يحكى أن رجلاً من بني عذرة كانت له زوجة من أجمل النساء وأعقلهن تُدعى "سُعدى"، وكان يحبها حباً ملك عليه جوارحه، فجار عليه الزمان وافتقر، فخرج يبتغي الرزق، فبصر بها "ابن أم الحكم" (وهو إبراهيم بن محمد بن طلحة، والي الكوفة وابن أخت معاوية بن أبي سفيان) فأعجب بها أيما إعجاب، واستغل نفوذه وسلطانه حتى احتال في طلاقها من زوجها وتزوجها هو غصباً، فكاد الزوج يجنّ وضاقت عليه الأرض بما رحبت، فلم يجد وسيلة إلا أن يرحل إلى دمشق ليرفع ظلامته إلى الخليفة معاوية بن أبي سفيان، فدخل عليه وهو في حالٍ رثة من الهم والهزال، فأنشد بين يديه أبياتاً تقطر لوعةً وحزناً، منها قوله:
أَفي الحَقِّ أَن أُمَّ الحَكيمِ نَأَت بِنا ... وَأَنَّ ابنَ أُمِّ الحَكَمِ أَصبَحَ لاهِيا
يَعيشُ بِرَغدٍ في القُصورِ مُنَعَّماً ... وَأُصبِحُ مُلقىً بِالفَلاةِ صَوادِيا
فَيا لَيتَ شِعري هَل أَبيتَنَّ لَيلَةً ... وَسُعدى لَنا دونَ الأَنامِ مَواِليا
أَتَذكُرُ إِذ لِحافُكَ ثوبُ صِدقٍ .. وإِذ قَرطاكِ من شِبَهٍ طَموسِ
فَلَو كُنتَ ابنَ أُمِّ الحَكَمِ لَم
تَزِدني .. عَلى شَحَطِ المزارِ وحُسنِ بوسِ
فلما سمع معاوية قوله وعلم قصته، استشاط غضباً من فعل ابن أخته، وكتب إليه كتاباً شديد اللهجة يأمره فيه بطلاق "سُعدى" وإرسالها إلى دمشق فوراً، فخاف ابن أم الحكم من وعيد خاله وطلقها وسيرها إليه، ولما حضرت سُعدى بين يدي معاوية، بهرته بجمالها وفصاحتها وعقلها، فأراد معاوية أن يختبر وفاءها ومعدنها،
فخيرها قائلاً: "يا سُعدى، إن شئتِ تزوجتُكِ فكنتِ في قصر أمير المؤمنين، وإن شئتِ رددتُكِ إلى ابن أم الحكم فله الشباب والمال والجاه، وإن شئتِ رددتُكِ إلى هذا الأعرابي الفقير المحطّم"، فنظرت إلى زوجها العذري بوفاءٍ لا يلين وقالت بلسانٍ فصيح: "يا أمير المؤمنين، والله إن هذا الفقير هو شربي وطعامي، وهو الروح التي بين جنبي، والفقر معه أحب إليّ من ملكك ومن مال ابن أم الحكم"، ثم أنشدت تقول:
وَلَو كُنتُ في جَنّاتِ عَدنٍ وَخُلدِها ... وَكانَ حَبيبي غائِبَاً لَم يَرُق لِيا
فَهَذا الذي أَهوى وَإِن كُنتُ بَعدَهُ ... عَلى غُصَّةٍ قَد كُنتُ لِلمَوتِ راجِيا
فدهش معاوية من نبل عاطفتها وعظيم وفائها، وأمر بردها إلى زوجها فوراً، وصرف لهما مبلغاً كبيراً من المال ليغنيهما عن مسألة الناس، وعاد الزوجان إلى بلادهما في رغد من العيش
أَفي الحَقِّ أَن أُمَّ الحَكيمِ نَأَت بِنا ... وَأَنَّ ابنَ أُمِّ الحَكَمِ أَصبَحَ لاهِيا
يَعيشُ بِرَغدٍ في القُصورِ مُنَعَّماً ... وَأُصبِحُ مُلقىً بِالفَلاةِ صَوادِيا
فَيا لَيتَ شِعري هَل أَبيتَنَّ لَيلَةً ... وَسُعدى لَنا دونَ الأَنامِ مَواِليا
أَتَذكُرُ إِذ لِحافُكَ ثوبُ صِدقٍ .. وإِذ قَرطاكِ من شِبَهٍ طَموسِ
فَلَو كُنتَ ابنَ أُمِّ الحَكَمِ لَم
تَزِدني .. عَلى شَحَطِ المزارِ وحُسنِ بوسِ
فلما سمع معاوية قوله وعلم قصته، استشاط غضباً من فعل ابن أخته، وكتب إليه كتاباً شديد اللهجة يأمره فيه بطلاق "سُعدى" وإرسالها إلى دمشق فوراً، فخاف ابن أم الحكم من وعيد خاله وطلقها وسيرها إليه، ولما حضرت سُعدى بين يدي معاوية، بهرته بجمالها وفصاحتها وعقلها، فأراد معاوية أن يختبر وفاءها ومعدنها،
