للأيامِ دورتها الخفيةُ في العبثِ بتكويننا الداخلي، ولمزاجنا المتقلبِ فلسفةٌ عصيةٌ على الترويض، لا تخضعُ لمنطقٍ ولا تعترفُ بقواعدِ الثبات. نحنُ، في جوهرنا، ساحةٌ مفتوحةٌ تتناوبُ عليها فصولُ الشعورِ دون استئذان، تحركنا التفاصيلُ الدقيقةُ التي قد تبدو للناظرِ من الخارجِ محضَ أشياءَ عادية، لكنها في عُمقِ أرواحنا تُمثلُ أزرارَ التحكمِ بكلِّ هذا الوجود.
تارةً، نجدُ الخلاصَ في طقسٍ هادئ؛ قطراتٌ تتساقطُ بإيقاعٍ موزونٍ ودقيق لتصنعَ كوبَ قهوةٍ يضبطُ إيقاعَ الروح، ترافقهُ أوراقُ كتابٍ نختبئُ بين سطورهِ من صخبِ الواقع ووحشته. في تلك اللحظة، يبدو العالمُ متصالحاً، وتتحولُ الزاويةُ التي نجلسُ فيها إلى كونٍ كاملٍ ومكتفٍ بذاته، لا نحتاجُ فيهِ إلى أكثرَ من هذا الدفء لنشعرَ بأننا على قيدِ الطمأنينة.
وتارةً أخرى، ننتزعُ الفرحَ من شاشةٍ تُضيءُ عتمةَ الغرفة، نعودُ عبرها إلى لعبةٍ من خزانةِ الذكريات؛ نخوضُ فيها معارك مألوفة، أو نبني أمجاداً افتراضية.. لا لننتصرَ حقاً، بل لنستعيدَ تلكَ النشوةَ الصافية التي تركناها هناك في الأمس. إننا نمارسُ هذا الهروبَ اللذيذ لنلتمسَ الأمانَ في أشياءَ نعرفُ نهاياتها، هرباً من واقعٍ نجهلُ كلَّ ما يخبئه لنا.
لكنَّ هذه الروح، بكلِّ ما تحملهُ من قدرةٍ على استخلاصِ الفرحِ من أبسطِ الأشياء، تظلُّ رهينةً لهشاشتها العميقة. ففي أوجِ هذهِ السكينة، وبينما نحنُ محصنونَ بقهوتنا أو بانتصاراتنا الصغيرة، قد يباغتنا شعورٌ عابر لا لونَ له ولا ملامح. مجردُ طيفٍ غيرِ مرئي، أو ربما سكونٌ مفاجئٌ يثقبُ جدارَ اللحظة، يكفي ليقلبَ الموازين بأكملها، ويُسقطنا في حزنٍ كثيفٍ لا نملكُ لهُ تفسيراً ولا لغة. حزنٌ يذكرنا بأننا لسنا سوى أوراقٍ خفيفة في مهبِّ الذاكرة.
هذه هي فلسفةُ التناقضِ التي تجعلنا بشراً؛ كائناتٌ تُعمرها التفاصيلُ الصغيرة، وتُهدمها في آنٍ واحد. نترنحُ بلا توقفٍ بين يقينِ الأشياءِ المألوفةِ التي تُسعدنا، وريبةِ المشاعر المفاجئةِ التي تكسرنا.. مُدركينَ في نهايةِ المطافِ أنَّ الحياةَ لا تُعاشُ بخطٍ مستقيم، بل بهذا التأرجحِ الدائم بين لحظةِ امتلاء، ولحظةِ فراغٍ تتركنا نتساءلُ عن حقيقةِ ما نحنُ عليه.
أثيل
تارةً، نجدُ الخلاصَ في طقسٍ هادئ؛ قطراتٌ تتساقطُ بإيقاعٍ موزونٍ ودقيق لتصنعَ كوبَ قهوةٍ يضبطُ إيقاعَ الروح، ترافقهُ أوراقُ كتابٍ نختبئُ بين سطورهِ من صخبِ الواقع ووحشته. في تلك اللحظة، يبدو العالمُ متصالحاً، وتتحولُ الزاويةُ التي نجلسُ فيها إلى كونٍ كاملٍ ومكتفٍ بذاته، لا نحتاجُ فيهِ إلى أكثرَ من هذا الدفء لنشعرَ بأننا على قيدِ الطمأنينة.
