التَّمَام
لم يَكنِ الجُلوسُ في حَضرتِكِ مُجرَّدَ سَاعاتٍ تَمضي، بل كانَ نَوعاً مِن الخَلاصِ؛ لَحظةُ تَجرُّدٍ كَاملٍ تَتساقطُ فيها عن كَاهِلي أثقالُ الوجودِ ومَتاعِبُ الأيَّام، حتَّى أنَّني كُنتُ أنسى في سُكونِكِ كَيفَ تَبدو ملامِحُ وَجهي المُتعَب، وتعودُ إليَّ ابتسامةٌ كُنتُ أظنُّها دُفِنَت مَعَ الخيبات. كانَ ذلكَ الصَّفاءُ هو حِصني الوَحيدُ ضِدَّ خَرابِ العالَم.
يبدَو أنَّ شَيئاً واحِداً كانَ يُعكِّرُ قَداسَةَ ذَلِكَ الامتِلاء؛ عَبثُ الهَواءِ المُستمرُّ بِخُصلاتِ شَعرِك. كانَ ذلكَ يَستفِزُّني بِعُمق، ليسَ لِأسبابٍ سَطحية، بل لأنَّ تِلكَ الفَوضى كانت تَخْدِشُ صَفاءَ النَّظرِ إليكِ. وحينَ تَوقَّفَ الهَواءُ أخيراً، واستَكانَتِ الخُصلاتُ بوقار، شَعرتُ بأنَّ الكَونَ قَد رَضخَ لِرغبتي، لِيُصبِحَ المَشهدُ مُتكامِلاً، بَديعاً، لا يَقْبَلُ الزِّيادةَ ولا النُّقصان.
في تِلكَ الغُفوةِ الزَّمانيَّة، تَجلَّى وَجهُكِ كَـ مَقامٍ لِلثباتِ المُطلَق؛ جَبينٌ مَصقولٌ بِمياهِ الطُّمأنينة، وعينانِ تَختصرانِ هَندسةَ الضَّوءِ في عِزِّ العَتْمة. كُنتُ أرى في ملامِحِكِ سُكوناً يَفوقُ قدرةَ الوَصف، حَيثُ تَتوزعُ الظِّلالُ فوقَ وَجنتيكِ بِدِقَّةٍ جارِحة، وتَستقرُّ المَعاني الباذِخةُ على ثَغركِ كأنَّها وَحيٌ لم يُنطَق بَعْد.
لم يَكن هذا الحُسنُ زينةً لِلعين، بل كانَ حَقيقةً وُجوديةً ثَقيلة، وقُوةً تَمنعُ العالَمَ مِن السُّقوط، وكأنَّ كُلَّ تَفْصِيلةٍ فيكِ هي بَصمةُ كَمالٍ لا تُقهر، وجَوهرٌ يَفيضُ بِوقارٍ يَتجاوزُ حُدودَ المادَّة، لِيضعَني في حَالةٍ مِن "الرَّهبةِ" التي لا تَعرفُ المَهْرَب.
كانَ مَشهداً عَصيّاً على المَللِ أو النِّسيان.
والآن، وأنا أستعيدُ شَريطَ تِلكَ الذِّكرى، أغمضتُ عَينيَّ لِتَسقطَ مِنهُما دَمعةٌ حارَّة؛ دَمعةٌ أيقظتني على حَقيقةٍ جارِحة: أنَّني أُحاوِلُ الإمساكَ بِطَيفٍ لا وَزْنَ لَه. ومِن هَولِ هَذِهِ الحقيقة، ومِن وَحشةِ الإدراك، أطبقتُ غِطاءَ صُندوقِ الذِّكرياتِ بِيَدٍ مُرتَجِفة، وَوَضعتُ رِسالتَكِ الأخيرةَ فَوقَه كَشاهِدِ قَبر.