فخيرها قائلاً: "يا سُعدى، إن شئتِ تزوجتُكِ فكنتِ في قصر أمير المؤمنين، وإن شئتِ رددتُكِ إلى ابن أم الحكم فله الشباب والمال والجاه، وإن شئتِ رددتُكِ إلى هذا الأعرابي الفقير المحطّم"، فنظرت إلى زوجها العذري بوفاءٍ لا يلين وقالت بلسانٍ فصيح: "يا أمير المؤمنين، والله إن هذا الفقير هو شربي وطعامي، وهو الروح التي بين جنبي، والفقر معه أحب إليّ من ملكك ومن مال ابن أم الحكم"، ثم أنشدت تقول:
وَلَو كُنتُ في جَنّاتِ عَدنٍ وَخُلدِها ... وَكانَ حَبيبي غائِبَاً لَم يَرُق لِيا
فَهَذا الذي أَهوى وَإِن كُنتُ بَعدَهُ ... عَلى غُصَّةٍ قَد كُنتُ لِلمَوتِ راجِيا
فدهش معاوية من نبل عاطفتها وعظيم وفائها، وأمر بردها إلى زوجها فوراً، وصرف لهما مبلغاً كبيراً من المال ليغنيهما عن مسألة الناس، وعاد الزوجان إلى بلادهما في رغد من العيش
❤9
رساله وصلتني بالخاص
أسألكم الدعاء لصديقي، داخل المستشفى اليوم وبيسوي عملية. الله يشفيه ويقومه بالسلامة 🤍
أسألكم الدعاء لصديقي، داخل المستشفى اليوم وبيسوي عملية. الله يشفيه ويقومه بالسلامة 🤍
❤8
الفن في حقيقته ليس سوى فعل "عدم امتثال" صارم للواقع؛ هو الترفع الوقور عن عالم لم يعد يكفي، ومحاولة لتسمية الفراغ الذي نسكنه. ولعل الأدب يحتكر تلك الهيبة حين يغدو الحرف مِبضعاً يشرّح "نقصان الوجود" ويكشف عن القلق الكامن في أعماقنا. نحن لا نبدع لننسى، بل لنعطي لـ "وحشة الإدراك" صوتاً، ولنثبت أن الروح لا تقبل الامتثال لواقع لا يتسع لأشواقها.
رِكَاب
رِكَاب
❤6
لا يقاس ثقل الارتطام بحجم الحجر، بل بعمق الفجوة التي يخلفها في الأرض؛ وكذلك الألم، لا يستمد وقاره من سببه الظاهر، بل من الأثر الذي ينحته في جدار الروح. إن محاولة حصر الوجع في منطق "الأسباب والمسببات" هي خطيئة تقترفها العقول الباردة بحق القلوب الملتاعة، وتجاهل صارخ لحقيقة أن لكل كائن "هشاشة" خاصة لا يفهم مدارها إلا هو.
أجهل كيف يجرؤ إنسان، يقف على ضفة الأمان، أن ينصب نفسه قاضياً على جراح الآخرين، ليقول بكل خفة: "الأمر لم يكن يستحق". إن في هذه العبارة تعدٍّ سافر على "مسافة الكرامة" التي يبنيها المرء حول مصابه، ومحاولة بائسة لتسطيح تجربة وجودية عميقة. فالذي ينظر إلى الندبة من الخارج لن يدرك أبداً حجم النزيف الذي سبقها، ومن لم يذق مرارة الارتداد نحو الداخل، ليس له أن يحدد أوزان الحزن لغيره.
الألم استحقاق فردي، والامتثال له هو نوع من الوقار؛ لذا فليصمت الذين لا يملكون مبضع الجراح، وليكفوا عن دنس الطمأنة الزائفة التي تنكر على المرء حقه في الاحتراق.
رِكاب
أجهل كيف يجرؤ إنسان، يقف على ضفة الأمان، أن ينصب نفسه قاضياً على جراح الآخرين، ليقول بكل خفة: "الأمر لم يكن يستحق". إن في هذه العبارة تعدٍّ سافر على "مسافة الكرامة" التي يبنيها المرء حول مصابه، ومحاولة بائسة لتسطيح تجربة وجودية عميقة. فالذي ينظر إلى الندبة من الخارج لن يدرك أبداً حجم النزيف الذي سبقها، ومن لم يذق مرارة الارتداد نحو الداخل، ليس له أن يحدد أوزان الحزن لغيره.
الألم استحقاق فردي، والامتثال له هو نوع من الوقار؛ لذا فليصمت الذين لا يملكون مبضع الجراح، وليكفوا عن دنس الطمأنة الزائفة التي تنكر على المرء حقه في الاحتراق.
رِكاب
1❤7