيعة العراق وفقهاءهم، بالإضافة لإسناد الشيعة في حالاتٍ تصادم بها العلماء مع السّلطات العثمانية، أنشأت تصورًا لدى السّلطة العثمانية مفاده أن ما يحدث مؤامرةٌ إيرانية - بريطانية، تهدف لإبتزازهم وبناء مشروع بعيد المدى يفصل اجزاء العراق الشيعية عنهم ويحقق المصالح البريطانية التي تشابكت إلى حدٍ ما مع إيران القاجارية.

لكنّ هذا التصور سخيف ولا يدعمه الواقع، فلا إنتشار التّشيع في العراق وتكوين مجتمعه الكبير له علاقة ببريطانيا، فضلا عن أن محاولات بريطانيا لإستمالة الفقهاء باءت بالفشل الذّريع، ولم تكن إيران، ولا الهنود الشّيعة، ناظرين إلى تعاونٍ إستراتيجي مع بريطانيا في هذا الملف، وحسبك ما حدث بعدها من النّزاع العنيف المستمر بين المؤسسة الدينية الشّيعية في إيران والعراق، والإستعمار البريطاني.

إلا أن هذا التّصور مفهوم لرجل في السلطات العثمانية يرى ما يحدث ولا يستطيع تفسيره إلا بكونه مؤامرة ضد امبراطوريته.
Nomos
إن من المُهمّ إيضاحُ أن المسؤولينَ البريطانيينَ كانت لديهم آراءٌ متعددةٌ حولَ من يحكم العِراق على سبيل المثال، كان السّير كوكس يرى أن عائلةَ النّقيب هي الأنسب لحُكم العِراق وهي عائلةٌ سُنّية ومن أوائلِ من التحقَ بركب الإنجليز. وفي 1918 كان السّير أرنولد ويلسون…
وكان الكولونيل لورنس (لورنس العرب) قد اقترح في مرحلة من المراحل ـ وقد عُرض هذا المشروع في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1918 ـ تقسيم بلاد الرافدين إلى مملكتين:
مملكة في الشمال تتمحور حول الموصل؛
ومملكة في الجنوب تتمحور حول بغداد؛
على أن تُمنح المملكتان للأميرين عبد الله وزيد، وهما الابنان الثاني والرابع للشريف حسين.

وكان هذا الكم الكبير من المشاريع والوعود والالتزامات يعكس المصالح المتناقضة التي تشكلت داخل الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية الشاسعة.

وكان أيضًا نتيجة للتغيرات في ميزان القوى في أوروبا والشرق الأوسط، ولا سيما في الولايات الثلاث لبلاد الرافدين، حيث واجه البريطانيون مقاومة لم يكونوا يتوقعونها.

- المسألة العراقية، بيير جان لويزار
La question irakienne, Pierre-Jean Luizard
1
Nomos
وكان الكولونيل لورنس (لورنس العرب) قد اقترح في مرحلة من المراحل ـ وقد عُرض هذا المشروع في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 1918 ـ تقسيم بلاد الرافدين إلى مملكتين: مملكة في الشمال تتمحور حول الموصل؛ ومملكة في الجنوب تتمحور حول بغداد؛ على أن تُمنح المملكتان للأميرين عبد…
وفي أوقات التوتر، لم تكن الصحافة الرسمية في طهران تتردد في القول إنه، بعد الحرب العالمية الأولى، كان قد اقتُرح أن «يُعطى العراق لإيران بسبب نفوذ هذا البلد على جاره» (صحيفة طهران، 19 ديسمبر 1959).
1
Nomos
لكنّ هذا جزءٌ يمكن ملاحظته أثناء وصولنا لنقطة الحرب وربما هو الجزء الأصغر من الصّورة، فالسّبب البنيوي الموجود في الكيان الصّغير هو ما سيتسبب بوصولنا للحرب مع جاره. في دراسة Paweł Ukielski يقترح حلًا لمشكلة وقوع الصّراع بين أوكرانيا وروسيا رغم كونهما من نفس…
الصّراع بين الإستعمار والمؤسسة الدّينية في إيران هو ذاته في العراق، بل هي سلسلة متصلّة، فالفقيه النّجفي يقود روحيًا النّضال ضد الإستعمار في إيران، ويجد نفسه بعد حين يواجه إستعمارًا بريطانيًا في العراق لينتهي بنكسةٍ عظيمة لكلٍ من الفقهاء والشّيعة في العراق، تبع ذلك نفي 3 فقهاء كبار إلى إيران بسبب معارضتهم للدّولة العراقية المصنوعة استعماريًا.

