مجاهد بشرى - عشم
11.4K subscribers
1.31K photos
108 videos
14 files
76 links
هذه القناة مخصصة لكل الكتابات الإستقصائية و التي قد تتعرض للحذف من على فيسبوك .
Download Telegram
عشان تفهم أسباب صراخ أمجد وكيزانه، خليني أرجّعك لي 14 يوليو 2023، لما قائد الفرقة 11 مشاة (خشم القربة)، اللواء هاشم إبراهيم عمر، قاد أكبر متحرك للجيش، وهو «متحرك بحري»، وحاول يهجم على الدعم السريع..

في 6 دقائق فقط، أُبيد المتحرك عن بكرة أبيه، لدرجة أن بعض عناصر الدعم السريع رفعوا فيديوهات غاضبين من أن زملاءهم أنهوا المعركة ولم ينتظروا وصولهم من شرق النيل.. عندها استيقظنا نحن، و العالم على مفاجأة صادمة، وهي أن الجيش السوداني لم يعد ذلك الجيش، بعد أن فتّته الإسلاميون وزرعوا في جسده دمامل كتائبهم الجهادية، وأضعفوه على مدار سنوات وعقود حكمهم البائس..

رعب الإسلاميين من رؤيتهم لمتحركات الجيش تُفرم في دقائق معدودة، دفعهم لإعادة تسليح كل كتائبهم بالمسيّرات، وأصبحت السلاح الوحيد الذي يغطي عورة هذا الجيش المؤدلج والمتهالك…
تقريرنا الاستقصائي القادم سيكشف لك كل شيء بالصوت والصورة.

واليوم، ذات الرعب يدفع كل عبدة العسكر وحلفائهم للصراخ بجنون، خوفاً من أن تتحول الحرب من جديد إلى صدام دون تغطية جوية مع الدعم السريع، والذي سيعيد، دون شك، «نظراً لهذا الصراخ»، ذات سيناريوهات القضاء على جحافل مليشيات الجيش وشركائه على الأرض..

لأنه، وفقاً للحسابات العسكرية والاستراتيجية، فالمشتركة لن تتوغل في سهول كردفان دون تغطية المسيّرات، وكيكل لن يتعدى حدود الباقير خارج ولاية الجزيرة الخضراء دون وجود المسيّرات التركية..

وبما أننا أثبتنا عدم وجود جيش، فكتائب ومليشيات الإسلاميين لن تستطيع التقدم شبراً نحو غرب البلاد، فعلى الرغم من امتلاكها لكل هذه المسيّرات، والأموال، والدعم الخارجي، فإنها لم تستطع حسم هذه المعركة منذ أربع سنوات، وقد سهّل الدعم السريع لمئات من قياداتها الدخول إلى جنّة كرتي، والزواج من أخوات نسيبة…

وحظر الأسلحة يعني بالضرورة دفع الطرف الأكثر تشدداً على القبول بوقف الحرب و الانخراط في عملية سلام اعلن الدعم السريع القبول بها مسبقاً، وهو ما يخشاه الإسلاميين مشعلي الحرب الذين يختبئون خلف إسم الجيش.

ولا بد أن تفهم أن صراخ الجميع بأن «جثة الجيش» ما تزال حية، وأنها المؤسسة الشرعية، ما هو إلا تضليل للاختباء خلف مؤسسة قتلت، في الثلاثين عاماً الماضية، أكثر من 7 ملايين سوداني ببندقيتها التي اختطفتها الحركة الإسلامية، ومحاولة للحصول على شرعية فقدوها بالانقلابات والتصنيف كإرهابيين..

هذا الكلام مؤلم..

أنا أدرك ذلك، ولكن الحرب أكثر إيلاماً.

والسكوت أكبر فداحة..
ونحن مااااااا بنسكت..
ولا ما عجبك .. أجري كلّم أمّهم سناء.
26🔥3👍1
لا ينبغي قراءة التصريحات الأخيرة لمسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية، باعتبارها مجرد إدانة دبلوماسية عابرة لحادثة وقعت على الحدود السودانية التشادية، فاللغة التي استخدمها المسؤول الأميركي، والسياق الذي وضع فيه الضربة، ثم الاتصال الذي أجراه بالرئيس التشادي محمد إدريس ديبي إتنو، تكشف مجتمعةً عن موقف أكثر أهمية تجاه الجيش السوداني وطريقة تعامل واشنطن معه كطرف في الحرب.

كتب بولس بوضوح: «تدين الولايات المتحدة الغارات الجوية الأخيرة للقوات المسلحة السودانية داخل تشاد»، وفي منشور آخر عقب اتصاله بالرئيس التشادي قال إنه ناقش معه «الضربة الجوية الأخيرة للقوات المسلحة السودانية على تشاد»، وأعرب عن القلق العميق من امتداد الحرب السودانية عبر الحدود وتهديدها السلام والاستقرار الإقليميين.

أهمية هذه اللغة تبدأ من حقيقة بسيطة: واشنطن لم تتحدث عن «تقارير» أو «مزاعم» بشأن ضربة مجهولة المصدر، ولم تستخدم صيغة تحتمل الشك في هوية الطرف الذي نفذها، لقد نسبت العملية مباشرة إلى القوات المسلحة السودانية، وحددت مكان وقوعها بأنه داخل الأراضي التشادية، وبذلك وضعت الجيش السوداني، في هذه الواقعة تحديداً، في موقع الطرف الذي نقل آثار الحرب من داخل السودان إلى أراضي دولة ذات سيادة.
وهذه ليست مسألة لغوية صغيرة ..

