أثِيل
2.76K subscribers
29 photos
3 videos
2 files
3 links
Download Telegram
ياريتك مش رايح …….
💔31
معيار الضجيج

إنها لمفارقة حزينة أن يصنف السكون اليوم كخلل وظيفي، في عالم لا يعترف بغير التسارع مقياساً وحيداً للأثر. لقد استقر في الوعي الجمعي أن الضجيج هو النبض، وأن الهرولة هي الدليل الأوحد على جودة الوجود، حتى بات الهدوء الفطري يُقرأ كعَرَضٍ لعلة خفيّة تستوجب القلق. المشكلة لا تكمن في صمت المتأني، بل في عجز الآخرين عن استيعاب إيقاع لا يركض خلف السراب، وفي ميلهم لتفسير السكينة كفراغ موحش بدلاً من رؤيتها كامتلاء رصين لا يحتاج للصراخ. إن من يحافظ على هدوئه وتأنيه وسط هذا الصخب ليس بالضرورة شخصاً يعاني من خطب ما، بل لعله الوحيد الذي استطاع النجاة بملامحه الأصلية، بعيداً عن هستيريا الجمع التي تحاول تحويل الطبيعة المتزنة إلى حالة من الارتباك الدائم.


رِكَاب
12
إلى أصحابِ القراءاتِ المتأنية؛

سأشارككم اليوم نصاً يحملُ رؤيةً خاصةً تتطلبُ حضوراً ذهنياً يَتجاوزُ مـجردَ القراءةِ العابرة.
9
ترميم الروح بالمسافة: مهارة المعاينة ودستور القارئ المكسور

تشريح الانكسار وضرورة المسافة
لم يعد القارئ في زمننا هذا ذلك الكائن المسترخي الذي يطلب من الكتاب متعة تزجية الوقت، أو يبحث بين السطور عن مجرد حكمة عابرة يزين بها حديثه في المجالس. إننا نتحدث هنا عن كائن آخر، كائن خرج من معارك الواقع مثخناً بندوب لا تُرى، يحمل في صدره تصدعات صامتة، ويجلس أمام النص لا ليلتحم به التحاماً ساذجاً، بل ليمارس نوعاً من الجراحة الدقيقة للذات عبر مشرط الآخرين. هذا هو "القارئ المكسور"؛ ذلك الذي لا يقرأ ليعرف، بل يقرأ ليحتمل.

وتغيير العنوان من مجرد "مهارة" تقنية إلى وصف حالة وجودية يضعنا أمام استحقاق فلسفي عميق: كيف يمكن للأدب، وهو في جوهره وهمٌ جميل، أن يلامس حقيقة الألم الفظة دون أن ينهار القارئ تحت وطأتها؟

إن "مهارة المعاينة" بهذا المعنى تتجاوز فعل القراءة البصرية المعتاد.
إنها ليست مسحاً للأسطر، بل هي "معاينة" جنائية لمسرح الجريمة النفسية؛ تفحّصٌ لموضع الألم، وقياسٌ دقيق للمسافة بين الجرح والسكين، وبين القارئ والنص. وهنا يبرز مفهوم "المسافة الجمالية" لا كترف نظري، بل كطوق نجاة ضروري. فبدون هذه المسافة، يتحول النص إلى مرآة مباشرة تعكس القبح والألم بلا معالجة، مما يؤدي إلى الاحتراق المباشر بنار الحقيقة.


إننا لا نلجأ إلى الكتبِ هرباً من واقعنا، بل بحثاً عن تسميةٍ دقيقةٍ له؛ فالألمُ حين يظلُّ مبهماً يأكلُ الروح، وحينَ يجدُ اسماً في نصٍّ قديمٍ يهدأ. القارئُ المكسورُ ليسَ هارباً، بل هو باحثٌ عن نَسَبِ وجعِه في فهارسِ الذين سبقوه، موقناً أنَّ العزاءَ الوحيدَ في هذه العزلةِ هو أن يكتشفَ أنَّ انكسارَهُ ليسَ بدعاً من الأمر، وأنَّ هناكَ مَن سبقهُ إلى الهاويةِ وعادَ منها ليحكي ما رأى.