إن نشوء دولةٍ عراقيةٍ برعايةٍ بريطانية يمثل في حقيقته مشروعًا معاديًا لكلٍ من المجتمع العراقي الشّيعي، وإيران الدّولة والأمة على حدٍّ سواء، وبناءً على ذلك نظرت إيران إلى نشوء هذه الدولة على أنه تهديدٌ لها من جهتين:
الأولى تسلّط النخب السنّية على تلك الدولة ونزعتهم العروبية (بالمعنى الأيدولوجي العدائي) واعتبار أنفسهم حماةً للعرب السّنة من إيران الشّيعية (التي كان يُنظر لشيعة العراق على أنهم تابعون لها)، وعدّ هذا خطأً مطلقًا بنيويًا.*
والثانية أن نفس نشوءها الإستعماري عدّ خطرًا على الدولة الإيرانية، كما هو الحال بالنسبة للملكيات الخليجية، فقد كان ينظر إلى فيصل على أنه دمية بيد الإنجليز.

وقد كان توّجس الإيرانيين من الكيان العراقي آنذاك في محلّه، فقد استُعمِل العراق في دخول الإنجليز على رضا شاه وإجباره على التنازل، تهديد محمد مصدق، واخيرًا الحرب الصّدامية.

لذا فإنه ليس مستغربًا بعد ذلك تأخر إيران في الإعتراف بالعراق إلا بعد 8 سنين من إنشاءه، ولا هو مستغربٌ كثرة النّزاعات بين الشاهين البهلويين والعراق.




* كنت قد أشرت سابقًا إلى وجود الخطأ البنيوي الذي أدى للحرب العراقية الإيرانية في المنشور أعلاه
1
كانت إيران بعد الحروب الرّوسية وخسارتها لأراضي كثر، تعيش حالةً من الضّعف الإمبراطوري الشّديد الذي يمنعها من التّوسع
ولعلّ ذلك أدى لتمظهر النّفوذ الحضاري الإيراني على الرّافدين بمظاهر أخرى، وتحديدًا دعم موجة التّشييع الكبرى للقبائل العراقية في القرنين الثامن والتاسع عشر وهو الأمر الذي أدى عمليًا لإستعادة العراق ضمن المجال الحضاري الإيراني المتمحور أساسًا على الهوّية الشّيعية.

إن عيش إيران تحت الضّغوط الإستعمارية المستمّرة في عهد ناصر الدين شاه وصولًا لذروة هذا التأثير في عهد مظفر الدين شاه وما رافقه من أحداث الثّورة الدّستورية وكم الشّرور الأوروبية التي آذت إيران والمؤسسة الدّينية وأوهنتهما، يمكن أن يفسّر، بتقديري، لماذا لم تستطع إيران دعم شيعة العراق بشكل يمكن به تحويل المجتمع العراقي المتجانس الأول من نوعه، أعني مجتمعَ شيعةِ العراق، إلى مجتمعٍ سياسيٍّ قويّ يؤدي إلى تكوين مناطق الشيعة لكيانٍ سياسيّ مستقل، كما كان يُحلم أحيانًا.
2
وبالتّالي يُعرَف بذلك أن المجتمع الشّيعي العراقي آنذاك كان يفتقر للقدرة كليًّا على ترجمة هذا التّجانس الثقافي العقائدي إلى فعلٍ سياسيٍ موّحد، ولم تتحقق فرصةٌ كاملةٌ لصنع ذلك.

من بعد غياب دعم إيران الفعال طبعًا، يمكن افتراض أسباب أخرى، لكنّي لست متأكدًا من قدرتها على تفسيرِ الأمر، ربما أحدها عدم ظهور الشخصية القادرة على توحيد المجتمع الشيعي والذي قد يُعزى أصلا لصعوباتٍ جغرافية محتملة، صعوبات ماليّة، وضغوطات عثمانيّة أقوى من أن يستطيع المجتمع الشيعي مواجهتها بحيث ينتصر عليها، رغم استطاعته أحيانًا التّغلب جزئيًا عليهم.

