عن ضحكتك في مدينة بعيدة | عبدالعزيز البرتاوي
في شجارنا الثمانمئة وستة وعشرين -كما أحصيتِ آخر مرة- أقسمتُ أن لا أعود إليك. أنت تعرفين أن الكهول الهرمين يعودون أشباه مراهقين مُرهقين أمام غنج دلال صوتك، وأن العهود المتينة، تغدو محض نكت سخيفة أمام أول "تعال" منكِ، وأنا اتفق مع ميرزا، وهو يقول: "سمعنا عن طرد آدم من الجنّة. بمزيد من الإذلال؛ سأرحل عن الشارع الذي تقيمين فيه"، ولا غالب إلا الله يا مرزا غالب، هكذا قال أجدادنا الذين انتهت تأشيرات بقائهم في أوروبا؛ ولم يعودوا يملكون حق العودة، لنقص في الجوازات والكرامة.
من على شارع جانبي، رفقة وحدتي، أتأمل العابرات -لا أضيع يومي في تأمُّل العابرين الذكور، أنا نموذج سيء لأحدهم-، واحدةٌ يشبه شعرها شعرك، ثنتان تملكان أعينًا توازي عينيك -لا يقاربنها البتّة-، وأنف كأنفك، وكاشفة عن صدرها لكني لا أتأمله، فلا أعلم عن مدى شبهه ولا مدى شُبهتي، ومشيتك، يا لمشيتك، يعجز "وونغ كار واي"، عن تصويرها لو كنتِ بطلة In The Mood For Love، وضحكتكِ؛ لا أحد يشبه ضحكتك. -ثمة أشياء أخرى؛ لكني بالطبع، لا أطالعها-.
ينظر إليّ شرطي في المطار، وتقول لي عيناه: هل أنت إرهابيّ؟ أُدخل يدي ببطء إلى جيب بنطالي، أخرجها على مهل، وعيناي تحدّقان في يده التي تتحسس مسدسه، أضع السماعة على أذني، وأسمع أغنية بلغة لا أفهمها.
يقول لي بائع أسود، هل تريد نظارة سوداء؟ لا أجيبه، فيكمل: لتكون ملائمةً للون قلبك. أتوقف، أعتقده محقًا، أعود إليه وأساومه، وأحصل عليها بثمن لا يكفي لشراء قهوة. يقول لي بضجر: لقد كنتُ محقًا في لون قلبك. أغادره مرتديا نظارتي الجديدة، بلمسة بوندوية، أودعه بإشارة خفيفة من طرف يدي، وأفكر في ضحكتك.
أتذكرك وأنا في طائرة، تعبر سماء مدينتك، وأحدهم يقول لك نكتة سخيفة؛ وكعادتك: تضحكين بعنف، فيقول كابتن الطائرة: التزموا أماكنكم، وأحكِموا أحزمتكم، ثمة اهتزازات هوائية، لا نعلم سببها؛ وأتذكر ضحكتك، وأنجو.
مطعّمًا بالحُبّ، مثقلًا بالحنين، مضرجًا بالذكريات، أعبر شارعًا مزدحمًا، يقول لي صوت رقيق: آسف، وأفكر علام؟ للمسة كتفي، قلبي يودّ أن تلمسيه أيضًا، وأبسم للوجه الأرقّ، فتزيد سرعتها هربًا، وهي تلعق شفتين من مشمش، فيقول قلبي: من يلعق عني حزن الليالي، وانتظار الذين لا يؤوبون؟
يضع شخص قبعة يهودية، يسير معاكسًا لي. اتركه يعبر؟ اضطرّه إلى أضيق الطريق. ينظر إليّ عابسًا، أشتم أمه. يا للسوقية، ما ذنب أمه؟ هه، ألعن أباه أيضًا، وعائلته وقبيلته. ههه، هل للمشرد المجريّ قبيلة أصلا، ابن السلالة المنحطة، يأتي ليزاحمنا في فلسطين، ههه، يزاحمنا. يا لسعة قلوبنا الضعيفة. وبإشارة من طرف يدي -بأصبع واحدة، لا يحتاج أكثر من ذلك- وبلمسة بوندوية أيضًا، اترك له الطريق ليعبر. إلى الجحيم.