فمن أهم مرتكزات الخطاب السياسي لمعسكر بورتسودان منذ بداية الحرب تقديم الصراع باعتباره مواجهة بين «الجيش الشرعي للدولة» و«قوة متمردة»، وبناءً على هذه الرواية، يجري التعامل مع استخدام الجيش للقوة باعتباره ممارسة طبيعية لسلطات الدولة، بينما يُنظر إلى تسليح خصمه باعتباره دعماً للتمرد، لكن لغة بولس لا تتعامل مع الجيش بهذه الحصانة السياسية.

فالولايات المتحدة لم تقل إن «السودان» نفذ ضربة داخل تشاد، وإنما سمّت الجيش تحديداً، ثم انتقلت مباشرة إلى الحديث عن «الأطراف المتحاربة» وطالبت بوقف الدعم المالي والعسكري الخارجي المقدم إليها.

وهنا تظهر دلالة سياسية مهمة: الصفة الرسمية للجيش لا تمنعه، في المقاربة الأميركية الظاهرة في هذا الخطاب، من أن يُعامل كطرف في الحرب عندما يتعلق الأمر بالمسؤولية عن السلوك العسكري، أو بتدفق السلاح، أو بتهديد الاستقرار الإقليمي.

هذا يعني شيئاً أكثر تحديداً: واشنطن لا تمنح الجيش حصانة من الإدانة أو الضغط أو القيود لمجرد كونه القوات المسلحة الرسمية للسودان، الأثر الثاني للتصريح يتعلق بحجة أخرى يستخدمها معسكر الجيش: أن العمليات ضد الدعم السريع تندرج ضمن حق الدولة في محاربة قوة متمردة.

فحتى إذا كان الهدف الذي لاحقته القوات المسلحة مرتبطاً بالدعم السريع، فإن واشنطن تقول عملياً إن ذلك لا يمنح الجيش حق نقل عملياته إلى أراضي دولة مجاورة، وبمجرد عبور الحرب حدود السودان، تتغير طبيعة القضية من مواجهة داخلية إلى مسألة تمس سيادة دولة أخرى وتهدد الأمن الإقليمي.

وهذا تحديداً ما ركز عليه بولس عندما قال إنه أبلغ الرئيس ديبي بـ«قلقنا العميق بشأن امتداد الحرب في السودان عبر حدوده، بما يغذي المزيد من التصعيد ويهدد السلام والاستقرار الإقليميين».

وهنا يصبح الضرر الدبلوماسي على الجيش أكبر من الضرر الناتج عن مجرد إدانة ضربة عسكرية؛ لأنه يجري إدخاله في إطار جديد: طرف يمكن أن يؤدي سلوكه العسكري إلى تدويل مخاطر الحرب وتهديد دول الجوار.

بعد إدانة الغارات مباشرة، كتب بولس: «لا يوجد حل عسكري لهذا الصراع، ولا يوجد أي مبرر على الإطلاق لتوسيع العنف إلى ما وراء حدود السودان»، الجملة الأولى ليست جديدة في الخطاب الدولي بشأن السودان، لكن موضعها هنا هو المهم.

فهي تأتي بعد تسمية القوات المسلحة وإدانة عملياتها داخل تشاد، وبالتالي فإن الرسالة لا تتعلق فقط بكيفية إدارة الجيش لعملياته، وإنما تمس الاستراتيجية الأوسع القائمة على تحسين الموقف العسكري حتى الوصول إلى حسم أو فرض تسوية من موقع المنتصر.

واشنطن تقول إن الحسم العسكري ليس الحل الذي تعترف به لإنهاء الأزمة السودانية، وهذا يضع سقفاً سياسياً لأي انتصار ميداني محتمل، فالتقدم العسكري، وفق هذه المقاربة، لا يتحول تلقائياً إلى شرعية سياسية، ولا يمنح الطرف المنتصر تفويضاً دولياً لترتيب مستقبل السودان بمفرده.

وبالنسبة للجيش تحديداً، فهذه نقطة شديدة الأهمية؛ لأن جزءاً كبيراً من خطاب معسكره يقوم على أن استعادة المزيد من الأراضي ستؤدي في النهاية إلى فرض واقع سياسي جديد تعترف به القوى الخارجية.

التصريح الأميركي يقول شيئاً مختلفاً: حتى استمرار التقدم العسكري لا يغيّر حقيقة أن واشنطن تريد نهاية تفاوضية للحرب وليس نهاية يفرضها السلاح.
👍63
لكن الجزء الأكثر حساسية عسكرياً لا يظهر عند قراءة التغريدة وحدها، وإنما عند وضعها داخل التحرك الأميركي الأوسع، فواشنطن تدفع باتجاه تشديد وتوسيع القيود على تدفق الأسلحة إلى السودان، وقد أصبح الحديث عن المسيّرات والتكنولوجيا المرتبطة بها جزءاً واضحاً من هذا النقاش، وهنا تصبح عبارة بولس:

«يجب أن يتوقف الدعم المالي والعسكري الخارجي للأطراف المتحاربة»، أكثر أهمية بكثير من مجرد تصريح دبلوماسي، لأن الجيش السوداني، مثل خصمه، أصبح يعتمد بدرجات مختلفة على منظومات عسكرية ومكونات وتقنيات وشبكات إمداد خارجية، بينما لعبت المسيّرات بصورة خاصة دوراً متزايداً في تغيير طبيعة العمليات العسكرية.

ولذلك فإن أي نظام فعال يضيّق استيراد المسيّرات أو مكوناتها أو تقنياتها أو تمويلها لا يستهدف قطعة سلاح هامشية، وإنما يمس إحدى الأدوات التي أصبحت ذات تأثير مباشر على القدرة العملياتية.