ما زِلتُ حتَّى اللَّحظةِ واقِفاً أمامَ السَّطرِ الأخيرِ الذي كَتَبْتِه، الكَلِماتُ التي جَعَلَتني أُدرِكُ سَذاجةَ نَشوتي بِذلكَ الهُدوء:
"كُنتَ مَشغولاً بِمُحاربةِ الرِّيحِ لِيَكتملَ المَشهدُ الجَميلُ في عَينيك، بَينما كُنتُ أنا تَحتَ وَطأةِ عَواصِفِكَ الدَّاخليَّةِ الصَّامِتة.. أَتمَزَّق."
رِكَاب
لم يَكنِ الجُلوسُ في حَضرتِكِ مُجرَّدَ سَاعاتٍ تَمضي، بل كانَ نَوعاً مِن الخَلاصِ؛ لَحظةُ تَجرُّدٍ كَاملٍ تَتساقطُ فيها عن كَاهِلي أثقالُ الوجودِ ومَتاعِبُ الأيَّام، حتَّى أنَّني كُنتُ أنسى في سُكونِكِ كَيفَ تَبدو ملامِحُ وَجهي المُتعَب، وتعودُ إليَّ ابتسامةٌ كُنتُ أظنُّها دُفِنَت مَعَ الخيبات. كانَ ذلكَ الصَّفاءُ هو حِصني الوَحيدُ ضِدَّ خَرابِ العالَم.
يبدَو أنَّ شَيئاً واحِداً كانَ يُعكِّرُ قَداسَةَ ذَلِكَ الامتِلاء؛ عَبثُ الهَواءِ المُستمرُّ بِخُصلاتِ شَعرِك. كانَ ذلكَ يَستفِزُّني بِعُمق، ليسَ لِأسبابٍ سَطحية، بل لأنَّ تِلكَ الفَوضى كانت تَخْدِشُ صَفاءَ النَّظرِ إليكِ. وحينَ تَوقَّفَ الهَواءُ أخيراً، واستَكانَتِ الخُصلاتُ بوقار، شَعرتُ بأنَّ الكَونَ قَد رَضخَ لِرغبتي، لِيُصبِحَ المَشهدُ مُتكامِلاً، بَديعاً، لا يَقْبَلُ الزِّيادةَ ولا النُّقصان.
في تِلكَ الغُفوةِ الزَّمانيَّة، تَجلَّى وَجهُكِ كَـ مَقامٍ لِلثباتِ المُطلَق؛ جَبينٌ مَصقولٌ بِمياهِ الطُّمأنينة، وعينانِ تَختصرانِ هَندسةَ الضَّوءِ في عِزِّ العَتْمة. كُنتُ أرى في ملامِحِكِ سُكوناً يَفوقُ قدرةَ الوَصف، حَيثُ تَتوزعُ الظِّلالُ فوقَ وَجنتيكِ بِدِقَّةٍ جارِحة، وتَستقرُّ المَعاني الباذِخةُ على ثَغركِ كأنَّها وَحيٌ لم يُنطَق بَعْد.
لم يَكن هذا الحُسنُ زينةً لِلعين، بل كانَ حَقيقةً وُجوديةً ثَقيلة، وقُوةً تَمنعُ العالَمَ مِن السُّقوط، وكأنَّ كُلَّ تَفْصِيلةٍ فيكِ هي بَصمةُ كَمالٍ لا تُقهر، وجَوهرٌ يَفيضُ بِوقارٍ يَتجاوزُ حُدودَ المادَّة، لِيضعَني في حَالةٍ مِن "الرَّهبةِ" التي لا تَعرفُ المَهْرَب.
كانَ مَشهداً عَصيّاً على المَللِ أو النِّسيان.
والآن، وأنا أستعيدُ شَريطَ تِلكَ الذِّكرى، أغمضتُ عَينيَّ لِتَسقطَ مِنهُما دَمعةٌ حارَّة؛ دَمعةٌ أيقظتني على حَقيقةٍ جارِحة: أنَّني أُحاوِلُ الإمساكَ بِطَيفٍ لا وَزْنَ لَه. ومِن هَولِ هَذِهِ الحقيقة، ومِن وَحشةِ الإدراك، أطبقتُ غِطاءَ صُندوقِ الذِّكرياتِ بِيَدٍ مُرتَجِفة، وَوَضعتُ رِسالتَكِ الأخيرةَ فَوقَه كَشاهِدِ قَبر.
