تحقيق: خمسة ترليونات في حسابات التجنيب.. كيف تحولت أموال النيابة العامة إلى شبكة صرف خارج مسار الرقابة؟
تكشف مستندات ومعلومات حصلنا عليها عن واحدة من أخطر قضايا التصرف في المال العام داخل النيابة العامة، لا بسبب حجم الأموال وحده، وإنما بسبب الطريقة التي أُديرت بها، والحسابات التي أودعت فيها، ومن امتلك سلطة التوقيع والصرف عليها، والأشخاص الذين حصلوا على مبالغ منها، ثم الفجوة الكبيرة بين الأموال التي دخلت تلك الحسابات والمبالغ التي أمكن حتى الآن تحديد وجهتها.
تبدأ القضية بمبلغ خمسة ترليونات جنيه سوداني، صدقت به وزارة المالية للنيابة العامة تحت بند تهيئة بيئة العمل والعودة إلى الخرطوم. وفي الأصل، لا توجد مشكلة في أن تحصل النيابة على تمويل لهذا الغرض؛ المشكلة تبدأ من اللحظة التي غادر فيها المال، بحسب المستندات التي بحوزتنا، مسار الحسابات المعروفة والخاضعة للدورة المالية المعتادة، وأودع في حسابين ارتبطا بما يعرف داخل النيابة بـ«حسابات التجنيب».
ومن هناك بدأت سلسلة من عمليات الصرف والتصديق تكشف عن أسئلة أكبر من مبلغ الخمسة ترليونات نفسه: من كان يسيطر على هذه الحسابات؟ من كان يوقع عليها؟ كيف جرى الصرف؟ وما الأساس الذي حصل بموجبه مسؤولون وموظفون وأشخاص آخرون على عشرات المليارات؟ ولماذا أعيدت بعض الأموال بعد بدء نشر القضية؟ وأين ذهب الجزء الأكبر من المبلغ الذي لا يظهر أصلاً في كشف المستفيدين الذي حصلنا عليه؟
أربعة حسابات.. ودورة مالية يفترض أن تحمي المال العام
لفهم ما حدث، يجب أولاً فهم الطريقة التي يفترض أن تدار بها أموال النيابة العامة.
تمتلك النيابة عدداً من الحسابات المخصصة لأغراض محددة. فالحساب رقم 12 مخصص للفصل الأول المتعلق باستحقاقات العاملين، والحساب رقم 13 للكفالات التي تودع في البلاغات، بينما يخصص الحساب رقم 19 للفصل الثاني والموارد، بما في ذلك النسب التي تحصل عليها النيابة من التسويات وفق المنشورات المنظمة لذلك.
أما الحساب رقم 20 فتورد إليه الغرامات والأموال المستردة لصالح جمهورية السودان.
والفارق الجوهري هنا أن الأموال الموجودة في هذا الحساب الأخير لا يفترض أن تتحول تلقائياً إلى مال تستطيع النيابة التصرف فيه متى شاءت. فإذا استحقت النيابة مبالغ للصرف على احتياجاتها، تتم مخاطبة وزارة المالية، التي تصدق بالمبلغ المستحق، ليورد بعد ذلك إلى الحساب المخصص للصرف.
هذه الدورة ليست تعقيداً بيروقراطياً بلا معنى، وإنما واحدة من أهم آليات حماية المال العام؛ لأنها تؤكد ولاية وزارة المالية عليه، وتمنع المؤسسات الحكومية من تجنيب الإيرادات والتصرف فيها خارج الموازنة، كما تخلق سلسلة مستندية تسمح لاحقاً بمعرفة مصدر كل مبلغ، والجهة التي اعتمدته، والبند الذي صرف تحته، والشخص أو الجهة التي تسلمته.
لكن مبلغ الخمسة ترليونات اتخذ، وفق ما تكشفه مستنداتنا، طريقاً آخر.
خمسة ترليونات.. إلى حسابين مختلفين
في بداية العام، صدقت وزارة المالية للنيابة العامة مبلغ 5 ترليونات جنيه تحت بند تهيئة بيئة العمل والعودة إلى الخرطوم.
وحتى هذه المرحلة، لا توجد مشكلة في أصل التصديق.
لكن النائب العام انتصار أحمد عبد العال قامت، وفق المستندات التي حصلنا عليها، بإيداع الأموال في حسابين ببنك السودان المركزي – فرع البحر الأحمر، يحملان الرقمين:
00269133025004
00269133025003
وهذان الحسابان، وفق المعلومات والمستندات التي بحوزتنا، ليسا من الحسابات الأساسية الأربعة التي تمر عبرها الدورة المالية المعتادة للنيابة، وإنما حسابان ارتبطا بإدارة رئيس نيابة الشؤون الإدارية والمالية السابق محمد عبد العظيم محمد صالح.
وتعود قصة الحسابين إلى فترة تولي محمد عبد العظيم رئاسة لجنة التحقيق في قضية شركات الملاحة البحرية. وبعد مغادرته الموقع تولى وكيل النيابة عثمان أحمد إدريس «سكوتة» المسؤولية عنهما أثناء عمله في نيابة البحر الأحمر.
لكن عقب الحرب وعودة محمد عبد العظيم إلى موقعه، ونقل سكوتة من منصبه، أعاد محمد عبد العظيم نفسه، بحسب المعلومات التي حصلنا عليها، مسؤولاً عن الحسابين.
وهذه الخلفية مهمة جداً لفهم ما حدث لاحقاً، لأن محمد عبد العظيم لا يظهر في هذه القضية بصفته موظفاً مالياً عادياً، وإنما بوصفه أحد الأشخاص الذين امتلكوا سلطة مباشرة على الحسابات التي أودعت فيها الأموال.
محمد عبد العظيم.. الموقّع والمشرف والمستفيد
تكشف المستندات التي حصلنا عليها جانباً أكثر خطورة في طريقة إدارة الحساب المجنب.
فقد قام رئيس الشؤون الإدارية والمالية محمد عبد العظيم محمد صالح بوضع توقيعه على الحساب المجنب بدلاً من أن يمر التوقيع والاعتماد عبر الجهة المختصة بالرقابة المالية، متجاوزاً بذلك التسلسل والإجراءات المعتمدة في الدورة المستندية.
والخطورة هنا ليست في شكل التوقيع، وإنما في السلطات التي تجمعت نتيجة لذلك.
تكشف مستندات ومعلومات حصلنا عليها عن واحدة من أخطر قضايا التصرف في المال العام داخل النيابة العامة، لا بسبب حجم الأموال وحده، وإنما بسبب الطريقة التي أُديرت بها، والحسابات التي أودعت فيها، ومن امتلك سلطة التوقيع والصرف عليها، والأشخاص الذين حصلوا على مبالغ منها، ثم الفجوة الكبيرة بين الأموال التي دخلت تلك الحسابات والمبالغ التي أمكن حتى الآن تحديد وجهتها.
تبدأ القضية بمبلغ خمسة ترليونات جنيه سوداني، صدقت به وزارة المالية للنيابة العامة تحت بند تهيئة بيئة العمل والعودة إلى الخرطوم. وفي الأصل، لا توجد مشكلة في أن تحصل النيابة على تمويل لهذا الغرض؛ المشكلة تبدأ من اللحظة التي غادر فيها المال، بحسب المستندات التي بحوزتنا، مسار الحسابات المعروفة والخاضعة للدورة المالية المعتادة، وأودع في حسابين ارتبطا بما يعرف داخل النيابة بـ«حسابات التجنيب».
ومن هناك بدأت سلسلة من عمليات الصرف والتصديق تكشف عن أسئلة أكبر من مبلغ الخمسة ترليونات نفسه: من كان يسيطر على هذه الحسابات؟ من كان يوقع عليها؟ كيف جرى الصرف؟ وما الأساس الذي حصل بموجبه مسؤولون وموظفون وأشخاص آخرون على عشرات المليارات؟ ولماذا أعيدت بعض الأموال بعد بدء نشر القضية؟ وأين ذهب الجزء الأكبر من المبلغ الذي لا يظهر أصلاً في كشف المستفيدين الذي حصلنا عليه؟
أربعة حسابات.. ودورة مالية يفترض أن تحمي المال العام
لفهم ما حدث، يجب أولاً فهم الطريقة التي يفترض أن تدار بها أموال النيابة العامة.
تمتلك النيابة عدداً من الحسابات المخصصة لأغراض محددة. فالحساب رقم 12 مخصص للفصل الأول المتعلق باستحقاقات العاملين، والحساب رقم 13 للكفالات التي تودع في البلاغات، بينما يخصص الحساب رقم 19 للفصل الثاني والموارد، بما في ذلك النسب التي تحصل عليها النيابة من التسويات وفق المنشورات المنظمة لذلك.
أما الحساب رقم 20 فتورد إليه الغرامات والأموال المستردة لصالح جمهورية السودان.
والفارق الجوهري هنا أن الأموال الموجودة في هذا الحساب الأخير لا يفترض أن تتحول تلقائياً إلى مال تستطيع النيابة التصرف فيه متى شاءت. فإذا استحقت النيابة مبالغ للصرف على احتياجاتها، تتم مخاطبة وزارة المالية، التي تصدق بالمبلغ المستحق، ليورد بعد ذلك إلى الحساب المخصص للصرف.
هذه الدورة ليست تعقيداً بيروقراطياً بلا معنى، وإنما واحدة من أهم آليات حماية المال العام؛ لأنها تؤكد ولاية وزارة المالية عليه، وتمنع المؤسسات الحكومية من تجنيب الإيرادات والتصرف فيها خارج الموازنة، كما تخلق سلسلة مستندية تسمح لاحقاً بمعرفة مصدر كل مبلغ، والجهة التي اعتمدته، والبند الذي صرف تحته، والشخص أو الجهة التي تسلمته.
لكن مبلغ الخمسة ترليونات اتخذ، وفق ما تكشفه مستنداتنا، طريقاً آخر.
خمسة ترليونات.. إلى حسابين مختلفين
في بداية العام، صدقت وزارة المالية للنيابة العامة مبلغ 5 ترليونات جنيه تحت بند تهيئة بيئة العمل والعودة إلى الخرطوم.
وحتى هذه المرحلة، لا توجد مشكلة في أصل التصديق.
لكن النائب العام انتصار أحمد عبد العال قامت، وفق المستندات التي حصلنا عليها، بإيداع الأموال في حسابين ببنك السودان المركزي – فرع البحر الأحمر، يحملان الرقمين:
00269133025004
00269133025003
وهذان الحسابان، وفق المعلومات والمستندات التي بحوزتنا، ليسا من الحسابات الأساسية الأربعة التي تمر عبرها الدورة المالية المعتادة للنيابة، وإنما حسابان ارتبطا بإدارة رئيس نيابة الشؤون الإدارية والمالية السابق محمد عبد العظيم محمد صالح.
وتعود قصة الحسابين إلى فترة تولي محمد عبد العظيم رئاسة لجنة التحقيق في قضية شركات الملاحة البحرية. وبعد مغادرته الموقع تولى وكيل النيابة عثمان أحمد إدريس «سكوتة» المسؤولية عنهما أثناء عمله في نيابة البحر الأحمر.
لكن عقب الحرب وعودة محمد عبد العظيم إلى موقعه، ونقل سكوتة من منصبه، أعاد محمد عبد العظيم نفسه، بحسب المعلومات التي حصلنا عليها، مسؤولاً عن الحسابين.
وهذه الخلفية مهمة جداً لفهم ما حدث لاحقاً، لأن محمد عبد العظيم لا يظهر في هذه القضية بصفته موظفاً مالياً عادياً، وإنما بوصفه أحد الأشخاص الذين امتلكوا سلطة مباشرة على الحسابات التي أودعت فيها الأموال.
محمد عبد العظيم.. الموقّع والمشرف والمستفيد
تكشف المستندات التي حصلنا عليها جانباً أكثر خطورة في طريقة إدارة الحساب المجنب.
فقد قام رئيس الشؤون الإدارية والمالية محمد عبد العظيم محمد صالح بوضع توقيعه على الحساب المجنب بدلاً من أن يمر التوقيع والاعتماد عبر الجهة المختصة بالرقابة المالية، متجاوزاً بذلك التسلسل والإجراءات المعتمدة في الدورة المستندية.
والخطورة هنا ليست في شكل التوقيع، وإنما في السلطات التي تجمعت نتيجة لذلك.
❤2🔥1
فالضبط المالي يقوم أساساً على الفصل بين الاختصاصات: الشخص الذي يطلب الصرف لا يفترض أن يكون هو نفسه من يراجع مشروعيته، ومن يعتمد العملية لا يفترض أن ينفرد أيضاً بتنفيذها، بينما توجد جهة رقابية مستقلة تتأكد من صحة المستندات وتوافر الاعتماد وارتباط الإنفاق بالبند المقرر له.
لكن ما تكشفه الوقائع التي بحوزتنا هو أن محمد عبد العظيم جمع عملياً بين الإشراف على الحساب وسلطة الاعتماد أو التصديق وسلطة الصرف.
وبذلك جرى تجاوز الجهة المختصة بالرقابة المالية أو إقصاؤها عن مرحلة أساسية من مسار المستندات.
والنتيجة ليست مجرد مخالفة إجرائية؛ فحين تختفي إحدى حلقات الرقابة يصبح تتبع حركة الأموال والتحقق من مشروعية الصرف وصحة مستنداته وأوجه استخدامه أكثر صعوبة، ويصبح شخص واحد قادراً على التأثير في أكثر من مرحلة من مراحل القرار المالي.
وهذه ليست المرة الأولى التي يظهر فيها اسم محمد عبد العظيم في واقعة تتعلق بجمع سلطات مالية على نحو يثير الأسئلة.
فقد نشرنا قبل أيام مستنداً يظهر فيه محمد عبد العظيم وهو يكتب خطاباً معنْوناً إلى نفسه يطلب فيه حافزاً مالياً، ثم يقوم بالتصديق على المبلغ لنفسه.