كنت في هذا الشارع قبل أربعة أعوام. أضع على رقبتي عمامة فلسطينية. طلبت مني خالتي حصّة -التي لا تقرأ ما أكتب، أو بالأصح: لا تعرف أنني أكتب، أو لو شئنا الدقة: لا تتنازل لتقرأ ما أكتب- أن أرسل لها صورًا من المكان، وأعقَبت: وأين صورتك؟ وأرسلت لها صورة واثقة رفقة الشال العزيز، لترد بعد ساعة: "ما هذا يا إرهابي؟ هل التحقت بداعش؟"، ولا شيء آخر يذكر في المحادثة سوى سؤال عن نوع طبق واسم مطعم. يا فلسطين العزيزة، أعتذر لك عن هذا. ألبس اليوم قميصًا عليه كلمة عربية، وكلما مررت بشرطي تأملني ساعتين. أعرف توجّسه، وأعرف خالتي أكثر.
سيارة شرطة تمرق مسرعة -ياه، منذ مدة طويلة لم استخدم كلمة تمرق، جيدة- أتذكر بوكوفسكي اللعين، مولانا في الكتابة والبذاءة، وهو يصف المدينة بالطمأنينة، حالما يسمع صوت إسعاف أو بوق شرطة. المدينة تأكل نفسها. ثمة شجار، وقتيل ربما. هذا يعني نجاة البقية. أهز رأسي وأتذكر ضحكتك التي لا تمرق من روحي أبدًا.
أعود إلى مقهى كنت آلفه. النادلة هي النادلة. القهوة هي القهوة. المقعد الذي كنت أحب هو نفسه؛ شاغرًا. الشجرة الصغيرة، وقد اشتدّ عودها. الحيطان التي شحب لونها. كل شيء هو كما هو، عداي. غيرتني الليالي وضحكتك. أبتسم للنادلة فتقول بودّ: ما قهوتك لهذا اليوم؟ هي التي ظلت دهرًا تقدمها دون أن تسألني عن نوعها. لكنها الليالي وضحكتك. أطلب ماءً، لأبلع غصتي.
محطة قطار متأخر. إضاءة خافتة. متسوّل يقول لي: هل تعرف نعمة العودة إلى البيت؟ هبني ما يمكن أن يريح ضميرك، لكي تعود إلى البيت، تاركًا مثلي في العراء. لستُ وحدي يقول. ثمة الكثير من أصدقائي في السجون. ومراكز الشرطة. كلنا لا نعرف نعمة "العودة إلى البيت"، دفء وضع يدك على مقبض باب بيت، نعومة إغلاق ستارة ليلًا، ترف إغلاق إضاءة خاصة. آه، يا للحزن المديد، وأنت تتذكرهم وحيدين، في كآبة السجون التي لا علاج لها، ولا مؤنس، ولا من عودة إلى البيت.
ضحكتك، ماذا عن ضحكتك؟ ضحكتك تشبه نعمة "العودة إلى البيت".
في شجارنا الثمانمئة وستة وعشرين -كما أحصيتِ آخر مرة- أقسمتُ أن لا أعود إليك. أنت تعرفين أن الكهول الهرمين يعودون أشباه مراهقين مُرهقين أمام غنج دلال صوتك، وأن العهود المتينة، تغدو محض نكت سخيفة أمام أول "تعال" منكِ، وأنا اتفق مع ميرزا، وهو يقول: "سمعنا عن طرد آدم من الجنّة. بمزيد من الإذلال؛ سأرحل عن الشارع الذي تقيمين فيه"، ولا غالب إلا الله يا مرزا غالب، هكذا قال أجدادنا الذين انتهت تأشيرات بقائهم في أوروبا؛ ولم يعودوا يملكون حق العودة، لنقص في الجوازات والكرامة.
من على شارع جانبي، رفقة وحدتي، أتأمل العابرات -لا أضيع يومي في تأمُّل العابرين الذكور، أنا نموذج سيء لأحدهم-، واحدةٌ يشبه شعرها شعرك، ثنتان تملكان أعينًا توازي عينيك -لا يقاربنها البتّة-، وأنف كأنفك، وكاشفة عن صدرها لكني لا أتأمله، فلا أعلم عن مدى شبهه ولا مدى شُبهتي، ومشيتك، يا لمشيتك، يعجز "وونغ كار واي"، عن تصويرها لو كنتِ بطلة In The Mood For Love، وضحكتكِ؛ لا أحد يشبه ضحكتك. -ثمة أشياء أخرى؛ لكني بالطبع، لا أطالعها-.
ينظر إليّ شرطي في المطار، وتقول لي عيناه: هل أنت إرهابيّ؟ أُدخل يدي ببطء إلى جيب بنطالي، أخرجها على مهل، وعيناي تحدّقان في يده التي تتحسس مسدسه، أضع السماعة على أذني، وأسمع أغنية بلغة لا أفهمها.