مهارة المعاينة.. من التلقي السلبي إلى التشريح الوجودي


حقيقة القراءة كفعل مقاومة
إن القراءة عند القارئ المكسور ليست فعلاً سلبياً، بل هي حركة مقاومة مستمرة ضد التفتت. يشير الروائي دانيال بناك إلى أن "كل قراءة هي فعل مقاومة"؛ مقاومة لكل ما هو ضد الإنسان: القسوة، الغباء، النسيان، والموت. بالنسبة للقارئ الذي يحمل كسراً في روحه، تصبح القراءة المعاينِة هي الجدار الأخير الذي يمنع سقف العالم من السقوط فوق رأسه. إنها ليست هروباً بالمعنى الانهزامي، بل هي انسحاب تكتيكي إلى منطقة آمنة يمكن فيها إعادة ترتيب شظايا الذات.

حين يعاين القارئ المكسور النص، فهو لا يبحث عن صوته المباشر، لأن صوته مخنوق بالألم. إنه يبحث عن "صدى" مرتب، عن هيكل لغوي صلب يمكن أن يسكب فيه شعوره السائل دون أن ينسكب. هنا تكمن المهارة: القدرة على رؤية الألم الخاص موضوعاً في قالب عام، مما يمنح المكسور شعوراً غامضاً بالعزاء، وكأن الألم حين يُكتب يفقد سُمّيته القاتلة ويتحول إلى مادة قابلة للدراسة.


الألمُ وحشٌ يتغذى على العتمةِ والصمت، فإذا أخرجتهُ إلى ضوءِ النصِّ فقدَ أنيابَه. المهارةُ لا تكمنُ في طردِ الوجع، بل في إجلاسهِ على كرسيٍّ مقابلٍ لك، وتأملِ ملامحِه ببرودةِ جراحٍ يمسكُ مشرطاً، لا بقلبِ ضحيةٍ تنتظرُ الحكم. إنَّ تحويلَ الفاجعةِ الشخصيةِ إلى مشهدٍ مقروءٍ هو أولُ خطواتِ السيطرةِ عليها؛ فالشيءُ الذي تستطيعُ وصفَهُ ومعاينتَهُ من الخارج، هو شيءٌ لم يعد يسكنكَ بالكامل، بل صارَ موضوعاً منفصلاً عنك، وهنا تبدأُ النجاة.


هندسة المسافة.. إليوت ونظرية الهروب من الشخصية

اللاتشخص كشرط للفن الرفيع
لعل أهم درس يحتاجه القارئ المكسور في مهارة المعاينة يأتينا من ت. إس. إليوت في مقالته التأسيسية "التقاليد والموهبة الفردية". يطرح إليوت فكرة صادمة للحس الرومانسي المبتذل: الشعر (والأدب العظيم عموماً) ليس إطلاقاً للعنان للعواطف الشخصية، بل هو هروب منها. يقول إليوت بنص


"الشعر ليس إطلاقاً للعاطفة، بل هروباً من العاطفة؛ وليس تعبيراً عن الشخصية، بل هروباً من الشخصية. ولكن، بالطبع، وحدهم أولئك الذين يملكون شخصية وعواطف يعرفون ما يعنيه الرغبة في الهروب من هذه الأشياء".

لماذا يحتاج القارئ المكسور لهذا الهروب؟ لأن عاطفته الشخصية ثقيلة جداً، ومشوهة، وغير منضبطة. إذا قرأ النص كمرآة مباشرة لحزنه، فسيغرق في المستنقع الذاتي. لكن "المسافة الجمالية" التي يقترحها إليوت تمنحه طوق النجاة. إنها تسمح له بتأمل الحزن كـ "موضوع فني" منفصل عنه، كتمثال منحوت بدقة، لا كلحم حي ينزف.