والآن يظهر اسمه مجدداً، هذه المرة مشرفاً على الحسابات، وموقعاً عليها، ثم مستفيداً شخصياً من الأموال التي خرجت منها.
من الحساب إلى جيوب المسؤولين
بعد إيداع الخمسة ترليونات بدأت عمليات الصرف.
وبحسب الكشف والمستندات التي حصلنا عليها، حصل مسؤولون وأعضاء وموظفون داخل النيابة على مبالغ ضخمة.
وجاءت المبالغ المنسوبة إليهم على النحو الآتي:
النائب العام انتصار أحمد عبد العال — 98 مليار جنيه.
مساعد أول النائب العام كمال محجوب أحمد سعيد — 95 مليار جنيه.
رئيس النيابة ياسر عبد الرحمن الخضر علي — 50 مليار جنيه.
رئيس النيابة فتح الرحمن سعيد الطاهر عبد الرحمن — 50 مليار جنيه.
رئيس النيابة ورئيس الشؤون الإدارية والمالية محمد عبد العظيم محمد صالح — 80 مليار جنيه.
رئيس النيابة أسامة هارون السيد الشابك — 50 مليار جنيه.
رئيس النيابة مهلب عبد الرحمن محمد طه — 50 مليار جنيه.
رئيس النيابة بهاء الدين عبد القادر محجوب — 50 مليار جنيه.
رئيس النيابة مكرم رزق الله خليل عطية — 50 مليار جنيه.
وكيل النيابة الأعلى عبد الله عثمان عبد الله عبد القادر — 50 مليار جنيه.
وكيل النيابة الأعلى روضة إدريس عبد القادر دفع الله — 45 مليار جنيه.
وكيل النيابة الأعلى عوض بلة عمر الضو أحمد — 45 مليار جنيه.
الوكيل الأعلى عوض حميدة عبد الله عبد الرحيم — 45 مليار جنيه.
وكيل أول النيابة معتز أحمد شعيب مصطفى — 36 مليار جنيه.
وكيل أول النيابة عمر عبد القادر الطيب محمد — 45 مليار جنيه.
وكيل أول النيابة أبوبكر عثمان سيد سعد الحاج — 45 مليار جنيه.
وكيل ثاني النيابة أحمد سليمان العوض عبد الله — 45 مليار جنيه.
وكيل ثاني النيابة وفاء دفع الله خير الله الحسن — 45 مليار جنيه.
وكيل ثاني النيابة محمد أمين حسين أحمد — 70 مليار جنيه.
وكيل ثاني النيابة أحمد عمر عثمان أحمد — 45 مليار جنيه.
وكيل ثاني النيابة حمد السيد أحمد محمد أحمد — 45 مليار جنيه.
وكيل ثاني النيابة علاء الدين دفع الله علي عبد القادر — 45 مليار جنيه.
وكيل ثاني النيابة بثينة مصطفى موسى دفع الله — 20 مليار جنيه.
وكيل ثاني النيابة محمد سر الختم مصطفى عبد القادر — 45 مليار جنيه.
ولم يقتصر الصرف على أعضاء النيابة.
فبحسب الكشف، حصل الموظفون نزار محمد المأمون أحمد، وملاذ الباشا، ورندة عطا، وفائز حسن إدريس، وسندس التوم فضل المولى على 26 مليار جنيه لكل منهم، بينما حصل الوليد محمد البشير، سائق محمد عبد العظيم، على 20 مليار جنيه.
لكن واحداً من أكثر البنود إثارة للأسئلة هو ظهور ابن النائب العام انتصار أحمد عبد العال وإسمه (احمد عثمان احمد محمود) ضمن المستفيدين بمبلغ 45 مليار جنيه.
وهنا يصبح السؤال مباشراً: ما الصفة الوظيفية أو القانونية التي استحق بموجبها ابن النائب العام الحصول على أموال من المبلغ المخصص للنيابة؟ ومن تقدم بطلب الصرف؟ ومن أوصى به؟ ومن صدق عليه؟ وتحت أي بند مالي صرفت الأموال؟
1.439 ترليون فقط.. أين ذهبت الـ3.561 ترليونات؟
ولأن الأرقام هنا أهم من أي وصف، قمنا بجمع جميع المبالغ الواردة في الكشف.
عدد الأشخاص الواردة أسماؤهم 31 شخصاً.
وإجمالي المبالغ المنسوبة إليهم يبلغ:
1,439,000,000,000 جنيه.
أي 1.439 ترليون جنيه فقط.
لكن المبلغ الأصلي هو 5 ترليونات جنيه.
وهذا يعني أن كشف المستفيدين الذي حصلنا عليه لا يفسر سوى نحو 28.8% من إجمالي المال.
أما المتبقي فهو:
3,561,000,000,000 جنيه
أي 3.561 ترليونات جنيه، تمثل نحو 71.2% من كامل المبلغ.
وهذه الفجوة هي أحد أخطر ما تكشفه القضية.
لكن ما تكشفه الوقائع التي بحوزتنا هو أن محمد عبد العظيم جمع عملياً بين الإشراف على الحساب وسلطة الاعتماد أو التصديق وسلطة الصرف.
وبذلك جرى تجاوز الجهة المختصة بالرقابة المالية أو إقصاؤها عن مرحلة أساسية من مسار المستندات.
والنتيجة ليست مجرد مخالفة إجرائية؛ فحين تختفي إحدى حلقات الرقابة يصبح تتبع حركة الأموال والتحقق من مشروعية الصرف وصحة مستنداته وأوجه استخدامه أكثر صعوبة، ويصبح شخص واحد قادراً على التأثير في أكثر من مرحلة من مراحل القرار المالي.
وهذه ليست المرة الأولى التي يظهر فيها اسم محمد عبد العظيم في واقعة تتعلق بجمع سلطات مالية على نحو يثير الأسئلة.
فقد نشرنا قبل أيام مستنداً يظهر فيه محمد عبد العظيم وهو يكتب خطاباً معنْوناً إلى نفسه يطلب فيه حافزاً مالياً، ثم يقوم بالتصديق على المبلغ لنفسه.
والآن يظهر اسمه مجدداً، هذه المرة مشرفاً على الحسابات، وموقعاً عليها، ثم مستفيداً شخصياً من الأموال التي خرجت منها.
من الحساب إلى جيوب المسؤولين
بعد إيداع الخمسة ترليونات بدأت عمليات الصرف.
وبحسب الكشف والمستندات التي حصلنا عليها، حصل مسؤولون وأعضاء وموظفون داخل النيابة على مبالغ ضخمة.
وجاءت المبالغ المنسوبة إليهم على النحو الآتي:
النائب العام انتصار أحمد عبد العال — 98 مليار جنيه.
مساعد أول النائب العام كمال محجوب أحمد سعيد — 95 مليار جنيه.
رئيس النيابة ياسر عبد الرحمن الخضر علي — 50 مليار جنيه.
رئيس النيابة فتح الرحمن سعيد الطاهر عبد الرحمن — 50 مليار جنيه.
رئيس النيابة ورئيس الشؤون الإدارية والمالية محمد عبد العظيم محمد صالح — 80 مليار جنيه.
رئيس النيابة أسامة هارون السيد الشابك — 50 مليار جنيه.
رئيس النيابة مهلب عبد الرحمن محمد طه — 50 مليار جنيه.
رئيس النيابة بهاء الدين عبد القادر محجوب — 50 مليار جنيه.
رئيس النيابة مكرم رزق الله خليل عطية — 50 مليار جنيه.
وكيل النيابة الأعلى عبد الله عثمان عبد الله عبد القادر — 50 مليار جنيه.
وكيل النيابة الأعلى روضة إدريس عبد القادر دفع الله — 45 مليار جنيه.
وكيل النيابة الأعلى عوض بلة عمر الضو أحمد — 45 مليار جنيه.
الوكيل الأعلى عوض حميدة عبد الله عبد الرحيم — 45 مليار جنيه.
وكيل أول النيابة معتز أحمد شعيب مصطفى — 36 مليار جنيه.
وكيل أول النيابة عمر عبد القادر الطيب محمد — 45 مليار جنيه.
وكيل أول النيابة أبوبكر عثمان سيد سعد الحاج — 45 مليار جنيه.
وكيل ثاني النيابة أحمد سليمان العوض عبد الله — 45 مليار جنيه.
وكيل ثاني النيابة وفاء دفع الله خير الله الحسن — 45 مليار جنيه.
وكيل ثاني النيابة محمد أمين حسين أحمد — 70 مليار جنيه.
وكيل ثاني النيابة أحمد عمر عثمان أحمد — 45 مليار جنيه.
وكيل ثاني النيابة حمد السيد أحمد محمد أحمد — 45 مليار جنيه.
وكيل ثاني النيابة علاء الدين دفع الله علي عبد القادر — 45 مليار جنيه.
وكيل ثاني النيابة بثينة مصطفى موسى دفع الله — 20 مليار جنيه.
وكيل ثاني النيابة محمد سر الختم مصطفى عبد القادر — 45 مليار جنيه.
ولم يقتصر الصرف على أعضاء النيابة.
فبحسب الكشف، حصل الموظفون نزار محمد المأمون أحمد، وملاذ الباشا، ورندة عطا، وفائز حسن إدريس، وسندس التوم فضل المولى على 26 مليار جنيه لكل منهم، بينما حصل الوليد محمد البشير، سائق محمد عبد العظيم، على 20 مليار جنيه.
لكن واحداً من أكثر البنود إثارة للأسئلة هو ظهور ابن النائب العام انتصار أحمد عبد العال وإسمه (احمد عثمان احمد محمود) ضمن المستفيدين بمبلغ 45 مليار جنيه.
وهنا يصبح السؤال مباشراً: ما الصفة الوظيفية أو القانونية التي استحق بموجبها ابن النائب العام الحصول على أموال من المبلغ المخصص للنيابة؟ ومن تقدم بطلب الصرف؟ ومن أوصى به؟ ومن صدق عليه؟ وتحت أي بند مالي صرفت الأموال؟
1.439 ترليون فقط.. أين ذهبت الـ3.561 ترليونات؟
ولأن الأرقام هنا أهم من أي وصف، قمنا بجمع جميع المبالغ الواردة في الكشف.
عدد الأشخاص الواردة أسماؤهم 31 شخصاً.
وإجمالي المبالغ المنسوبة إليهم يبلغ:
1,439,000,000,000 جنيه.
أي 1.439 ترليون جنيه فقط.
لكن المبلغ الأصلي هو 5 ترليونات جنيه.
وهذا يعني أن كشف المستفيدين الذي حصلنا عليه لا يفسر سوى نحو 28.8% من إجمالي المال.
أما المتبقي فهو:
3,561,000,000,000 جنيه
أي 3.561 ترليونات جنيه، تمثل نحو 71.2% من كامل المبلغ.
وهذه الفجوة هي أحد أخطر ما تكشفه القضية.
❤2
فإذا كانت الأموال قد خرجت من مبلغ الخمسة ترليونات، فأين توجد الـ3.561 ترليونات جنيه الأخرى؟
هل بقيت في الحسابين؟
هل توجد كشوف صرف أخرى لم تظهر بعد؟
هل حُولت إلى حسابات أخرى؟
هل حصل عليها مستفيدون آخرون؟
أم أن هناك أوجه صرف لم تُكشف حتى الآن؟
الإجابة لا تحتاج إلى روايات متعارضة؛ تحتاج فقط إلى كشف حساب كامل للحسابين، وأوامر التحويل، وأذونات الصرف والمستندات المؤيدة لكل عملية.
المراجع العام يطلب الحسابات
وبحسب المعلومات التي حصلنا عليها من المراجع العام، فإن القضية وصلت بالفعل إلى الجهة المختصة بمراجعة المال العام، وصدرت خطابات مطالبة ومراجعة بشأن هذه الأموال.
لكن الأخطر، وفق المعلومات والمستندات التي بحوزتنا، أن المراجع العام طلب مراجعة أموال النيابة، ولم تسمح له النائب العام انتصار أحمد عبد العال حتى الآن بإجراء المراجعة المطلوبة بصورة كاملة.
إذا كانت جميع عمليات الصرف قانونية ومستوفية لمستنداتها، فإن السؤال يصبح بسيطاً: لماذا لا توضع الحسابات وأوامر الصرف وكشوف المستفيدين أمام المراجع العام؟
فالطريقة الوحيدة لحسم القضية ليست بياناً صحفياً، وإنما فتح الحسابين أمام المراجعة، ومطابقة كل مبلغ دخل مع كل مبلغ خرج.
انتصار تعيد أموالها وأموال ابنها بعد النشر
لكن تطوراً آخر حدث بعد أن بدأنا نشر جانب من هذه الوقائع.
فبحسب المعلومات التي حصلنا عليها، قامت النائب العام بإعادة المبلغ الذي حصلت عليه والبالغ 98 مليار جنيه، كما أعيد مبلغ الـ45 مليار جنيه المنسوب إلى ابنها.
وهذه الواقعة تفتح سؤالاً لا يمكن تجاوزه:
إذا كان الحصول على المبلغين صحيحاً ومستنداً إلى استحقاق قانوني مكتمل، فلماذا أعيدا بعد ظهور القضية إلى العلن؟
وإعادة المال لا تجيب كذلك عن السؤال الأكبر المتعلق بأصل قرار الصرف: من سمح بخروج المال ابتداءً؟ وعلى أي أساس؟ وكيف حصل شخص من خارج النيابة، إذا ثبت عدم وجود صفة وظيفية له، على جزء منه؟
45 ملياراً لكل منهما رغم وجودهما خارج السودان
ومن أكثر الحالات إثارة للانتباه في الكشف اسما أحمد سليمان العوض عبد الله ووفاء دفع الله خير الله الحسن، إذ يظهر كل منهما مستفيداً بمبلغ 45 مليار جنيه.