ما زِلتُ حتَّى اللَّحظةِ واقِفاً أمامَ السَّطرِ الأخيرِ الذي كَتَبْتِه، الكَلِماتُ التي جَعَلَتني أُدرِكُ سَذاجةَ نَشوتي بِذلكَ الهُدوء:
"كُنتَ مَشغولاً بِمُحاربةِ الرِّيحِ لِيَكتملَ المَشهدُ الجَميلُ في عَينيك، بَينما كُنتُ أنا تَحتَ وَطأةِ عَواصِفِكَ الدَّاخليَّةِ الصَّامِتة.. أَتمَزَّق."
رِكَاب
2❤7🕊2
جَدليَّةُ التَّجاوُز
يَستوجبُ الوقارُ الامتثالَ لِقانونِ العُبورِ فَوقَ الحُطامِ دونَ انتظارِ تَفسير؛ فالحَياةُ كِيانٌ صَموتٌ لا يُجيدُ لُغةَ الاعتذار، ولا يَعِدُكَ بِأنَّ الارتطامَ الذي مَرَّ بكَ هو المَشهدُ الأخير. إنَّ كَرامةَ المَرءِ تكمنُ في فَهْمِ أنَّ الخَرابَ جُزءٌ مِن هَندسةِ الرِّحلة، وأنَّ النَّجاةَ الحقيقيَّةَ لا تكونُ بانتظارِ إشفاقِ القَدَر، بل في مُواصَلةِ المَسيرِ بِـ "أَنَفَة" رَغمَ الرُّكام، وبِبصيرةٍ تُدركُ أنَّ الوجودَ لا يَتوقَّفُ لِيُواسيَ أحداً.
رِكَاب
يَستوجبُ الوقارُ الامتثالَ لِقانونِ العُبورِ فَوقَ الحُطامِ دونَ انتظارِ تَفسير؛ فالحَياةُ كِيانٌ صَموتٌ لا يُجيدُ لُغةَ الاعتذار، ولا يَعِدُكَ بِأنَّ الارتطامَ الذي مَرَّ بكَ هو المَشهدُ الأخير. إنَّ كَرامةَ المَرءِ تكمنُ في فَهْمِ أنَّ الخَرابَ جُزءٌ مِن هَندسةِ الرِّحلة، وأنَّ النَّجاةَ الحقيقيَّةَ لا تكونُ بانتظارِ إشفاقِ القَدَر، بل في مُواصَلةِ المَسيرِ بِـ "أَنَفَة" رَغمَ الرُّكام، وبِبصيرةٍ تُدركُ أنَّ الوجودَ لا يَتوقَّفُ لِيُواسيَ أحداً.
رِكَاب
1❤7🔥1
أُداري اللَّهْفَةَ الحَرَّى وتَغْلِبُني ... وأَطْلُبُ الصَّرْفَ عَنْ وَجْدٍ يُوَافِيني
ولا أُحِبُّ جِهَاراً أَنْ أَبُوحَ بِمَا ... يَنْمُو بِصَدْرِي وَفِي صَمْتِي يُوَارِيني
تَزِيدُ فِي داخِلي كَالغَيْثِ دَافِقَةً ... وَالوَجْدُ فِي خَفْيِهِ بِالشَّوْقِ يَكْوِينِي
أَخَافُ لَوْ قُلْتُ مَكْنُونَ الهَوَى عَلَناً ... كَانَ الفِرَاقُ لِحُبٍّ بَاتَ يَشْفِينِي
فَكُلَّمَا كَبُرَتْ فِي الروحِ عاطِفَةٌ ... حَبَسْتُها خَشْيَةً مِنْ أَنْ تُبَكّيني
-ركَاب
ولا أُحِبُّ جِهَاراً أَنْ أَبُوحَ بِمَا ... يَنْمُو بِصَدْرِي وَفِي صَمْتِي يُوَارِيني
تَزِيدُ فِي داخِلي كَالغَيْثِ دَافِقَةً ... وَالوَجْدُ فِي خَفْيِهِ بِالشَّوْقِ يَكْوِينِي