وهنا يجب أن تكون القراءة دقيقة: الولايات المتحدة لم تعلن حظراً جوياً فوق السودان، ولم تعلن أنها ستسقط المسيّرات، ولم تعلن تدخلاً عسكرياً مباشراً لمنع استخدامها.

لكن الاتجاه السياسي الأميركي واضح: تقليص قدرة الأطراف على الحصول على الموارد العسكرية الخارجية التي تسمح باستمرار الحرب.

وبالنسبة للجيش، فإن ذلك يعني أن التفوق الذي يمكن أن تمنحه المسيّرات أو أي منظومات خارجية أخرى لا يتمتع بحماية سياسية أميركية لمجرد أن مستخدمه هو الجيش الرسمي للدولة.

لكن المشكلة الأكبر بالنسبة للجيش: واشنطن لا تستثني تسليح الجيش، ومن المؤكد ستكون هذه أكثر النقاط إزعاجاً لمعسكر بورتسودان.

فالخطاب الذي يتبناه مؤيدو الجيش يقوم غالباً على مطالبة المجتمع الدولي بوقف تسليح الدعم السريع، مع اعتبار حصول القوات المسلحة على السلاح أمراً مختلفاً من حيث المبدأ باعتبارها المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة.

لكن بولس لم يقل: يجب وقف الدعم الخارجي للدعم السريع.

قال:

“External financial and military support to the warring parties must stop.”

أي: يجب وقف الدعم المالي والعسكري الخارجي للأطراف المتحاربة.. هذه صياغة مقصودة.

وهي لا تعني بالضرورة أن واشنطن تساوي بين مصادر الدعم أو حجمها أو مسؤوليات الدول المختلفة، لكنها تعني أن المبدأ الأميركي المعلن هنا لا يمنح الجيش استثناءً تلقائياً من وقف التدفقات العسكرية الخارجية.

وهذا يضرب واحدة من أهم الحجج السياسية لمعسكره: أن المشكلة الدولية يجب أن تكون في «من يسلح الدعم السريع»، وليس في تدفق السلاح إلى الحرب السودانية ككل.

واشنطن، وفق النص، تنظر إلى استمرار التسليح الخارجي نفسه باعتباره جزءاً من آلية استمرار الحرب.
ثم تأتي دلالة الاتصال بالرئيس محمد إدريس ديبي.، مسعد بولس لم يكتف بإدانة الضربة علناً، وإنما اتصل بالرئيس التشادي، ثم نشر تفاصيل الاتصال، وأشاد بـ«الدور الحيوي لتشاد في تسهيل الإغاثة الإنسانية إلى إقليم دارفور ودعم اللاجئين السودانيين»، وأعرب عن تقديره للشراكة مع تشاد وتطلعه إلى استمرار «التعاون والتنسيق الوثيق» معها، هذه ليست لغة مواجهة عسكرية مع السودان، لكنها تمثل إسناداً دبلوماسياً واضحاً لإنجمينا في الأزمة التي أعقبت الضربة.

والرسالة التي تصل إلى بورتسودان هي أن تشاد ليست بالنسبة لواشنطن مجرد دولة مجاورة يمكن اعتبار أراضيها امتداداً لمسرح العمليات ضد الدعم السريع، وإنما شريك إقليمي مهم في ملفات دارفور، واللاجئين، والمساعدات الإنسانية والاستقرار الحدودي.

وبالتالي فإن تكرار العمليات داخل الأراضي التشادية يمكن أن يحوّل المشكلة من نزاع بين الخرطوم وإنجمينا إلى ملف تكون الولايات المتحدة طرفاً سياسياً مباشراً فيه إلى جانب حماية الاستقرار الإقليمي ، وكل ذلك يعيدنا إلى المسألة الأكثر أهمية: الشرعية.
فمعسكر بورتسودان يحاول منذ بداية الحرب تحويل الصفة المؤسسية للقوات المسلحة إلى شرعية سياسية شاملة: الجيش يمثل الدولة، ومن ثم فإن معسكر الجيش يمثل الدولة، ومن ثم فإن انتصاره العسكري يعيد الشرعية.
لكن التعامل الأميركي الظاهر في هذه التصريحات يفصل بين هذه الأشياء.
يمكن للقوات المسلحة أن تكون مؤسسة رسمية في الدولة السودانية، وفي الوقت نفسه تُدان عملياتها.

ويمكن أن تكون القوات المسلحة جيش الدولة، وفي الوقت نفسه تطالب واشنطن بوقف الدعم العسكري الخارجي المقدم إلى الأطراف المتحاربة دون أن تستثنيها في الصياغة.
ويمكن للجيش أن يحقق تقدماً عسكرياً، بينما تقول واشنطن إن «لا حل عسكرياً لهذا الصراع».

ويمكن للجيش أن يقول إنه يلاحق الدعم السريع، بينما تقول الولايات المتحدة إن انتقال هذه العمليات إلى أراضي تشاد أمر غير مقبول ويهدد الاستقرار الإقليمي، وهذا يعني أن الصفة العسكرية الرسمية لا تتحول تلقائياً، في الحساب الأميركي، إلى شيك سياسي مفتوح.

ما الذي تغير إذن؟

لكن هذا ليس السؤال المهم هنا.
👍42
السؤال هو: ماذا تكشف التغريدة عن الحدود التي تضعها واشنطن أمام الجيش؟

والإجابة أصبحت أوضح.

