حياتنا عمل فني | لانج لييف
"بعد حين
تبدأ في اختلاق المواقف
أعتقد أنها طبيعة بشرية
أن نضيف ونطرح من ذكرياتنا
لنستعيدها كما نحب أن تكون.
لكن، قبل كل شيء
حياتنا عمل فني حي
ألا يسمح لنا بتشكيله بالطريقة التي نختار؟
أذكر عندما رأيت لوحتي المفضلة لأول مرة
كيف سلب جمالها الجارح أنفاسي
فكرت، لو أن بيكاسو أنهاها بفرشاة واحدة أقل
لربما أخبرنا بقصة مختلفة تمامًا،
لو أنه بدأها بمسحة من الأحمر بدلًا من الأزرق
لربما أصبحت مجرد فصل
عوضًا عن حقبة كاملة".
"بعد حين
تبدأ في اختلاق المواقف
أعتقد أنها طبيعة بشرية
أن نضيف ونطرح من ذكرياتنا
لنستعيدها كما نحب أن تكون.
لكن، قبل كل شيء
حياتنا عمل فني حي
ألا يسمح لنا بتشكيله بالطريقة التي نختار؟
أذكر عندما رأيت لوحتي المفضلة لأول مرة
كيف سلب جمالها الجارح أنفاسي
فكرت، لو أن بيكاسو أنهاها بفرشاة واحدة أقل
لربما أخبرنا بقصة مختلفة تمامًا،
لو أنه بدأها بمسحة من الأحمر بدلًا من الأزرق
لربما أصبحت مجرد فصل
عوضًا عن حقبة كاملة".
نسيم بحري | ستيفان مالارميه
"الجسد حزين، واحسرتاه! ولقد قرأت جميع الكتب.
الهروب! الهروب إلى هناك! أشعر أن طيورًا منتشية
بكونها تطير بين الزبد المجهول والسماء!
لا شيء، لا الحدائق العتيقة التي تعكسها العيون
تحفظ هذا القلب المنغمس في البحر
يا أيّتها الليالي! ولا الضوء الخالي من قنديلي
على الصفحة الخاوية التي يحميها البياض
ولا المرأة الشابة التي ترضع طفلها
سأرحل! يا سفينة البخار المتبخترة بصاريتك
أبحري إلى طبيعة غريبة!
سأم خيبت ظنه الآمال القاسية
لا يزال يؤمن بتوديع المناديل الرفيع!
وربما الصواري وهي تستدعي العواصف
هي من تلك التي تنحني الريح بها فوق عواصف البحر
ضائعون، بلا صواري، بلا صواري، وبلا جزر خِصْبة..
لكن اسمع يا قلبي نشيد البحّارة!".
"الجسد حزين، واحسرتاه! ولقد قرأت جميع الكتب.
الهروب! الهروب إلى هناك! أشعر أن طيورًا منتشية
بكونها تطير بين الزبد المجهول والسماء!
لا شيء، لا الحدائق العتيقة التي تعكسها العيون
تحفظ هذا القلب المنغمس في البحر
يا أيّتها الليالي! ولا الضوء الخالي من قنديلي
على الصفحة الخاوية التي يحميها البياض
ولا المرأة الشابة التي ترضع طفلها
سأرحل! يا سفينة البخار المتبخترة بصاريتك
أبحري إلى طبيعة غريبة!
سأم خيبت ظنه الآمال القاسية
لا يزال يؤمن بتوديع المناديل الرفيع!
وربما الصواري وهي تستدعي العواصف
هي من تلك التي تنحني الريح بها فوق عواصف البحر
ضائعون، بلا صواري، بلا صواري، وبلا جزر خِصْبة..
لكن اسمع يا قلبي نشيد البحّارة!".
أشدّ حدّة من شفرة | سيرغي يسينِن
"الحياة خدعة ذاتُ حنينٍ فتّاك
سرُّ قوّتها أنها بيدها الخشنة
تخطّ حروف القدَر.
دائماً، حين أُغمِض عينَيّ،
أقول: «ما إن تلمس القلب،
الحياة خدعة ولكنّها أحياناً
تزيِّن الكذِب بالأفراح.
أَدِرْ وجهك إلى السماء العجوز،
مستفسرًا عن مصيرك القمر،
مهلاً، أيها الفاني، ولا تطلبْ
تلك الحقيقةَ التي لا تحتاجها».
في زوبعة الليلك يحسُن
التفكير بأن الحياة درب
وإنْ خدعتْك الصديقات الخفيفات،
وإنْ خانك الأصدقاء الخفيفون.
ليكنْ أنهم يدلّلونني بالكلام اللطيف،
ليكنِ اللسان الخبيث أشدّ حِدّة من شفرة
فأنا لَطالما أعيش مستعدّاً لكل شيء
وبلا رحمةٍ ألِفْتُ كل شيء.
هذه الأعالي تبعث في روحيَ البرْد،
لا دفءَ في نار النجوم.
لقد هجرني من أحببت
ونسيَني من بهم عشت.
مع ذلك، فأنا، المطارَد المنبوذ،
أنظر مبتسمًا إلى الفجر،
على الأرض الحميمة الحبيبة
أشكر هذه الحياة على كل شيء".
"الحياة خدعة ذاتُ حنينٍ فتّاك
سرُّ قوّتها أنها بيدها الخشنة
تخطّ حروف القدَر.
دائماً، حين أُغمِض عينَيّ،
أقول: «ما إن تلمس القلب،
الحياة خدعة ولكنّها أحياناً
تزيِّن الكذِب بالأفراح.
أَدِرْ وجهك إلى السماء العجوز،
مستفسرًا عن مصيرك القمر،
مهلاً، أيها الفاني، ولا تطلبْ
تلك الحقيقةَ التي لا تحتاجها».
في زوبعة الليلك يحسُن
التفكير بأن الحياة درب
وإنْ خدعتْك الصديقات الخفيفات،
وإنْ خانك الأصدقاء الخفيفون.
ليكنْ أنهم يدلّلونني بالكلام اللطيف،
ليكنِ اللسان الخبيث أشدّ حِدّة من شفرة
فأنا لَطالما أعيش مستعدّاً لكل شيء
وبلا رحمةٍ ألِفْتُ كل شيء.
هذه الأعالي تبعث في روحيَ البرْد،
لا دفءَ في نار النجوم.
لقد هجرني من أحببت
ونسيَني من بهم عشت.
مع ذلك، فأنا، المطارَد المنبوذ،
أنظر مبتسمًا إلى الفجر،
على الأرض الحميمة الحبيبة
أشكر هذه الحياة على كل شيء".
"موسيقى أعشقها. أغنية "phantom of opera " يملأ صداها أرجاء بيتي الجبلي الواسع.. أنا واقفة قرب شباك المطبخ، تمامًا حيث ما زالت خشبة تقطيع البصل إياها تعلم حكايتها. ورثتها عن أمي وأمي عن جدتي، تتكىء في الشمس مثل كمان عتيق وحزين. أيضا تمتد بلاطة قديمة بيضاء وضعت عليها أصنافًا قليلة من الفاكهة والخضار، في محاولة مني لتحضير عشاء خفيف لليلة بمناسبة عيد ميلادي..
أنظر إلى الحديقة وأشرد للحظات كلما قشّرت جزرة أو رأس بطاطا أو جمعت ضمة بقدونس.. فجأة ألمحك قادم.. تركن السيارة بين أغصان شجرة الجوز المعمّرة وتترجل عابرًا بين شتلات الخبيزة الحمراء باتجاه بيتي.