لكن المعلومات التي حصلنا عليها تفيد بأن الاثنين موجودان خارج السودان منذ اندلاع الحرب وحتى الآن.
وهذا يجعل معرفة طبيعة المبلغ أمراً أساسياً.
فإذا كان حافزاً مرتبطاً بالعمل أو بدل إعاشة أو سكناً أو مقابلاً لمباشرة مهام، فإن وجود المستفيد خارج البلاد خلال الفترة ذات الصلة بالصرف يطرح سؤالاً مباشراً عن شروط الاستحقاق وكيف جرى اعتماد المبلغ.
وهنا يمكن للمستندات حسم الأمر بسهولة: تاريخ الطلب، ونوع الاستحقاق، وتاريخ التصديق، وأمر الصرف، وتاريخ التحويل، وموقع الموظف وحالته الوظيفية وقتها.
«الدعم الاجتماعي».. باب مفتوح للصرف
ولا يبدو مبلغ الخمسة ترليونات واقعة معزولة عن نمط أوسع للصرف داخل النيابة.
فالمعلومات والمستندات التي حصلنا عليها تشير إلى وجود مبالغ أخرى يجري اعتمادها تحت مسميات الدعم الاجتماعي، ودعم السكن، ودعم المعيشة، وبدلات الإعاشة.
وتتركز هذه المزايا، بحسب المعلومات التي بحوزتنا، وسط مجموعة تضم رئيس النيابة مهلب عبد الرحمن، رئيس المكتب التنفيذي؛ وفتح الرحمن سعيد الطاهر، رئيس الشؤون الإدارية والمالية الحالي؛ ومحمد عبد العظيم محمد صالح، رئيس الشؤون الإدارية والمالية السابق؛ وعثمان أحمد إدريس «سكوتة»، رئيس الشؤون الإدارية والمالية السابق؛ ومحمد أمين حسين؛ وإدريس حسن سليمان؛ ومازن النور مكي؛ وعبد الله أحمد باب الله؛ وعوض حميدة؛ ومحمد محجوب الشماسي؛ وأحمد عمر عثمان.
وبحسب البيانات التي حصلنا عليها، تصرف لهذه المجموعة بدلات إعاشة وسكن شهرية بمبالغ كبيرة، بحيث يصل مجموع ما يتقاضاه بعض أصحاب الدرجات الأدنى من هذه المخصصات إلى مبلغ 12 مليار شهرياً.
وهنا لا تكمن القضية في وجود بدل سكن أو إعاشة في حد ذاته، وإنما في الأساس الذي يحكم منحه.
هل توجد لائحة تحدد المستحقين وقيمة كل بدل؟
هل الميزة متاحة لكل أعضاء النيابة الذين تنطبق عليهم الشروط؟
أم أن المستفيدين مجموعة محددة؟
ومن يرفع طلباتهم؟ ومن يصدق عليها؟ ومن يعتمدها؟ ومن يصرفها؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عندما يكون الأشخاص الذين يديرون عملية الصرف أنفسهم ضمن المستفيدين منها.
مفصولو لجنة التفكيك يعودون إلى قلب الإدارة
وثمة خيط آخر يجمع عدداً كبيراً من الأسماء التي تتكرر في هذه الوقائع.
فبحسب القرارات والمستندات التي بحوزتنا، فإن معظم المسؤولين الذين تظهر أسماؤهم في إدارة الحسابات وعمليات الصرف الحالية سبق أن شملتهم قرارات لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وإزالة التمكين، قبل أن يعودوا إلى النيابة عقب انقلاب 25 أكتوبر.
هل بقيت في الحسابين؟
هل توجد كشوف صرف أخرى لم تظهر بعد؟
هل حُولت إلى حسابات أخرى؟
هل حصل عليها مستفيدون آخرون؟
أم أن هناك أوجه صرف لم تُكشف حتى الآن؟
الإجابة لا تحتاج إلى روايات متعارضة؛ تحتاج فقط إلى كشف حساب كامل للحسابين، وأوامر التحويل، وأذونات الصرف والمستندات المؤيدة لكل عملية.
المراجع العام يطلب الحسابات
وبحسب المعلومات التي حصلنا عليها من المراجع العام، فإن القضية وصلت بالفعل إلى الجهة المختصة بمراجعة المال العام، وصدرت خطابات مطالبة ومراجعة بشأن هذه الأموال.
لكن الأخطر، وفق المعلومات والمستندات التي بحوزتنا، أن المراجع العام طلب مراجعة أموال النيابة، ولم تسمح له النائب العام انتصار أحمد عبد العال حتى الآن بإجراء المراجعة المطلوبة بصورة كاملة.
إذا كانت جميع عمليات الصرف قانونية ومستوفية لمستنداتها، فإن السؤال يصبح بسيطاً: لماذا لا توضع الحسابات وأوامر الصرف وكشوف المستفيدين أمام المراجع العام؟
فالطريقة الوحيدة لحسم القضية ليست بياناً صحفياً، وإنما فتح الحسابين أمام المراجعة، ومطابقة كل مبلغ دخل مع كل مبلغ خرج.
انتصار تعيد أموالها وأموال ابنها بعد النشر
لكن تطوراً آخر حدث بعد أن بدأنا نشر جانب من هذه الوقائع.
فبحسب المعلومات التي حصلنا عليها، قامت النائب العام بإعادة المبلغ الذي حصلت عليه والبالغ 98 مليار جنيه، كما أعيد مبلغ الـ45 مليار جنيه المنسوب إلى ابنها.
وهذه الواقعة تفتح سؤالاً لا يمكن تجاوزه:
إذا كان الحصول على المبلغين صحيحاً ومستنداً إلى استحقاق قانوني مكتمل، فلماذا أعيدا بعد ظهور القضية إلى العلن؟
وإعادة المال لا تجيب كذلك عن السؤال الأكبر المتعلق بأصل قرار الصرف: من سمح بخروج المال ابتداءً؟ وعلى أي أساس؟ وكيف حصل شخص من خارج النيابة، إذا ثبت عدم وجود صفة وظيفية له، على جزء منه؟
45 ملياراً لكل منهما رغم وجودهما خارج السودان
ومن أكثر الحالات إثارة للانتباه في الكشف اسما أحمد سليمان العوض عبد الله ووفاء دفع الله خير الله الحسن، إذ يظهر كل منهما مستفيداً بمبلغ 45 مليار جنيه.
لكن المعلومات التي حصلنا عليها تفيد بأن الاثنين موجودان خارج السودان منذ اندلاع الحرب وحتى الآن.
وهذا يجعل معرفة طبيعة المبلغ أمراً أساسياً.
فإذا كان حافزاً مرتبطاً بالعمل أو بدل إعاشة أو سكناً أو مقابلاً لمباشرة مهام، فإن وجود المستفيد خارج البلاد خلال الفترة ذات الصلة بالصرف يطرح سؤالاً مباشراً عن شروط الاستحقاق وكيف جرى اعتماد المبلغ.
وهنا يمكن للمستندات حسم الأمر بسهولة: تاريخ الطلب، ونوع الاستحقاق، وتاريخ التصديق، وأمر الصرف، وتاريخ التحويل، وموقع الموظف وحالته الوظيفية وقتها.
«الدعم الاجتماعي».. باب مفتوح للصرف
ولا يبدو مبلغ الخمسة ترليونات واقعة معزولة عن نمط أوسع للصرف داخل النيابة.
فالمعلومات والمستندات التي حصلنا عليها تشير إلى وجود مبالغ أخرى يجري اعتمادها تحت مسميات الدعم الاجتماعي، ودعم السكن، ودعم المعيشة، وبدلات الإعاشة.
وتتركز هذه المزايا، بحسب المعلومات التي بحوزتنا، وسط مجموعة تضم رئيس النيابة مهلب عبد الرحمن، رئيس المكتب التنفيذي؛ وفتح الرحمن سعيد الطاهر، رئيس الشؤون الإدارية والمالية الحالي؛ ومحمد عبد العظيم محمد صالح، رئيس الشؤون الإدارية والمالية السابق؛ وعثمان أحمد إدريس «سكوتة»، رئيس الشؤون الإدارية والمالية السابق؛ ومحمد أمين حسين؛ وإدريس حسن سليمان؛ ومازن النور مكي؛ وعبد الله أحمد باب الله؛ وعوض حميدة؛ ومحمد محجوب الشماسي؛ وأحمد عمر عثمان.
وبحسب البيانات التي حصلنا عليها، تصرف لهذه المجموعة بدلات إعاشة وسكن شهرية بمبالغ كبيرة، بحيث يصل مجموع ما يتقاضاه بعض أصحاب الدرجات الأدنى من هذه المخصصات إلى مبلغ 12 مليار شهرياً.
وهنا لا تكمن القضية في وجود بدل سكن أو إعاشة في حد ذاته، وإنما في الأساس الذي يحكم منحه.
هل توجد لائحة تحدد المستحقين وقيمة كل بدل؟
هل الميزة متاحة لكل أعضاء النيابة الذين تنطبق عليهم الشروط؟
أم أن المستفيدين مجموعة محددة؟
ومن يرفع طلباتهم؟ ومن يصدق عليها؟ ومن يعتمدها؟ ومن يصرفها؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عندما يكون الأشخاص الذين يديرون عملية الصرف أنفسهم ضمن المستفيدين منها.
مفصولو لجنة التفكيك يعودون إلى قلب الإدارة
وثمة خيط آخر يجمع عدداً كبيراً من الأسماء التي تتكرر في هذه الوقائع.
فبحسب القرارات والمستندات التي بحوزتنا، فإن معظم المسؤولين الذين تظهر أسماؤهم في إدارة الحسابات وعمليات الصرف الحالية سبق أن شملتهم قرارات لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وإزالة التمكين، قبل أن يعودوا إلى النيابة عقب انقلاب 25 أكتوبر.
وتبدأ القائمة من النائب العام، مروراً بمساعدها الأول، ورئيس مكتبها التنفيذي، ومسؤولي الشؤون الإدارية والمالية الحاليين والسابقين، وصولاً إلى أعضاء أقل درجة، من بينهم أحمد سليمان العوض.
وهذه الحقيقة لا تثبت وحدها فساد أي شخص، لكنها تصبح ذات أهمية عند تحليل كيفية إعادة تشكيل مركز القرار الإداري والمالي داخل النيابة بعد الانقلاب، ثم تكرر أسماء المجموعة نفسها في ملفات الحسابات والتصديقات والبدلات والصرف محل التحقيق.
بيان النيابة يؤكد أصل المبلغ
القضية نفسها ليست سراً داخل النيابة.
ففي مارس 2026 نشرت «تاق برس» توضيحاً صادراً عن الإدارة العامة للشؤون الإدارية والمالية بالنيابة بشأن الجدل حول مبلغ الدعم.
وهذا التوضيح مهم لأنه يؤكد من جانب النيابة نفسها وجود أصل المبلغ والتصديق المالي، حتى وإن اختلفت الرواية الرسمية حول طريقة استخدامه وماهية الصرف.
وبذلك لا يصبح السؤال الأساسي: هل كانت هناك أموال أصلاً؟
بل يصبح السؤال: ماذا حدث للأموال بعد التصديق بها؟
توضيح النيابة المنشور عبر تاق برس
وهنا تحديداً تتعارض الرواية المطمئنة عن «دعم للنيابة» مع الأسئلة التي تطرحها حركة المال الفعلية: الحسابان اللذان استقبلا المبلغ، ومن كان يملك حق التوقيع عليهما، وكشوف المستفيدين، والمبالغ المعادة، ومطالبات المراجع العام، ثم الفجوة التي تتجاوز ثلاثة ترليونات ونصف الترليون جنيه.
القضية أكبر من خمسة ترليونات
عند وضع المستندات بجانب بعضها، لا تعود القضية مجرد خلاف حول «حوافز» أو «دعم مالي».
لدينا مبلغ عام قدره خمسة ترليونات جنيه.
لدينا حسابان خارج الحسابات الأساسية التي تمر عبرها الدورة المالية المعتادة، وفق المعلومات التي حصلنا عليها.
لدينا مسؤول مالي وضع توقيعه على الحساب وتولى الإشراف عليه، بينما يظهر اسمه نفسه مستفيداً بمبلغ 80 مليار جنيه.
ولدينا نجل للنائب العام يظهر ضمن المستفيدين بـ45 مليار جنيه.
ولدينا موظفان، بحسب معلوماتنا، خارج السودان منذ بداية الحرب، ومع ذلك يظهر لكل منهما مبلغ 45 مليار جنيه.
ولدينا مبالغ حصلت عليها النائب العام وابنها ثم أعيدت بعد بدء النشر.
ولدينا جهة المراجعة الرسمية التي تطالب بالوصول إلى الحسابات.
ثم لدينا أخطر رقم في الملف كله:
خمسة ترليونات دخلت، بينما الكشف الذي حصلنا عليه يفسر 1.439 ترليون فقط.
والفارق 3.561 ترليونات جنيه.
افتحوا الحسابين
لهذا فإن حسم القضية لا يحتاج إلى سجال سياسي ولا إلى بيانات إنشائية.
هناك حسابان مصرفيان محددان بالأرقام.
وهناك مبلغ معلوم المصدر والقيمة.
وهناك كشوف للمستفيدين.
وهناك مستندات للصرف والتصديق.
وهناك مراجع عام يملك قانوناً أدوات مراجعة المال العام.
لذلك فإن أبسط اختبار للروايات المتعارضة هو فتح الحسابين أمام المراجعة الكاملة.
يجب إظهار كشف الحركة منذ دخول الخمسة ترليونات وحتى آخر عملية تمت عليهما، وأسماء أصحاب صلاحية التوقيع خلال كل فترة، وأوامر التحويل، والشيكات، وأذونات الصرف، والمستندات التي استند إليها كل مستفيد، وأي مبالغ أعيدت وتاريخ إعادتها، والرصيد النهائي.