وتارةً أخرى، ننتزعُ الفرحَ من شاشةٍ تُضيءُ عتمةَ الغرفة، نعودُ عبرها إلى لعبةٍ من خزانةِ الذكريات؛ نخوضُ فيها معارك مألوفة، أو نبني أمجاداً افتراضية.. لا لننتصرَ حقاً، بل لنستعيدَ تلكَ النشوةَ الصافية التي تركناها هناك في الأمس. إننا نمارسُ هذا الهروبَ اللذيذ لنلتمسَ الأمانَ في أشياءَ نعرفُ نهاياتها، هرباً من واقعٍ نجهلُ كلَّ ما يخبئه لنا.
لكنَّ هذه الروح، بكلِّ ما تحملهُ من قدرةٍ على استخلاصِ الفرحِ من أبسطِ الأشياء، تظلُّ رهينةً لهشاشتها العميقة. ففي أوجِ هذهِ السكينة، وبينما نحنُ محصنونَ بقهوتنا أو بانتصاراتنا الصغيرة، قد يباغتنا شعورٌ عابر لا لونَ له ولا ملامح. مجردُ طيفٍ غيرِ مرئي، أو ربما سكونٌ مفاجئٌ يثقبُ جدارَ اللحظة، يكفي ليقلبَ الموازين بأكملها، ويُسقطنا في حزنٍ كثيفٍ لا نملكُ لهُ تفسيراً ولا لغة. حزنٌ يذكرنا بأننا لسنا سوى أوراقٍ خفيفة في مهبِّ الذاكرة.
هذه هي فلسفةُ التناقضِ التي تجعلنا بشراً؛ كائناتٌ تُعمرها التفاصيلُ الصغيرة، وتُهدمها في آنٍ واحد. نترنحُ بلا توقفٍ بين يقينِ الأشياءِ المألوفةِ التي تُسعدنا، وريبةِ المشاعر المفاجئةِ التي تكسرنا.. مُدركينَ في نهايةِ المطافِ أنَّ الحياةَ لا تُعاشُ بخطٍ مستقيم، بل بهذا التأرجحِ الدائم بين لحظةِ امتلاء، ولحظةِ فراغٍ تتركنا نتساءلُ عن حقيقةِ ما نحنُ عليه.
أثيل
❤12⚡1🕊1
Forwarded from صدقة جارية باذن لله عن"شُعلة" (مُنية)
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
صدقة جارية عن أميرة رحمها الله
❤7
أيتامُ الخرائط..
الأوطانُ ليست مجردَ مساحاتٍ من يابسةٍ نخطو عليها، بل هي العمودُ الفقريُّ الذي تنتصبُ به أرواحنا في مواجهةِ فوضى هذا الوجود. حين يتهاوى الوطن، لا تسقطُ الجدرانُ وحدها، بل تنهارُ معنا هويتنا، وتتفتتُ ملامحنا في مهبِّ التيه. ضياعُ الأرضِ هو النسخةُ الأقسى والأكثر مرارة من ضياعِ الذات، فمن لا جذورَ لهُ تضربُ بشراسة في عُمقِ ترابه، لن تعصمهُ كلُّ أوطانِ الأرضِ البديلةِ من شعورِ الاقتلاعِ الأبدي، وسيبقى غريباً ولو ملكَ مفاتيحَ العالم. وكما عبّر أحد الكُتّاب بمرارة: "الوطنُ ليسَ فندقاً نغادرهُ حين تسوءُ الخدمة، ولا حقيبةَ سفرٍ نحملها متى شئنا".. بل هو الدمُ الذي إن نزفناه، جفّت فينا الحياة.