واشنطن لا تقبل أن تمنح صفة «الجيش الرسمي» حصانة من الإدانة؛ لا تعتبر الحسم العسكري طريقاً مقبولاً لإنهاء الحرب؛ لا تعطي الجيش حقاً مفتوحاً في نقل عملياته عبر الحدود تحت ذريعة ملاحقة الدعم السريع؛ ولا تتبنى مبدأ أن الدعم العسكري الخارجي للجيش يجب أن يستمر بينما يتوقف فقط الدعم الخارجي لخصمه.

وفوق ذلك كله، فإنها بدأت تربط استمرار الحرب نفسها بتدفق المال والسلاح والتكنولوجيا العسكرية من الخارج.

الخلاصة: المشكلة ليست في التغريدة وحدها

أخطر ما في تصريح مسعد بولس بالنسبة لمعسكر الجيش ليس كلمة «ندين».

الأخطر هو الإطار السياسي الذي وضعت فيه الإدانة.

فالجيش ظهر في الخطاب الأميركي كطرف عسكري مسؤول عن ضربة داخل دولة مجاورة؛ وحُذّر من توسيع الحرب خارج الحدود؛ وقيل له إن الصراع لا يملك حلاً عسكرياً؛ ثم طالبت واشنطن بوقف الدعم المالي والعسكري الخارجي عن الأطراف المتحاربة، قبل أن تمنح تشاد في الوقت نفسه إسناداً دبلوماسياً وتصفها بالشريك الحيوي.

وهذا كله يقود إلى نتيجة مهمة:

الولايات المتحدة لا تتعامل مع القوات المسلحة السودانية باعتبار أن صفتها الرسمية تمنحها حصانة سياسية أو عسكرية أو دبلوماسية. إنها تتعامل معها، عندما يتعلق الأمر بإدارة الحرب، كطرف يمكن إدانته، والضغط عليه، وتقييد مصادر تسليحه، ومحاسبته سياسياً على نقل الحرب إلى خارج الحدود.

وهنا تحديداً تكمن خطورة الموقف بالنسبة لمعسكر بورتسودان.

لأن أكبر رهان سياسي لهذا المعسكر لم يكن الانتصار العسكري وحده، وإنما تحويل ذلك الانتصار ـ وصفة «الجيش الشرعي» ـ إلى اعتراف دولي بشرعية الأمر الواقع الذي سينتجه.

أما الرسالة الأميركية الحالية فتضع حاجزاً أمام هذه المعادلة:

السلاح لا يصنع الشرعية، والانتصار الميداني لا يحسم مستقبل السودان، وصفة «الجيش» لا تمنح صاحبها حصانة من الضغط الدولي، ولا من الإدانة عندما تتجاوز الحرب حدود البلاد.

ومن هذه الزاوية، فإن التغريدة ليست مجرد احتجاج أميركي على غارة داخل تشاد؛ بل هي إنذار سياسي للجيش بأن الطريقة التي يخوض بها الحرب، ومصادر القوة الخارجية التي يعتمد عليها، ومحاولة تحويل التفوق العسكري إلى شرعية سياسية، أصبحت جميعها موضع ضغط أميركي مباشر.
وهي سلسلة ضغوط ستعقبها خطوات لن تسر الجيش و لا مناصريه...
👍11😢3🔥1
تحقيق: خمسة ترليونات في حسابات التجنيب.. كيف تحولت أموال النيابة العامة إلى شبكة صرف خارج مسار الرقابة؟

تكشف مستندات ومعلومات حصلنا عليها عن واحدة من أخطر قضايا التصرف في المال العام داخل النيابة العامة، لا بسبب حجم الأموال وحده، وإنما بسبب الطريقة التي أُديرت بها، والحسابات التي أودعت فيها، ومن امتلك سلطة التوقيع والصرف عليها، والأشخاص الذين حصلوا على مبالغ منها، ثم الفجوة الكبيرة بين الأموال التي دخلت تلك الحسابات والمبالغ التي أمكن حتى الآن تحديد وجهتها.

تبدأ القضية بمبلغ خمسة ترليونات جنيه سوداني، صدقت به وزارة المالية للنيابة العامة تحت بند تهيئة بيئة العمل والعودة إلى الخرطوم. وفي الأصل، لا توجد مشكلة في أن تحصل النيابة على تمويل لهذا الغرض؛ المشكلة تبدأ من اللحظة التي غادر فيها المال، بحسب المستندات التي بحوزتنا، مسار الحسابات المعروفة والخاضعة للدورة المالية المعتادة، وأودع في حسابين ارتبطا بما يعرف داخل النيابة بـ«حسابات التجنيب».

ومن هناك بدأت سلسلة من عمليات الصرف والتصديق تكشف عن أسئلة أكبر من مبلغ الخمسة ترليونات نفسه: من كان يسيطر على هذه الحسابات؟ من كان يوقع عليها؟ كيف جرى الصرف؟ وما الأساس الذي حصل بموجبه مسؤولون وموظفون وأشخاص آخرون على عشرات المليارات؟ ولماذا أعيدت بعض الأموال بعد بدء نشر القضية؟ وأين ذهب الجزء الأكبر من المبلغ الذي لا يظهر أصلاً في كشف المستفيدين الذي حصلنا عليه؟

أربعة حسابات.. ودورة مالية يفترض أن تحمي المال العام

لفهم ما حدث، يجب أولاً فهم الطريقة التي يفترض أن تدار بها أموال النيابة العامة.