أسأل: كيف لهذا القلب الصغير أن يطرق على هذا الشكل ولا يتوقف عن الخفقان أو يصاب فورًا بسكتة؟ لا أسرع لأفتح لك.. ولا أرغب بالتفكير كثيرًا كيف دخلت.. فقط أترك ذاتي تصغي إلى صوت دفّة الباب تنغلق وأحبس ما تبقّى من أنفاس وأنا أتنصت على وقع خطاك على البلاط.
في الواقع لم يكن هناك من صوت، حفيف ربما أشبه بطيران خفيف نحسّه كهبّة هواء لطيفة.. أو رفّة جناح.. أتحنّط مكاني، هناك قرب الشباك الذي رأيتك منه وعيناي لا تفارقان الحديقة..
أشعر بنسمتك تقترب، تقترب مني كثيرًا فأرتجف وأنت ترفع شعري وتقبّل عنقي من الوراء. لا أستدير لألاقي وجهك، عينيك وفمك. لا أستدير حتى لا أتأكد من أنك لم تأت.. لم تأت قط..."
ليلى عيد
أنظر إلى الحديقة وأشرد للحظات كلما قشّرت جزرة أو رأس بطاطا أو جمعت ضمة بقدونس.. فجأة ألمحك قادم.. تركن السيارة بين أغصان شجرة الجوز المعمّرة وتترجل عابرًا بين شتلات الخبيزة الحمراء باتجاه بيتي.
أسأل: كيف لهذا القلب الصغير أن يطرق على هذا الشكل ولا يتوقف عن الخفقان أو يصاب فورًا بسكتة؟ لا أسرع لأفتح لك.. ولا أرغب بالتفكير كثيرًا كيف دخلت.. فقط أترك ذاتي تصغي إلى صوت دفّة الباب تنغلق وأحبس ما تبقّى من أنفاس وأنا أتنصت على وقع خطاك على البلاط.
في الواقع لم يكن هناك من صوت، حفيف ربما أشبه بطيران خفيف نحسّه كهبّة هواء لطيفة.. أو رفّة جناح.. أتحنّط مكاني، هناك قرب الشباك الذي رأيتك منه وعيناي لا تفارقان الحديقة..
أشعر بنسمتك تقترب، تقترب مني كثيرًا فأرتجف وأنت ترفع شعري وتقبّل عنقي من الوراء. لا أستدير لألاقي وجهك، عينيك وفمك. لا أستدير حتى لا أتأكد من أنك لم تأت.. لم تأت قط..."
ليلى عيد
ليس العمر بشيء | المطران جورج خضر
"هذه الكتابة لا علاقة لها بسني خصوصًا أن معظم القراء لا يعرف عني شيئًا. لهذا يزين لي أني قادر أن أكتب حرًا من أعوامي المنصرمة والآتي الممكن لا يعرفه إلا ربّك. نحن نجيء من ماضينا ولا نعرف إن كان لنا آتٍ. لا يقاس الإنسان بعدد ما مر عليه من أعوام. قد تكون فارغة أو الكثير منها كذلك. الإنسان ما استلم أو ما ارتضاه مما استلم وهو من حاضره المقبول أو المرفوض أو ما كان منه تحت السؤال. نحن حركة بحيث أننا لسنا مجرد ثمرة لما مضى علينا لكوننا ارتقاء او أقلّه تغيرًا.
لذلك لا يعني تقدم العمر شيئًا. لا هو نضج بالضرورة ولا هو اهتداء. ليس العمر بشيء. ما تملأه فيه من حضرة إنسانية هو كل الوجود لأن الزمن لا يأتيك، ضرورة، بمضمون. كان لك وعاء والوعاء يحمل كل شيء. أنت لست نتيجة مرور السنين عليك فقط. أنت حضور الحضرة الإلهية إن نزلت. وأنت بذا متطلّع إلى الآتيات أو إلى الباقيات الأبقى من الآتيات. أنت ما كنت وما تصير وتريد في الآن أن تصير. مرة أراد كبير في كنيستي منذ خمسين سنة أن يرد حجتي عليه بقوله لي خبرة سنوات عديدة. أجبته ليست الخبرة بشيء إذ قد تكون خبرة خير أو خبرة شر. وكل واحدة منها تعلّمك شيئا. لذلك لا تستطيع أن تفرض عليّ ما تعتبره علما جاءك من الخبرة. ربما كان الرجل على حق أن يعتبر جوابي له تحديا. ولكن من قال أن التحدي لا يحمل الحق أو من قال أن خبرة الشيوخ تحمل معها الحقيقة. ربما حملت معها المرارة. فالإنسان لا ينمو دائمًا رفيق الله أي عارفه. غالبًا ما يكبر ذواقًا لخطاياه ومستخلصًا فكره من تراكمها فيه. غير صحيح أن الكهولة أو الشيخوخة تأتينا دائمًا بالفضيلة. فكثيرًا ما حملت أتعابنا والفكر الآتي من الأتعاب أي من المرارة.
كثيرا ما أتاك العمر بالكآبة ولكن لك أن تقاوم لأن مسؤوليتك العطاء الذي يستحيل اقترانه بالحزن الشديد. المسؤول من عرف أن له غدًا يملأه بالحب لأنه وحده الخلاق في الزمان.
ليس في أية مرحلة من العمر مضمون روحي واحد. الطهارة والدنس ممكنان في أية حقبة من وجودنا الأرضي إلى أن يتبرأ الإنسان بالموت كما يقول الرسول. لذلك يصرّ آباؤنا على القول أن من أهم ما يعطاك في جهادك أن تذكر الموت كل يوم. أرادوا انك إن فعلت هذا لا تقوم على الخطيئة لأن الموت الذي تنتجه رهيب لديك.
تعلّم السن أو تفسد المعرفة التي تنسب إلى الشيوخ فيها سلام أو فيها اضطراب. كمّ الأعوام يعطي هذا أو ذاك. لا يأتيك النضج دائمًا من تقادم الزمان عليك. إنه في أعماقه هبة إلهيّة، فوق استواء العقل وأعلى ذرى السلام وهذا ينزل عليك من الرب. ومن هذه المقاربة قد يأتيك فتى أعلى قدرا في العقل من طاعن في السنّ. العقل العظيم ما ينزل عليك من ربّك المنشئ للعقول ومربيها.
غير أن أهمية السن عند الصالحين ما كانت في توبتهم وهذه غالبًا ما تتطلب مراس زمان لأن التوبة جرح بالغ ولا يستقر الإنسان فيها إلا إذا انتظر الموت أو ترجاه. ما منع الله هذا الترجي. أنه منع الحزن أمام ما نتوقعه إذ فتح لنا باب الرجاء الذي هو انفتاح على القيامة.
أنت تلميذ كل حقب العمر وإلا كنت غبيًا. لك خبرتان: خبرة خطاياك، وخبرة فضيلتك. وإذا وهبك الله نعمة من عنده تضرب خطيئتك بما اكتسبت من فضيلة أي إذا رأيت وجه الله أبهى شيء في الوجود، غير أن هذا تتعلّمه بالمراس، بالصبر على خطيئتك ورجاء خلاص منها. والصبر لا يعني الاستكانة أو الانهزام. إنه يعني شكرك لما استلمت من تعزيات الرب والبقاء عليها. ليس الصبر الدوام على كل حال. إنه فقط الديمومة مع النعمة لأن شريكك فيه هو الله ذاته.