الكيمياء الشعورية: البلاتين والعقل
يستخدم إليوت تشبيهاً علمياً دقيقاً لوصف هذه العملية، مشبهاً عقل المبدع بقطعة البلاتين التي تساعد الغازات على الاتحاد لتكوين حمض جديد، لكن البلاتين نفسه يظل كما هو؛ لا يتأثر، ولا يدخل في التركيب.

القارئ المكسور يجب أن يمتلك هذا "البلاتين" في عقله: القدرة على معاينة الألم وتحويله إلى تجربة جمالية وفهم عميق دون أن يحترق هو نفسه بالأحماض الناتجة. هذه البرودة ضرورية، لأن الحرارة المفرطة تُفسد الحكم، وتُعمي البصيرة.
210
أن تكونَ بارداً لا يعني أن تكونَ ميتاً، بل يعني أنك تملكُ السيطرة. يدُ الجراحِ المرتجفةُ لا تنقذُ مريضاً، وكذلكَ القلبُ المرتجفُ لا يقرأُ نصاً. نحنُ نلجأُ إلى تجميدِ اللحظةِ الشعوريةِ لا لنقتلها، بل لنحفظها من التعفنِ في حرارةِ الانفعالِ اللحظي. المسافةُ التي تخلقها بينكَ وبينَ النصِّ هي المساحةُ التي تتنفسُ فيها كرامتُك؛ تلكَ المساحةُ التي تقولُ فيها للألم: "أنا أراك، وأعرفك، لكنني لستُ أنت".


مرآة المتفرج.. أوسكار وايلد وانعكاس الجرح

الفن لا يعكس الحياة، بل يعكسك
في مقدمة روايته "صورة دوريان جراي"، يقدم أوسكار وايلد حكماً قاطعاً يقلب موازين القراءة التقليدية: "إنه المتفرج، وليست الحياة، هو ما يعكسه الفن حقاً".
هذا المقولة تأسيسية لفهم "مهارة المعاينة". النص ليس نافذة تطل على العالم الخارجي، بل هو مرآة مصقولة بدقة تعكس ما في داخل القارئ. بالنسبة للقارئ المكسور، النص يعكس "كسره"، ولكنه يعكسه بجمالية تجعل النظر إليه ممكناً. في الحياة الواقعية، قد يكون الجرح قبيحاً، دامياً، ومثيراً للشفقة. أما في مرآة الفن، فإن هذا الجرح نفسه يتحول إلى "مأساة" نبيلة.

خطورة الغوص تحت السطح
لكن وايلد لا يتركنا دون تحذير: "أولئك الذين يغوصون تحت السطح يفعلون ذلك على مسؤوليتهم الخاصة". القارئ المكسور يدرك هذه المخاطرة جيداً. القراءة السطحية قد تكون مسكناً، لكن القراءة العميقة (المعاينة) هي عملية جراحية بلا تخدير. ومع ذلك، يغامر القارئ المكسور، لأنه يدرك أن الشفاء لا يكمن في التجاهل، بل في المواجهة.


المرآةُ لا تكذب، لكنها أيضاً لا تصرخ؛ هي فقط تُريكَ ما ترفضُ الاعترافَ به. شجاعةُ القارئِ المكسور تكمنُ في قدرتِهِ على التحديقِ في انعكاسِ خرابِهِ الداخليِّ داخلَ عملٍ فنيّ، والاعترافِ بأنَّ لهذا الخرابِ هندسةً ومعنى. حينَ نرى جراحَنا مرسومةً بكلماتِ الآخرين، ندركُ أننا لسنا مجردَ ضحايا للعبث، بل نحنُ حملةُ تجربةٍ إنسانيةٍ لها ثِقلها وشكلها، والشيءُ الذي لهُ شكل، يمكنُ احتمالُه.