تمتلك النيابة عدداً من الحسابات المخصصة لأغراض محددة. فالحساب رقم 12 مخصص للفصل الأول المتعلق باستحقاقات العاملين، والحساب رقم 13 للكفالات التي تودع في البلاغات، بينما يخصص الحساب رقم 19 للفصل الثاني والموارد، بما في ذلك النسب التي تحصل عليها النيابة من التسويات وفق المنشورات المنظمة لذلك.

أما الحساب رقم 20 فتورد إليه الغرامات والأموال المستردة لصالح جمهورية السودان.

والفارق الجوهري هنا أن الأموال الموجودة في هذا الحساب الأخير لا يفترض أن تتحول تلقائياً إلى مال تستطيع النيابة التصرف فيه متى شاءت. فإذا استحقت النيابة مبالغ للصرف على احتياجاتها، تتم مخاطبة وزارة المالية، التي تصدق بالمبلغ المستحق، ليورد بعد ذلك إلى الحساب المخصص للصرف.

هذه الدورة ليست تعقيداً بيروقراطياً بلا معنى، وإنما واحدة من أهم آليات حماية المال العام؛ لأنها تؤكد ولاية وزارة المالية عليه، وتمنع المؤسسات الحكومية من تجنيب الإيرادات والتصرف فيها خارج الموازنة، كما تخلق سلسلة مستندية تسمح لاحقاً بمعرفة مصدر كل مبلغ، والجهة التي اعتمدته، والبند الذي صرف تحته، والشخص أو الجهة التي تسلمته.

لكن مبلغ الخمسة ترليونات اتخذ، وفق ما تكشفه مستنداتنا، طريقاً آخر.

خمسة ترليونات.. إلى حسابين مختلفين

في بداية العام، صدقت وزارة المالية للنيابة العامة مبلغ 5 ترليونات جنيه تحت بند تهيئة بيئة العمل والعودة إلى الخرطوم.

وحتى هذه المرحلة، لا توجد مشكلة في أصل التصديق.

لكن النائب العام انتصار أحمد عبد العال قامت، وفق المستندات التي حصلنا عليها، بإيداع الأموال في حسابين ببنك السودان المركزي – فرع البحر الأحمر، يحملان الرقمين:

00269133025004

00269133025003

وهذان الحسابان، وفق المعلومات والمستندات التي بحوزتنا، ليسا من الحسابات الأساسية الأربعة التي تمر عبرها الدورة المالية المعتادة للنيابة، وإنما حسابان ارتبطا بإدارة رئيس نيابة الشؤون الإدارية والمالية السابق محمد عبد العظيم محمد صالح.

وتعود قصة الحسابين إلى فترة تولي محمد عبد العظيم رئاسة لجنة التحقيق في قضية شركات الملاحة البحرية. وبعد مغادرته الموقع تولى وكيل النيابة عثمان أحمد إدريس «سكوتة» المسؤولية عنهما أثناء عمله في نيابة البحر الأحمر.

لكن عقب الحرب وعودة محمد عبد العظيم إلى موقعه، ونقل سكوتة من منصبه، أعاد محمد عبد العظيم نفسه، بحسب المعلومات التي حصلنا عليها، مسؤولاً عن الحسابين.

وهذه الخلفية مهمة جداً لفهم ما حدث لاحقاً، لأن محمد عبد العظيم لا يظهر في هذه القضية بصفته موظفاً مالياً عادياً، وإنما بوصفه أحد الأشخاص الذين امتلكوا سلطة مباشرة على الحسابات التي أودعت فيها الأموال.

محمد عبد العظيم.. الموقّع والمشرف والمستفيد

تكشف المستندات التي حصلنا عليها جانباً أكثر خطورة في طريقة إدارة الحساب المجنب.

فقد قام رئيس الشؤون الإدارية والمالية محمد عبد العظيم محمد صالح بوضع توقيعه على الحساب المجنب بدلاً من أن يمر التوقيع والاعتماد عبر الجهة المختصة بالرقابة المالية، متجاوزاً بذلك التسلسل والإجراءات المعتمدة في الدورة المستندية.

والخطورة هنا ليست في شكل التوقيع، وإنما في السلطات التي تجمعت نتيجة لذلك.
2🔥1
فالضبط المالي يقوم أساساً على الفصل بين الاختصاصات: الشخص الذي يطلب الصرف لا يفترض أن يكون هو نفسه من يراجع مشروعيته، ومن يعتمد العملية لا يفترض أن ينفرد أيضاً بتنفيذها، بينما توجد جهة رقابية مستقلة تتأكد من صحة المستندات وتوافر الاعتماد وارتباط الإنفاق بالبند المقرر له.

لكن ما تكشفه الوقائع التي بحوزتنا هو أن محمد عبد العظيم جمع عملياً بين الإشراف على الحساب وسلطة الاعتماد أو التصديق وسلطة الصرف.

وبذلك جرى تجاوز الجهة المختصة بالرقابة المالية أو إقصاؤها عن مرحلة أساسية من مسار المستندات.

والنتيجة ليست مجرد مخالفة إجرائية؛ فحين تختفي إحدى حلقات الرقابة يصبح تتبع حركة الأموال والتحقق من مشروعية الصرف وصحة مستنداته وأوجه استخدامه أكثر صعوبة، ويصبح شخص واحد قادراً على التأثير في أكثر من مرحلة من مراحل القرار المالي.

وهذه ليست المرة الأولى التي يظهر فيها اسم محمد عبد العظيم في واقعة تتعلق بجمع سلطات مالية على نحو يثير الأسئلة.