عندها فقط يمكن الإجابة عن السؤال الذي بدأنا به:
أين ذهبت أموال النيابة العامة؟
لكن ما تكشفه المستندات التي حصلنا عليها حتى الآن يضع أمامنا سؤالاً أكبر من مصير مبلغ واحد:
هل كانت داخل النيابة العامة منظومة مالية موازية مكّنت مجموعة محددة من السيطرة على الحساب والتوقيع والتصديق والصرف والاستفادة من المال، مع إضعاف حلقات الرقابة التي يفترض أن تحول دون اجتماع هذه السلطات في يد دائرة واحدة؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه المراجعة.
أما الـ3.561 ترليونات جنيه التي لا تظهر حتى الآن في كشف المستفيدين، فهي نقطة البداية في الجزء التالي من التحقيق، وليست نهايته.
وهذه الحقيقة لا تثبت وحدها فساد أي شخص، لكنها تصبح ذات أهمية عند تحليل كيفية إعادة تشكيل مركز القرار الإداري والمالي داخل النيابة بعد الانقلاب، ثم تكرر أسماء المجموعة نفسها في ملفات الحسابات والتصديقات والبدلات والصرف محل التحقيق.
بيان النيابة يؤكد أصل المبلغ
القضية نفسها ليست سراً داخل النيابة.
ففي مارس 2026 نشرت «تاق برس» توضيحاً صادراً عن الإدارة العامة للشؤون الإدارية والمالية بالنيابة بشأن الجدل حول مبلغ الدعم.
وهذا التوضيح مهم لأنه يؤكد من جانب النيابة نفسها وجود أصل المبلغ والتصديق المالي، حتى وإن اختلفت الرواية الرسمية حول طريقة استخدامه وماهية الصرف.
وبذلك لا يصبح السؤال الأساسي: هل كانت هناك أموال أصلاً؟
بل يصبح السؤال: ماذا حدث للأموال بعد التصديق بها؟
توضيح النيابة المنشور عبر تاق برس
وهنا تحديداً تتعارض الرواية المطمئنة عن «دعم للنيابة» مع الأسئلة التي تطرحها حركة المال الفعلية: الحسابان اللذان استقبلا المبلغ، ومن كان يملك حق التوقيع عليهما، وكشوف المستفيدين، والمبالغ المعادة، ومطالبات المراجع العام، ثم الفجوة التي تتجاوز ثلاثة ترليونات ونصف الترليون جنيه.
القضية أكبر من خمسة ترليونات
عند وضع المستندات بجانب بعضها، لا تعود القضية مجرد خلاف حول «حوافز» أو «دعم مالي».
لدينا مبلغ عام قدره خمسة ترليونات جنيه.
لدينا حسابان خارج الحسابات الأساسية التي تمر عبرها الدورة المالية المعتادة، وفق المعلومات التي حصلنا عليها.
لدينا مسؤول مالي وضع توقيعه على الحساب وتولى الإشراف عليه، بينما يظهر اسمه نفسه مستفيداً بمبلغ 80 مليار جنيه.
ولدينا نجل للنائب العام يظهر ضمن المستفيدين بـ45 مليار جنيه.
ولدينا موظفان، بحسب معلوماتنا، خارج السودان منذ بداية الحرب، ومع ذلك يظهر لكل منهما مبلغ 45 مليار جنيه.
ولدينا مبالغ حصلت عليها النائب العام وابنها ثم أعيدت بعد بدء النشر.
ولدينا جهة المراجعة الرسمية التي تطالب بالوصول إلى الحسابات.
ثم لدينا أخطر رقم في الملف كله:
خمسة ترليونات دخلت، بينما الكشف الذي حصلنا عليه يفسر 1.439 ترليون فقط.
والفارق 3.561 ترليونات جنيه.
افتحوا الحسابين
لهذا فإن حسم القضية لا يحتاج إلى سجال سياسي ولا إلى بيانات إنشائية.
هناك حسابان مصرفيان محددان بالأرقام.
وهناك مبلغ معلوم المصدر والقيمة.
وهناك كشوف للمستفيدين.
وهناك مستندات للصرف والتصديق.
وهناك مراجع عام يملك قانوناً أدوات مراجعة المال العام.
لذلك فإن أبسط اختبار للروايات المتعارضة هو فتح الحسابين أمام المراجعة الكاملة.
يجب إظهار كشف الحركة منذ دخول الخمسة ترليونات وحتى آخر عملية تمت عليهما، وأسماء أصحاب صلاحية التوقيع خلال كل فترة، وأوامر التحويل، والشيكات، وأذونات الصرف، والمستندات التي استند إليها كل مستفيد، وأي مبالغ أعيدت وتاريخ إعادتها، والرصيد النهائي.
عندها فقط يمكن الإجابة عن السؤال الذي بدأنا به:
أين ذهبت أموال النيابة العامة؟
لكن ما تكشفه المستندات التي حصلنا عليها حتى الآن يضع أمامنا سؤالاً أكبر من مصير مبلغ واحد:
هل كانت داخل النيابة العامة منظومة مالية موازية مكّنت مجموعة محددة من السيطرة على الحساب والتوقيع والتصديق والصرف والاستفادة من المال، مع إضعاف حلقات الرقابة التي يفترض أن تحول دون اجتماع هذه السلطات في يد دائرة واحدة؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه المراجعة.
أما الـ3.561 ترليونات جنيه التي لا تظهر حتى الآن في كشف المستفيدين، فهي نقطة البداية في الجزء التالي من التحقيق، وليست نهايته.
❤9👍4
مستجدات نيابة اللصوص
فضيحة الـ5 ترليونات تتصاعد.. محاولة فتح بلاغ ضد وكلاء النيابة تصطدم بأمر من النائب العام بمنع التحقيق
دخل ملف الاستيلاء على الـ5 ترليونات جنيه داخل النيابة العامة مرحلة جديدة، بعد أن تحرك رئيس النيابة علي خليفة لفتح بلاغ في مواجهة وكلاء النيابة الذين استولوا على الأموال، لتصطدم محاولته بقرار يمنع فتح البلاغ ويضع التحقيق عملياً تحت سلطة النائب العام انتصار أحمد عبد العال، المتهمة أساساً في القضية.
وحمل رئيس النيابة علي خليفة قائمة بأسماء وكلاء النيابة الذين استولوا على الأموال وتوجه بها إلى نيابة الثراء الحرام لفتح بلاغ في مواجهتهم، في خطوة كان يفترض أن تبدأ معها إجراءات التحري حول الأموال وتحديد المسؤولية الجنائية عن التصرف فيها.
لكن المفاجأة كانت في رد رئيس نيابة الثراء الحرام أسامة عبده الحارث، الذي طالب علي خليفة بإحضار إذن من النائب العام حتى يتمكن من فتح البلاغ.
وهنا تكمن واحدة من أخطر وقائع الملف: رئيس نيابة يسعى إلى فتح بلاغ بشأن أموال منهوبة، فيُطلب منه الحصول على إذن من النائب العام "اللصة" التي تطالها نهبت المال نفسها.
ولم يتوقف الأمر عند اشتراط الإذن، إذ أصدرت النائب العام انتصار أحمد عبد العال توجيهاً بعدم السماح بفتح أي بلاغ يتعلق بقضية الـ5 ترليونات، مع التشديد على ترهيب ومواجهة أي شخص او جهة تتناول الملف أو تسعى إلى تحريكه.
وبذلك لم تعد قضية الـ5 ترليونات تتعلق فقط بالاستيلاء على الأموال، وإنما امتدت إلى محاولة تعطيل فتح البلاغ نفسه ومنع وصول القضية إلى مرحلة التحري التي يمكن أن تكشف بصورة كاملة أين ذهبت الأموال، ومن استولى عليها، ومن أصدر القرارات المتعلقة بها، ومن استفاد منها.
والأخطر أن هذه التطورات تحدث داخل المؤسسة المنوط بها أصلاً تحريك الدعوى الجنائية وملاحقة جرائم المال العام؛ فإذا أصبح رئيس نيابة عاجزاً عن فتح بلاغ ضد وكلاء نيابة إلا بعد الحصول على موافقة قيادة تطالها القضية نفسها، فإننا لا نكون أمام واقعة مالية منفردة، وإنما أمام أزمة مؤسسية تضرب استقلال إجراءات العدالة من داخل النيابة العامة.
وبحسب آخر تطورات القضية، يعتزم علي خليفة التوجه إلى مجلس السيادة للحصول على ما يسمح له بالمضي في فتح البلاغ ضد المجموعة المتورطة في ملف الـ5 ترليونات، بعد إغلاق الطريق أمامه داخل النيابة العامة.
وهذا التطور يضع القضية أمام مرحلة جديدة؛ إذ أصبح رئيس نيابة مضطراً إلى تجاوز التسلسل الداخلي لمؤسسته والتوجه إلى مجلس السيادة حتى يتمكن من فتح بلاغ بشأن أموال جرى الاستيلاء عليها داخل المؤسسة نفسها.
أصبحت القضية أيضاً: من يحاول منع التحقيق؟ ومن أصدر الأمر بعدم فتح البلاغ؟ ولماذا أصبح التحقيق في أموال النيابة يحتاج إلى موافقة ممن تطالها القضية نفسها؟
ونحن نتابع مستجدات هذا الملف، بما في ذلك الخطوة التي يعتزم رئيس النيابة علي خليفة اتخاذها بالتوجه إلى مجلس السيادة، وسنكشف تباعاً ما لدينا من معلومات وأدلة حول مصير الـ5 ترليونات، والمتورطين في الاستيلاء عليها، ومحاولات منع فتح البلاغ وملاحقة من يسعى إلى كشف القضية.
فالـ5 ترليونات لم تعد وحدها هي القضية؛ منع التحقيق فيها أصبح قضية أخرى قائمة بذاتها.
وإن كانت المجرمة انتصار عبدالعال هي وعصابتها واثقين من براءتهم، لماذا يمنعون التحقيق في القضية؟
وكيف يقوم شخص متهم بالاختلاس أن يصدر بيان نفي، علما بأن بيان النفي او التأكيد كان يجب أن يصدر من قبل المراجع العام وليس اللصوص..
في هذه الأثناء نقوم بإعداد ملف يخص جرائم موثقة لعصابة النيابة، وننصح أي مواطن لديه بلاغ فيه جزئية مالية، بعدم اللجوء إلى النيابة حاليا…
و#البل_في_الطريق.
فضيحة الـ5 ترليونات تتصاعد.. محاولة فتح بلاغ ضد وكلاء النيابة تصطدم بأمر من النائب العام بمنع التحقيق
دخل ملف الاستيلاء على الـ5 ترليونات جنيه داخل النيابة العامة مرحلة جديدة، بعد أن تحرك رئيس النيابة علي خليفة لفتح بلاغ في مواجهة وكلاء النيابة الذين استولوا على الأموال، لتصطدم محاولته بقرار يمنع فتح البلاغ ويضع التحقيق عملياً تحت سلطة النائب العام انتصار أحمد عبد العال، المتهمة أساساً في القضية.
وحمل رئيس النيابة علي خليفة قائمة بأسماء وكلاء النيابة الذين استولوا على الأموال وتوجه بها إلى نيابة الثراء الحرام لفتح بلاغ في مواجهتهم، في خطوة كان يفترض أن تبدأ معها إجراءات التحري حول الأموال وتحديد المسؤولية الجنائية عن التصرف فيها.
لكن المفاجأة كانت في رد رئيس نيابة الثراء الحرام أسامة عبده الحارث، الذي طالب علي خليفة بإحضار إذن من النائب العام حتى يتمكن من فتح البلاغ.
وهنا تكمن واحدة من أخطر وقائع الملف: رئيس نيابة يسعى إلى فتح بلاغ بشأن أموال منهوبة، فيُطلب منه الحصول على إذن من النائب العام "اللصة" التي تطالها نهبت المال نفسها.
ولم يتوقف الأمر عند اشتراط الإذن، إذ أصدرت النائب العام انتصار أحمد عبد العال توجيهاً بعدم السماح بفتح أي بلاغ يتعلق بقضية الـ5 ترليونات، مع التشديد على ترهيب ومواجهة أي شخص او جهة تتناول الملف أو تسعى إلى تحريكه.
وبذلك لم تعد قضية الـ5 ترليونات تتعلق فقط بالاستيلاء على الأموال، وإنما امتدت إلى محاولة تعطيل فتح البلاغ نفسه ومنع وصول القضية إلى مرحلة التحري التي يمكن أن تكشف بصورة كاملة أين ذهبت الأموال، ومن استولى عليها، ومن أصدر القرارات المتعلقة بها، ومن استفاد منها.
والأخطر أن هذه التطورات تحدث داخل المؤسسة المنوط بها أصلاً تحريك الدعوى الجنائية وملاحقة جرائم المال العام؛ فإذا أصبح رئيس نيابة عاجزاً عن فتح بلاغ ضد وكلاء نيابة إلا بعد الحصول على موافقة قيادة تطالها القضية نفسها، فإننا لا نكون أمام واقعة مالية منفردة، وإنما أمام أزمة مؤسسية تضرب استقلال إجراءات العدالة من داخل النيابة العامة.
وبحسب آخر تطورات القضية، يعتزم علي خليفة التوجه إلى مجلس السيادة للحصول على ما يسمح له بالمضي في فتح البلاغ ضد المجموعة المتورطة في ملف الـ5 ترليونات، بعد إغلاق الطريق أمامه داخل النيابة العامة.
وهذا التطور يضع القضية أمام مرحلة جديدة؛ إذ أصبح رئيس نيابة مضطراً إلى تجاوز التسلسل الداخلي لمؤسسته والتوجه إلى مجلس السيادة حتى يتمكن من فتح بلاغ بشأن أموال جرى الاستيلاء عليها داخل المؤسسة نفسها.