نحنُ نعيشُ في زمنٍ تتقاطعُ فيهِ الأصواتُ وتُصنع فيهِ الأوهام ببراعة، زمنٌ يُتقنُ صياغةَ الشعارات ليُلبسَ الخرابَ ثوبَ الخلاص. ألا نرى كيفَ تُساقُ العقولُ بخطاباتٍ مسمومة؟ يكفي أن نُديرَ أعيننا نحو جراحِ الخريطة المحيطة بنا.. نحو بغدادَ التي كانت خزانةَ المجد، ودمشقَ التي كانت ياسمينةَ التاريخ، وصنعاءَ التي كانت مهدَ العروبةِ والحكمة، والسودانِ الذي كان سلةَ الخيرِ وملاذَ الطيبين، وغيرها من الحواضر. كيفَ تحولتِ المنجزاتُ الشامخةُ إلى ركامٍ يتصاعدُ منه الدخان؟ لم تسقطْ تلك العواصم بضربةِ فأسٍ من الخارجِ فحسب، بل سقطتْ يومَ أن تسللتِ الشكوكُ إلى الأساسات، ويومَ أن رهنتِ بعض النفوسُ ولاءها لسرابٍ قادمٍ من وراءِ الحدود، فباعوا الحقيقةَ الصلبة من أجلِ وعودٍ هشة.
فالموالاةُ لشيءٍ أو رايةٍ خارجَ حدودِ أرضكَ، ليست سوى الطُعمِ الذي ينتظرونَ أن تبتلعه؛ إنهم لا يبحثونَ عن خلاصكَ كما يدّعون، بل هي الغايةُ التي يُريدونها منك بدقة، أن يمنحوكَ الوهمَ لتتطوعَ بهدمِ خيمتكَ بيديك.
البناءُ الذي لا يستندُ إلى أساسٍ متينٍ من الانتماء الخالص، تكفيهِ ريحٌ عابرةٌ من الشائعاتِ أو التحريض ليُصبحَ أثراً بعد عين. وما أسهلَ أن نُفرّط في استقرارنا حين نُسلّمُ عقولنا لأصواتٍ لا تعرفُ قيمةَ ما بُني وتأسس عبر أجيال. الأوطانُ التي تُسلم مصيرها لأهواءِ الآخرين، تتحولُ إلى مجردِ ساحاتِ اختبارٍ لمعارك لا ناقةَ لأهلها فيها ولا جمل، يُدفع ثمنها من دماء الأبرياء، ومستقبل الأبناء، وتاريخ يُسرقُ في وضحِ النهار لخدمة أجندات غريبة. وقد صدقَ الشاعرُ حين لخصَ هذا الانتماءَ المطلق الذي لا يُساومُ عليه مهما قست الظروف:
بلادي وإن جارتْ عليَّ عزيزةٌ
وأهلي وإن ضنُّوا عليَّ كرامُ
لذلك، وسطَ كلِّ هذا الضجيجِ، يجبُ أن نكون كالبنيان المرصوص، نقف كجدارٍ أصمَّ في وجهِ كلِّ ريحٍ تُحاولُ زعزعةَ اليقينِ في صدورنا. لا يليقُ بنا أن نكونَ أوراقاً خفيفةً تتلاعبُ بها ألسنة الحاقدين، ولا أن نُسلّمَ عقولنا لمن يُريدُ أن يُشعلَ النارَ في خيمتنا ليتدفأ هو بلهيبها من بعيد. الوطنُ هو اليقين الثابت، وكلُّ ما دونهُ قابلٌ للزوال. من يفرّط في أرضهِ طمعاً في شعارات الغرباءِ، كمن يبيعُ درعهُ في ساحةِ المعركة، فلن يجدَ حين تشتدُّ السيوفُ سوى صدرهِ العاري يتلقى الطعنات. وتذكّر دائماً بيتَ الشعرِ الذي يحسمُ هذا الانتماء الأصيل:
وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ
يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحِقُّ
إنهم لا يوجهونَ مجانيقهم نحو أسوارنا بقدرِ ما يوجهونها نحو "البوصلةِ" التي تسكنُ عقولنا. لماذا يُصرّون على تخريبِ الفكرِ العربي وتشويهِ يقينه؟ لأنهم أدركوا بعد تجاربَ طويلةٍ أنَّ احتلالَ الأرضِ غزوةٌ مؤقتةٌ تكلفهم الكثير، بينما احتلالُ العقولِ هو استعبادٌ دائمٌ ومجانيّ.