فقد نشرنا قبل أيام مستنداً يظهر فيه محمد عبد العظيم وهو يكتب خطاباً معنْوناً إلى نفسه يطلب فيه حافزاً مالياً، ثم يقوم بالتصديق على المبلغ لنفسه.

والآن يظهر اسمه مجدداً، هذه المرة مشرفاً على الحسابات، وموقعاً عليها، ثم مستفيداً شخصياً من الأموال التي خرجت منها.

من الحساب إلى جيوب المسؤولين

بعد إيداع الخمسة ترليونات بدأت عمليات الصرف.

وبحسب الكشف والمستندات التي حصلنا عليها، حصل مسؤولون وأعضاء وموظفون داخل النيابة على مبالغ ضخمة.

وجاءت المبالغ المنسوبة إليهم على النحو الآتي:

النائب العام انتصار أحمد عبد العال — 98 مليار جنيه.

مساعد أول النائب العام كمال محجوب أحمد سعيد — 95 مليار جنيه.

رئيس النيابة ياسر عبد الرحمن الخضر علي — 50 مليار جنيه.

رئيس النيابة فتح الرحمن سعيد الطاهر عبد الرحمن — 50 مليار جنيه.

رئيس النيابة ورئيس الشؤون الإدارية والمالية محمد عبد العظيم محمد صالح — 80 مليار جنيه.

رئيس النيابة أسامة هارون السيد الشابك — 50 مليار جنيه.

رئيس النيابة مهلب عبد الرحمن محمد طه — 50 مليار جنيه.

رئيس النيابة بهاء الدين عبد القادر محجوب — 50 مليار جنيه.

رئيس النيابة مكرم رزق الله خليل عطية — 50 مليار جنيه.

وكيل النيابة الأعلى عبد الله عثمان عبد الله عبد القادر — 50 مليار جنيه.

وكيل النيابة الأعلى روضة إدريس عبد القادر دفع الله — 45 مليار جنيه.

وكيل النيابة الأعلى عوض بلة عمر الضو أحمد — 45 مليار جنيه.

الوكيل الأعلى عوض حميدة عبد الله عبد الرحيم — 45 مليار جنيه.

وكيل أول النيابة معتز أحمد شعيب مصطفى — 36 مليار جنيه.

وكيل أول النيابة عمر عبد القادر الطيب محمد — 45 مليار جنيه.

وكيل أول النيابة أبوبكر عثمان سيد سعد الحاج — 45 مليار جنيه.

وكيل ثاني النيابة أحمد سليمان العوض عبد الله — 45 مليار جنيه.

وكيل ثاني النيابة وفاء دفع الله خير الله الحسن — 45 مليار جنيه.

وكيل ثاني النيابة محمد أمين حسين أحمد — 70 مليار جنيه.

وكيل ثاني النيابة أحمد عمر عثمان أحمد — 45 مليار جنيه.

وكيل ثاني النيابة حمد السيد أحمد محمد أحمد — 45 مليار جنيه.

وكيل ثاني النيابة علاء الدين دفع الله علي عبد القادر — 45 مليار جنيه.

وكيل ثاني النيابة بثينة مصطفى موسى دفع الله — 20 مليار جنيه.

وكيل ثاني النيابة محمد سر الختم مصطفى عبد القادر — 45 مليار جنيه.

ولم يقتصر الصرف على أعضاء النيابة.

فبحسب الكشف، حصل الموظفون نزار محمد المأمون أحمد، وملاذ الباشا، ورندة عطا، وفائز حسن إدريس، وسندس التوم فضل المولى على 26 مليار جنيه لكل منهم، بينما حصل الوليد محمد البشير، سائق محمد عبد العظيم، على 20 مليار جنيه.

لكن واحداً من أكثر البنود إثارة للأسئلة هو ظهور ابن النائب العام انتصار أحمد عبد العال وإسمه (احمد عثمان احمد محمود) ضمن المستفيدين بمبلغ 45 مليار جنيه.

وهنا يصبح السؤال مباشراً: ما الصفة الوظيفية أو القانونية التي استحق بموجبها ابن النائب العام الحصول على أموال من المبلغ المخصص للنيابة؟ ومن تقدم بطلب الصرف؟ ومن أوصى به؟ ومن صدق عليه؟ وتحت أي بند مالي صرفت الأموال؟

1.439 ترليون فقط.. أين ذهبت الـ3.561 ترليونات؟

ولأن الأرقام هنا أهم من أي وصف، قمنا بجمع جميع المبالغ الواردة في الكشف.

عدد الأشخاص الواردة أسماؤهم 31 شخصاً.

وإجمالي المبالغ المنسوبة إليهم يبلغ:

1,439,000,000,000 جنيه.

أي 1.439 ترليون جنيه فقط.

لكن المبلغ الأصلي هو 5 ترليونات جنيه.

وهذا يعني أن كشف المستفيدين الذي حصلنا عليه لا يفسر سوى نحو 28.8% من إجمالي المال.

أما المتبقي فهو:

3,561,000,000,000 جنيه

أي 3.561 ترليونات جنيه، تمثل نحو 71.2% من كامل المبلغ.

وهذه الفجوة هي أحد أخطر ما تكشفه القضية.
2
فإذا كانت الأموال قد خرجت من مبلغ الخمسة ترليونات، فأين توجد الـ3.561 ترليونات جنيه الأخرى؟

هل بقيت في الحسابين؟

هل توجد كشوف صرف أخرى لم تظهر بعد؟

هل حُولت إلى حسابات أخرى؟

هل حصل عليها مستفيدون آخرون؟

أم أن هناك أوجه صرف لم تُكشف حتى الآن؟

الإجابة لا تحتاج إلى روايات متعارضة؛ تحتاج فقط إلى كشف حساب كامل للحسابين، وأوامر التحويل، وأذونات الصرف والمستندات المؤيدة لكل عملية.