الفأس والبحر المتجمد.. كافكا وعنف الإيقاظ

الكتاب ككارثة ضرورية
إذا كان إليوت يدعو للمسافة، فإن فرانز كافكا يدعو للاقتحام، ولكنه اقتحام لغرض الكسر، كسر الجليد لا كسر الروح. في رسالته الشهيرة، يقرر كافكا دستوراً للقراءة لا يقبل المهادنة:
"نحن بحاجة إلى الكتب التي تؤثر فينا كالكارثة، التي تؤلمنا بعمق... يجب أن يكون الكتاب الفأس التي تكسر البحر المتجمد فينا".
هذا المقطع هو المانيفستو التأسيسي لـ "القارئ المكسور". إنه مكسور، نعم، لكنه يعاني من مفارقة غريبة: الألم الشديد يولد نوعاً من الخدر، نوعاً من الجليد الذي يغلف الروح لحمايتها. تأتي "مهارة المعاينة" هنا لتمسك بهذا الفأس الكافكاوي. القارئ لا يقرأ ليتسلى، بل ليتحطم من جديد، ولكن هذا التحطم الثاني هو تحطم "شافٍ"؛ إنه تكسير لقشرة الجليد التي عزلت روحه عن العالم.


نحنُ ننامُ لنهرب، لكننا نقرأُ لنستيقظ. الضربةُ التي لا تقتلُ الوهمَ هي ضربةٌ ضائعة، والكتابُ الذي يربتُ على كتفِكَ وأنتَ غارقٌ في الوحلِ هو شريكٌ في الجريمة. نحنُ نحبُّ الفأسَ لا لأننا نهوى الألم، بل لأننا نكرهُ الجليدَ الذي شلَّ أطرافنا؛ نكرهُ الموتَ البطيءَ المسمى "التعود". القارئُ الحقيقيُّ هو الذي يمدُّ عنقَهُ للحقيقة، عالماً أنَّ النزفَ الناتجَ عن المعرفةِ أشرفُ ألفَ مرةٍ من السلامةِ الناتجةِ عن العمى.

نيتشه والحقيقة القاتلة

الفن لكي لا نموت من الحقيقة
نعود إلى الفلسفة مع فريدريك نيتشه، الذي يقدم لنا الحجة الأقوى لضرورة الفن والقراءة: "لدينا الفن لكي لا نموت من الحقيقة".
ما هي الحقيقة بالنسبة للقارئ المكسور؟ إنها هشاشته، فناء أحبته، عبثية معاناته، قسوة واقعه. هذه حقائق "خام"، مشعة، وسامة. إذا واجهها الإنسان عارية تماماً، قد يتحطم. تأتي "مهارة المعاينة" الفنية لتضع "حجاباً" شفافاً يسمح بالتعامل مع هذه الحقيقة الحارقة دون الاحتراق المباشر. الفن يكسر حدة الضوء، يجعله قابلاً للاحتمال.


الحقيقةُ العاريةُ شمسٌ لا تُطاق، ومن يُحدق فيها طويلاً يفقد بصره. الأدبُ هو الزجاجُ المُدَخّن الذي يسمحُ لنا بتأملِ الكسوفِ دونَ أن نعمى. نحنُ نحتاجُ إلى غلافِ الجمالِ لنمررَ من خلالهِ مرارةَ الواقع؛ فالدواءُ المرُّ يحتاجُ كبسولةً لتبتلعه، وكذلكَ المأساةُ تحتاجُ إلى قصيدةٍ لتستقرَّ في الوجدانِ دونَ أن تمزقَ الأحشاء.


حيوات العقاد وبورخيس.. التعدد كعلاج للكسر


العقاد: الحساب الوجودي للقراءة
عباس محمود العقاد يقدم لنا المعادلة الحسابية للقراءة والكسر: "لست أهوى القراءة لأكتب... وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيني".
القارئ المكسور غالباً ما يشعر أن حياته "ناقصة" بسبب الكسر الذي أصابه. القراءة تمنحه "حيوات إضافية". إنها عملية توسيع وجودي. القراءة تزيد الحياة من ناحية العمق، وإن كانت لا تطيلها بمقادير الحساب.
27
إذا كُسرت الحياة أفقياً، فإن القراءة تمدها عمودياً.