من هذه الزاوية لا تعني السن شيئًا. قد تأتي بارتقاء روحي وقد تأتي بهبوط أو تخلّف أو فساد. تقادم الزمان لا يعطيك شيئًا بالضرورة ولا يحرمك شيئًا إن شئت المثابرة. الله وحده معطيك في كل ظرف من ظروف حياتك. وحياتك العميقة هي النعمة فيك. أنت تحيا إن كنت تستلم النعمة بشكر وتفهمها وتصر على البقاء فيها.
فإذا تجلّت الرؤى الإلهيّة فيك يسجّل الله لك عمرًا روحيا لا علاقة له بالسنين. فالله حضور وليس تعاقب أعوام إلى أن يزول تحكّم الزمان فيك وحكمتك النعمة. عندئذ، تسكن الأبديّة وأنت في حدود الزمان".
"هذه الكتابة لا علاقة لها بسني خصوصًا أن معظم القراء لا يعرف عني شيئًا. لهذا يزين لي أني قادر أن أكتب حرًا من أعوامي المنصرمة والآتي الممكن لا يعرفه إلا ربّك. نحن نجيء من ماضينا ولا نعرف إن كان لنا آتٍ. لا يقاس الإنسان بعدد ما مر عليه من أعوام. قد تكون فارغة أو الكثير منها كذلك. الإنسان ما استلم أو ما ارتضاه مما استلم وهو من حاضره المقبول أو المرفوض أو ما كان منه تحت السؤال. نحن حركة بحيث أننا لسنا مجرد ثمرة لما مضى علينا لكوننا ارتقاء او أقلّه تغيرًا.
لذلك لا يعني تقدم العمر شيئًا. لا هو نضج بالضرورة ولا هو اهتداء. ليس العمر بشيء. ما تملأه فيه من حضرة إنسانية هو كل الوجود لأن الزمن لا يأتيك، ضرورة، بمضمون. كان لك وعاء والوعاء يحمل كل شيء. أنت لست نتيجة مرور السنين عليك فقط. أنت حضور الحضرة الإلهية إن نزلت. وأنت بذا متطلّع إلى الآتيات أو إلى الباقيات الأبقى من الآتيات. أنت ما كنت وما تصير وتريد في الآن أن تصير. مرة أراد كبير في كنيستي منذ خمسين سنة أن يرد حجتي عليه بقوله لي خبرة سنوات عديدة. أجبته ليست الخبرة بشيء إذ قد تكون خبرة خير أو خبرة شر. وكل واحدة منها تعلّمك شيئا. لذلك لا تستطيع أن تفرض عليّ ما تعتبره علما جاءك من الخبرة. ربما كان الرجل على حق أن يعتبر جوابي له تحديا. ولكن من قال أن التحدي لا يحمل الحق أو من قال أن خبرة الشيوخ تحمل معها الحقيقة. ربما حملت معها المرارة. فالإنسان لا ينمو دائمًا رفيق الله أي عارفه. غالبًا ما يكبر ذواقًا لخطاياه ومستخلصًا فكره من تراكمها فيه. غير صحيح أن الكهولة أو الشيخوخة تأتينا دائمًا بالفضيلة. فكثيرًا ما حملت أتعابنا والفكر الآتي من الأتعاب أي من المرارة.
كثيرا ما أتاك العمر بالكآبة ولكن لك أن تقاوم لأن مسؤوليتك العطاء الذي يستحيل اقترانه بالحزن الشديد. المسؤول من عرف أن له غدًا يملأه بالحب لأنه وحده الخلاق في الزمان.
ليس في أية مرحلة من العمر مضمون روحي واحد. الطهارة والدنس ممكنان في أية حقبة من وجودنا الأرضي إلى أن يتبرأ الإنسان بالموت كما يقول الرسول. لذلك يصرّ آباؤنا على القول أن من أهم ما يعطاك في جهادك أن تذكر الموت كل يوم. أرادوا انك إن فعلت هذا لا تقوم على الخطيئة لأن الموت الذي تنتجه رهيب لديك.
تعلّم السن أو تفسد المعرفة التي تنسب إلى الشيوخ فيها سلام أو فيها اضطراب. كمّ الأعوام يعطي هذا أو ذاك. لا يأتيك النضج دائمًا من تقادم الزمان عليك. إنه في أعماقه هبة إلهيّة، فوق استواء العقل وأعلى ذرى السلام وهذا ينزل عليك من الرب. ومن هذه المقاربة قد يأتيك فتى أعلى قدرا في العقل من طاعن في السنّ. العقل العظيم ما ينزل عليك من ربّك المنشئ للعقول ومربيها.
غير أن أهمية السن عند الصالحين ما كانت في توبتهم وهذه غالبًا ما تتطلب مراس زمان لأن التوبة جرح بالغ ولا يستقر الإنسان فيها إلا إذا انتظر الموت أو ترجاه. ما منع الله هذا الترجي. أنه منع الحزن أمام ما نتوقعه إذ فتح لنا باب الرجاء الذي هو انفتاح على القيامة.
أنت تلميذ كل حقب العمر وإلا كنت غبيًا. لك خبرتان: خبرة خطاياك، وخبرة فضيلتك. وإذا وهبك الله نعمة من عنده تضرب خطيئتك بما اكتسبت من فضيلة أي إذا رأيت وجه الله أبهى شيء في الوجود، غير أن هذا تتعلّمه بالمراس، بالصبر على خطيئتك ورجاء خلاص منها. والصبر لا يعني الاستكانة أو الانهزام. إنه يعني شكرك لما استلمت من تعزيات الرب والبقاء عليها. ليس الصبر الدوام على كل حال. إنه فقط الديمومة مع النعمة لأن شريكك فيه هو الله ذاته.
من هذه الزاوية لا تعني السن شيئًا. قد تأتي بارتقاء روحي وقد تأتي بهبوط أو تخلّف أو فساد. تقادم الزمان لا يعطيك شيئًا بالضرورة ولا يحرمك شيئًا إن شئت المثابرة. الله وحده معطيك في كل ظرف من ظروف حياتك. وحياتك العميقة هي النعمة فيك. أنت تحيا إن كنت تستلم النعمة بشكر وتفهمها وتصر على البقاء فيها.
فإذا تجلّت الرؤى الإلهيّة فيك يسجّل الله لك عمرًا روحيا لا علاقة له بالسنين. فالله حضور وليس تعاقب أعوام إلى أن يزول تحكّم الزمان فيك وحكمتك النعمة. عندئذ، تسكن الأبديّة وأنت في حدود الزمان".
نساء منكمشات | لي لي مايرز
"من الجانب الآخر لطاولة المطبخ
تبتسم أمي من خلف النبيذ الأحمر الذي تشربه من الكوب العياري
تقول إنها لا تحرم نفسها،
لكني تعلمت أن أجد فارقًا دقيقًا في كل حركة لشوكتها
في تقطيب حاجبيها بينما تعرض عليّ القطع المتبقية في طبقها
لاحظت أنها تتناول العشاء فقط عندما أقترحه،
أتساءل ما الذي تفعله حينما لا أكون هناك لأفعل.
ربما لهذا يبدو منزلي أكبر عند عودتي كل مرة، إنه التناسب.