أصبحت القضية أيضاً: من يحاول منع التحقيق؟ ومن أصدر الأمر بعدم فتح البلاغ؟ ولماذا أصبح التحقيق في أموال النيابة يحتاج إلى موافقة ممن تطالها القضية نفسها؟
ونحن نتابع مستجدات هذا الملف، بما في ذلك الخطوة التي يعتزم رئيس النيابة علي خليفة اتخاذها بالتوجه إلى مجلس السيادة، وسنكشف تباعاً ما لدينا من معلومات وأدلة حول مصير الـ5 ترليونات، والمتورطين في الاستيلاء عليها، ومحاولات منع فتح البلاغ وملاحقة من يسعى إلى كشف القضية.
فالـ5 ترليونات لم تعد وحدها هي القضية؛ منع التحقيق فيها أصبح قضية أخرى قائمة بذاتها.
وإن كانت المجرمة انتصار عبدالعال هي وعصابتها واثقين من براءتهم، لماذا يمنعون التحقيق في القضية؟
وكيف يقوم شخص متهم بالاختلاس أن يصدر بيان نفي، علما بأن بيان النفي او التأكيد كان يجب أن يصدر من قبل المراجع العام وليس اللصوص..
في هذه الأثناء نقوم بإعداد ملف يخص جرائم موثقة لعصابة النيابة، وننصح أي مواطن لديه بلاغ فيه جزئية مالية، بعدم اللجوء إلى النيابة حاليا…
و#البل_في_الطريق.
❤13😱4🔥1🤔1
ف تسجيل صوتي مسرب قيام السافنا بتهريب صمغ عربي يخص أهلنا الحُمر من مدينة النهود إلى معبر أدكونك الحدودي مع تشاد، مع توثيق مفاصلته المالية مع التجار.
وكان السافنا قد ظهر أمس في فيديو ينكر فيه سرقة مخازن النهود. واليوم ظهر تسجيل يثبت مفاصلته في بيع صمغ النهود نفسه.
ونذكّر أن ملفات المتهمين بالسرقة جميعها محفوظة لدينا.
وكان السافنا قد ظهر أمس في فيديو ينكر فيه سرقة مخازن النهود. واليوم ظهر تسجيل يثبت مفاصلته في بيع صمغ النهود نفسه.
ونذكّر أن ملفات المتهمين بالسرقة جميعها محفوظة لدينا.
🔥6👍3
قراءة قانونية في سلطة البرهان، واستقلال النيابة، وبلاغات «تقويض النظام الدستوري»، ومفارقة إسقاط الاتهامات عندما تتحول الخصومة إلى حوار
لم يعد السؤال الذي يثيره قرار عبد الفتاح البرهان رقم 363 لسنة 2026 مجرد سؤال عن مشروعية شطب بلاغات المعارضين السودانيين في الخارج مقابل عودتهم للمشاركة في الحوار. فبعد النظر إلى القرار في سياقه الكامل، يصبح السؤال أكبر وأخطر: بأي صفة سياسية ودستورية يصدر قائد انقلاب عسكري قراراً يترتب عليه شطب بلاغات جنائية قُيدت بواسطة أجهزة الدولة ضد خصوم سلطته، بينما تظل واقعة انقلاب 25 أكتوبر 2021 نفسها، التي قادها البرهان خارج المساءلة الجنائية المماثلة أمام النيابة التي تستخدم مواد «تقويض النظام الدستوري» ضد المعارضين؟ وإذا كانت النيابة مستقلة بالفعل، فلماذا تستطيع السلطة السياسية التأثير في مصير بلاغات المعارضين عندما تحتاج إليهم في حوار، بينما لا يظهر في السجل العلني تطبيق مماثل للقانون على الواقعة التي قُوِّض فيها النظام الدستوري نفسه؟
في الأول من سبتمبر 2026 أعلن وزير العدل بسلطة بورتسودان غير الشرعية عبد الله درف أن البرهان أصدر القرار رقم 363 لسنة 2026، متضمناً شطب البلاغات الجنائية المقيدة بواسطة أجهزة الدولة في مواجهة السودانيين المقيمين بالخارج الذين يدخلون البلاد للمشاركة في الحوار السوداني-السوداني، وتفيد التفاصيل المنشورة بأن الضمانات تتصل بالبلاغات المتعلقة بفعل أو قول عُدّ رأياً سياسياً، إلى جانب إسقاط الاتهامات ومنح المشاركين حصانة إجرائية مؤقتة وحماية الآراء التي يطرحونها أثناء الحوار من الملاحقة الجنائية، وهذا ليس استنتاجاً سياسياً بشأن مضمون القرار؛ وكالة السودان للأنباء نفسها نقلت عن وزير العدل أن البرهان أصدر القرار بشطب البلاغات الجنائية للمشاركين في الحوار، فيما أوردت مصادر أخرى تفاصيل إسقاط الاتهامات والحصانة المؤقتة.
وهنا تظهر المفارقة الأولى: لماذا يحتاج الرأي السياسي أصلاً إلى قرار من قائد السلطة الإنقلابية لكي يصبح غير قابل للملاحقة؟ مجموعة من القانونيين أثارت الاعتراض نفسه عقب صدور القرار، معتبرة أن التعبير عن الرأي السياسي وممارسة حرية التعبير لا يشكلان جريمة حتى يحتاج أصحابهما إلى حصانة، وأن شطب البلاغات إذا كانت قد قُيدت أصلاً بسبب مواقف سياسية لا يعالج أصل المشكلة المتمثلة في استخدام الإجراءات الجنائية ضد ممارسة حق سياسي. كما شددت المجموعة على ضرورة احترام استقلال النيابة والقضاء والمساواة أمام القانون وعدم استخدام أي ترتيبات سياسية لتعطيل المساءلة عن الجرائم الجسيمة
بالأمس: «اتهامات جنائية وليست سياسية»
تزداد المفارقة وضوحاً عندما نعود إلى أبريل 2024. فقد أصدرت النيابة أوامر قبض بحق عبد الله حمدوك و15 من قيادات تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية «تقدم»، ومن بينهم خالد عمر يوسف ومحمد الفكي سليمان وياسر عرمان وآخرون، بعد توقيع إعلان سياسي مع قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو، ولم تكن المواد المستخدمة بسيطة؛ فقد شملت، وفق المصادر المنشورة، المواد 26 و50 و51 من القانون الجنائي، وهي مواد تتعلق بالاشتراك الجنائي وتقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة، ويمكن أن تصل عقوبة بعضها إلى الإعدام، وعندما قيل إن الملاحقات سياسية، دافع النائب العام عنها بصورة صريحة، قائلاً إن هذه «الاتهامات جنائية وليست سياسية»، وإنها تتعلق بالتحريض على التمرد والاستيلاء على السلطة بالقوة وتقويض النظام الدستوري والتعاون مع الدعم السريع.
هذه العبارة يجب أن تبقى في قلب أي تحليل قانوني للقرار الجديد: «جنائية وليست سياسية»، لأن السلطة تقول اليوم إن البلاغات المتعلقة بـ«فعل أو قول سياسي» يمكن شطبها عندما يدخل أصحابها السودان للمشاركة في الحوار، وهنا يصبح السؤال حتمياً: ما الذي تغير في طبيعة الفعل؟ فإذا كان توقيع إعلان سياسي أو الاتصال بطرف في الحرب يحقق بالفعل أركان تقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة، فإن قبول المتهم دعوة البرهان للحوار لا يغير الواقعة الجنائية ولا يمحو أركانها، أما إذا كانت تلك الأفعال في حقيقتها نشاطاً أو موقفاً سياسياً، فإن السؤال يصبح: لماذا استُخدمت في مواجهتها منذ البداية نصوص جنائية بهذه الخطورة؟
ولهذا يضع القرار السلطة أمام احتمالين يصعب التوفيق بينهما، إما أن البلاغات كانت جنائية حقيقية، وعندها يصبح إسقاطها بسبب المشاركة في حوار سياسي تدخلاً للسياسة في مصير الدعوى الجنائية؛ أو أنها كانت بلاغات سياسية منذ البداية، وعندها يصبح القرار الجديد دليلاً على ضرورة التحقيق في الكيفية التي تحولت بها الخصومة السياسية إلى اتهامات بتقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب والإرهاب. وفي الحالتين، لا يكفي وصف القرار بأنه «تهيئة للمناخ السياسي»، لأن السؤال يتعلق بأصل البلاغات وباستقلال الجهة التي حركتها قبل أن يتعلق بالطريقة التي ستنتهي بها.
لم يعد السؤال الذي يثيره قرار عبد الفتاح البرهان رقم 363 لسنة 2026 مجرد سؤال عن مشروعية شطب بلاغات المعارضين السودانيين في الخارج مقابل عودتهم للمشاركة في الحوار. فبعد النظر إلى القرار في سياقه الكامل، يصبح السؤال أكبر وأخطر: بأي صفة سياسية ودستورية يصدر قائد انقلاب عسكري قراراً يترتب عليه شطب بلاغات جنائية قُيدت بواسطة أجهزة الدولة ضد خصوم سلطته، بينما تظل واقعة انقلاب 25 أكتوبر 2021 نفسها، التي قادها البرهان خارج المساءلة الجنائية المماثلة أمام النيابة التي تستخدم مواد «تقويض النظام الدستوري» ضد المعارضين؟ وإذا كانت النيابة مستقلة بالفعل، فلماذا تستطيع السلطة السياسية التأثير في مصير بلاغات المعارضين عندما تحتاج إليهم في حوار، بينما لا يظهر في السجل العلني تطبيق مماثل للقانون على الواقعة التي قُوِّض فيها النظام الدستوري نفسه؟
في الأول من سبتمبر 2026 أعلن وزير العدل بسلطة بورتسودان غير الشرعية عبد الله درف أن البرهان أصدر القرار رقم 363 لسنة 2026، متضمناً شطب البلاغات الجنائية المقيدة بواسطة أجهزة الدولة في مواجهة السودانيين المقيمين بالخارج الذين يدخلون البلاد للمشاركة في الحوار السوداني-السوداني، وتفيد التفاصيل المنشورة بأن الضمانات تتصل بالبلاغات المتعلقة بفعل أو قول عُدّ رأياً سياسياً، إلى جانب إسقاط الاتهامات ومنح المشاركين حصانة إجرائية مؤقتة وحماية الآراء التي يطرحونها أثناء الحوار من الملاحقة الجنائية، وهذا ليس استنتاجاً سياسياً بشأن مضمون القرار؛ وكالة السودان للأنباء نفسها نقلت عن وزير العدل أن البرهان أصدر القرار بشطب البلاغات الجنائية للمشاركين في الحوار، فيما أوردت مصادر أخرى تفاصيل إسقاط الاتهامات والحصانة المؤقتة.
وهنا تظهر المفارقة الأولى: لماذا يحتاج الرأي السياسي أصلاً إلى قرار من قائد السلطة الإنقلابية لكي يصبح غير قابل للملاحقة؟ مجموعة من القانونيين أثارت الاعتراض نفسه عقب صدور القرار، معتبرة أن التعبير عن الرأي السياسي وممارسة حرية التعبير لا يشكلان جريمة حتى يحتاج أصحابهما إلى حصانة، وأن شطب البلاغات إذا كانت قد قُيدت أصلاً بسبب مواقف سياسية لا يعالج أصل المشكلة المتمثلة في استخدام الإجراءات الجنائية ضد ممارسة حق سياسي. كما شددت المجموعة على ضرورة احترام استقلال النيابة والقضاء والمساواة أمام القانون وعدم استخدام أي ترتيبات سياسية لتعطيل المساءلة عن الجرائم الجسيمة
بالأمس: «اتهامات جنائية وليست سياسية»
تزداد المفارقة وضوحاً عندما نعود إلى أبريل 2024. فقد أصدرت النيابة أوامر قبض بحق عبد الله حمدوك و15 من قيادات تنسيقية القوى المدنية الديمقراطية «تقدم»، ومن بينهم خالد عمر يوسف ومحمد الفكي سليمان وياسر عرمان وآخرون، بعد توقيع إعلان سياسي مع قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو، ولم تكن المواد المستخدمة بسيطة؛ فقد شملت، وفق المصادر المنشورة، المواد 26 و50 و51 من القانون الجنائي، وهي مواد تتعلق بالاشتراك الجنائي وتقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة، ويمكن أن تصل عقوبة بعضها إلى الإعدام، وعندما قيل إن الملاحقات سياسية، دافع النائب العام عنها بصورة صريحة، قائلاً إن هذه «الاتهامات جنائية وليست سياسية»، وإنها تتعلق بالتحريض على التمرد والاستيلاء على السلطة بالقوة وتقويض النظام الدستوري والتعاون مع الدعم السريع.
هذه العبارة يجب أن تبقى في قلب أي تحليل قانوني للقرار الجديد: «جنائية وليست سياسية»، لأن السلطة تقول اليوم إن البلاغات المتعلقة بـ«فعل أو قول سياسي» يمكن شطبها عندما يدخل أصحابها السودان للمشاركة في الحوار، وهنا يصبح السؤال حتمياً: ما الذي تغير في طبيعة الفعل؟ فإذا كان توقيع إعلان سياسي أو الاتصال بطرف في الحرب يحقق بالفعل أركان تقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة، فإن قبول المتهم دعوة البرهان للحوار لا يغير الواقعة الجنائية ولا يمحو أركانها، أما إذا كانت تلك الأفعال في حقيقتها نشاطاً أو موقفاً سياسياً، فإن السؤال يصبح: لماذا استُخدمت في مواجهتها منذ البداية نصوص جنائية بهذه الخطورة؟
ولهذا يضع القرار السلطة أمام احتمالين يصعب التوفيق بينهما، إما أن البلاغات كانت جنائية حقيقية، وعندها يصبح إسقاطها بسبب المشاركة في حوار سياسي تدخلاً للسياسة في مصير الدعوى الجنائية؛ أو أنها كانت بلاغات سياسية منذ البداية، وعندها يصبح القرار الجديد دليلاً على ضرورة التحقيق في الكيفية التي تحولت بها الخصومة السياسية إلى اتهامات بتقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب والإرهاب. وفي الحالتين، لا يكفي وصف القرار بأنه «تهيئة للمناخ السياسي»، لأن السؤال يتعلق بأصل البلاغات وباستقلال الجهة التي حركتها قبل أن يتعلق بالطريقة التي ستنتهي بها.