الحياةُ الواحدةُ ممرٌّ ضيق، والكسرُ يجعلُهُ أكثرَ ضيقاً وعتمة. الكتبُ ليست سوى مطارقَ تهدمُ الجدرانَ الجانبية، لِتُحيلَ الممرَّ الضيقَ إلى قاعةٍ كبرى من المرايا، نرى فيها ألفَ نسخةٍ من أنفسنا تعيشُ الحيواتِ التي حُرمنا منها. نحنُ نقرأُ لننتقمَ من قيدِ الزمانِ والمكان، ولنستردَّ بالأرواحِ المستعارةِ ما سلبتهُ منا الأقدارُ في أعمارنا الفانية.

دستور القارئ المكسور

نصل الآن إلى جوهر "مهارة المعاينة". كيف يمارس القارئ المكسور هذا الدستور؟

* الرصانة: القراءة للصمت العميق لا للصراخ، بتبني برودة الجراح لاستخراج المعنى.

* المسافة: رؤية الألم "هناك" على الورق، وليس "هنا" في الصدر فقط.

* التحطيم البناء: قبول الكتاب كـ "فأس" يزلزل الجمود ليعيد البناء.



* الإثراء: تعويض نقص الحياة الواحدة بتعدد الحيوات.



في النهاية، نحنُ لا نرممُ الزجاجَ ليعودَ كما كان، بل لنصنعَ منهُ شيئاً جديداً يحتفي بذاكرةِ الكسر. القراءةُ هي ذلكَ الذهبُ الذي نملأُ به شقوقَ الروح، لتصبحَ الندوبُ درساً، والفجواتُ نوافذَ للنور. القارئُ المكسورُ يخرجُ من النصِّ ليسَ معافىً من الذاكرة، بل متصالحاً معها، حاملاً وقارَ مَن رأى الجحيمَ وعادَ منهُ بقطعةِ جمرٍ لم تحرق يده، بل أضاءت طريقه.



رِكَاب
27
مساء الخير 🤎
4
القهوة ملاذ التائهين 👍
6👎2
التَّمَام


لم يَكنِ الجُلوسُ في حَضرتِكِ مُجرَّدَ سَاعاتٍ تَمضي، بل كانَ نَوعاً مِن الخَلاصِ؛ لَحظةُ تَجرُّدٍ كَاملٍ تَتساقطُ فيها عن كَاهِلي أثقالُ الوجودِ ومَتاعِبُ الأيَّام، حتَّى أنَّني كُنتُ أنسى في سُكونِكِ كَيفَ تَبدو ملامِحُ وَجهي المُتعَب، وتعودُ إليَّ ابتسامةٌ كُنتُ أظنُّها دُفِنَت مَعَ الخيبات. كانَ ذلكَ الصَّفاءُ هو حِصني الوَحيدُ ضِدَّ خَرابِ العالَم.


يبدَو أنَّ شَيئاً واحِداً كانَ يُعكِّرُ قَداسَةَ ذَلِكَ الامتِلاء؛ عَبثُ الهَواءِ المُستمرُّ بِخُصلاتِ شَعرِك. كانَ ذلكَ يَستفِزُّني بِعُمق، ليسَ لِأسبابٍ سَطحية، بل لأنَّ تِلكَ الفَوضى كانت تَخْدِشُ صَفاءَ النَّظرِ إليكِ. وحينَ تَوقَّفَ الهَواءُ أخيراً، واستَكانَتِ الخُصلاتُ بوقار، شَعرتُ بأنَّ الكَونَ قَد رَضخَ لِرغبتي، لِيُصبِحَ المَشهدُ مُتكامِلاً، بَديعاً، لا يَقْبَلُ الزِّيادةَ ولا النُّقصان.