كلما انكمشتْ كلما بدت المساحة حولها أكثر اتساعًا
تتضاءل بينما يزداد أبي حجمًا
استدارت معدته وانتفخت بفعل النبيذ والسهر والمحار والأشعار،
حبيبته الجديدة كانت تعاني من زيادة الوزن كمراهقة، لكنه يقول إنها
"مهووسة بالفاكهة" الآن.
الأمر نفسه مع والديه،
بينما ضعفت جدتي وزوت، كان زوجها يربي وجنات حمراء منتفخة ومعدة مستديرة
تساءلتُ لو أن قدري أن أكون من أولئك السيدات المنكمشات
اللاتي يفسحن المكان لدخول الرجال إلى حياتهن
ويجهلن كيف يملأنه مرة أخرى بعد رحيلهم.
علموني التكيف.
أخي لا يفكر أبدًا قبل أن يتكلم،
علموني التنقيح.
"كيف لأحد أن يخلق علاقة مع الطعام"؟ يسألني ضاحكًا
بينما آكل شوربة الفاصوليا السوداء، التي اخترتها لأنها قليلة الكربوهيدرات
أردت أن أقول، لسنا سواءً، يا جونز
علموك أن تتضخم،
علموني التقلص
تعلمتَ من أبينا كيف تعبر، كيف تكشف، كيف يلقي لسانك الأفكار بثقة،
اعتدتَ على فقدان صوتك أسبوعيًا لأنك كثيرًا ما تصرخ.
أنا تعلمت كيف أكتم،
أعطتني أمي دروسًا في كيفية خلق مساحة من حولي
تعلمت قراءة كل عقدة في جبينها حينما يخرج الشباب للطعام
لم أقصد أبدًا أن أصبح نسخة منها
لكن، اقض وقت طويلًا في الجلوس قبالة أحدهم
وستلتقط عاداته
هذا هو السبب في أن نساء عائلتي ينكمشن منذ عقود
تبادلناها فيما بيننا،
الطريقة التي يُعلم بها كل جيل الذي يليه كيف يخيط الصمت وينسجه
الطريقة التي لا زلتُ أستشعرها، كحكة في البشرة،
عندما أمشي داخل هذا البيت المتضخم باستمرار
التقطتُ عادات أمي التي أسقطتها كلها، دون قصد، من جيبها مثل قطع الورق المكرمش
في رحلاتها اللانهائية من غرفة النوم إلى المطبخ ثم غرفة النوم ثانية،
في الليالي التي سمعتها فيها تتسلل للأسفل لتأكل الزبادي العادي
في الظلام، سعرات منفلتة مسروقة لا تشعر باستحقاقها،
محددة كم قضمة هو "الكثير جدًا"
ومقدار المساحة التي تستحق أن تشغلها.
بمشاهدتي للصراع، كان علي أن أحاكيها أو أن أكرهها
لكني لا أرغب في فعل أيهما بعد الآن
عبء هذا البيت يتبعني في كل مكان
اليوم، في درس الوراثة، سألتُ خمسة أسئلة
كلها بدأت بكلمة "آسفة"
لا أعرف متطلبات التخصص في علم الاجتماع
لأنني أمضيت اللقاء كله أفكر هل لي أن آخذ قطعة أخرى من البيتزا،
هاجس مرضيّ لم أرغبه أبدًا.
لكن، الوراثة قدر،
لا زالت ترمقني بشفاه تمص النبيذ من الجانب الآخر لطاولة المطبخ".
"من الجانب الآخر لطاولة المطبخ
تبتسم أمي من خلف النبيذ الأحمر الذي تشربه من الكوب العياري
تقول إنها لا تحرم نفسها،
لكني تعلمت أن أجد فارقًا دقيقًا في كل حركة لشوكتها
في تقطيب حاجبيها بينما تعرض عليّ القطع المتبقية في طبقها
لاحظت أنها تتناول العشاء فقط عندما أقترحه،
أتساءل ما الذي تفعله حينما لا أكون هناك لأفعل.
ربما لهذا يبدو منزلي أكبر عند عودتي كل مرة، إنه التناسب.
كلما انكمشتْ كلما بدت المساحة حولها أكثر اتساعًا
تتضاءل بينما يزداد أبي حجمًا
استدارت معدته وانتفخت بفعل النبيذ والسهر والمحار والأشعار،
حبيبته الجديدة كانت تعاني من زيادة الوزن كمراهقة، لكنه يقول إنها
"مهووسة بالفاكهة" الآن.
الأمر نفسه مع والديه،
بينما ضعفت جدتي وزوت، كان زوجها يربي وجنات حمراء منتفخة ومعدة مستديرة
تساءلتُ لو أن قدري أن أكون من أولئك السيدات المنكمشات
اللاتي يفسحن المكان لدخول الرجال إلى حياتهن
ويجهلن كيف يملأنه مرة أخرى بعد رحيلهم.
علموني التكيف.
أخي لا يفكر أبدًا قبل أن يتكلم،
علموني التنقيح.
"كيف لأحد أن يخلق علاقة مع الطعام"؟ يسألني ضاحكًا
بينما آكل شوربة الفاصوليا السوداء، التي اخترتها لأنها قليلة الكربوهيدرات
أردت أن أقول، لسنا سواءً، يا جونز
علموك أن تتضخم،
علموني التقلص
تعلمتَ من أبينا كيف تعبر، كيف تكشف، كيف يلقي لسانك الأفكار بثقة،
اعتدتَ على فقدان صوتك أسبوعيًا لأنك كثيرًا ما تصرخ.
أنا تعلمت كيف أكتم،
أعطتني أمي دروسًا في كيفية خلق مساحة من حولي
تعلمت قراءة كل عقدة في جبينها حينما يخرج الشباب للطعام
لم أقصد أبدًا أن أصبح نسخة منها
لكن، اقض وقت طويلًا في الجلوس قبالة أحدهم
وستلتقط عاداته
هذا هو السبب في أن نساء عائلتي ينكمشن منذ عقود
تبادلناها فيما بيننا،
الطريقة التي يُعلم بها كل جيل الذي يليه كيف يخيط الصمت وينسجه
الطريقة التي لا زلتُ أستشعرها، كحكة في البشرة،
عندما أمشي داخل هذا البيت المتضخم باستمرار
التقطتُ عادات أمي التي أسقطتها كلها، دون قصد، من جيبها مثل قطع الورق المكرمش
في رحلاتها اللانهائية من غرفة النوم إلى المطبخ ثم غرفة النوم ثانية،
في الليالي التي سمعتها فيها تتسلل للأسفل لتأكل الزبادي العادي
في الظلام، سعرات منفلتة مسروقة لا تشعر باستحقاقها،
محددة كم قضمة هو "الكثير جدًا"
ومقدار المساحة التي تستحق أن تشغلها.
بمشاهدتي للصراع، كان علي أن أحاكيها أو أن أكرهها
لكني لا أرغب في فعل أيهما بعد الآن
عبء هذا البيت يتبعني في كل مكان
اليوم، في درس الوراثة، سألتُ خمسة أسئلة
كلها بدأت بكلمة "آسفة"
لا أعرف متطلبات التخصص في علم الاجتماع
لأنني أمضيت اللقاء كله أفكر هل لي أن آخذ قطعة أخرى من البيتزا،
هاجس مرضيّ لم أرغبه أبدًا.
لكن، الوراثة قدر،
لا زالت ترمقني بشفاه تمص النبيذ من الجانب الآخر لطاولة المطبخ".
القصة التي تريد | سارا كاي
"اليوم
أرتدي ملابس داخلية رفيعة سوداء
لغرض وحيد وهو معرفتي أنني أرتديها.