هم يعلمون أنَّ العربيَّ المُتجذرَ في أرضه، والمُعتزَّ بتاريخه وهويته، هو قلعةٌ عصيةٌ على الكسر، لذلك يعمدونَ إلى تسميمِ النبعِ من الداخل؛ يزرعونَ الشكَّ في ثوابته، ويجعلونهُ يزهدُ في إرثه، حتى يرى في أخيهِ عدواً، وفي الغريبِ مُنقذاً. الهدفُ الأكبرُ ليس سلبَ الموارد فحسب، بل سلبَ الإرادة، لنجدَ أنفسنا في النهايةِ نقطعُ جذورنا بفؤوسنا، ونُحرقُ خيامنا بأيدينا عن طيبِ خاطر، بينما يقفونَ هم على التلِّ مبتسمين، يجمعونَ رمادنا ليبنوا بهِ أمجادهم.
أثيل
الأوطانُ ليست مجردَ مساحاتٍ من يابسةٍ نخطو عليها، بل هي العمودُ الفقريُّ الذي تنتصبُ به أرواحنا في مواجهةِ فوضى هذا الوجود. حين يتهاوى الوطن، لا تسقطُ الجدرانُ وحدها، بل تنهارُ معنا هويتنا، وتتفتتُ ملامحنا في مهبِّ التيه. ضياعُ الأرضِ هو النسخةُ الأقسى والأكثر مرارة من ضياعِ الذات، فمن لا جذورَ لهُ تضربُ بشراسة في عُمقِ ترابه، لن تعصمهُ كلُّ أوطانِ الأرضِ البديلةِ من شعورِ الاقتلاعِ الأبدي، وسيبقى غريباً ولو ملكَ مفاتيحَ العالم. وكما عبّر أحد الكُتّاب بمرارة: "الوطنُ ليسَ فندقاً نغادرهُ حين تسوءُ الخدمة، ولا حقيبةَ سفرٍ نحملها متى شئنا".. بل هو الدمُ الذي إن نزفناه، جفّت فينا الحياة.
نحنُ نعيشُ في زمنٍ تتقاطعُ فيهِ الأصواتُ وتُصنع فيهِ الأوهام ببراعة، زمنٌ يُتقنُ صياغةَ الشعارات ليُلبسَ الخرابَ ثوبَ الخلاص. ألا نرى كيفَ تُساقُ العقولُ بخطاباتٍ مسمومة؟ يكفي أن نُديرَ أعيننا نحو جراحِ الخريطة المحيطة بنا.. نحو بغدادَ التي كانت خزانةَ المجد، ودمشقَ التي كانت ياسمينةَ التاريخ، وصنعاءَ التي كانت مهدَ العروبةِ والحكمة، والسودانِ الذي كان سلةَ الخيرِ وملاذَ الطيبين، وغيرها من الحواضر. كيفَ تحولتِ المنجزاتُ الشامخةُ إلى ركامٍ يتصاعدُ منه الدخان؟ لم تسقطْ تلك العواصم بضربةِ فأسٍ من الخارجِ فحسب، بل سقطتْ يومَ أن تسللتِ الشكوكُ إلى الأساسات، ويومَ أن رهنتِ بعض النفوسُ ولاءها لسرابٍ قادمٍ من وراءِ الحدود، فباعوا الحقيقةَ الصلبة من أجلِ وعودٍ هشة.
فالموالاةُ لشيءٍ أو رايةٍ خارجَ حدودِ أرضكَ، ليست سوى الطُعمِ الذي ينتظرونَ أن تبتلعه؛ إنهم لا يبحثونَ عن خلاصكَ كما يدّعون، بل هي الغايةُ التي يُريدونها منك بدقة، أن يمنحوكَ الوهمَ لتتطوعَ بهدمِ خيمتكَ بيديك.