في تِلكَ الغُفوةِ الزَّمانيَّة، تَجلَّى وَجهُكِ كَـ مَقامٍ لِلثباتِ المُطلَق؛ جَبينٌ مَصقولٌ بِمياهِ الطُّمأنينة، وعينانِ تَختصرانِ هَندسةَ الضَّوءِ في عِزِّ العَتْمة. كُنتُ أرى في ملامِحِكِ سُكوناً يَفوقُ قدرةَ الوَصف، حَيثُ تَتوزعُ الظِّلالُ فوقَ وَجنتيكِ بِدِقَّةٍ جارِحة، وتَستقرُّ المَعاني الباذِخةُ على ثَغركِ كأنَّها وَحيٌ لم يُنطَق بَعْد.

لم يَكن هذا الحُسنُ زينةً لِلعين، بل كانَ حَقيقةً وُجوديةً ثَقيلة، وقُوةً تَمنعُ العالَمَ مِن السُّقوط، وكأنَّ كُلَّ تَفْصِيلةٍ فيكِ هي بَصمةُ كَمالٍ لا تُقهر، وجَوهرٌ يَفيضُ بِوقارٍ يَتجاوزُ حُدودَ المادَّة، لِيضعَني في حَالةٍ مِن "الرَّهبةِ" التي لا تَعرفُ المَهْرَب.
كانَ مَشهداً عَصيّاً على المَللِ أو النِّسيان.

والآن، وأنا أستعيدُ شَريطَ تِلكَ الذِّكرى، أغمضتُ عَينيَّ لِتَسقطَ مِنهُما دَمعةٌ حارَّة؛ دَمعةٌ أيقظتني على حَقيقةٍ جارِحة: أنَّني أُحاوِلُ الإمساكَ بِطَيفٍ لا وَزْنَ لَه. ومِن هَولِ هَذِهِ الحقيقة، ومِن وَحشةِ الإدراك، أطبقتُ غِطاءَ صُندوقِ الذِّكرياتِ بِيَدٍ مُرتَجِفة، وَوَضعتُ رِسالتَكِ الأخيرةَ فَوقَه كَشاهِدِ قَبر.


ما زِلتُ حتَّى اللَّحظةِ واقِفاً أمامَ السَّطرِ الأخيرِ الذي كَتَبْتِه، الكَلِماتُ التي جَعَلَتني أُدرِكُ سَذاجةَ نَشوتي بِذلكَ الهُدوء:


"كُنتَ مَشغولاً بِمُحاربةِ الرِّيحِ لِيَكتملَ المَشهدُ الجَميلُ في عَينيك، بَينما كُنتُ أنا تَحتَ وَطأةِ عَواصِفِكَ الدَّاخليَّةِ الصَّامِتة.. أَتمَزَّق."



رِكَاب
27🕊2
Forwarded from غُربة .
ادعوا لأمي بالشفاء.
10
أثِيل pinned «التَّمَام لم يَكنِ الجُلوسُ في حَضرتِكِ مُجرَّدَ سَاعاتٍ تَمضي، بل كانَ نَوعاً مِن الخَلاصِ؛ لَحظةُ تَجرُّدٍ كَاملٍ تَتساقطُ فيها عن كَاهِلي أثقالُ الوجودِ ومَتاعِبُ الأيَّام، حتَّى أنَّني كُنتُ أنسى في سُكونِكِ كَيفَ تَبدو ملامِحُ وَجهي المُتعَب، وتعودُ…»
جَدليَّةُ التَّجاوُز


يَستوجبُ الوقارُ الامتثالَ لِقانونِ العُبورِ فَوقَ الحُطامِ دونَ انتظارِ تَفسير؛ فالحَياةُ كِيانٌ صَموتٌ لا يُجيدُ لُغةَ الاعتذار، ولا يَعِدُكَ بِأنَّ الارتطامَ الذي مَرَّ بكَ هو المَشهدُ الأخير. إنَّ كَرامةَ المَرءِ تكمنُ في فَهْمِ أنَّ الخَرابَ جُزءٌ مِن هَندسةِ الرِّحلة، وأنَّ النَّجاةَ الحقيقيَّةَ لا تكونُ بانتظارِ إشفاقِ القَدَر، بل في مُواصَلةِ المَسيرِ بِـ "أَنَفَة" رَغمَ الرُّكام، وبِبصيرةٍ تُدركُ أنَّ الوجودَ لا يَتوقَّفُ لِيُواسيَ أحداً.