وتحتها؟ عارية تمامًا.
أملك بشرة، أميالًا وأميالًا من الجلد، لأغطي بها أفكاري كلها
وهي شفافة مثل بلاستيك تغليف الأطعمة
الذي يمكن أن ترى من خلاله
ما تبقى من طعام الليلة الفائتة.
لكن، بخلاف ما قد تظن،
بشرتي ليست قاسية ولا مضادة للرصاص
إنها ناعمة، ورقيقة، وسهلة الخدش
لكن هذا غير مهم، أليس كذلك؟
أنت لا تأبه برهافة بشرتي
تريد - فقط - أن تسمع عما تفعله أصابعي في الظلام
لكن ماذا لو أن كل ما تفعله هو فتح النوافذ لأشاهد البرق من بين الغيوم؟
ماذا لو أنها تتوق فحسب لساحة ألعاب مفتوحة فتتسلق وتتنفس الهواء النقي؟
ماذا لو أن كل ما تصل إليه هو دفتر مذكرات أو يد تمسكها؟
لكن هذه ليست القصة التي تريد،
أنت تلعق شفتيك وتكشف عن أسنانك.
لمرة واحدة فقط
أريد أن أكون اتجاهًا يسير فيه شخص ما
لا أريد أن أكون ماء البئر
لا أريد أن أكون البئر
لا أريد أن أكون الأرض بعد الآن
لا أريد أن أكون الشيء الذي يحفره الناس بأيديهم بعد الآن.
بعض النساء يعرفن كلمات أغانيهما المتبادلة
يجدن التناغم في ضحكاتهما
في المرفقين الملتصقين على صدى الإيقاع.
ماذا لو عجزتُ عن التقاط المقام؟
ماذا لو أن ألحاني لا يسمعها أحد؟
بعض الناس يستطيعون ملاحظة شجرة، باحة أمامية،
فيعرفون أنهم سيشيدون بيتًا.
كم دائرة سأدور بداخلها قبل أن أتوقف عن البحث؟
كم أمامي قبل أن أضيع للأبد؟
لابد وأنه من الممكن
أن تسبح في بحر من تحب دون أن تغرق،
أن تسبح دون أن تصبح أنت نفسك ماء،
لكني أواصل ابتلاع ما أظنه هواء،
وباستمرار أجد الحجارة مربوطة بقدمي".
"اليوم
أرتدي ملابس داخلية رفيعة سوداء
لغرض وحيد وهو معرفتي أنني أرتديها.
وتحتها؟ عارية تمامًا.
أملك بشرة، أميالًا وأميالًا من الجلد، لأغطي بها أفكاري كلها
وهي شفافة مثل بلاستيك تغليف الأطعمة
الذي يمكن أن ترى من خلاله
ما تبقى من طعام الليلة الفائتة.
لكن، بخلاف ما قد تظن،
بشرتي ليست قاسية ولا مضادة للرصاص
إنها ناعمة، ورقيقة، وسهلة الخدش
لكن هذا غير مهم، أليس كذلك؟
أنت لا تأبه برهافة بشرتي
تريد - فقط - أن تسمع عما تفعله أصابعي في الظلام
لكن ماذا لو أن كل ما تفعله هو فتح النوافذ لأشاهد البرق من بين الغيوم؟
ماذا لو أنها تتوق فحسب لساحة ألعاب مفتوحة فتتسلق وتتنفس الهواء النقي؟
ماذا لو أن كل ما تصل إليه هو دفتر مذكرات أو يد تمسكها؟
لكن هذه ليست القصة التي تريد،
أنت تلعق شفتيك وتكشف عن أسنانك.
لمرة واحدة فقط
أريد أن أكون اتجاهًا يسير فيه شخص ما
لا أريد أن أكون ماء البئر
لا أريد أن أكون البئر
لا أريد أن أكون الأرض بعد الآن
لا أريد أن أكون الشيء الذي يحفره الناس بأيديهم بعد الآن.
بعض النساء يعرفن كلمات أغانيهما المتبادلة
يجدن التناغم في ضحكاتهما
في المرفقين الملتصقين على صدى الإيقاع.
ماذا لو عجزتُ عن التقاط المقام؟
ماذا لو أن ألحاني لا يسمعها أحد؟
بعض الناس يستطيعون ملاحظة شجرة، باحة أمامية،
فيعرفون أنهم سيشيدون بيتًا.
كم دائرة سأدور بداخلها قبل أن أتوقف عن البحث؟
كم أمامي قبل أن أضيع للأبد؟
لابد وأنه من الممكن
أن تسبح في بحر من تحب دون أن تغرق،
أن تسبح دون أن تصبح أنت نفسك ماء،
لكني أواصل ابتلاع ما أظنه هواء،
وباستمرار أجد الحجارة مربوطة بقدمي".
أنا لست سيدة، أنا امرأة | رادنا فابياس
*gieser wildeman هي كمثرى للطّهو"
وأنا امرأة
هذا هو سقف بيت عمره ثلاثمئة عام
وأنا امرأة
هذا هو السّائل الغائم الذي ينزّ من بين شفتي ثمرة الخوخ الأسباني
ولسوء الحظّ صرت أنا السّائل وثمرة الخوخ
وكل ثمرة أخرى، ليّنة، حلوة، ناضجة في يديّ
لأنّني امرأة وهذا هو الإطار الخارجيّ
لنظّارة رجل متوسّط الذّكاء،
لكنّني امرأة ومُكتفية بنفسي
لا يوجد فراغ بداخلي
هناك صحيح مكان للاختباء وغرفة أماميّة وغرفة انتظار
ومساحة أستطيع فيها استقبال أحد ما:
رجل
بداية طفل
أصابع امرأة
ورغم هذا أنا مُكتفية بنفسي، لا تهمّني كمْ نظريّة جنسيّة ما بعد حداثيّة
يمكن رؤيتها مُعلقَّة على وركيَّ: أنا امرأة
ويمكنني التّواجد جوار رجل
ولكن الرّجل ليس جسدًا
الرَّجل ليس طنين نغمات آلة باص
ليس صوتًا منخفضًا، ليس أذرعًا غليظة ولا أصابع قاسية أو جلدًا سميكًا
ليس لحية، الرّجل ليس لحية وليس مَطْهَرًا أيضًا، ليس قَدَرًا
الرّجل ليس بيتًا للعيش بداخله، ليس سريرًا للنّوم عليه
الرّجل ليس خلق فرص عمل، ليس إلهاءً
الرّجل ليس معالجًا نفسيًا للعُمّال وليس حصانًا أصيلًا
الرّجل أكثر من عينين عاشقتين في ليلة مسروقة
الرّجل ليس حقيبة سيّارة خلْفيّة، ليس ضوءاً وامضًا
ليس انحناءة عميقة أمام صليبي، الرّجل لديه أيضًا مشاعر
يفكِّر أيضًا
يتألَّم
أحيانًا يعرف حتّى لماذا يتألّم
الرّجل ليس خطّاف ذبائح
ليس سكِّين فصل اللحم عن العظم
ليس بندقية
ليس ماركة حديد ملتهبة، وليس كتابًا مقدّسًا
الرّجل ليس سلاحًا ولا هِوَاية
الرّجل ليس هِوَاية
الرّجل ليس هِوَاية
الرّجل ليس هِوَاية
الرّجل ليس عقوبة
وليس عرشًا لتعتليه بساقين متقاطعتين كسيّدة
أنا لست سيّدة
أنا امرأة".