البناءُ الذي لا يستندُ إلى أساسٍ متينٍ من الانتماء الخالص، تكفيهِ ريحٌ عابرةٌ من الشائعاتِ أو التحريض ليُصبحَ أثراً بعد عين. وما أسهلَ أن نُفرّط في استقرارنا حين نُسلّمُ عقولنا لأصواتٍ لا تعرفُ قيمةَ ما بُني وتأسس عبر أجيال. الأوطانُ التي تُسلم مصيرها لأهواءِ الآخرين، تتحولُ إلى مجردِ ساحاتِ اختبارٍ لمعارك لا ناقةَ لأهلها فيها ولا جمل، يُدفع ثمنها من دماء الأبرياء، ومستقبل الأبناء، وتاريخ يُسرقُ في وضحِ النهار لخدمة أجندات غريبة. وقد صدقَ الشاعرُ حين لخصَ هذا الانتماءَ المطلق الذي لا يُساومُ عليه مهما قست الظروف:
بلادي وإن جارتْ عليَّ عزيزةٌ
وأهلي وإن ضنُّوا عليَّ كرامُ
لذلك، وسطَ كلِّ هذا الضجيجِ، يجبُ أن نكون كالبنيان المرصوص، نقف كجدارٍ أصمَّ في وجهِ كلِّ ريحٍ تُحاولُ زعزعةَ اليقينِ في صدورنا. لا يليقُ بنا أن نكونَ أوراقاً خفيفةً تتلاعبُ بها ألسنة الحاقدين، ولا أن نُسلّمَ عقولنا لمن يُريدُ أن يُشعلَ النارَ في خيمتنا ليتدفأ هو بلهيبها من بعيد. الوطنُ هو اليقين الثابت، وكلُّ ما دونهُ قابلٌ للزوال. من يفرّط في أرضهِ طمعاً في شعارات الغرباءِ، كمن يبيعُ درعهُ في ساحةِ المعركة، فلن يجدَ حين تشتدُّ السيوفُ سوى صدرهِ العاري يتلقى الطعنات. وتذكّر دائماً بيتَ الشعرِ الذي يحسمُ هذا الانتماء الأصيل:
وَلِلأَوطانِ في دَمِ كُلِّ حُرٍّ
يَدٌ سَلَفَت وَدَينٌ مُستَحِقُّ
إنهم لا يوجهونَ مجانيقهم نحو أسوارنا بقدرِ ما يوجهونها نحو "البوصلةِ" التي تسكنُ عقولنا. لماذا يُصرّون على تخريبِ الفكرِ العربي وتشويهِ يقينه؟ لأنهم أدركوا بعد تجاربَ طويلةٍ أنَّ احتلالَ الأرضِ غزوةٌ مؤقتةٌ تكلفهم الكثير، بينما احتلالُ العقولِ هو استعبادٌ دائمٌ ومجانيّ.
هم يعلمون أنَّ العربيَّ المُتجذرَ في أرضه، والمُعتزَّ بتاريخه وهويته، هو قلعةٌ عصيةٌ على الكسر، لذلك يعمدونَ إلى تسميمِ النبعِ من الداخل؛ يزرعونَ الشكَّ في ثوابته، ويجعلونهُ يزهدُ في إرثه، حتى يرى في أخيهِ عدواً، وفي الغريبِ مُنقذاً. الهدفُ الأكبرُ ليس سلبَ الموارد فحسب، بل سلبَ الإرادة، لنجدَ أنفسنا في النهايةِ نقطعُ جذورنا بفؤوسنا، ونُحرقُ خيامنا بأيدينا عن طيبِ خاطر، بينما يقفونَ هم على التلِّ مبتسمين، يجمعونَ رمادنا ليبنوا بهِ أمجادهم.