يقول لي بائع أسود، هل تريد نظارة سوداء؟ لا أجيبه، فيكمل: لتكون ملائمةً للون قلبك. أتوقف، أعتقده محقًا، أعود إليه وأساومه، وأحصل عليها بثمن لا يكفي لشراء قهوة. يقول لي بضجر: لقد كنتُ محقًا في لون قلبك. أغادره مرتديا نظارتي الجديدة، بلمسة بوندوية، أودعه بإشارة خفيفة من طرف يدي، وأفكر في ضحكتك.
أتذكرك وأنا في طائرة، تعبر سماء مدينتك، وأحدهم يقول لك نكتة سخيفة؛ وكعادتك: تضحكين بعنف، فيقول كابتن الطائرة: التزموا أماكنكم، وأحكِموا أحزمتكم، ثمة اهتزازات هوائية، لا نعلم سببها؛ وأتذكر ضحكتك، وأنجو.
مطعّمًا بالحُبّ، مثقلًا بالحنين، مضرجًا بالذكريات، أعبر شارعًا مزدحمًا، يقول لي صوت رقيق: آسف، وأفكر علام؟ للمسة كتفي، قلبي يودّ أن تلمسيه أيضًا، وأبسم للوجه الأرقّ، فتزيد سرعتها هربًا، وهي تلعق شفتين من مشمش، فيقول قلبي: من يلعق عني حزن الليالي، وانتظار الذين لا يؤوبون؟
يضع شخص قبعة يهودية، يسير معاكسًا لي. اتركه يعبر؟ اضطرّه إلى أضيق الطريق. ينظر إليّ عابسًا، أشتم أمه. يا للسوقية، ما ذنب أمه؟ هه، ألعن أباه أيضًا، وعائلته وقبيلته. ههه، هل للمشرد المجريّ قبيلة أصلا، ابن السلالة المنحطة، يأتي ليزاحمنا في فلسطين، ههه، يزاحمنا. يا لسعة قلوبنا الضعيفة. وبإشارة من طرف يدي -بأصبع واحدة، لا يحتاج أكثر من ذلك- وبلمسة بوندوية أيضًا، اترك له الطريق ليعبر. إلى الجحيم.
كنت في هذا الشارع قبل أربعة أعوام. أضع على رقبتي عمامة فلسطينية. طلبت مني خالتي حصّة -التي لا تقرأ ما أكتب، أو بالأصح: لا تعرف أنني أكتب، أو لو شئنا الدقة: لا تتنازل لتقرأ ما أكتب- أن أرسل لها صورًا من المكان، وأعقَبت: وأين صورتك؟ وأرسلت لها صورة واثقة رفقة الشال العزيز، لترد بعد ساعة: "ما هذا يا إرهابي؟ هل التحقت بداعش؟"، ولا شيء آخر يذكر في المحادثة سوى سؤال عن نوع طبق واسم مطعم. يا فلسطين العزيزة، أعتذر لك عن هذا. ألبس اليوم قميصًا عليه كلمة عربية، وكلما مررت بشرطي تأملني ساعتين. أعرف توجّسه، وأعرف خالتي أكثر.
سيارة شرطة تمرق مسرعة -ياه، منذ مدة طويلة لم استخدم كلمة تمرق، جيدة- أتذكر بوكوفسكي اللعين، مولانا في الكتابة والبذاءة، وهو يصف المدينة بالطمأنينة، حالما يسمع صوت إسعاف أو بوق شرطة. المدينة تأكل نفسها. ثمة شجار، وقتيل ربما. هذا يعني نجاة البقية. أهز رأسي وأتذكر ضحكتك التي لا تمرق من روحي أبدًا.
أعود إلى مقهى كنت آلفه. النادلة هي النادلة. القهوة هي القهوة. المقعد الذي كنت أحب هو نفسه؛ شاغرًا. الشجرة الصغيرة، وقد اشتدّ عودها. الحيطان التي شحب لونها. كل شيء هو كما هو، عداي. غيرتني الليالي وضحكتك. أبتسم للنادلة فتقول بودّ: ما قهوتك لهذا اليوم؟ هي التي ظلت دهرًا تقدمها دون أن تسألني عن نوعها. لكنها الليالي وضحكتك. أطلب ماءً، لأبلع غصتي.
محطة قطار متأخر. إضاءة خافتة. متسوّل يقول لي: هل تعرف نعمة العودة إلى البيت؟ هبني ما يمكن أن يريح ضميرك، لكي تعود إلى البيت، تاركًا مثلي في العراء. لستُ وحدي يقول. ثمة الكثير من أصدقائي في السجون. ومراكز الشرطة. كلنا لا نعرف نعمة "العودة إلى البيت"، دفء وضع يدك على مقبض باب بيت، نعومة إغلاق ستارة ليلًا، ترف إغلاق إضاءة خاصة. آه، يا للحزن المديد، وأنت تتذكرهم وحيدين، في كآبة السجون التي لا علاج لها، ولا مؤنس، ولا من عودة إلى البيت.