❤4
لكن من الذي قوض النظام الدستوري فعلياً في 25 أكتوبر؟
هنا نصل إلى الجزء الذي يجعل القضية أكثر خطورة. المادة 50 من القانون الجنائي لسنة 1991 تجرّم الفعل المرتكب بقصد تقويض النظام الدستوري للبلاد أو تعريض استقلالها أو وحدتها للخطر، وتقرر عقوبات قد تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد. والمادة 51 تجرّم إثارة الحرب ضد الدولة في الحالات التي يحددها النص، هذه هي النصوص نفسها التي أصبحت حاضرة بكثافة في بلاغات الحرب ضد المدنيين والسياسيين والمتهمين بالتعاون مع الدعم السريع.
لكن قبل أن تستخدم سلطة البرهان المادة 50 ضد حمدوك وخالد عمر ومحمد الفكي وغيرهم، كان السودان قد شهد في 25 أكتوبر 2021 انقلاباً عسكرياً قاده عبد الفتاح البرهان ، جرى خلاله الاستيلاء العسكري على السلطة وتعطيل مؤسسات الحكم الانتقالي واعتقال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وعدد من أعضاء حكومته، الاتحاد الأفريقي تعامل مع ما حدث باعتباره تغييراً غير دستوري للحكومة، وقرر مجلس السلم والأمن تعليق مشاركة السودان في جميع أنشطة الاتحاد إلى حين استعادة السلطة الانتقالية المدنية، وهذا التعليق لم يكن عقوبة بسبب مقال صحفي أو اجتماع سياسي أو توقيع إعلان؛ وإنما كان نتيجة الاستيلاء العسكري على السلطة وتعطيل المسار الدستوري الانتقالي.
وهنا لا نتحدث عن توصيف اخترعه خصوم البرهان بعد الحرب، حتى حميدتي، شريك البرهان في انقلاب 25 أكتوبر، عاد لاحقاً ووصف الواقعة بنفسه بأنها «انقلاب 25 أكتوبر»، وأقر بمشاركته فيه وبأنه كان خطأ، ففي خطابه المنشور في فبراير 2023 قال صراحة إن من أخطائه «خطأ انقلاب 25 أكتوبر»، وأضاف أنه تبين له أن الانقلاب لم يحقق ما كان مأمولاً منه وأصبح، بحسب وصفه، بوابة لعودة النظام السابق، وهذا الإقرار السياسي لا يغني بطبيعة الحال عن التحقيق القضائي ولا يثبت وحده المسؤولية الجنائية عن جريمة بعينها، لكنه يهدم محاولة التعامل مع أصل الواقعة وكأن وصفها بالانقلاب مجرد ادعاء صادر عن خصوم البرهان وحميدتي.
وهنا يرتد نص المادة 50 نفسه إلى قلب السلطة: إذا كان تقويض النظام الدستوري جريمة، فأين التحقيق الجنائي المستقل في انقلاب 25 أكتوبر؟ وإذا كانت النيابة تعتبر نفسها ملزمة بحماية النظام الدستوري إلى درجة توجيه هذه المادة إلى سياسيين مدنيين بسبب أفعال واتصالات سياسية، فما الذي يمنعها من اختبار واقعة الاستيلاء العسكري الفعلي على السلطة وتعطيل المؤسسات الدستورية وفق النص نفسه، وتحديد المسؤولية الجنائية الفردية للبرهان وكل من خطط للانقلاب أو نفذه أو شارك فيه، وفق الأدلة والقانون؟
والمبدأ الذي لا يحتاج إلى حكم مسبق هو المساواة أمام القانون، فإذا كانت الوقائع المنسوبة إلى مدني معارض كافية لتحريك المادة 50 والتحقيق معه في تقويض النظام الدستوري، فإن انقلاباً عسكرياً أطاح بالمؤسسات الانتقالية يمثل، في الحد الأدنى، واقعة تستوجب التحقيق في مدى انطباق النص نفسه على من نفذوه، أما أن تُستخدم المادة ضد خصوم السلطة بينما لا تخضع الواقعة التي أوصلت قائد الانقلاب إلى مركز السلطة للاختبار الجنائي ذاته، فذلك يطرح سؤالاً مباشراً حول الانتقائية في تطبيق القانون.
البرهان ليس رئيساً منتخباً.. فمن أين تأتي سلطة التحكم في مصير البلاغات؟
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما ننظر إلى الجهة التي أصدرت القرار 363، فالبرهان ليس رئيساً منتخباً للسودان بإنتخابات شرعية، ولم يصل إلى موقعه الحالي عبر انتخابات رئاسية أو نظام دستوري دائم يمنحه تفويضاً شعبياً جديداً بعد 25 أكتوبر، وهو القائد العسكري الذي قاد الانقلاب الذي ترتب عليه تعليق مشاركة السودان في الاتحاد الأفريقي، ومع ذلك، يعلن وزير العدل اليوم أن البرهان هو من أصدر قراراً يترتب عليه شطب بلاغات جنائية مقيدة بواسطة أجهزة الدولة وإسقاط اتهامات مرتبطة بخصوم سياسيين إذا عادوا للمشاركة في الحوار.
وهنا لا يعود السؤال فقط: هل يملك البرهان سلطة العفو؟ فالقانون السوداني يعرف العفو العام، كما يعرف شطب الدعوى ووقفها ورفض توجيه التهمة، وهذه مفاهيم قانونية مختلفة، وقد أثار قانونيون سودانيون بعد القرار نفسه هذه المسألة، إذ قال المحامي محمد زين إن شطب البلاغات ينعقد للنيابة أو المحكمة، مع وجود سلطة قانونية منفصلة للعفو العام، بينما أشار قانونيون آخرون إلى نصوص تتعلق بوقف الدعوى، وهذا الخلاف نفسه يؤكد ضرورة نشر الأساس القانوني التفصيلي للقرار، لأن عبارة «البرهان أصدر قراراً بشطب البلاغات» لا ينبغي أن تمر وكأن شطب الدعوى الجنائية عمل سياسي عادي يمارسه رأس السلطة متى شاء.
هنا نصل إلى الجزء الذي يجعل القضية أكثر خطورة. المادة 50 من القانون الجنائي لسنة 1991 تجرّم الفعل المرتكب بقصد تقويض النظام الدستوري للبلاد أو تعريض استقلالها أو وحدتها للخطر، وتقرر عقوبات قد تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد. والمادة 51 تجرّم إثارة الحرب ضد الدولة في الحالات التي يحددها النص، هذه هي النصوص نفسها التي أصبحت حاضرة بكثافة في بلاغات الحرب ضد المدنيين والسياسيين والمتهمين بالتعاون مع الدعم السريع.
لكن قبل أن تستخدم سلطة البرهان المادة 50 ضد حمدوك وخالد عمر ومحمد الفكي وغيرهم، كان السودان قد شهد في 25 أكتوبر 2021 انقلاباً عسكرياً قاده عبد الفتاح البرهان ، جرى خلاله الاستيلاء العسكري على السلطة وتعطيل مؤسسات الحكم الانتقالي واعتقال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك وعدد من أعضاء حكومته، الاتحاد الأفريقي تعامل مع ما حدث باعتباره تغييراً غير دستوري للحكومة، وقرر مجلس السلم والأمن تعليق مشاركة السودان في جميع أنشطة الاتحاد إلى حين استعادة السلطة الانتقالية المدنية، وهذا التعليق لم يكن عقوبة بسبب مقال صحفي أو اجتماع سياسي أو توقيع إعلان؛ وإنما كان نتيجة الاستيلاء العسكري على السلطة وتعطيل المسار الدستوري الانتقالي.
وهنا لا نتحدث عن توصيف اخترعه خصوم البرهان بعد الحرب، حتى حميدتي، شريك البرهان في انقلاب 25 أكتوبر، عاد لاحقاً ووصف الواقعة بنفسه بأنها «انقلاب 25 أكتوبر»، وأقر بمشاركته فيه وبأنه كان خطأ، ففي خطابه المنشور في فبراير 2023 قال صراحة إن من أخطائه «خطأ انقلاب 25 أكتوبر»، وأضاف أنه تبين له أن الانقلاب لم يحقق ما كان مأمولاً منه وأصبح، بحسب وصفه، بوابة لعودة النظام السابق، وهذا الإقرار السياسي لا يغني بطبيعة الحال عن التحقيق القضائي ولا يثبت وحده المسؤولية الجنائية عن جريمة بعينها، لكنه يهدم محاولة التعامل مع أصل الواقعة وكأن وصفها بالانقلاب مجرد ادعاء صادر عن خصوم البرهان وحميدتي.
وهنا يرتد نص المادة 50 نفسه إلى قلب السلطة: إذا كان تقويض النظام الدستوري جريمة، فأين التحقيق الجنائي المستقل في انقلاب 25 أكتوبر؟ وإذا كانت النيابة تعتبر نفسها ملزمة بحماية النظام الدستوري إلى درجة توجيه هذه المادة إلى سياسيين مدنيين بسبب أفعال واتصالات سياسية، فما الذي يمنعها من اختبار واقعة الاستيلاء العسكري الفعلي على السلطة وتعطيل المؤسسات الدستورية وفق النص نفسه، وتحديد المسؤولية الجنائية الفردية للبرهان وكل من خطط للانقلاب أو نفذه أو شارك فيه، وفق الأدلة والقانون؟
والمبدأ الذي لا يحتاج إلى حكم مسبق هو المساواة أمام القانون، فإذا كانت الوقائع المنسوبة إلى مدني معارض كافية لتحريك المادة 50 والتحقيق معه في تقويض النظام الدستوري، فإن انقلاباً عسكرياً أطاح بالمؤسسات الانتقالية يمثل، في الحد الأدنى، واقعة تستوجب التحقيق في مدى انطباق النص نفسه على من نفذوه، أما أن تُستخدم المادة ضد خصوم السلطة بينما لا تخضع الواقعة التي أوصلت قائد الانقلاب إلى مركز السلطة للاختبار الجنائي ذاته، فذلك يطرح سؤالاً مباشراً حول الانتقائية في تطبيق القانون.
البرهان ليس رئيساً منتخباً.. فمن أين تأتي سلطة التحكم في مصير البلاغات؟
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما ننظر إلى الجهة التي أصدرت القرار 363، فالبرهان ليس رئيساً منتخباً للسودان بإنتخابات شرعية، ولم يصل إلى موقعه الحالي عبر انتخابات رئاسية أو نظام دستوري دائم يمنحه تفويضاً شعبياً جديداً بعد 25 أكتوبر، وهو القائد العسكري الذي قاد الانقلاب الذي ترتب عليه تعليق مشاركة السودان في الاتحاد الأفريقي، ومع ذلك، يعلن وزير العدل اليوم أن البرهان هو من أصدر قراراً يترتب عليه شطب بلاغات جنائية مقيدة بواسطة أجهزة الدولة وإسقاط اتهامات مرتبطة بخصوم سياسيين إذا عادوا للمشاركة في الحوار.
وهنا لا يعود السؤال فقط: هل يملك البرهان سلطة العفو؟ فالقانون السوداني يعرف العفو العام، كما يعرف شطب الدعوى ووقفها ورفض توجيه التهمة، وهذه مفاهيم قانونية مختلفة، وقد أثار قانونيون سودانيون بعد القرار نفسه هذه المسألة، إذ قال المحامي محمد زين إن شطب البلاغات ينعقد للنيابة أو المحكمة، مع وجود سلطة قانونية منفصلة للعفو العام، بينما أشار قانونيون آخرون إلى نصوص تتعلق بوقف الدعوى، وهذا الخلاف نفسه يؤكد ضرورة نشر الأساس القانوني التفصيلي للقرار، لأن عبارة «البرهان أصدر قراراً بشطب البلاغات» لا ينبغي أن تمر وكأن شطب الدعوى الجنائية عمل سياسي عادي يمارسه رأس السلطة متى شاء.
والسؤال الأعمق يتعلق بالنيابة: إذا كان البرهان يستطيع أن يقرر اليوم أن بلاغات بعينها تُشطب عندما تصبح عودة أصحابها مفيدة لمشروع الحوار الذي تتبناه سلطته، فأين تنتهي سلطة البرهان وأين تبدأ استقلالية النيابة؟ الاستقلال لا يقاس بالنصوص التي تعلن أن المؤسسة مستقلة، وإنما بسلوكها عندما تتعارض مصلحة رأس السلطة مع واجب تطبيق القانون، والاختبار الأكبر هنا ليس ملاحقة معارض موجود خارج السودان؛ الاختبار هو قدرة النيابة على التحقيق في واقعة 25 أكتوبر وفي المسؤولية المحتملة للرجل الموجود على رأس السلطة نفسها.
فإذا كانت النيابة لا تستطيع أو لا تريد فتح تحقيق مستقل في انقلاب 25 أكتوبر، بينما تتحرك بصرامة ضد معارضي السلطة تحت عنوان «تقويض النظام الدستوري»، ثم تصبح البلاغات نفسها قابلة للشطب بقرار سياسي عندما تتغير حاجة السلطة إلى هؤلاء المعارضين، فإن السؤال عن استقلال النيابة لا يعود اتهاماً نظرياً، وإنما يصبح سؤالاً مؤسسياً تفرضه الوقائع: هل تتحرك الدعوى الجنائية وفق الفعل والأدلة، أم تتأثر بموقع الشخص من السلطة وبالحاجة السياسية إليه؟
وتظهر المشكلة نفسها من زاوية أخرى في قضايا «التعاون مع الدعم السريع». فقد شهد السودان خلال الحرب محاكمات لآلاف الأشخاص بهذه التهمة، واستخدمت فيها مواد من بينها 26 و50 و51 وغيرها، ووصلت بعض الأحكام إلى الإعدام، وهذا يعني أن وصف «التعاون» ليس مجرد اتهام سياسي عابر، وإنما قد يقود المتهم إلى أقصى عقوبة في القانون.