أَخَافُ لَوْ قُلْتُ مَكْنُونَ الهَوَى عَلَناً ... كَانَ الفِرَاقُ لِحُبٍّ بَاتَ يَشْفِينِي
فَكُلَّمَا كَبُرَتْ فِي الروحِ عاطِفَةٌ ... حَبَسْتُها خَشْيَةً مِنْ أَنْ تُبَكّيني
-ركَاب
1❤7
وَقارُ التَّسَاؤُل
إنَّ السُّؤالَ في مَقامِ العَقلِ الحُرِّ لَيسَ اعتِرافاً بالعَجز، بَل هُوَ ذُروةُ الامتِلاءِ بالوُجود؛ فَالجَمالُ لا يَكمنُ في إيجادِ الإجابةِ التي تُسكِنُ القَلق، بَل في تِلكَ "المَسافةِ" التي يَبنيها الشَّكُّ بَينَ اليقينِ الرَّاكِدِ وبَينَ بَصيرةِ الرُّوح. العَقلُ الحُرُّ لا يَهابُ الارْتِطَامَ بالمَجهول، بَل يَرى فيهِ مَيداناً لِتَفكيكِ جُمودِ الواقِع، حَيثُ تَتجلى الشَّجاعةُ في عَدَمِ الامتِثالِ لِلنِّهاياتِ المُرِيحةِ التي تُقدِّمُها الحَياةُ كَجَوائزَ لِلمُتعبين.
تَبدأُ قِيمَةُ العَقلِ حِينَ يَكفُّ عَن كَونِهِ مَخزناً لِلمُسَلَّمات، لِيُصبحَ طاقةً قَلِقَةً تَنبشُ في "هَشاشةِ" الأجوبةِ بِيَدِ الجَرَّاحِ وبِصيرةِ الذي نَجا. التَّساؤُلُ هُنا هُوَ مُمَارَسَةٌ لِلكَرامَةِ بـ "أَنَفَة"؛ فِعلٌ لا يَسعى لِلاطمئنانِ الزَّائِف، بَل يَنشدُ الوعيَ الحادَّ بـجَوهَرِ الأشياءِ بَعيداً عن ضَجيجِ الحُشود. وفي تِلكَ اللَّحظةِ الفاصِلة، حِينَ يَقفُ المَرءُ وَحيداً أمامَ سُؤالِهِ العَظيم، يَكتشفُ أنَّ الجَمالَ لَيسَ فِيما نَعرِف، بَل في ذلكَ الصَّفاءِ الذي يَعقُبُ تَحطيمَ الأوهام. فالسُّؤالُ الحقيقيُّ هو ضَربَةُ الفَأسِ على بَحرِ اليَقينِ المُتجمِّد، لِيَبقى الأثَرُ في النَّفسِ جُرحاً مَسكوناً بِرهبةِ المَعنى، لا يَبرأُ إلا بِالمَزيدِ مِن الضَّوء.
رِكَاب
إنَّ السُّؤالَ في مَقامِ العَقلِ الحُرِّ لَيسَ اعتِرافاً بالعَجز، بَل هُوَ ذُروةُ الامتِلاءِ بالوُجود؛ فَالجَمالُ لا يَكمنُ في إيجادِ الإجابةِ التي تُسكِنُ القَلق، بَل في تِلكَ "المَسافةِ" التي يَبنيها الشَّكُّ بَينَ اليقينِ الرَّاكِدِ وبَينَ بَصيرةِ الرُّوح. العَقلُ الحُرُّ لا يَهابُ الارْتِطَامَ بالمَجهول، بَل يَرى فيهِ مَيداناً لِتَفكيكِ جُمودِ الواقِع، حَيثُ تَتجلى الشَّجاعةُ في عَدَمِ الامتِثالِ لِلنِّهاياتِ المُرِيحةِ التي تُقدِّمُها الحَياةُ كَجَوائزَ لِلمُتعبين.