ضحكتك، ماذا عن ضحكتك؟ ضحكتك تشبه نعمة "العودة إلى البيت".
الشجعان لا يكتبون الشِّعر | دانييل جونز
"الشجعان يركبون السيّارات إلى العمل باكرًا في الصباح
يتعرّضون إلى حوادث، يسرقون البنوك.
الشجعان لديهم أطفال، علاقات، ورهن عقاريّ.
الشجعان لا يكتبون أبدًا عن تلك الأشياء في دفتر.
الشجعان يموتون، ها هم موتى.
يتطلّب الأمر شجاعة كي تشاهد التلفاز،
كي تسرّح شعرك، كي تقيم حفلة شواء.
يتطلب الأمر شجاعة كي تفجّر مصنعَ القنابل الكنديّ،
وتعترف بالذنب طيلة خمسة وعشرين عامًا
جوزيف برودسكي نُفي بسبب قصائده وها هو
يعيش في أرض الشجعان حيث يحبّون شعره،
لكنّهم لا يقرؤونه
بينما تصطفّ طوابير في شوارع موسكو لشراء الطعام.
يتطلب الأمر شجاعة كي تعرف بعض السعادة
دون أن تكتب عنها الشعر.
وحيدًا في غرفتي،
أتصل بشخص ما، أيّ شخص.
شخص يمدّني بالقوة لأحيا
لا لأتساءل عن معنى الوجود.
شخص يهبني القوّة
لأبقى بعيدًا عن المقاهي والمكتبات.
شخص يمدّني بالقوّة
كي لا أتقدم إلى المجلس الكندي للفنون
شخص يهبني القوة؛ كي لا أكتب الشعر.
لكن لا شيء. لا أحد.
الشوارع لم تنفجر، السيّارات تمرّ.
الساعة تحرّكت إنشًا آخر.
إرنستو كاردينال لن يكتب المزيد من الشعر
طالما تشنّ الولايات المتحدة الحرب على بلاده.
قرأت ذلك في مجلة بلاي بوي.
من ثمّ حدّقت بصورة امرأة عارية،
ساقاها مفرودتان بين صفحتين
عارفًا، فيما المني يملأ يدي، أنّها لن تكتب الشعر أبدًا
إنّه الربيع في تورنتو. أنا واقع في الحبّ".
"الشجعان يركبون السيّارات إلى العمل باكرًا في الصباح
يتعرّضون إلى حوادث، يسرقون البنوك.
الشجعان لديهم أطفال، علاقات، ورهن عقاريّ.
الشجعان لا يكتبون أبدًا عن تلك الأشياء في دفتر.
الشجعان يموتون، ها هم موتى.
يتطلّب الأمر شجاعة كي تشاهد التلفاز،
كي تسرّح شعرك، كي تقيم حفلة شواء.
يتطلب الأمر شجاعة كي تفجّر مصنعَ القنابل الكنديّ،
وتعترف بالذنب طيلة خمسة وعشرين عامًا
جوزيف برودسكي نُفي بسبب قصائده وها هو
يعيش في أرض الشجعان حيث يحبّون شعره،
لكنّهم لا يقرؤونه
بينما تصطفّ طوابير في شوارع موسكو لشراء الطعام.
يتطلب الأمر شجاعة كي تعرف بعض السعادة
دون أن تكتب عنها الشعر.
وحيدًا في غرفتي،
أتصل بشخص ما، أيّ شخص.
شخص يمدّني بالقوة لأحيا
لا لأتساءل عن معنى الوجود.
شخص يهبني القوّة
لأبقى بعيدًا عن المقاهي والمكتبات.
شخص يمدّني بالقوّة
كي لا أتقدم إلى المجلس الكندي للفنون
شخص يهبني القوة؛ كي لا أكتب الشعر.
لكن لا شيء. لا أحد.
الشوارع لم تنفجر، السيّارات تمرّ.
الساعة تحرّكت إنشًا آخر.
إرنستو كاردينال لن يكتب المزيد من الشعر
طالما تشنّ الولايات المتحدة الحرب على بلاده.
قرأت ذلك في مجلة بلاي بوي.
من ثمّ حدّقت بصورة امرأة عارية،
ساقاها مفرودتان بين صفحتين
عارفًا، فيما المني يملأ يدي، أنّها لن تكتب الشعر أبدًا
إنّه الربيع في تورنتو. أنا واقع في الحبّ".