رِكَاب
17🔥1
أُداري اللَّهْفَةَ الحَرَّى وتَغْلِبُني ... وأَطْلُبُ الصَّرْفَ عَنْ وَجْدٍ يُوَافِيني

ولا أُحِبُّ جِهَاراً أَنْ أَبُوحَ بِمَا ... يَنْمُو بِصَدْرِي وَفِي صَمْتِي يُوَارِيني

تَزِيدُ فِي داخِلي كَالغَيْثِ دَافِقَةً ... وَالوَجْدُ فِي خَفْيِهِ بِالشَّوْقِ يَكْوِينِي

أَخَافُ لَوْ قُلْتُ مَكْنُونَ الهَوَى عَلَناً ... كَانَ الفِرَاقُ لِحُبٍّ بَاتَ يَشْفِينِي

فَكُلَّمَا كَبُرَتْ فِي الروحِ عاطِفَةٌ ... حَبَسْتُها خَشْيَةً مِنْ أَنْ تُبَكّيني


-ركَاب
17
مساء الخير 🤍
7🥰1
وَقارُ التَّسَاؤُل



إنَّ السُّؤالَ في مَقامِ العَقلِ الحُرِّ لَيسَ اعتِرافاً بالعَجز، بَل هُوَ ذُروةُ الامتِلاءِ بالوُجود؛ فَالجَمالُ لا يَكمنُ في إيجادِ الإجابةِ التي تُسكِنُ القَلق، بَل في تِلكَ "المَسافةِ" التي يَبنيها الشَّكُّ بَينَ اليقينِ الرَّاكِدِ وبَينَ بَصيرةِ الرُّوح. العَقلُ الحُرُّ لا يَهابُ الارْتِطَامَ بالمَجهول، بَل يَرى فيهِ مَيداناً لِتَفكيكِ جُمودِ الواقِع، حَيثُ تَتجلى الشَّجاعةُ في عَدَمِ الامتِثالِ لِلنِّهاياتِ المُرِيحةِ التي تُقدِّمُها الحَياةُ كَجَوائزَ لِلمُتعبين.


تَبدأُ قِيمَةُ العَقلِ حِينَ يَكفُّ عَن كَونِهِ مَخزناً لِلمُسَلَّمات، لِيُصبحَ طاقةً قَلِقَةً تَنبشُ في "هَشاشةِ" الأجوبةِ بِيَدِ الجَرَّاحِ وبِصيرةِ الذي نَجا. التَّساؤُلُ هُنا هُوَ مُمَارَسَةٌ لِلكَرامَةِ بـ "أَنَفَة"؛ فِعلٌ لا يَسعى لِلاطمئنانِ الزَّائِف، بَل يَنشدُ الوعيَ الحادَّ بـجَوهَرِ الأشياءِ بَعيداً عن ضَجيجِ الحُشود. وفي تِلكَ اللَّحظةِ الفاصِلة، حِينَ يَقفُ المَرءُ وَحيداً أمامَ سُؤالِهِ العَظيم، يَكتشفُ أنَّ الجَمالَ لَيسَ فِيما نَعرِف، بَل في ذلكَ الصَّفاءِ الذي يَعقُبُ تَحطيمَ الأوهام. فالسُّؤالُ الحقيقيُّ هو ضَربَةُ الفَأسِ على بَحرِ اليَقينِ المُتجمِّد، لِيَبقى الأثَرُ في النَّفسِ جُرحاً مَسكوناً بِرهبةِ المَعنى، لا يَبرأُ إلا بِالمَزيدِ مِن الضَّوء.