المراجع العام يطلب الحسابات

وبحسب المعلومات التي حصلنا عليها من المراجع العام، فإن القضية وصلت بالفعل إلى الجهة المختصة بمراجعة المال العام، وصدرت خطابات مطالبة ومراجعة بشأن هذه الأموال.

لكن الأخطر، وفق المعلومات والمستندات التي بحوزتنا، أن المراجع العام طلب مراجعة أموال النيابة، ولم تسمح له النائب العام انتصار أحمد عبد العال حتى الآن بإجراء المراجعة المطلوبة بصورة كاملة.

إذا كانت جميع عمليات الصرف قانونية ومستوفية لمستنداتها، فإن السؤال يصبح بسيطاً: لماذا لا توضع الحسابات وأوامر الصرف وكشوف المستفيدين أمام المراجع العام؟

فالطريقة الوحيدة لحسم القضية ليست بياناً صحفياً، وإنما فتح الحسابين أمام المراجعة، ومطابقة كل مبلغ دخل مع كل مبلغ خرج.

انتصار تعيد أموالها وأموال ابنها بعد النشر

لكن تطوراً آخر حدث بعد أن بدأنا نشر جانب من هذه الوقائع.

فبحسب المعلومات التي حصلنا عليها، قامت النائب العام بإعادة المبلغ الذي حصلت عليه والبالغ 98 مليار جنيه، كما أعيد مبلغ الـ45 مليار جنيه المنسوب إلى ابنها.

وهذه الواقعة تفتح سؤالاً لا يمكن تجاوزه:

إذا كان الحصول على المبلغين صحيحاً ومستنداً إلى استحقاق قانوني مكتمل، فلماذا أعيدا بعد ظهور القضية إلى العلن؟

وإعادة المال لا تجيب كذلك عن السؤال الأكبر المتعلق بأصل قرار الصرف: من سمح بخروج المال ابتداءً؟ وعلى أي أساس؟ وكيف حصل شخص من خارج النيابة، إذا ثبت عدم وجود صفة وظيفية له، على جزء منه؟

45 ملياراً لكل منهما رغم وجودهما خارج السودان

ومن أكثر الحالات إثارة للانتباه في الكشف اسما أحمد سليمان العوض عبد الله ووفاء دفع الله خير الله الحسن، إذ يظهر كل منهما مستفيداً بمبلغ 45 مليار جنيه.

لكن المعلومات التي حصلنا عليها تفيد بأن الاثنين موجودان خارج السودان منذ اندلاع الحرب وحتى الآن.

وهذا يجعل معرفة طبيعة المبلغ أمراً أساسياً.

فإذا كان حافزاً مرتبطاً بالعمل أو بدل إعاشة أو سكناً أو مقابلاً لمباشرة مهام، فإن وجود المستفيد خارج البلاد خلال الفترة ذات الصلة بالصرف يطرح سؤالاً مباشراً عن شروط الاستحقاق وكيف جرى اعتماد المبلغ.

وهنا يمكن للمستندات حسم الأمر بسهولة: تاريخ الطلب، ونوع الاستحقاق، وتاريخ التصديق، وأمر الصرف، وتاريخ التحويل، وموقع الموظف وحالته الوظيفية وقتها.

«الدعم الاجتماعي».. باب مفتوح للصرف

ولا يبدو مبلغ الخمسة ترليونات واقعة معزولة عن نمط أوسع للصرف داخل النيابة.

فالمعلومات والمستندات التي حصلنا عليها تشير إلى وجود مبالغ أخرى يجري اعتمادها تحت مسميات الدعم الاجتماعي، ودعم السكن، ودعم المعيشة، وبدلات الإعاشة.

وتتركز هذه المزايا، بحسب المعلومات التي بحوزتنا، وسط مجموعة تضم رئيس النيابة مهلب عبد الرحمن، رئيس المكتب التنفيذي؛ وفتح الرحمن سعيد الطاهر، رئيس الشؤون الإدارية والمالية الحالي؛ ومحمد عبد العظيم محمد صالح، رئيس الشؤون الإدارية والمالية السابق؛ وعثمان أحمد إدريس «سكوتة»، رئيس الشؤون الإدارية والمالية السابق؛ ومحمد أمين حسين؛ وإدريس حسن سليمان؛ ومازن النور مكي؛ وعبد الله أحمد باب الله؛ وعوض حميدة؛ ومحمد محجوب الشماسي؛ وأحمد عمر عثمان.

وبحسب البيانات التي حصلنا عليها، تصرف لهذه المجموعة بدلات إعاشة وسكن شهرية بمبالغ كبيرة، بحيث يصل مجموع ما يتقاضاه بعض أصحاب الدرجات الأدنى من هذه المخصصات إلى مبلغ 12 مليار شهرياً.

وهنا لا تكمن القضية في وجود بدل سكن أو إعاشة في حد ذاته، وإنما في الأساس الذي يحكم منحه.

هل توجد لائحة تحدد المستحقين وقيمة كل بدل؟

هل الميزة متاحة لكل أعضاء النيابة الذين تنطبق عليهم الشروط؟

أم أن المستفيدين مجموعة محددة؟

ومن يرفع طلباتهم؟ ومن يصدق عليها؟ ومن يعتمدها؟ ومن يصرفها؟

هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية عندما يكون الأشخاص الذين يديرون عملية الصرف أنفسهم ضمن المستفيدين منها.