روحٌ صامتة | ألفا هولدن
"ربما تعتقد أنني منهارة،
لكني، أجلس هنا أفكر في خطوتي التالية،
روحي ساكنة، في انتظار الباقي مني لتبدأ الرحلة.
مررتُ بما هو أسوأ؛
يدهشك هدوئي
تخطئ تمهلي بالهزيمة،
لكنك لا ترى أبعد من القشرة
التي تحبس العاصفة داخلي،
لن تستوعب أبدًا قدر الجهد الذي أبذله
لأبقي على صلابتها.
أبدًا
لا تخطئ روحًا صامتة بأخرى فارغة".
"ربما تعتقد أنني منهارة،
لكني، أجلس هنا أفكر في خطوتي التالية،
روحي ساكنة، في انتظار الباقي مني لتبدأ الرحلة.
مررتُ بما هو أسوأ؛
يدهشك هدوئي
تخطئ تمهلي بالهزيمة،
لكنك لا ترى أبعد من القشرة
التي تحبس العاصفة داخلي،
لن تستوعب أبدًا قدر الجهد الذي أبذله
لأبقي على صلابتها.
أبدًا
لا تخطئ روحًا صامتة بأخرى فارغة".
يوم النقل | كايت روكوفسكي
"يحدقُ في الحائط خلف رأسي
الطلاء، مثل أسنان فم مدخن،
اعتراه الاصفرار بمرور الوقت
إلا أننا لم نعد نتأذى
ننظر إلى خيباتنا وكأنها في معرض أغراض مستعملة لشخص ما
كل ما رغبناه يومًا، مستهلك الآن
لا نأبه لو أن المستأجرين الجدد لديهم خطط عظيمة
بشأن هدم جدار، وتوسيع المساحة
سينظفون السطح ويكملون إعداد الحديقة التي أردتُ زراعتها مرة
لكني في النهاية يأستُ
لأني نسيت كيف أحب شيئًا يستغرق وقتًا ليتغير".
"يحدقُ في الحائط خلف رأسي
الطلاء، مثل أسنان فم مدخن،
اعتراه الاصفرار بمرور الوقت
إلا أننا لم نعد نتأذى
ننظر إلى خيباتنا وكأنها في معرض أغراض مستعملة لشخص ما
كل ما رغبناه يومًا، مستهلك الآن
لا نأبه لو أن المستأجرين الجدد لديهم خطط عظيمة
بشأن هدم جدار، وتوسيع المساحة
سينظفون السطح ويكملون إعداد الحديقة التي أردتُ زراعتها مرة
لكني في النهاية يأستُ
لأني نسيت كيف أحب شيئًا يستغرق وقتًا ليتغير".
ذلك الذي من أجله أموت | كريستينا روسيتي
"لو أنه يحضر هذا اليوم، اليوم، اليوم،
آه، كم سيكون يومًا رائعًا هذا اليوم!
لكنه الآن عني بعيد، بعيد أميالًا وأميالًا
في عرض البحر.
أيتها العصفورة الصغيرة،
تطيرين، وتطيرين، وتطيرين
إلى عشك في الغرب الدافئ،
أخبريه أثناء مرورك أني أحتضر،
أثناء مرورك إلى موطنك إلى عشك.
لي أخت، ولي أخ،
وكلب وفيّ، وحمامة أليفة بيضاء
لكن كان لي إنسان آخر،
ذات يوم كان لي إنسان آخر،
وأفتقده، حبيبي، حبيبي!
في هذا العالم المتعب البرد قارس، قارس،
بينما أجلس هنا وحدي؛
لا أحب أن ننتظر وأشيخ،
أريد أن أموت وأمضي فحسب.
إجعلوني جميلة حين أضطجع ميتةً في فراشي،
جميلة حيث أستلقي:
لعله يأتي وينظر إليّ وأنا ميتة
ذلك الذي من أجله أموت.
احفروا قبري لشخصين،
وضعوا حجرًا يظهر ذلك،
وعلى الحجر اكتبوا اسمي؛
إذا لم يأتِ أبدًا، فلن أعرف،
بل سأظل نائمة على أية حال".
"لو أنه يحضر هذا اليوم، اليوم، اليوم،
آه، كم سيكون يومًا رائعًا هذا اليوم!
لكنه الآن عني بعيد، بعيد أميالًا وأميالًا
في عرض البحر.
أيتها العصفورة الصغيرة،
تطيرين، وتطيرين، وتطيرين
إلى عشك في الغرب الدافئ،
أخبريه أثناء مرورك أني أحتضر،
أثناء مرورك إلى موطنك إلى عشك.