رِكَاب
27🕊1
5👍1
السلام عليكم
اليوم رفيق السهره البدايه والنهايه
3
يحكى أن رجلاً من بني عذرة كانت له زوجة من أجمل النساء وأعقلهن تُدعى "سُعدى"، وكان يحبها حباً ملك عليه جوارحه، فجار عليه الزمان وافتقر، فخرج يبتغي الرزق، فبصر بها "ابن أم الحكم" (وهو إبراهيم بن محمد بن طلحة، والي الكوفة وابن أخت معاوية بن أبي سفيان) فأعجب بها أيما إعجاب، واستغل نفوذه وسلطانه حتى احتال في طلاقها من زوجها وتزوجها هو غصباً، فكاد الزوج يجنّ وضاقت عليه الأرض بما رحبت، فلم يجد وسيلة إلا أن يرحل إلى دمشق ليرفع ظلامته إلى الخليفة معاوية بن أبي سفيان، فدخل عليه وهو في حالٍ رثة من الهم والهزال، فأنشد بين يديه أبياتاً تقطر لوعةً وحزناً، منها قوله:

أَفي الحَقِّ أَن أُمَّ الحَكيمِ نَأَت بِنا ... وَأَنَّ ابنَ أُمِّ الحَكَمِ أَصبَحَ لاهِيا

يَعيشُ بِرَغدٍ في القُصورِ مُنَعَّماً ... وَأُصبِحُ مُلقىً بِالفَلاةِ صَوادِيا

فَيا لَيتَ شِعري هَل أَبيتَنَّ لَيلَةً ... وَسُعدى لَنا دونَ الأَنامِ مَواِليا

أَتَذكُرُ إِذ لِحافُكَ ثوبُ صِدقٍ .. وإِذ قَرطاكِ من شِبَهٍ طَموسِ

فَلَو كُنتَ ابنَ أُمِّ الحَكَمِ لَم

تَزِدني .. عَلى شَحَطِ المزارِ وحُسنِ بوسِ
فلما سمع معاوية قوله وعلم قصته، استشاط غضباً من فعل ابن أخته، وكتب إليه كتاباً شديد اللهجة يأمره فيه بطلاق "سُعدى" وإرسالها إلى دمشق فوراً، فخاف ابن أم الحكم من وعيد خاله وطلقها وسيرها إليه، ولما حضرت سُعدى بين يدي معاوية، بهرته بجمالها وفصاحتها وعقلها، فأراد معاوية أن يختبر وفاءها ومعدنها،

فخيرها قائلاً: "يا سُعدى، إن شئتِ تزوجتُكِ فكنتِ في قصر أمير المؤمنين، وإن شئتِ رددتُكِ إلى ابن أم الحكم فله الشباب والمال والجاه، وإن شئتِ رددتُكِ إلى هذا الأعرابي الفقير المحطّم"، فنظرت إلى زوجها العذري بوفاءٍ لا يلين وقالت بلسانٍ فصيح: "يا أمير المؤمنين، والله إن هذا الفقير هو شربي وطعامي، وهو الروح التي بين جنبي، والفقر معه أحب إليّ من ملكك ومن مال ابن أم الحكم"، ثم أنشدت تقول:

وَلَو كُنتُ في جَنّاتِ عَدنٍ وَخُلدِها ... وَكانَ حَبيبي غائِبَاً لَم يَرُق لِيا

فَهَذا الذي أَهوى وَإِن كُنتُ بَعدَهُ ... عَلى غُصَّةٍ قَد كُنتُ لِلمَوتِ راجِيا

فدهش معاوية من نبل عاطفتها وعظيم وفائها، وأمر بردها إلى زوجها فوراً، وصرف لهما مبلغاً كبيراً من المال ليغنيهما عن مسألة الناس، وعاد الزوجان إلى بلادهما في رغد من العيش
9
رساله وصلتني بالخاص
أسألكم الدعاء لصديقي، داخل المستشفى اليوم وبيسوي عملية. الله يشفيه ويقومه بالسلامة 🤍
8