تَبدأُ قِيمَةُ العَقلِ حِينَ يَكفُّ عَن كَونِهِ مَخزناً لِلمُسَلَّمات، لِيُصبحَ طاقةً قَلِقَةً تَنبشُ في "هَشاشةِ" الأجوبةِ بِيَدِ الجَرَّاحِ وبِصيرةِ الذي نَجا. التَّساؤُلُ هُنا هُوَ مُمَارَسَةٌ لِلكَرامَةِ بـ "أَنَفَة"؛ فِعلٌ لا يَسعى لِلاطمئنانِ الزَّائِف، بَل يَنشدُ الوعيَ الحادَّ بـجَوهَرِ الأشياءِ بَعيداً عن ضَجيجِ الحُشود. وفي تِلكَ اللَّحظةِ الفاصِلة، حِينَ يَقفُ المَرءُ وَحيداً أمامَ سُؤالِهِ العَظيم، يَكتشفُ أنَّ الجَمالَ لَيسَ فِيما نَعرِف، بَل في ذلكَ الصَّفاءِ الذي يَعقُبُ تَحطيمَ الأوهام. فالسُّؤالُ الحقيقيُّ هو ضَربَةُ الفَأسِ على بَحرِ اليَقينِ المُتجمِّد، لِيَبقى الأثَرُ في النَّفسِ جُرحاً مَسكوناً بِرهبةِ المَعنى، لا يَبرأُ إلا بِالمَزيدِ مِن الضَّوء.
رِكَاب
2❤7🕊1
يحكى أن رجلاً من بني عذرة كانت له زوجة من أجمل النساء وأعقلهن تُدعى "سُعدى"، وكان يحبها حباً ملك عليه جوارحه، فجار عليه الزمان وافتقر، فخرج يبتغي الرزق، فبصر بها "ابن أم الحكم" (وهو إبراهيم بن محمد بن طلحة، والي الكوفة وابن أخت معاوية بن أبي سفيان) فأعجب بها أيما إعجاب، واستغل نفوذه وسلطانه حتى احتال في طلاقها من زوجها وتزوجها هو غصباً، فكاد الزوج يجنّ وضاقت عليه الأرض بما رحبت، فلم يجد وسيلة إلا أن يرحل إلى دمشق ليرفع ظلامته إلى الخليفة معاوية بن أبي سفيان، فدخل عليه وهو في حالٍ رثة من الهم والهزال، فأنشد بين يديه أبياتاً تقطر لوعةً وحزناً، منها قوله:
أَفي الحَقِّ أَن أُمَّ الحَكيمِ نَأَت بِنا ... وَأَنَّ ابنَ أُمِّ الحَكَمِ أَصبَحَ لاهِيا
يَعيشُ بِرَغدٍ في القُصورِ مُنَعَّماً ... وَأُصبِحُ مُلقىً بِالفَلاةِ صَوادِيا
فَيا لَيتَ شِعري هَل أَبيتَنَّ لَيلَةً ... وَسُعدى لَنا دونَ الأَنامِ مَواِليا
أَتَذكُرُ إِذ لِحافُكَ ثوبُ صِدقٍ .. وإِذ قَرطاكِ من شِبَهٍ طَموسِ
فَلَو كُنتَ ابنَ أُمِّ الحَكَمِ لَم
تَزِدني .. عَلى شَحَطِ المزارِ وحُسنِ بوسِ
فلما سمع معاوية قوله وعلم قصته، استشاط غضباً من فعل ابن أخته، وكتب إليه كتاباً شديد اللهجة يأمره فيه بطلاق "سُعدى" وإرسالها إلى دمشق فوراً، فخاف ابن أم الحكم من وعيد خاله وطلقها وسيرها إليه، ولما حضرت سُعدى بين يدي معاوية، بهرته بجمالها وفصاحتها وعقلها، فأراد معاوية أن يختبر وفاءها ومعدنها،