لي أخت، ولي أخ،
وكلب وفيّ، وحمامة أليفة بيضاء
لكن كان لي إنسان آخر،
ذات يوم كان لي إنسان آخر،
وأفتقده، حبيبي، حبيبي!
في هذا العالم المتعب البرد قارس، قارس،
بينما أجلس هنا وحدي؛
لا أحب أن ننتظر وأشيخ،
أريد أن أموت وأمضي فحسب.
إجعلوني جميلة حين أضطجع ميتةً في فراشي،
جميلة حيث أستلقي:
لعله يأتي وينظر إليّ وأنا ميتة
ذلك الذي من أجله أموت.
احفروا قبري لشخصين،
وضعوا حجرًا يظهر ذلك،
وعلى الحجر اكتبوا اسمي؛
إذا لم يأتِ أبدًا، فلن أعرف،
بل سأظل نائمة على أية حال".
الحياة قصيرة | ميخائيل جفانيتسكي
"الحياة قصيرة
ولذلك يجب عليكَ أن تُجيدَ:
ترك فيلمٍ غير جيّد،
أن ترمي، جانبًا، كتابًا غير مفيد
وأن تهجر شخصًا سيّئًا
وهؤلاء كُثُر!
أن تترك عملًا غير ناجح
وحتى أن تتخلى عن محدودي التفكير
وهؤلاء هم أيضًا كُثُر..
فالوقت أثمن!
ومن الأفضل أن تنام.
من الأفضل أن تأكل.
من الأفضل أن تنظر إلى النار في الموقد،
إلى طفل،
إلى امرأة،
إلى الماء!
والموسيقى أصبحت عدّوًا للإنسان
تُفرَض عنوةً عليه
عبر السقف
وعبر أرضية البيت
وعبر الجدران.
والكمبيوتر أيضًا. بات مُؤذيا،
ولجوجًا. يضيء مثل شبح،
ويلحُّ مثل بائع في بازار شرقي.
"تبحبش" وتبحث وتبحث
قد تعثر على شيءٍ ما
ولكن لا تعرف له فائدة
فترميه.
ومن جديد تبحث وتبحث..
ومن جديد بلا فائدة.
وحده الكتاب مفيد ورقيق الحاشية
تتناوله عن الرف
تتصفحه، ومن ثم تعيده
لا يوجد فيه ما يخدش الذوق
ولا يقتحم حياتك بلا استئذان.
كم كان جميلًا لو أنَّ
الأمر كان كذلك مع الناس".
"الحياة قصيرة
ولذلك يجب عليكَ أن تُجيدَ:
ترك فيلمٍ غير جيّد،
أن ترمي، جانبًا، كتابًا غير مفيد
وأن تهجر شخصًا سيّئًا
وهؤلاء كُثُر!
أن تترك عملًا غير ناجح
وحتى أن تتخلى عن محدودي التفكير
وهؤلاء هم أيضًا كُثُر..
فالوقت أثمن!
ومن الأفضل أن تنام.
من الأفضل أن تأكل.
من الأفضل أن تنظر إلى النار في الموقد،
إلى طفل،
إلى امرأة،
إلى الماء!
والموسيقى أصبحت عدّوًا للإنسان
تُفرَض عنوةً عليه
عبر السقف
وعبر أرضية البيت
وعبر الجدران.
والكمبيوتر أيضًا. بات مُؤذيا،
ولجوجًا. يضيء مثل شبح،
ويلحُّ مثل بائع في بازار شرقي.
"تبحبش" وتبحث وتبحث
قد تعثر على شيءٍ ما
ولكن لا تعرف له فائدة
فترميه.
ومن جديد تبحث وتبحث..
ومن جديد بلا فائدة.
وحده الكتاب مفيد ورقيق الحاشية
تتناوله عن الرف
تتصفحه، ومن ثم تعيده
لا يوجد فيه ما يخدش الذوق
ولا يقتحم حياتك بلا استئذان.
كم كان جميلًا لو أنَّ
الأمر كان كذلك مع الناس".
الإنسان بحاجة للقليل | روبرت روجديستفينسكي
"الإنسان بحاجة للقليل:
أن يسعى
وأن يجِد.
أن يكون لديه في البداية:
صديق واحد
وعدّو –
أيضا واحد.
الإنسان بحاجة لما هو قليل:
أن تقوده الدرب إلى البعيد
البعيد.
أن تبقى أمُّه على قيد الحياة.
أن تعيش للمدّة التي تتمناها.
الإنسان بحاجة للقليل:
لقطعة صغيرة من السماء الزرقاء.
فالحياة – واحدة.
والموت أيضًا-
واحد.
الإنسان بحاجة:
لجريدة طازجة في الصباح –
للمودّة مع البشر.