أثيل
❤9
أثِيل
أيتامُ الخرائط.. الأوطانُ ليست مجردَ مساحاتٍ من يابسةٍ نخطو عليها، بل هي العمودُ الفقريُّ الذي تنتصبُ به أرواحنا في مواجهةِ فوضى هذا الوجود. حين يتهاوى الوطن، لا تسقطُ الجدرانُ وحدها، بل تنهارُ معنا هويتنا، وتتفتتُ ملامحنا في مهبِّ التيه. ضياعُ الأرضِ هو…
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
❤5
حين تبلغُ غايتك الحقيقية وتلامسُ عُمقها، ستلتفتُ حتماً إلى الوراء.. لتُبصرَ تلك الأيامَ التي همستَ فيها بانكسار: "لا أستطيع"، وتلك الليالي التي كدتَ أن ترفعَ فيها رايةَ الاستسلام. ستُدرك حينها أنَّ تدبيرَ اللهِ الخفي، وخيرةَ الأقدار، مع قطراتِ الصبرِ التي تجرعتها على مضض، هي التي انتشلتكَ من قاعِ اليأسِ لتعيدك إلى مضمارِ أمنياتك وتضعكَ على منصةِ الوصول.
لم يكنِ الوصولُ يوماً محطةً مجانيةً لأحد. لذلك، لا تتوسلِ السهولةَ والمرونةَ في طريقك، ولا تجزع مهما تكاثرتِ المشقاتُ وتعاظمتِ العوائق؛ ففي صميمِ تلكَ العثراتِ تكمنُ اللذةُ الحقيقيةُ للحياة. نحنُ نُكابدُ الصعابَ لتُصقلَ أرواحنا، ولنحملَ في جعبتنا غداً "قصةً" تستحقُّ أن تُروى.. حكايةً مليئةً بالندوبِ، بالتعثرِ والنهوض، وبالمواقفِ التي نحتتْ ملامحنا أثناءَ المسير.
أما حين تكونُ الأمورُ سهلةً والدروبُ مُمهدةً بلا ثمن، فإنَّ الوصولَ يفقدُ بريقه، وتُصبحُ الغايةُ باهتةً لا طعمَ لها.
الانتصاراتُ المجانيةُ لا تصنعُ أبطالاً، ولا تتركُ في الروحِ أثراً، بل تمرُّ كريحٍ خفيفةٍ لا تُثيرُ في الذاكرةِ غباراً ولا تُبقي خلفها مجداً يُذكر. ما قيمةُ القمةِ، وما لذةُ الوقوفِ عليها، إذا لم تتذوقْ قبلها مرارةَ التسلّق وخوفَ السقوط؟
أثيل
لم يكنِ الوصولُ يوماً محطةً مجانيةً لأحد. لذلك، لا تتوسلِ السهولةَ والمرونةَ في طريقك، ولا تجزع مهما تكاثرتِ المشقاتُ وتعاظمتِ العوائق؛ ففي صميمِ تلكَ العثراتِ تكمنُ اللذةُ الحقيقيةُ للحياة. نحنُ نُكابدُ الصعابَ لتُصقلَ أرواحنا، ولنحملَ في جعبتنا غداً "قصةً" تستحقُّ أن تُروى.. حكايةً مليئةً بالندوبِ، بالتعثرِ والنهوض، وبالمواقفِ التي نحتتْ ملامحنا أثناءَ المسير.
أما حين تكونُ الأمورُ سهلةً والدروبُ مُمهدةً بلا ثمن، فإنَّ الوصولَ يفقدُ بريقه، وتُصبحُ الغايةُ باهتةً لا طعمَ لها.