* الاسم التّجاري لأحد أصناف الكمثرى الهولندية المخصّصة للطبخ.
*gieser wildeman هي كمثرى للطّهو"
وأنا امرأة
هذا هو سقف بيت عمره ثلاثمئة عام
وأنا امرأة
هذا هو السّائل الغائم الذي ينزّ من بين شفتي ثمرة الخوخ الأسباني
ولسوء الحظّ صرت أنا السّائل وثمرة الخوخ
وكل ثمرة أخرى، ليّنة، حلوة، ناضجة في يديّ
لأنّني امرأة وهذا هو الإطار الخارجيّ
لنظّارة رجل متوسّط الذّكاء،
لكنّني امرأة ومُكتفية بنفسي
لا يوجد فراغ بداخلي
هناك صحيح مكان للاختباء وغرفة أماميّة وغرفة انتظار
ومساحة أستطيع فيها استقبال أحد ما:
رجل
بداية طفل
أصابع امرأة
ورغم هذا أنا مُكتفية بنفسي، لا تهمّني كمْ نظريّة جنسيّة ما بعد حداثيّة
يمكن رؤيتها مُعلقَّة على وركيَّ: أنا امرأة
ويمكنني التّواجد جوار رجل
ولكن الرّجل ليس جسدًا
الرَّجل ليس طنين نغمات آلة باص
ليس صوتًا منخفضًا، ليس أذرعًا غليظة ولا أصابع قاسية أو جلدًا سميكًا
ليس لحية، الرّجل ليس لحية وليس مَطْهَرًا أيضًا، ليس قَدَرًا
الرّجل ليس بيتًا للعيش بداخله، ليس سريرًا للنّوم عليه
الرّجل ليس خلق فرص عمل، ليس إلهاءً
الرّجل ليس معالجًا نفسيًا للعُمّال وليس حصانًا أصيلًا
الرّجل أكثر من عينين عاشقتين في ليلة مسروقة
الرّجل ليس حقيبة سيّارة خلْفيّة، ليس ضوءاً وامضًا
ليس انحناءة عميقة أمام صليبي، الرّجل لديه أيضًا مشاعر
يفكِّر أيضًا
يتألَّم
أحيانًا يعرف حتّى لماذا يتألّم
الرّجل ليس خطّاف ذبائح
ليس سكِّين فصل اللحم عن العظم
ليس بندقية
ليس ماركة حديد ملتهبة، وليس كتابًا مقدّسًا
الرّجل ليس سلاحًا ولا هِوَاية
الرّجل ليس هِوَاية
الرّجل ليس هِوَاية
الرّجل ليس هِوَاية
الرّجل ليس عقوبة
وليس عرشًا لتعتليه بساقين متقاطعتين كسيّدة
أنا لست سيّدة
أنا امرأة".
* الاسم التّجاري لأحد أصناف الكمثرى الهولندية المخصّصة للطبخ.
"هذا زمان الشعراء الصغار مقبلٌ. مع السلامة يا ويتمان، ويا ديكنسن، ويا فروست. مرحبا بكم يا من لن تتردد أسماؤكم خارج نطاق أسركم الصغيرة، اللهم إلا إذا تجاوزته إلى واحد أو اثنين من أقرب الأصدقاء الذين يتجمعون بعد العشاء على إبريق نبيذ أحمر قوي... بينما الأولاد ينعسون متذمرين من الضوضاء التي تحدثها وأنت تنبش في الخزانات باحثًا عن قصائدك القديمة، خائفًا أن تكون زوجتك رمتها مع مخلفات الربيع الماضي".
تشالرز سيميك
تشالرز سيميك
إعلانًا تجاريًا ل "ماونتن ديو" متنكرًا في قصيدة حب | ماثيو أولزمان
"هذا ما لدي، الأسباب التي قد تجعل زواجنا ناجحًا:
لأنكِ ترتدين الوردي لكنكِ تكتبين شعرًا عن
الرصاص وشواهد القبور.
لأنكِ تصرخين في مفاتيحك حين تفقدينها
وتضحكين عاليًا على نكاتك
لأن بإمكانك حمل مسدس وتمزيق أحشاء خنزير
لأنكِ تحفظين الأغاني، حتى أغاني الإعلانات من ثلاثين
عامًا مضت، وتغنينها بينما تكنسين
لأن يديك ناعمتان
لأنكِ عندما انتقلنا، كتبتِ المحتويات داخل الصناديق
لأنكِ تعتقدين أن البجع مبالغ في تقدريه
لأنكِ قدتِ بي لمحطة القطار، لأنكِ قدتِ بس إلى منيابولس،
لأنكِ قدتِ بي إلى رود آيلاند.
لأنكِ تضعين خطوطًا تحت كل ما تقرأين
ودائرة حول ما تعتقدين أنه مهمًا
ونجمة بجوار الأشياء التي تظنين أنني قد أجدها مهمة
وتكتبين ملاحظات في الهوامش عن الذين يثيرون غضبك
واسمي، تقريبًا، لم يظهر فيها أبدًا.
لأنكِ طبختِ لحم الخنزير على الطريقة التي وجدتها
في كتاب فريدا كالو للطهو.
لأنكِ عندما قرأتِ مقالًا عن "ريلكه" وضعتِ خطًا تحت
المحتوى كله، فيما عدا الجزء الذي يقول فيه
"إن الحب يعني إنكار الذات والفناء في اللهب".
لأنكِ عندما تطفأ الأنوار وتشد الستائر وطبقات أخرى إضافية
على النوافذ تستمرين في الاعتقاد بأن أحدًا ما بالخارج يستطيع رؤيتك.
لأنكِ، ذات يوم، منذ خمسة فصول صيف مضت
عندما عجزتِ عن ملء سيارتك بالوقود
عندما كانت ثلاجتكِ خاوية -حتى من البقايا والتوابل-
كان كل ما بها زجاجة سعة 500 مل من "ماونتن ديو"
دفعتِ فيها آخر قرش تملكينه
لأنكِ سمعتني مرة أقول إني أحبها".
"هذا ما لدي، الأسباب التي قد تجعل زواجنا ناجحًا:
لأنكِ ترتدين الوردي لكنكِ تكتبين شعرًا عن
الرصاص وشواهد القبور.
لأنكِ تصرخين في مفاتيحك حين تفقدينها
وتضحكين عاليًا على نكاتك
لأن بإمكانك حمل مسدس وتمزيق أحشاء خنزير
لأنكِ تحفظين الأغاني، حتى أغاني الإعلانات من ثلاثين
عامًا مضت، وتغنينها بينما تكنسين
لأن يديك ناعمتان
لأنكِ عندما انتقلنا، كتبتِ المحتويات داخل الصناديق
لأنكِ تعتقدين أن البجع مبالغ في تقدريه
لأنكِ قدتِ بي لمحطة القطار، لأنكِ قدتِ بس إلى منيابولس،
لأنكِ قدتِ بي إلى رود آيلاند.
لأنكِ تضعين خطوطًا تحت كل ما تقرأين
ودائرة حول ما تعتقدين أنه مهمًا
ونجمة بجوار الأشياء التي تظنين أنني قد أجدها مهمة
وتكتبين ملاحظات في الهوامش عن الذين يثيرون غضبك
واسمي، تقريبًا، لم يظهر فيها أبدًا.