لكوكب واحد: كوكب الأرض!
الإنسان بحاجة لما هو قليل:
أن يكون ثمة مَن ينتظره
في البيت!".
"الإنسان بحاجة للقليل:
أن يسعى
وأن يجِد.
أن يكون لديه في البداية:
صديق واحد
وعدّو –
أيضا واحد.
الإنسان بحاجة لما هو قليل:
أن تقوده الدرب إلى البعيد
البعيد.
أن تبقى أمُّه على قيد الحياة.
أن تعيش للمدّة التي تتمناها.
الإنسان بحاجة للقليل:
لقطعة صغيرة من السماء الزرقاء.
فالحياة – واحدة.
والموت أيضًا-
واحد.
الإنسان بحاجة:
لجريدة طازجة في الصباح –
للمودّة مع البشر.
لكوكب واحد: كوكب الأرض!
الإنسان بحاجة لما هو قليل:
أن يكون ثمة مَن ينتظره
في البيت!".
شجاعة | فورتيسا لاتيفي
"شيء ما جرى على نحو خاطئ،
أو ربما جرى فحسب.
كان يحبكِ، الآن توقف
متروكة أنتِ لاختبار البعد في أشكال بسيطة
تأخذين الطريق الأطول إلى المدرسة
تدورين بسيارتك في الشوارع تفاديًا لأحدها
ترتبين سريرك صباحًا، ثم تلطخين قميصك بالقهوة
لو أنها تلسع، فإنه يستمر للحظة فقط.
شيء ما جرى على نحو خاطئ وأنت لست شجاعة حياله
ألمك صاخب، لكن لا أحد يلاحظه
تقفزين من شيء لآخر لأن الفراغ بينهما مرعب،
الفراغ بينهما صامت
هناك طريقة أفضل للتعايش
لكنك لا تعرفينها
لست تلك الفتاة بعد، التي تقدر على العيش مع أمر كهذا
لذا، أنت فقط تجرجرين نفسك إلى أن يأتي ذلك اليوم
يا إلهي! تبدين متعبة للغاية وضئيلة
يا إلهي! تبدين كالمسوس بجن.
هناك طريقة أفضل للتعايش مع الأمر
لكنك على قيد الحياة
وهذا كاف جدًا الآن".
"شيء ما جرى على نحو خاطئ،
أو ربما جرى فحسب.
كان يحبكِ، الآن توقف
متروكة أنتِ لاختبار البعد في أشكال بسيطة
تأخذين الطريق الأطول إلى المدرسة
تدورين بسيارتك في الشوارع تفاديًا لأحدها
ترتبين سريرك صباحًا، ثم تلطخين قميصك بالقهوة
لو أنها تلسع، فإنه يستمر للحظة فقط.
شيء ما جرى على نحو خاطئ وأنت لست شجاعة حياله
ألمك صاخب، لكن لا أحد يلاحظه
تقفزين من شيء لآخر لأن الفراغ بينهما مرعب،
الفراغ بينهما صامت
هناك طريقة أفضل للتعايش
لكنك لا تعرفينها
لست تلك الفتاة بعد، التي تقدر على العيش مع أمر كهذا
لذا، أنت فقط تجرجرين نفسك إلى أن يأتي ذلك اليوم
يا إلهي! تبدين متعبة للغاية وضئيلة
يا إلهي! تبدين كالمسوس بجن.
هناك طريقة أفضل للتعايش مع الأمر
لكنك على قيد الحياة
وهذا كاف جدًا الآن".
فضيلة الكسل | عبدالعزيز البرتاوي
"مذ كنت صغيرًا، والكسل عماد حياتي. اعتدت البقاء في عربتي متمددًا، أثناء التماشي. وحين أعود إلى البيت، فإنني استلقي على أول كنبة أصادفها، كقطّ عجوز. بعد الطعام، كان عسيرًا أن أذهب لغسل يدي؛ لذلك لا تفكر بأنني كنت أفعل قبله. ولقد كان ذلك مجهدًا لأمي. لكنه كان حلوًا لي. كسولًا كنت، ولا زلت. فما أختاره في أي فندق، عرض سريره، وقرب موقعه من كل شيء. إذا كان من فضيلة أو فصيلة لحياتي؛ فلن أختار لها غير الكسل. انظر، يا للجمل التي بدأتُها ولم أنهها. يا للكتب التي فتحتها ولا زالت صفحاتها مشرعة للملل والغبار. يا للمشاريع التي أتعبتها تخطيطًا، وأوليتها للنسيان. يا للأفلام التي كلّت أقدام ممثليها وهم بانتظار إنهاء مشاهدهم. أوه، لقد كانت أمي تحسب لي ذلك، فتكلفني من الأعمال، ما يمكن إنجازه أثناء الاستلقاء، مهاتفة الجار لطلب شيء، يحضره أبناؤه بالطبع، شتم أبناء الجار الآخر، وسؤال الغائبين؛ متى يعودون؟ ولكم أودّ أن أكتب حول هذا، لكنني أشعر بكسل جيّدٍ. هه، سأذهب للاستلقاء قليلًا".