الفترة التي تلت اضطرابات عهد مظفر الدين والثورة الدستورية، دخلت بريطانيا إلى العراق، وهنا انتفى الدعم الإيراني مطلقًا لدخول إيران في فترة مظلمة أصلا، ولذا لا نرى آثارًا واضحة من إيران في نضال الفقهاء ضد استعمار بريطانيا، وعدم رؤية ذلك يعود أصلا لحقيقة وقوع النّكسة الكبيرة التي أصيب بها الفقهاء في إيران وأوذيت إيران بسببها بعد انحسار الدّستورية.
1
إن حقيقة التّرابط المصيري بين شيعة العراق وإيران تبرز في هذه الفترات حتمًا.
ففي حين كان الشيعة العراقيون يخوضون معركة ضارية ضد الإنجليز، معبّرين بذلك لأول مرة عن فعلٍ سياسيّ موحد يهدفُ إلى منع الإحتلال، ثم أصبح إقامة حكومة تحت الشّريعة*، كانت إيران في حالةٍ مزريةٍ إلى حدٍ يفسّر موقفها المعدوم من الحراك الشيعي، ومؤدى ما حدث هو هزيمة قاسية للشيعة امتدت آثارها الفضيعة حوالي 80 عامًا من ظلمهم.

أثناء فترة الكارثة في إيران وبداية صعود رضا خان، اندلعت ثورة العشرين، في وقتٍ كانت بريطانيا مسيطرة على إيران، خاف رضا خان إسناد الثورة وأن يدعم شيعة العراق في معركتهم، خصوصا وهو يرى قوة بريطانيا ويرى فرصته في قيادةِ البلاد، التي يمر طريق قيادتها بقبولهم.

حين نفي علماء الشيعة إلى إيران لمعارضتهم فيصل وحكومته المستعمرة، كانوا قد شكلوا تنظيمًا للضغط على الحكومة الإيرانية لمساندة الشيعة هناك، لكن استجابة رضا كانت معدومة تقريبًا، وحصل اتفاق يقضي بعودة العلماء إلى النجف بشرط عدم التّدخل في السياسة، وهي لحظة عنت نهاية آمال شيعة العراق.



*يبدو أن هذه الفكرة من إرث الثورة الدستورية فهي شبيهة بها جدا، ملكية مشروطة بالشريعة.
2
انكشفت للعقل الكنسي اليقظ والحساس، من خلال الحروب الصليبية، إمكاناتٌ هائلة كامنة، في توسيع سلطة البابا المسيحي.
إن هذا ليس مصادفةً، فالحروب الصليبية أبرزت الهوية المسيحية، فعززت مطالبات البابا بالقيادة العليا للمجتمع المسيحي دون منازعة السّلاطين.

ذات الأمر ينطبق على إيران القاجارية، فمن خلال إبراز الهويّة الدّينية الإسلامية بشكلٍ سياسي لمجابهةِ الإستعمار الأوروبي وخطره الثقافي والسياسي، تطوّرت مطالباتُ الفقهاء بالأحادية الدينية وأن يكون الفقيه هو القائد الحقيقي للمجتمع المسلم.

- سعيد أمير أرجموند، The Shadow of God and Hidden Imam.
2
التأثير الممتد لمجابهة الفقهاء الخطر الأوروبي من فارس إلى العراق، امتد زمنيًا ايضا، بل قد تكون سلطة الفقهاء القويّة في العقود الأخيرة من آثار تلك الفترة، وما حدث في الثورة الإسلامية الإيرانية خير مثالٍ لقوّة الفقيه.
لماذا لم يدعم الشّاه محمدرضا بهلوي شيعة العراق بشكل فاعل؟

يمكن طرح أسباب حول انعدام آثار أي مساندة من الشاه للشيعة او استغلال ورقتهم، مثلا، كان يمكنه إقناع أمريكا بحل للتخلّص من خطر العراق البعثي النابع من قربه للسوفييت، وذلك عبر صعود الشيعة والذين سيدورون في فلك إيران البهلوية المتحالفة مع الغرب.

ربما هناك سببان أساسيان يمنعان الشاه من التفكير بهذه الطريقة.
الأول هو الخوف الشديد من فكرة صعود الفقهاء للحكم واستعادة نفوذهم عبر بوابة العراق، والذي بلا شك سيكون محطًا لسلطة فقهية كبيرة كان الشّاه قد تخلّص منها جزئيا بصعوبة بعد وفاة السّيد البروجردي، وهي فكرة مزعجةٌ كذلك للأمريكان فليسوا بمعرض العودة للازعاج الفقهي الذي عانى منه أسلافهم الإنجليز.
الثاني هو عدم استعداد الشاه لمغامرة مثل هذه، تفتح بابًا يعدُّ فيه الشّيعة كلهم رعايا لإيران وملفًا أمنيًا مسؤولة عنه، خصوصا في العراق المتوتر دائما.