لأنكِ طبختِ لحم الخنزير على الطريقة التي وجدتها
في كتاب فريدا كالو للطهو.
لأنكِ عندما قرأتِ مقالًا عن "ريلكه" وضعتِ خطًا تحت
المحتوى كله، فيما عدا الجزء الذي يقول فيه
"إن الحب يعني إنكار الذات والفناء في اللهب".
لأنكِ عندما تطفأ الأنوار وتشد الستائر وطبقات أخرى إضافية
على النوافذ تستمرين في الاعتقاد بأن أحدًا ما بالخارج يستطيع رؤيتك.
لأنكِ، ذات يوم، منذ خمسة فصول صيف مضت
عندما عجزتِ عن ملء سيارتك بالوقود
عندما كانت ثلاجتكِ خاوية -حتى من البقايا والتوابل-
كان كل ما بها زجاجة سعة 500 مل من "ماونتن ديو"
دفعتِ فيها آخر قرش تملكينه
لأنكِ سمعتني مرة أقول إني أحبها".
كنا متشابهين | تشيسواف مِيووش
"مع ذلك كنا هكذا متشابهين
بكلِّ ابتذالِ أعْضَائِنا وفُرُوجِنا
بقلبنا النابضِ بقوةٍ في النشوةِ والخوف،
بالأمل، الأمل، الأمل.
مع ذلك كنا هكذا متشابهين
بحيث إن التنانين الكسولةَ وهي تتمطى في الهواء
كانت تحسبنا إخوةً وأخوات،
يلعبون في وئام في حديقة مشمسة،
فقط نحن لم نكنْ نعرف ذلك،
منغلقين كلُّ واحد في جلده، على انفراد،
لسنا في حديقة، لكن في أرض مريرة.
مع ذلك كنا متشابهين هكذا،
رغم أن كل ورقة عشب كان لها مصيرها،
كل عصفور في الفِناء، كلُّ فأرةِ حقل.
والرضيع الذي يحصل على اسم «يان» وربّما «تريسا»،
وُلِدَ إما في سعادةٍ طويلة أو مُعاناةٍ وعار
مرةً واحدة حتى نهاية العالم".
"مع ذلك كنا هكذا متشابهين
بكلِّ ابتذالِ أعْضَائِنا وفُرُوجِنا
بقلبنا النابضِ بقوةٍ في النشوةِ والخوف،
بالأمل، الأمل، الأمل.
مع ذلك كنا هكذا متشابهين
بحيث إن التنانين الكسولةَ وهي تتمطى في الهواء
كانت تحسبنا إخوةً وأخوات،
يلعبون في وئام في حديقة مشمسة،
فقط نحن لم نكنْ نعرف ذلك،
منغلقين كلُّ واحد في جلده، على انفراد،
لسنا في حديقة، لكن في أرض مريرة.
مع ذلك كنا متشابهين هكذا،
رغم أن كل ورقة عشب كان لها مصيرها،
كل عصفور في الفِناء، كلُّ فأرةِ حقل.
والرضيع الذي يحصل على اسم «يان» وربّما «تريسا»،
وُلِدَ إما في سعادةٍ طويلة أو مُعاناةٍ وعار
مرةً واحدة حتى نهاية العالم".
هكذا تخسرها | جونو دياز
"تخسرها عندما تنسى التفاصيل الصغيرة التي تعني لها العالم: الصدق في صوتك أثناء جولة في البقالة. بهجة العثور على شيء مفقود أو منسي، مثل ملصق، منذ كانت في الخامسة من عمرها. إيثار طفل يتخلى عن جزء من وجبته لآخر. رائحة الكتب الجديدة في المكتبة. الرسائل المفاجئة، قصيرة ربما، لكن صادقة، المخبأة في دفتر مذكراتها، وأماكن أخرى تراها فقط لو أنك اقتربت بما يكفي.
عليك أن تتذكر عندما تنسى.
تخسرها عندما لا تلاحظ أنها تحفظ تفاصيلك كلها: استخدامك لعلامات الترقيم المناسبة التي تحثها على الاسترسال لا التوقف، صمتكَ عندما تكون بصدد إلقاء سؤال لكنك تشكَ أن أية شيئًا ستقوله سيكون سخيفًا، ثرثرتك التافهة عندما يخيم الصوت طويلًا، خط يدك عندما توقع اسمك على الملاءات أو الأوراق، ضحكتك المكتومة عندما تحاول أن تكون مهذبًا، والكثير والكثير مما أنت عليه، الذي ربما لا تعرفه عن نفسك، لأنها مهتمة.
تذكرتَ عندما نسيتَ.
تخسرها في كل ثانية تجعلها تشعر أنها أقل جمالًا مما هي عليه. عندما تشعرها أنها قابلة للاستبدال، بينما ترغب في شعور بالتقدير. عندما تشعرها أنك عابر، بينما تريدك أن تبقى. عندما تشعرها أنها غير كافية، تريد أن تعرف أنها مناسبة، أنها ليست بحاجة لأن تتغير لأجلك، أو لأجل أية شخص آخر، لأنها هي ما هي عليه، وهي جميلة ولطيفة وصالحة.
عليك أن تعرفها جيدًا.
عليك أن تعرف سبب صمتها، أن تحصر نقاط ضعفها، أن تكتب لها. ذكرها أنك هنا. عليك معرفة كم يتطلب منها الأمر من وقت قبل أن تستسلم. يجب أن تكون هناك لتسندها عندما توشك أن تفعل.عليك أن تحبها لأن كثيرين حاولوا وفشلوا. وهي تريد أن تعرف أنها تستحق الحب، تستحق من يتمسك بها.
هكذا تبقي عليها".
"تخسرها عندما تنسى التفاصيل الصغيرة التي تعني لها العالم: الصدق في صوتك أثناء جولة في البقالة. بهجة العثور على شيء مفقود أو منسي، مثل ملصق، منذ كانت في الخامسة من عمرها. إيثار طفل يتخلى عن جزء من وجبته لآخر. رائحة الكتب الجديدة في المكتبة. الرسائل المفاجئة، قصيرة ربما، لكن صادقة، المخبأة في دفتر مذكراتها، وأماكن أخرى تراها فقط لو أنك اقتربت بما يكفي.
عليك أن تتذكر عندما تنسى.
تخسرها عندما لا تلاحظ أنها تحفظ تفاصيلك كلها: استخدامك لعلامات الترقيم المناسبة التي تحثها على الاسترسال لا التوقف، صمتكَ عندما تكون بصدد إلقاء سؤال لكنك تشكَ أن أية شيئًا ستقوله سيكون سخيفًا، ثرثرتك التافهة عندما يخيم الصوت طويلًا، خط يدك عندما توقع اسمك على الملاءات أو الأوراق، ضحكتك المكتومة عندما تحاول أن تكون مهذبًا، والكثير والكثير مما أنت عليه، الذي ربما لا تعرفه عن نفسك، لأنها مهتمة.
تذكرتَ عندما نسيتَ.
تخسرها في كل ثانية تجعلها تشعر أنها أقل جمالًا مما هي عليه. عندما تشعرها أنها قابلة للاستبدال، بينما ترغب في شعور بالتقدير. عندما تشعرها أنك عابر، بينما تريدك أن تبقى. عندما تشعرها أنها غير كافية، تريد أن تعرف أنها مناسبة، أنها ليست بحاجة لأن تتغير لأجلك، أو لأجل أية شخص آخر، لأنها هي ما هي عليه، وهي جميلة ولطيفة وصالحة.