لكن عندما تنشق قيادات عسكرية كانت جزءاً فعلياً من الدعم السريع وتنتقل إلى معسكر الجيش، يصبح من المشروع طرح السؤال عن مصير المسؤولية عن أفعالها السابقة، وليس المقصود افتراض أن كل عضو أو قائد سابق في الدعم السريع مجرم؛ فالمسؤولية الجنائية فردية ولا تثبت بالرتبة أو العضوية وحدهما. لكن تغيير المعسكر لا يمحو جريمة ثبت ارتكابها، مثلما أن المعارضة السياسية لا تنشئ جريمة لم تقع. فإذا كان المواطن الذي يقدم مساعدة مادية للدعم السريع يمكن أن يحاكم بتهمة التعاون وربما يواجه الإعدام، فإن القائد الذي أمضى سنوات داخل القوة ينبغي، على الأقل، ألا يعفى من التحقيق في أفعاله السابقة لمجرد أنه أصبح اليوم في المعسكر الآخر.
وهنا يظهر معيار بسيط يصلح لجميع الحالات: ماذا فعل الشخص؟ وما الأدلة؟ لا ينبغي أن يكون السؤال: مع من يقف اليوم؟ فإذا ارتكب قائد سابق في الدعم السريع جريمة، يجب التحقيق معه حتى لو أصبح حليفاً للجيش، وإذا ارتكب سياسي مدني فعلاً جنائياً حقيقياً بالتعاون مع الدعم السريع، يجب إثباته أمام محكمة مستقلة، وإذا لم يفعل الصحفي سوى ممارسة عمل صحفي أو التعبير عن موقف سياسي رافض للحرب والسلطة، فلا يجوز استبدال الدليل الجنائي بوصفه سياسياً بأنه «متعاون» أو «إرهابي».
وأنا واحد ممن طالتهم هذه المنظومة
بالنسبة لي، المسألة ليست نقاشاً أكاديمياً، ففي ديسمبر 2024 ظهر اسمي، مجاهد بشرى ، ضمن إجراءات وأوامر قبض اتخذتها السلطات ضد مجموعة من السياسيين والإعلاميين والناشطين، ثم اتخذت إجراءات مصرفية للبحث عن حسابات وأرصدة تخص أشخاصاً شملتهم تلك القوائم وتجميدها إن وجدت، والمفارقة في حالتي أنني لا أملك أصلاً حساباً مصرفياً في السودان، أي أن النظام تحرك للبحث عن أموال وحسابات غير موجودة في الأساس.
ثم في أبريل 2026 أعلنت نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة ومكافحة الإرهاب أنني «متهم هارب» في الدعويين الجنائيتين 12/2026 و28/2026. ووفق إعلان النيابة، شملت الدعوى الأولى المواد 26 و50 و51 و55 و62 و66 من القانون الجنائي والمادتين 5 و6 من قانون مكافحة الإرهاب، بينما شملت الدعوى الثانية المواد 26 و50 و51 و186 والمادتين 5 و6 من قانون مكافحة الإرهاب، وهذه ليست أوصافاً بسيطة؛ إنها مواد تتصل بتقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة وجرائم أخرى بالغة الخطورة.
وهنا يصبح السؤال شخصياً وقانونياً في الوقت نفسه: ما الفعل المادي المحدد الذي ارتكبته ويحقق أركان تقويض النظام الدستوري أو إثارة الحرب أو الإرهاب؟ فالخلاف مع البرهان، ورفض الحرب، وانتقاد الجيش أو الحركة الإسلامية، وكشف معلومات عن السلطة، كلها لا تصبح بذاتها أفعالاً إرهابية بمجرد أن تزعج السلطة، وإذا كانت النيابة تمتلك أدلة على فعل جنائي محدد، فإن مكان اختبارها هو محكمة مستقلة تتاح فيها للمتهم معرفة الوقائع والأدلة والرد عليها، لا الاكتفاء بوضع مجموعة من أخطر مواد القانون أمام اسمه ثم إعلان أنه «متهم هارب».
فإذا كانت النيابة لا تستطيع أو لا تريد فتح تحقيق مستقل في انقلاب 25 أكتوبر، بينما تتحرك بصرامة ضد معارضي السلطة تحت عنوان «تقويض النظام الدستوري»، ثم تصبح البلاغات نفسها قابلة للشطب بقرار سياسي عندما تتغير حاجة السلطة إلى هؤلاء المعارضين، فإن السؤال عن استقلال النيابة لا يعود اتهاماً نظرياً، وإنما يصبح سؤالاً مؤسسياً تفرضه الوقائع: هل تتحرك الدعوى الجنائية وفق الفعل والأدلة، أم تتأثر بموقع الشخص من السلطة وبالحاجة السياسية إليه؟
وتظهر المشكلة نفسها من زاوية أخرى في قضايا «التعاون مع الدعم السريع». فقد شهد السودان خلال الحرب محاكمات لآلاف الأشخاص بهذه التهمة، واستخدمت فيها مواد من بينها 26 و50 و51 وغيرها، ووصلت بعض الأحكام إلى الإعدام، وهذا يعني أن وصف «التعاون» ليس مجرد اتهام سياسي عابر، وإنما قد يقود المتهم إلى أقصى عقوبة في القانون.
لكن عندما تنشق قيادات عسكرية كانت جزءاً فعلياً من الدعم السريع وتنتقل إلى معسكر الجيش، يصبح من المشروع طرح السؤال عن مصير المسؤولية عن أفعالها السابقة، وليس المقصود افتراض أن كل عضو أو قائد سابق في الدعم السريع مجرم؛ فالمسؤولية الجنائية فردية ولا تثبت بالرتبة أو العضوية وحدهما. لكن تغيير المعسكر لا يمحو جريمة ثبت ارتكابها، مثلما أن المعارضة السياسية لا تنشئ جريمة لم تقع. فإذا كان المواطن الذي يقدم مساعدة مادية للدعم السريع يمكن أن يحاكم بتهمة التعاون وربما يواجه الإعدام، فإن القائد الذي أمضى سنوات داخل القوة ينبغي، على الأقل، ألا يعفى من التحقيق في أفعاله السابقة لمجرد أنه أصبح اليوم في المعسكر الآخر.
وهنا يظهر معيار بسيط يصلح لجميع الحالات: ماذا فعل الشخص؟ وما الأدلة؟ لا ينبغي أن يكون السؤال: مع من يقف اليوم؟ فإذا ارتكب قائد سابق في الدعم السريع جريمة، يجب التحقيق معه حتى لو أصبح حليفاً للجيش، وإذا ارتكب سياسي مدني فعلاً جنائياً حقيقياً بالتعاون مع الدعم السريع، يجب إثباته أمام محكمة مستقلة، وإذا لم يفعل الصحفي سوى ممارسة عمل صحفي أو التعبير عن موقف سياسي رافض للحرب والسلطة، فلا يجوز استبدال الدليل الجنائي بوصفه سياسياً بأنه «متعاون» أو «إرهابي».
وأنا واحد ممن طالتهم هذه المنظومة
بالنسبة لي، المسألة ليست نقاشاً أكاديمياً، ففي ديسمبر 2024 ظهر اسمي، مجاهد بشرى ، ضمن إجراءات وأوامر قبض اتخذتها السلطات ضد مجموعة من السياسيين والإعلاميين والناشطين، ثم اتخذت إجراءات مصرفية للبحث عن حسابات وأرصدة تخص أشخاصاً شملتهم تلك القوائم وتجميدها إن وجدت، والمفارقة في حالتي أنني لا أملك أصلاً حساباً مصرفياً في السودان، أي أن النظام تحرك للبحث عن أموال وحسابات غير موجودة في الأساس.
ثم في أبريل 2026 أعلنت نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة ومكافحة الإرهاب أنني «متهم هارب» في الدعويين الجنائيتين 12/2026 و28/2026. ووفق إعلان النيابة، شملت الدعوى الأولى المواد 26 و50 و51 و55 و62 و66 من القانون الجنائي والمادتين 5 و6 من قانون مكافحة الإرهاب، بينما شملت الدعوى الثانية المواد 26 و50 و51 و186 والمادتين 5 و6 من قانون مكافحة الإرهاب، وهذه ليست أوصافاً بسيطة؛ إنها مواد تتصل بتقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة وجرائم أخرى بالغة الخطورة.
وهنا يصبح السؤال شخصياً وقانونياً في الوقت نفسه: ما الفعل المادي المحدد الذي ارتكبته ويحقق أركان تقويض النظام الدستوري أو إثارة الحرب أو الإرهاب؟ فالخلاف مع البرهان، ورفض الحرب، وانتقاد الجيش أو الحركة الإسلامية، وكشف معلومات عن السلطة، كلها لا تصبح بذاتها أفعالاً إرهابية بمجرد أن تزعج السلطة، وإذا كانت النيابة تمتلك أدلة على فعل جنائي محدد، فإن مكان اختبارها هو محكمة مستقلة تتاح فيها للمتهم معرفة الوقائع والأدلة والرد عليها، لا الاكتفاء بوضع مجموعة من أخطر مواد القانون أمام اسمه ثم إعلان أنه «متهم هارب».
لكن المفارقة تصبح أكثر حدة عندما تكون المادة 50 ضمن المواد الموجهة إليّ وإلى معارضين آخرين، بينما الرجل الذي يقف على رأس السلطة التي تلاحقنا هو نفسه قائد انقلاب 25 أكتوبر، كيف يصبح الصحفي أو السياسي متهماً بتقويض النظام الدستوري، بينما لا يظهر تحقيق جنائي مماثل في الانقلاب العسكري الذي عطل ذلك النظام بالفعل؟ وكيف يمكن إقناع المواطن باستقلال النيابة عندما تتحرك مواد حماية النظام الدستوري إلى أسفل ضد خصوم السلطة، ولا تتحرك بالوضوح نفسه إلى أعلى عندما يتعلق الأمر برأس السلطة؟
ثم يقول قائد الانقلاب للمعارضين: عودوا وسنشطب البلاغات
هنا تبلغ المفارقة ذروتها، فالسلطة التي استخدمت مواد تقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة والإرهاب ضد خصومها، تقول اليوم لمن هم في الخارج إن عودتهم للمشاركة في الحوار يمكن أن تقترن بشطب البلاغات المتعلقة بأقوالهم وأفعالهم السياسية، والسؤال هنا ليس لماذا تريد الدولة توفير ضمانات للحوار؛ تهيئة المناخ للحوار في ذاتها ليست مشكلة، المشكلة هي أن وجود هذه البلاغات أصلاً، ثم إمكانية إنهائها بسبب قرار المشاركة السياسية، يكشف العلاقة المحتملة بين المسار الجنائي والمسار السياسي.
لنفترض أن شخصاً متهم بالمادة 50 بسبب فعل حقيقي يقصد به تقويض النظام الدستوري، إذا عاد هذا الشخص للمشاركة في الحوار، هل يتوقف الفعل بأثر رجعي عن كونه جريمة؟ وإذا كان الجواب لا، فلماذا يشطب البلاغ؟ أما إذا كان الفعل مجرد رأي أو نشاط سياسي مشروع، فلماذا قُيد البلاغ أصلاً؟ وفي الحالتين، تصبح مشاركة الشخص في الحوار معياراً غريباً لتحديد مصير دعوى يفترض أنها تقوم على الوقائع والأدلة، لا على قرار المتهم قبول مبادرة سياسية أو رفضها.
والأخطر أن هذه المعادلة تجعل شخصين متهمين بالفعل نفسه عرضة لمعاملتين مختلفتين: أحدهما يقبل الحوار فيستفيد من الشطب أو الضمانة، والآخر يرفض الحوار فتبقى الملاحقة قائمة، فإذا حدث ذلك، لن يكون الفرق بين الاثنين في أركان الجريمة أو قوة الأدلة، وإنما في موقفهما السياسي من مبادرة السلطة. وعندها يصبح القانون نفسه جزءاً من أدوات إدارة المجال السياسي.
المشكلة ليست فقط ازدواجية المعايير.. بل استقلال النيابة
يمكن للسلطة أن تدافع عن نفسها بالقول إن الشطب مجرد إجراء استثنائي لتحقيق مصلحة وطنية أكبر هي الحوار، لكن ذلك لا يجيب عن السؤال الأصلي: لماذا كانت هذه البلاغات موجودة أصلاً؟ ولا يجيب عن السؤال الأكثر حساسية: لماذا تستطيع السلطة التأثير في نهايتها بينما لا تظهر النيابة الاستقلال نفسه في مواجهة السلطة؟
إذا كانت النيابة مستقلة، فإن استقلالها يجب أن يعمل في الاتجاهين، يجب أن تكون قادرة على ملاحقة معارض ارتكب جريمة حقيقية، حتى لو كان ذلك غير مريح سياسياً، وأن تكون قادرة كذلك على التحقيق مع صاحب أعلى سلطة في البلاد إذا وجدت شبهة جنائية في أفعاله، حتى لو كان ذلك أكثر خطورة عليها مؤسسياً، أما استقلال يسمح بملاحقة الخصوم ولا يظهر أثره عندما يتعلق الأمر بأفعال الحاكم نفسه، ثم يسمح للسياسة بالتدخل لإنهاء ملاحقة الخصوم عندما تتغير الحاجة إليهم، فهو استقلال يحتاج إلى إثبات عملي.