فخيرها قائلاً: "يا سُعدى، إن شئتِ تزوجتُكِ فكنتِ في قصر أمير المؤمنين، وإن شئتِ رددتُكِ إلى ابن أم الحكم فله الشباب والمال والجاه، وإن شئتِ رددتُكِ إلى هذا الأعرابي الفقير المحطّم"، فنظرت إلى زوجها العذري بوفاءٍ لا يلين وقالت بلسانٍ فصيح: "يا أمير المؤمنين، والله إن هذا الفقير هو شربي وطعامي، وهو الروح التي بين جنبي، والفقر معه أحب إليّ من ملكك ومن مال ابن أم الحكم"، ثم أنشدت تقول:
وَلَو كُنتُ في جَنّاتِ عَدنٍ وَخُلدِها ... وَكانَ حَبيبي غائِبَاً لَم يَرُق لِيا
فَهَذا الذي أَهوى وَإِن كُنتُ بَعدَهُ ... عَلى غُصَّةٍ قَد كُنتُ لِلمَوتِ راجِيا
فدهش معاوية من نبل عاطفتها وعظيم وفائها، وأمر بردها إلى زوجها فوراً، وصرف لهما مبلغاً كبيراً من المال ليغنيهما عن مسألة الناس، وعاد الزوجان إلى بلادهما في رغد من العيش
أَفي الحَقِّ أَن أُمَّ الحَكيمِ نَأَت بِنا ... وَأَنَّ ابنَ أُمِّ الحَكَمِ أَصبَحَ لاهِيا
يَعيشُ بِرَغدٍ في القُصورِ مُنَعَّماً ... وَأُصبِحُ مُلقىً بِالفَلاةِ صَوادِيا
فَيا لَيتَ شِعري هَل أَبيتَنَّ لَيلَةً ... وَسُعدى لَنا دونَ الأَنامِ مَواِليا
أَتَذكُرُ إِذ لِحافُكَ ثوبُ صِدقٍ .. وإِذ قَرطاكِ من شِبَهٍ طَموسِ
فَلَو كُنتَ ابنَ أُمِّ الحَكَمِ لَم
تَزِدني .. عَلى شَحَطِ المزارِ وحُسنِ بوسِ
فلما سمع معاوية قوله وعلم قصته، استشاط غضباً من فعل ابن أخته، وكتب إليه كتاباً شديد اللهجة يأمره فيه بطلاق "سُعدى" وإرسالها إلى دمشق فوراً، فخاف ابن أم الحكم من وعيد خاله وطلقها وسيرها إليه، ولما حضرت سُعدى بين يدي معاوية، بهرته بجمالها وفصاحتها وعقلها، فأراد معاوية أن يختبر وفاءها ومعدنها،
فخيرها قائلاً: "يا سُعدى، إن شئتِ تزوجتُكِ فكنتِ في قصر أمير المؤمنين، وإن شئتِ رددتُكِ إلى ابن أم الحكم فله الشباب والمال والجاه، وإن شئتِ رددتُكِ إلى هذا الأعرابي الفقير المحطّم"، فنظرت إلى زوجها العذري بوفاءٍ لا يلين وقالت بلسانٍ فصيح: "يا أمير المؤمنين، والله إن هذا الفقير هو شربي وطعامي، وهو الروح التي بين جنبي، والفقر معه أحب إليّ من ملكك ومن مال ابن أم الحكم"، ثم أنشدت تقول:
وَلَو كُنتُ في جَنّاتِ عَدنٍ وَخُلدِها ... وَكانَ حَبيبي غائِبَاً لَم يَرُق لِيا
فَهَذا الذي أَهوى وَإِن كُنتُ بَعدَهُ ... عَلى غُصَّةٍ قَد كُنتُ لِلمَوتِ راجِيا
فدهش معاوية من نبل عاطفتها وعظيم وفائها، وأمر بردها إلى زوجها فوراً، وصرف لهما مبلغاً كبيراً من المال ليغنيهما عن مسألة الناس، وعاد الزوجان إلى بلادهما في رغد من العيش
❤9
رساله وصلتني بالخاص
أسألكم الدعاء لصديقي، داخل المستشفى اليوم وبيسوي عملية. الله يشفيه ويقومه بالسلامة 🤍
أسألكم الدعاء لصديقي، داخل المستشفى اليوم وبيسوي عملية. الله يشفيه ويقومه بالسلامة 🤍
❤8