مفصولو لجنة التفكيك يعودون إلى قلب الإدارة

وثمة خيط آخر يجمع عدداً كبيراً من الأسماء التي تتكرر في هذه الوقائع.

فبحسب القرارات والمستندات التي بحوزتنا، فإن معظم المسؤولين الذين تظهر أسماؤهم في إدارة الحسابات وعمليات الصرف الحالية سبق أن شملتهم قرارات لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو وإزالة التمكين، قبل أن يعودوا إلى النيابة عقب انقلاب 25 أكتوبر.
وتبدأ القائمة من النائب العام، مروراً بمساعدها الأول، ورئيس مكتبها التنفيذي، ومسؤولي الشؤون الإدارية والمالية الحاليين والسابقين، وصولاً إلى أعضاء أقل درجة، من بينهم أحمد سليمان العوض.

وهذه الحقيقة لا تثبت وحدها فساد أي شخص، لكنها تصبح ذات أهمية عند تحليل كيفية إعادة تشكيل مركز القرار الإداري والمالي داخل النيابة بعد الانقلاب، ثم تكرر أسماء المجموعة نفسها في ملفات الحسابات والتصديقات والبدلات والصرف محل التحقيق.

بيان النيابة يؤكد أصل المبلغ

القضية نفسها ليست سراً داخل النيابة.

ففي مارس 2026 نشرت «تاق برس» توضيحاً صادراً عن الإدارة العامة للشؤون الإدارية والمالية بالنيابة بشأن الجدل حول مبلغ الدعم.

وهذا التوضيح مهم لأنه يؤكد من جانب النيابة نفسها وجود أصل المبلغ والتصديق المالي، حتى وإن اختلفت الرواية الرسمية حول طريقة استخدامه وماهية الصرف.

وبذلك لا يصبح السؤال الأساسي: هل كانت هناك أموال أصلاً؟

بل يصبح السؤال: ماذا حدث للأموال بعد التصديق بها؟

توضيح النيابة المنشور عبر تاق برس

وهنا تحديداً تتعارض الرواية المطمئنة عن «دعم للنيابة» مع الأسئلة التي تطرحها حركة المال الفعلية: الحسابان اللذان استقبلا المبلغ، ومن كان يملك حق التوقيع عليهما، وكشوف المستفيدين، والمبالغ المعادة، ومطالبات المراجع العام، ثم الفجوة التي تتجاوز ثلاثة ترليونات ونصف الترليون جنيه.

القضية أكبر من خمسة ترليونات

عند وضع المستندات بجانب بعضها، لا تعود القضية مجرد خلاف حول «حوافز» أو «دعم مالي».

لدينا مبلغ عام قدره خمسة ترليونات جنيه.

لدينا حسابان خارج الحسابات الأساسية التي تمر عبرها الدورة المالية المعتادة، وفق المعلومات التي حصلنا عليها.

لدينا مسؤول مالي وضع توقيعه على الحساب وتولى الإشراف عليه، بينما يظهر اسمه نفسه مستفيداً بمبلغ 80 مليار جنيه.

ولدينا نجل للنائب العام يظهر ضمن المستفيدين بـ45 مليار جنيه.

ولدينا موظفان، بحسب معلوماتنا، خارج السودان منذ بداية الحرب، ومع ذلك يظهر لكل منهما مبلغ 45 مليار جنيه.

ولدينا مبالغ حصلت عليها النائب العام وابنها ثم أعيدت بعد بدء النشر.

ولدينا جهة المراجعة الرسمية التي تطالب بالوصول إلى الحسابات.

ثم لدينا أخطر رقم في الملف كله:

خمسة ترليونات دخلت، بينما الكشف الذي حصلنا عليه يفسر 1.439 ترليون فقط.

والفارق 3.561 ترليونات جنيه.

افتحوا الحسابين

لهذا فإن حسم القضية لا يحتاج إلى سجال سياسي ولا إلى بيانات إنشائية.

هناك حسابان مصرفيان محددان بالأرقام.

وهناك مبلغ معلوم المصدر والقيمة.

وهناك كشوف للمستفيدين.

وهناك مستندات للصرف والتصديق.

وهناك مراجع عام يملك قانوناً أدوات مراجعة المال العام.

لذلك فإن أبسط اختبار للروايات المتعارضة هو فتح الحسابين أمام المراجعة الكاملة.

يجب إظهار كشف الحركة منذ دخول الخمسة ترليونات وحتى آخر عملية تمت عليهما، وأسماء أصحاب صلاحية التوقيع خلال كل فترة، وأوامر التحويل، والشيكات، وأذونات الصرف، والمستندات التي استند إليها كل مستفيد، وأي مبالغ أعيدت وتاريخ إعادتها، والرصيد النهائي.

عندها فقط يمكن الإجابة عن السؤال الذي بدأنا به:

أين ذهبت أموال النيابة العامة؟

لكن ما تكشفه المستندات التي حصلنا عليها حتى الآن يضع أمامنا سؤالاً أكبر من مصير مبلغ واحد:

هل كانت داخل النيابة العامة منظومة مالية موازية مكّنت مجموعة محددة من السيطرة على الحساب والتوقيع والتصديق والصرف والاستفادة من المال، مع إضعاف حلقات الرقابة التي يفترض أن تحول دون اجتماع هذه السلطات في يد دائرة واحدة؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن تجيب عنه المراجعة.

أما الـ3.561 ترليونات جنيه التي لا تظهر حتى الآن في كشف المستفيدين، فهي نقطة البداية في الجزء التالي من التحقيق، وليست نهايته.
9👍4