الانتصاراتُ المجانيةُ لا تصنعُ أبطالاً، ولا تتركُ في الروحِ أثراً، بل تمرُّ كريحٍ خفيفةٍ لا تُثيرُ في الذاكرةِ غباراً ولا تُبقي خلفها مجداً يُذكر. ما قيمةُ القمةِ، وما لذةُ الوقوفِ عليها، إذا لم تتذوقْ قبلها مرارةَ التسلّق وخوفَ السقوط؟
أثيل
❤9
Forwarded from أجزاءً من فَاطِمه ✍🏻
أثِيل
حين تبلغُ غايتك الحقيقية وتلامسُ عُمقها، ستلتفتُ حتماً إلى الوراء.. لتُبصرَ تلك الأيامَ التي همستَ فيها بانكسار: "لا أستطيع"، وتلك الليالي التي كدتَ أن ترفعَ فيها رايةَ الاستسلام. ستُدرك حينها أنَّ تدبيرَ اللهِ الخفي، وخيرةَ الأقدار، مع قطراتِ الصبرِ التي…
الانتصارات المجانية لا تصنعُ أبطالًا
❤8
تتأرجحُ أرواحنا في بندولٍ لا يهدأ، بين الحنينِ الموجعِ للمألوف، والنداءِ الغامضِ نحو المجهول. نحنُ كائناتٌ مصابةٌ بلعنةِ التناقض؛ نألفُ الجدران حتى تضيقَ بنا فنشتهي الفرار، وحين نبتعد، نلتفتُ إلى الوراء لنبكي على أطلالها.
لكنَّ المفارقةَ الأقسى هي أنَّ أعمقَ لوعةٍ نُكابدها، تكونُ لأماكنَ لم نعهدها قَط. نحنُ نشتاقُ إلى المُتخيلِ أكثر من الواقع، لأنَّ الأماكنَ التي لم نزُرها بعد لا تزالُ تحتفظُ بطهارتها في عقولنا؛ لم تتدنسْ بخيباتنا، ولم تشهدْ على انكساراتنا المتكررة.
إنَّ هذا الحنين ليس إلا تمرداً يائساً على قصورِ الحاضر. نحنُ نبحثُ في الخرائطِ الفارغة عن أرضٍ لم تُسجلْ فيها هزائمنا بعد، متناسين في غمرةِ هذا الوهم، أننا لا نشتاقُ إلى جغرافيا المكان بقدرِ ما نشتاقُ إلى الخلاص.. وأننا حيثما ارتحلنا فراراً، فإننا نحملُ معنا أرواحنا المنهكةَ ذاتها.
أثيل
لكنَّ المفارقةَ الأقسى هي أنَّ أعمقَ لوعةٍ نُكابدها، تكونُ لأماكنَ لم نعهدها قَط. نحنُ نشتاقُ إلى المُتخيلِ أكثر من الواقع، لأنَّ الأماكنَ التي لم نزُرها بعد لا تزالُ تحتفظُ بطهارتها في عقولنا؛ لم تتدنسْ بخيباتنا، ولم تشهدْ على انكساراتنا المتكررة.
إنَّ هذا الحنين ليس إلا تمرداً يائساً على قصورِ الحاضر. نحنُ نبحثُ في الخرائطِ الفارغة عن أرضٍ لم تُسجلْ فيها هزائمنا بعد، متناسين في غمرةِ هذا الوهم، أننا لا نشتاقُ إلى جغرافيا المكان بقدرِ ما نشتاقُ إلى الخلاص.. وأننا حيثما ارتحلنا فراراً، فإننا نحملُ معنا أرواحنا المنهكةَ ذاتها.
أثيل
❤11
"وجهكَ ليس محطةً للوصول، بل هو أعذبُ المتاهات التي أرجو ألا أجدَ منها مخرجاً."
يُذكّرني وجهكَ بتلك الأيامِ التي نبلغُ فيها من فرطِ السعادةِ حدَّ التيه؛ حيثُ تتلاشى الخرائط، وتتعطلُ بوصلةُ الإدراك، ولا أعودُ أبحثُ عن أيِّ وجهةٍ أمضي إليها.. بل أقفُ مأخوذاً بهذا الانبهار، راجياً أن يتوقفَ الزمن، لأظلَّ غارقاً في تفاصيلكَ إلى الأبد.
أثيل
يُذكّرني وجهكَ بتلك الأيامِ التي نبلغُ فيها من فرطِ السعادةِ حدَّ التيه؛ حيثُ تتلاشى الخرائط، وتتعطلُ بوصلةُ الإدراك، ولا أعودُ أبحثُ عن أيِّ وجهةٍ أمضي إليها.. بل أقفُ مأخوذاً بهذا الانبهار، راجياً أن يتوقفَ الزمن، لأظلَّ غارقاً في تفاصيلكَ إلى الأبد.