ولهذا فإن انقلاب 25 أكتوبر ليس تفصيلاً تاريخياً يمكن وضعه في هامش هذا النقاش؛ إنه الاختبار المركزي، فالسلطة التي تستخدم نص «تقويض النظام الدستوري» نشأت في صورتها الحالية من واقع انقلاب عسكري على الترتيبات الانتقالية، والاتحاد الأفريقي علق مشاركة السودان بسبب التغيير غير الدستوري، وحميدتي نفسه أقر لاحقاً بمشاركته في «انقلاب 25 أكتوبر» ووصفه بالخطأ، ومع ذلك، فإن السجل العلني الذي بين أيدينا يعرض بلاغات بالمادة 50 ضد سياسيين وصحفيين ومدنيين، ولا يعرض مساراً جنائياً مستقلاً مماثلاً يختبر مسؤولية قادة انقلاب 25 أكتوبر عن تقويض النظام الدستوري الذي تقول النيابة إنها تحميه.
إذا كان انقلاباً، فأين البلاغ؟
هذه ربما تكون أبسط طريقة لصياغة المسألة كلها، لدينا واقعة 25 أكتوبر 2021: استيلاء عسكري على السلطة، تعطيل للمؤسسات الانتقالية، اعتقال لرئيس الوزراء ومسؤولين مدنيين، وتعليق أفريقي لمشاركة السودان بسبب التغيير غير الدستوري، ولدينا أحد المشاركين الرئيسيين في الواقعة، حميدتي نائب البرهان حينئذ، يصفها لاحقاً بنفسه بأنها «انقلاب 25 أكتوبر» ويقول إن مشاركته فيه كانت خطأ، ولدينا في الجهة المقابلة مادة جنائية اسمها «تقويض النظام الدستوري»، تستخدمها النيابة ضد خصوم السلطة، وتصل عقوبتها وفق النص إلى الإعدام أو السجن المؤبد.
ثم يقول قائد الانقلاب للمعارضين: عودوا وسنشطب البلاغات
هنا تبلغ المفارقة ذروتها، فالسلطة التي استخدمت مواد تقويض النظام الدستوري وإثارة الحرب ضد الدولة والإرهاب ضد خصومها، تقول اليوم لمن هم في الخارج إن عودتهم للمشاركة في الحوار يمكن أن تقترن بشطب البلاغات المتعلقة بأقوالهم وأفعالهم السياسية، والسؤال هنا ليس لماذا تريد الدولة توفير ضمانات للحوار؛ تهيئة المناخ للحوار في ذاتها ليست مشكلة، المشكلة هي أن وجود هذه البلاغات أصلاً، ثم إمكانية إنهائها بسبب قرار المشاركة السياسية، يكشف العلاقة المحتملة بين المسار الجنائي والمسار السياسي.
لنفترض أن شخصاً متهم بالمادة 50 بسبب فعل حقيقي يقصد به تقويض النظام الدستوري، إذا عاد هذا الشخص للمشاركة في الحوار، هل يتوقف الفعل بأثر رجعي عن كونه جريمة؟ وإذا كان الجواب لا، فلماذا يشطب البلاغ؟ أما إذا كان الفعل مجرد رأي أو نشاط سياسي مشروع، فلماذا قُيد البلاغ أصلاً؟ وفي الحالتين، تصبح مشاركة الشخص في الحوار معياراً غريباً لتحديد مصير دعوى يفترض أنها تقوم على الوقائع والأدلة، لا على قرار المتهم قبول مبادرة سياسية أو رفضها.
والأخطر أن هذه المعادلة تجعل شخصين متهمين بالفعل نفسه عرضة لمعاملتين مختلفتين: أحدهما يقبل الحوار فيستفيد من الشطب أو الضمانة، والآخر يرفض الحوار فتبقى الملاحقة قائمة، فإذا حدث ذلك، لن يكون الفرق بين الاثنين في أركان الجريمة أو قوة الأدلة، وإنما في موقفهما السياسي من مبادرة السلطة. وعندها يصبح القانون نفسه جزءاً من أدوات إدارة المجال السياسي.
المشكلة ليست فقط ازدواجية المعايير.. بل استقلال النيابة
يمكن للسلطة أن تدافع عن نفسها بالقول إن الشطب مجرد إجراء استثنائي لتحقيق مصلحة وطنية أكبر هي الحوار، لكن ذلك لا يجيب عن السؤال الأصلي: لماذا كانت هذه البلاغات موجودة أصلاً؟ ولا يجيب عن السؤال الأكثر حساسية: لماذا تستطيع السلطة التأثير في نهايتها بينما لا تظهر النيابة الاستقلال نفسه في مواجهة السلطة؟
إذا كانت النيابة مستقلة، فإن استقلالها يجب أن يعمل في الاتجاهين، يجب أن تكون قادرة على ملاحقة معارض ارتكب جريمة حقيقية، حتى لو كان ذلك غير مريح سياسياً، وأن تكون قادرة كذلك على التحقيق مع صاحب أعلى سلطة في البلاد إذا وجدت شبهة جنائية في أفعاله، حتى لو كان ذلك أكثر خطورة عليها مؤسسياً، أما استقلال يسمح بملاحقة الخصوم ولا يظهر أثره عندما يتعلق الأمر بأفعال الحاكم نفسه، ثم يسمح للسياسة بالتدخل لإنهاء ملاحقة الخصوم عندما تتغير الحاجة إليهم، فهو استقلال يحتاج إلى إثبات عملي.
ولهذا فإن انقلاب 25 أكتوبر ليس تفصيلاً تاريخياً يمكن وضعه في هامش هذا النقاش؛ إنه الاختبار المركزي، فالسلطة التي تستخدم نص «تقويض النظام الدستوري» نشأت في صورتها الحالية من واقع انقلاب عسكري على الترتيبات الانتقالية، والاتحاد الأفريقي علق مشاركة السودان بسبب التغيير غير الدستوري، وحميدتي نفسه أقر لاحقاً بمشاركته في «انقلاب 25 أكتوبر» ووصفه بالخطأ، ومع ذلك، فإن السجل العلني الذي بين أيدينا يعرض بلاغات بالمادة 50 ضد سياسيين وصحفيين ومدنيين، ولا يعرض مساراً جنائياً مستقلاً مماثلاً يختبر مسؤولية قادة انقلاب 25 أكتوبر عن تقويض النظام الدستوري الذي تقول النيابة إنها تحميه.
إذا كان انقلاباً، فأين البلاغ؟
هذه ربما تكون أبسط طريقة لصياغة المسألة كلها، لدينا واقعة 25 أكتوبر 2021: استيلاء عسكري على السلطة، تعطيل للمؤسسات الانتقالية، اعتقال لرئيس الوزراء ومسؤولين مدنيين، وتعليق أفريقي لمشاركة السودان بسبب التغيير غير الدستوري، ولدينا أحد المشاركين الرئيسيين في الواقعة، حميدتي نائب البرهان حينئذ، يصفها لاحقاً بنفسه بأنها «انقلاب 25 أكتوبر» ويقول إن مشاركته فيه كانت خطأ، ولدينا في الجهة المقابلة مادة جنائية اسمها «تقويض النظام الدستوري»، تستخدمها النيابة ضد خصوم السلطة، وتصل عقوبتها وفق النص إلى الإعدام أو السجن المؤبد.
إذن السؤال ليس بحاجة إلى خطاب سياسي طويل: إذا كانت النيابة تعتبر تقويض النظام الدستوري جريمة تستوجب هذه الدرجة من العقاب، فأين تحقيقها في انقلاب 25 أكتوبر؟ وإذا كان لديها تفسير قانوني يجعل انقلاباً عسكرياً على مؤسسات الانتقال خارج نطاق المادة 50، بينما يجعل أفعالاً سياسية لمدنيين داخلة فيها، فعليها أن تشرح هذا التفسير للرأي العام والمحاكم. أما إذا لم يوجد تفسير قانوني متماسك، فإن الانتقائية تصبح سؤالاً لا يمكن إخفاؤه خلف أسماء المواد الجنائية.
من يحمي النظام الدستوري ممن؟
القضية في النهاية ليست دفاعاً عن حمدوك أو خالد عمر أو محمد الفكي أو مجاهد بشرى، وليست دفاعاً عن أي شخص ارتكب جريمة حقيقية تحت غطاء العمل السياسي، كما أنها ليست مطالبة بإدانة البرهان دون تحقيق ومحاكمة، القضية هي المطالبة بمعيار قانوني واحد، إذا ارتكب المعارض جريمة، فليحاسب عليها، وإذا ارتكب الحليف الجريمة نفسها، فليحاسب عليها، وإذا ارتكب قائد عسكري انقلاباً يثير شبهة تقويض النظام الدستوري، فلا ينبغي أن يصبح موقعه في قمة السلطة سبباً يمنع التحقيق في مسؤوليته، وإذا كان ما فعله السياسي مجرد رأي سياسي مشروع، فلا ينبغي أن يحتاج إلى رضا قائد السلطة لكي يستعيد حريته من بلاغ لم يكن ينبغي فتحه أصلاً.
ومن هنا فإن القرار 363 قد تكون له نتيجة لم يقصدها واضعوه، فبدلاً من أن يغلق ملف البلاغات السياسية، أعاد فتح السؤال عن مصدرها، ومشروعيتها، والجهة التي تحركها، والجهة التي تستطيع إيقافها، وحدود استقلال النيابة عن السلطة التي يقودها البرهان، فإذا كان قائد السلطة يستطيع اليوم إصدار قرار يغير المصير العملي لبلاغات خصومه عندما يريدهم في الحوار، فمن المشروع أن يسأل السودانيون لماذا لم يتحرك النظام العدلي نفسه بصورة مستقلة تجاه الانقلاب الذي قاده هذا الرجل في 25 أكتوبر 2021.
ويمكن اختصار القضية كلها في ثلاثة أسئلة مترابطة: إذا كان ما فعله المعارضون جريمة، فكيف تمحوها مشاركتهم في الحوار؟ وإذا كان ما فعلوه مجرد سياسة، فلماذا جُرِّم من الأصل؟ وإذا كان تقويض النظام الدستوري جريمة تستحق الإعدام، فأين التحقيق في انقلاب 25 أكتوبر الذي قوض النظام الانتقالي بالقوة العسكرية؟
فالعدالة لا تختبر قوتها عندما تحاكم خصوم الحاكم؛ بل عندما تستطيع تطبيق القانون على الحاكم نفسه، وإذا كانت المادة 50 قد وُضعت لحماية النظام الدستوري، فإن أول امتحان لمصداقية استخدامها ليس عدد المعارضين الذين يمكن وضع أسمائهم تحتها، وإنما ما إذا كان القانون قادراً على الوصول إلى من استولى على السلطة بالقوة العسكرية أيضاً، وإلا فإن السؤال لن يكون: من قوض النظام الدستوري؟ بل: من يملك سلطة تعريف التقويض، ومن يملك النيابة التي تقرر من يُتهم به ومن يُعفى منه؟
من يحمي النظام الدستوري ممن؟
القضية في النهاية ليست دفاعاً عن حمدوك أو خالد عمر أو محمد الفكي أو مجاهد بشرى، وليست دفاعاً عن أي شخص ارتكب جريمة حقيقية تحت غطاء العمل السياسي، كما أنها ليست مطالبة بإدانة البرهان دون تحقيق ومحاكمة، القضية هي المطالبة بمعيار قانوني واحد، إذا ارتكب المعارض جريمة، فليحاسب عليها، وإذا ارتكب الحليف الجريمة نفسها، فليحاسب عليها، وإذا ارتكب قائد عسكري انقلاباً يثير شبهة تقويض النظام الدستوري، فلا ينبغي أن يصبح موقعه في قمة السلطة سبباً يمنع التحقيق في مسؤوليته، وإذا كان ما فعله السياسي مجرد رأي سياسي مشروع، فلا ينبغي أن يحتاج إلى رضا قائد السلطة لكي يستعيد حريته من بلاغ لم يكن ينبغي فتحه أصلاً.
ومن هنا فإن القرار 363 قد تكون له نتيجة لم يقصدها واضعوه، فبدلاً من أن يغلق ملف البلاغات السياسية، أعاد فتح السؤال عن مصدرها، ومشروعيتها، والجهة التي تحركها، والجهة التي تستطيع إيقافها، وحدود استقلال النيابة عن السلطة التي يقودها البرهان، فإذا كان قائد السلطة يستطيع اليوم إصدار قرار يغير المصير العملي لبلاغات خصومه عندما يريدهم في الحوار، فمن المشروع أن يسأل السودانيون لماذا لم يتحرك النظام العدلي نفسه بصورة مستقلة تجاه الانقلاب الذي قاده هذا الرجل في 25 أكتوبر 2021.
ويمكن اختصار القضية كلها في ثلاثة أسئلة مترابطة: إذا كان ما فعله المعارضون جريمة، فكيف تمحوها مشاركتهم في الحوار؟ وإذا كان ما فعلوه مجرد سياسة، فلماذا جُرِّم من الأصل؟ وإذا كان تقويض النظام الدستوري جريمة تستحق الإعدام، فأين التحقيق في انقلاب 25 أكتوبر الذي قوض النظام الانتقالي بالقوة العسكرية؟
فالعدالة لا تختبر قوتها عندما تحاكم خصوم الحاكم؛ بل عندما تستطيع تطبيق القانون على الحاكم نفسه، وإذا كانت المادة 50 قد وُضعت لحماية النظام الدستوري، فإن أول امتحان لمصداقية استخدامها ليس عدد المعارضين الذين يمكن وضع أسمائهم تحتها، وإنما ما إذا كان القانون قادراً على الوصول إلى من استولى على السلطة بالقوة العسكرية أيضاً، وإلا فإن السؤال لن يكون: من قوض النظام الدستوري؟ بل: من يملك سلطة تعريف التقويض، ومن يملك النيابة التي تقرر من يُتهم به ومن يُعفى منه؟
❤7👏2