"مذ كنت صغيرًا، والكسل عماد حياتي. اعتدت البقاء في عربتي متمددًا، أثناء التماشي. وحين أعود إلى البيت، فإنني استلقي على أول كنبة أصادفها، كقطّ عجوز. بعد الطعام، كان عسيرًا أن أذهب لغسل يدي؛ لذلك لا تفكر بأنني كنت أفعل قبله. ولقد كان ذلك مجهدًا لأمي. لكنه كان حلوًا لي. كسولًا كنت، ولا زلت. فما أختاره في أي فندق، عرض سريره، وقرب موقعه من كل شيء. إذا كان من فضيلة أو فصيلة لحياتي؛ فلن أختار لها غير الكسل. انظر، يا للجمل التي بدأتُها ولم أنهها. يا للكتب التي فتحتها ولا زالت صفحاتها مشرعة للملل والغبار. يا للمشاريع التي أتعبتها تخطيطًا، وأوليتها للنسيان. يا للأفلام التي كلّت أقدام ممثليها وهم بانتظار إنهاء مشاهدهم. أوه، لقد كانت أمي تحسب لي ذلك، فتكلفني من الأعمال، ما يمكن إنجازه أثناء الاستلقاء، مهاتفة الجار لطلب شيء، يحضره أبناؤه بالطبع، شتم أبناء الجار الآخر، وسؤال الغائبين؛ متى يعودون؟ ولكم أودّ أن أكتب حول هذا، لكنني أشعر بكسل جيّدٍ. هه، سأذهب للاستلقاء قليلًا".
أريد أن أضحك | جلال الأحمدي
"أريد أن أضحك
لكن ليس عندي فم
مع ذلك جربت البكاء
بلا عين
بلا سبب حتى، ونجحت
أريد أن أضحك
من القلب
من الرئة
من جرح في الساعد
من ثغرة في الجسد
وفي الحائط
وفي الوقت
وفي المتصفح
أريد أن أضحك
أمام المرآة
أمام الجيران
عند عتبة البيت
وداخل السوبر ماركت
في الأعراس والمآتم
أريد أن أضحك قبل أن تفسد النكات
قبل أن يصير الضحك مملا
أو تصادره من بيوتنا الشركات
قبل أن يثبت من مخالبه خلف الفاترينات
ويقدم على موائد الأثرياء
أريد أن أضحك
وأنا أدخل غرفة التعذيب
وأنا أحدق في وجه المحقق
وأنا أنظر إلى المقصلة وإليكم
وأنتم تراقبون
وأنتم تعصبون عيون أطفالكم
باليد التي تمسحون بها مؤخراتكم
وتصفقون بها للدكتاتور
أضحك لعجزكم وتفاهتكم
من خلفكم لظهوركم المحدودبة
لأسفل أحذيتكم المتآكل
لألف دكتاتور قادم
أريد أن أضحك
لكن فعل الدموع أسهل".
"أريد أن أضحك
لكن ليس عندي فم
مع ذلك جربت البكاء
بلا عين
بلا سبب حتى، ونجحت
أريد أن أضحك
من القلب
من الرئة
من جرح في الساعد
من ثغرة في الجسد
وفي الحائط
وفي الوقت
وفي المتصفح
أريد أن أضحك
أمام المرآة
أمام الجيران
عند عتبة البيت
وداخل السوبر ماركت
في الأعراس والمآتم
أريد أن أضحك قبل أن تفسد النكات
قبل أن يصير الضحك مملا
أو تصادره من بيوتنا الشركات
قبل أن يثبت من مخالبه خلف الفاترينات
ويقدم على موائد الأثرياء
أريد أن أضحك
وأنا أدخل غرفة التعذيب
وأنا أحدق في وجه المحقق
وأنا أنظر إلى المقصلة وإليكم
وأنتم تراقبون
وأنتم تعصبون عيون أطفالكم
باليد التي تمسحون بها مؤخراتكم
وتصفقون بها للدكتاتور
أضحك لعجزكم وتفاهتكم
من خلفكم لظهوركم المحدودبة
لأسفل أحذيتكم المتآكل
لألف دكتاتور قادم
أريد أن أضحك
لكن فعل الدموع أسهل".