أثيل
❤11🌚1
Forwarded from متكأ العابرين 🍂
أحيانًا لا فصاحتك ولا براعتك ولا مخزونك البلاغي كافين لترجمة قيامتك الداخلية
❤11
الارتماء إلى حُضنك
ليس اندفاعًا… بل عودةٌ إلى مقاسي.
هناك يتراجع ضجيجُ الرأس، ويستوي النَّفَس.
لا أطلب وعدًا؛ أطلب مكانًا تُطفَأ فيه زوائدُ الخوف.
أضع رأسي، فيهدأ العالمُ قليلًا.
يتذكّر قلبي وظيفته: أن يمسك بك لا بالدنيا.
حضنك ليس هروبًا من الحياة، بل ترتيبٌ لها.
أخرجُ منه أخفَّ، وأصدق… وأقدر على الكلام.
رِكَاب
ليس اندفاعًا… بل عودةٌ إلى مقاسي.
هناك يتراجع ضجيجُ الرأس، ويستوي النَّفَس.
لا أطلب وعدًا؛ أطلب مكانًا تُطفَأ فيه زوائدُ الخوف.
أضع رأسي، فيهدأ العالمُ قليلًا.
يتذكّر قلبي وظيفته: أن يمسك بك لا بالدنيا.
حضنك ليس هروبًا من الحياة، بل ترتيبٌ لها.
أخرجُ منه أخفَّ، وأصدق… وأقدر على الكلام.
رِكَاب
❤7
لا أنا عندَ نظرتكِ أنا.. فقد سُلبتْ إرادتي مع أولِ التفاتة.
ولا أنا عندَ صوتكِ أنا.. فقد ذابت صرامةُ العقلِ في بحّةِ النداء.
ولا أنا عندَ عينيكِ أنا.. ففي عُمقهما غرقتْ كلُّ خرائطي، وتلاشتْ بوصلةُ اتزاني.
أنا فقط.. ذلكَ الجريحُ الذي تهاوتْ حصونهُ أمامكِ، والظمآنُ الذي أنهكهُ التيهُ في صحراءِ الأيام، حتى وجدَ ارتواءهُ وملاذهُ الأخير، مُعلقاً في كوكبةِ النمشِ المنثورةِ على وجنتيكِ. هناكَ فقط.. انتهى ارتحالي، واعترفتُ بهزيمتي الأجمل.
أثيل
ولا أنا عندَ صوتكِ أنا.. فقد ذابت صرامةُ العقلِ في بحّةِ النداء.
ولا أنا عندَ عينيكِ أنا.. ففي عُمقهما غرقتْ كلُّ خرائطي، وتلاشتْ بوصلةُ اتزاني.
أنا فقط.. ذلكَ الجريحُ الذي تهاوتْ حصونهُ أمامكِ، والظمآنُ الذي أنهكهُ التيهُ في صحراءِ الأيام، حتى وجدَ ارتواءهُ وملاذهُ الأخير، مُعلقاً في كوكبةِ النمشِ المنثورةِ على وجنتيكِ. هناكَ فقط.. انتهى ارتحالي، واعترفتُ بهزيمتي الأجمل.
أثيل
❤7
م.سالم .
لا أنا عندَ نظرتكِ أنا.. فقد سُلبتْ إرادتي مع أولِ التفاتة. ولا أنا عندَ صوتكِ أنا.. فقد ذابت صرامةُ العقلِ في بحّةِ النداء. ولا أنا عندَ عينيكِ أنا.. ففي عُمقهما غرقتْ كلُّ خرائطي، وتلاشتْ بوصلةُ اتزاني. أنا فقط.. ذلكَ الجريحُ الذي تهاوتْ حصونهُ أمامكِ،…
وسقطتِ الـ "أنا"
وأصبحتُ بأسري "أنتِ".
وأصبحتُ بأسري "أنتِ".
❤5