إضافة إلى ذلك، يبدو أن أمريكا أصلا قد أسست لمسار تصادم بين العراق وإيران قبل الحرب بسنين عديدة، فلا يُعقل أنها ستقبل بفكرة صعود الشيعة للحكم، وهي التي انزعجت من اتفاقية الجزائر لإرساءها هدوءًا في علاقات العراق وإيران.
2
كما كان والده، رفض الشاه محمدرضا استخدام "الورقة الشيعية" في العراق، خشية أن يؤدي ذلك إلى تقوية القوى الدينية، التي كان هو نفسه يحاول إضعافها في إيران.

- Mohsen M. Milani, “IRAQ VI. PAHLAVI PERIOD, 1921–79,” Encyclopaedia Iranica.
من الأمور المثيرة للإهتمام الفارق الشاسع بين مرونة الإنتاج العسكري أثناء الحرب في الجبهتين الرّوسية-الأوكرانية، الإيرانية-الأمريكية.

يبدو أن الإقتصادين المركزيين هنا يتفوقان بشكل واضح في سرعة ومرونة الإنتاج العسكري المستمر، على عكس ما تشاهده في أوروبا وأمريكا من بطئ إنتاج ومعرقلات كثيرة في محاولات زيادة إنتاج القطع العسكرية المتنوعة بعد كوارث الاستنزاف التي حلّت بالجيش الأمريكي أثناء الحرب الأخيرة وعدم قدرة الشّركات الخاصة في الغرب على جعل الإنتاج سريعًا نافعًا لوضع الحرب حتى مع وجود الأموال بسبب البيروقراطية المهترئة وفوضى الشركات.

طُرح سيناريو حول هدف بوتين من تحويل الحرب لاستنزاف كبير للقدرات الغربية، وهو إيصال الغرب عمومًا لمرحلة كارثية من عدم التناسب بينما ما يُستهلك في المعركة وبين ما يمكن إنتاجه لتعويضه.

إن هذا الهدف قد يتحقق فعلًا، بالنّظر لاستنزاف القدرات الأمريكية في الحرب الإيرانية وما حلّ بحلفاء الغرب بتأثير هذه الحرب من النقص الكبير في صواريخ الدفاع الجوي مثلا، وبالتالي استمرار هذه الجبهات ينهك أمريكا والأوروبيين إنهاكًا يمكن معه الإجهاز عليهم من قبل الأقطاب الصّاعدة.
الصّين لاعبٌ يلعب من وراء الحجب دورًا كبيرًا في تسهيل عملية الإنتاج العسكري المستمر لإيران وروسيا، فمن خلال شبكة تزويدهما بالقطع اللازمة لديمومة خطوط انتاجهما بدءًا من الالكترونيات وصولًا إلى صواريخ الدفاع الجوي المحمولة، وكذلك دورها الحاسم في تخفيف آثار الحصار الاقتصادي على البلدين، تمثل الصين السّاند الرئيس صناعيًا، الداعم لعمليات الانتاج المتواصلة لدى روسيا وإيران والخافض للمشاكل المتعلقة بذلك، مما يزيد مرونتهما وتفوقهما في حرب التصنيع على الجبهتين.

إن دور الصين شبيهٌ إلى حدٍ ما بدور الولايات المتحدة الذي لعبته في الحرب العالمية الأولى والثانية، كونها الدّاعم المالي والمنتج الأول للسّلاح الذي مكّن الحلفاء من التفوق على ألمانيا، والعمق الاقتصادي والتّصنيعي لهم.

برغم الاختلاف بين وضع الولايات المتحدة والصين في الحالتين، فأمريكا كانت فترةً على الحياد ثم دخلت الحربين، والصّين للآن ليست طرف حرب، إلا أنهما متشابهان من حيث جزئية إسنادهما لطرف في الحرب والذي يؤدي لتفوق ذلك الطرف في الجانب التّصنيعي تحديدًا (روسيا وإيران في حالة الصين، الحلفاء في حالة أمريكا).
2