عليك أن تعرفها جيدًا.
عليك أن تعرف سبب صمتها، أن تحصر نقاط ضعفها، أن تكتب لها. ذكرها أنك هنا. عليك معرفة كم يتطلب منها الأمر من وقت قبل أن تستسلم. يجب أن تكون هناك لتسندها عندما توشك أن تفعل.عليك أن تحبها لأن كثيرين حاولوا وفشلوا. وهي تريد أن تعرف أنها تستحق الحب، تستحق من يتمسك بها.
هكذا تبقي عليها".
عن ضحكتك في مدينة بعيدة | عبدالعزيز البرتاوي
في شجارنا الثمانمئة وستة وعشرين -كما أحصيتِ آخر مرة- أقسمتُ أن لا أعود إليك. أنت تعرفين أن الكهول الهرمين يعودون أشباه مراهقين مُرهقين أمام غنج دلال صوتك، وأن العهود المتينة، تغدو محض نكت سخيفة أمام أول "تعال" منكِ، وأنا اتفق مع ميرزا، وهو يقول: "سمعنا عن طرد آدم من الجنّة. بمزيد من الإذلال؛ سأرحل عن الشارع الذي تقيمين فيه"، ولا غالب إلا الله يا مرزا غالب، هكذا قال أجدادنا الذين انتهت تأشيرات بقائهم في أوروبا؛ ولم يعودوا يملكون حق العودة، لنقص في الجوازات والكرامة.
من على شارع جانبي، رفقة وحدتي، أتأمل العابرات -لا أضيع يومي في تأمُّل العابرين الذكور، أنا نموذج سيء لأحدهم-، واحدةٌ يشبه شعرها شعرك، ثنتان تملكان أعينًا توازي عينيك -لا يقاربنها البتّة-، وأنف كأنفك، وكاشفة عن صدرها لكني لا أتأمله، فلا أعلم عن مدى شبهه ولا مدى شُبهتي، ومشيتك، يا لمشيتك، يعجز "وونغ كار واي"، عن تصويرها لو كنتِ بطلة In The Mood For Love، وضحكتكِ؛ لا أحد يشبه ضحكتك. -ثمة أشياء أخرى؛ لكني بالطبع، لا أطالعها-.
ينظر إليّ شرطي في المطار، وتقول لي عيناه: هل أنت إرهابيّ؟ أُدخل يدي ببطء إلى جيب بنطالي، أخرجها على مهل، وعيناي تحدّقان في يده التي تتحسس مسدسه، أضع السماعة على أذني، وأسمع أغنية بلغة لا أفهمها.
يقول لي بائع أسود، هل تريد نظارة سوداء؟ لا أجيبه، فيكمل: لتكون ملائمةً للون قلبك. أتوقف، أعتقده محقًا، أعود إليه وأساومه، وأحصل عليها بثمن لا يكفي لشراء قهوة. يقول لي بضجر: لقد كنتُ محقًا في لون قلبك. أغادره مرتديا نظارتي الجديدة، بلمسة بوندوية، أودعه بإشارة خفيفة من طرف يدي، وأفكر في ضحكتك.
أتذكرك وأنا في طائرة، تعبر سماء مدينتك، وأحدهم يقول لك نكتة سخيفة؛ وكعادتك: تضحكين بعنف، فيقول كابتن الطائرة: التزموا أماكنكم، وأحكِموا أحزمتكم، ثمة اهتزازات هوائية، لا نعلم سببها؛ وأتذكر ضحكتك، وأنجو.
مطعّمًا بالحُبّ، مثقلًا بالحنين، مضرجًا بالذكريات، أعبر شارعًا مزدحمًا، يقول لي صوت رقيق: آسف، وأفكر علام؟ للمسة كتفي، قلبي يودّ أن تلمسيه أيضًا، وأبسم للوجه الأرقّ، فتزيد سرعتها هربًا، وهي تلعق شفتين من مشمش، فيقول قلبي: من يلعق عني حزن الليالي، وانتظار الذين لا يؤوبون؟
يضع شخص قبعة يهودية، يسير معاكسًا لي. اتركه يعبر؟ اضطرّه إلى أضيق الطريق. ينظر إليّ عابسًا، أشتم أمه. يا للسوقية، ما ذنب أمه؟ هه، ألعن أباه أيضًا، وعائلته وقبيلته. ههه، هل للمشرد المجريّ قبيلة أصلا، ابن السلالة المنحطة، يأتي ليزاحمنا في فلسطين، ههه، يزاحمنا. يا لسعة قلوبنا الضعيفة. وبإشارة من طرف يدي -بأصبع واحدة، لا يحتاج أكثر من ذلك- وبلمسة بوندوية أيضًا، اترك له الطريق ليعبر. إلى الجحيم.
كنت في هذا الشارع قبل أربعة أعوام. أضع على رقبتي عمامة فلسطينية. طلبت مني خالتي حصّة -التي لا تقرأ ما أكتب، أو بالأصح: لا تعرف أنني أكتب، أو لو شئنا الدقة: لا تتنازل لتقرأ ما أكتب- أن أرسل لها صورًا من المكان، وأعقَبت: وأين صورتك؟ وأرسلت لها صورة واثقة رفقة الشال العزيز، لترد بعد ساعة: "ما هذا يا إرهابي؟ هل التحقت بداعش؟"، ولا شيء آخر يذكر في المحادثة سوى سؤال عن نوع طبق واسم مطعم. يا فلسطين العزيزة، أعتذر لك عن هذا. ألبس اليوم قميصًا عليه كلمة عربية، وكلما مررت بشرطي تأملني ساعتين. أعرف توجّسه، وأعرف خالتي أكثر.
سيارة شرطة تمرق مسرعة -ياه، منذ مدة طويلة لم استخدم كلمة تمرق، جيدة- أتذكر بوكوفسكي اللعين، مولانا في الكتابة والبذاءة، وهو يصف المدينة بالطمأنينة، حالما يسمع صوت إسعاف أو بوق شرطة. المدينة تأكل نفسها. ثمة شجار، وقتيل ربما. هذا يعني نجاة البقية. أهز رأسي وأتذكر ضحكتك التي لا تمرق من روحي أبدًا.
أعود إلى مقهى كنت آلفه. النادلة هي النادلة. القهوة هي القهوة. المقعد الذي كنت أحب هو نفسه؛ شاغرًا. الشجرة الصغيرة، وقد اشتدّ عودها. الحيطان التي شحب لونها. كل شيء هو كما هو، عداي. غيرتني الليالي وضحكتك. أبتسم للنادلة فتقول بودّ: ما قهوتك لهذا اليوم؟ هي التي ظلت دهرًا تقدمها دون أن تسألني عن نوعها. لكنها الليالي وضحكتك. أطلب ماءً، لأبلع غصتي.
محطة قطار متأخر. إضاءة خافتة. متسوّل يقول لي: هل تعرف نعمة العودة إلى البيت؟ هبني ما يمكن أن يريح ضميرك، لكي تعود إلى البيت، تاركًا مثلي في العراء. لستُ وحدي يقول. ثمة الكثير من أصدقائي في السجون. ومراكز الشرطة. كلنا لا نعرف نعمة "العودة إلى البيت"، دفء وضع يدك على مقبض باب بيت، نعومة إغلاق ستارة ليلًا، ترف إغلاق إضاءة خاصة. آه، يا للحزن المديد، وأنت تتذكرهم وحيدين، في كآبة السجون التي لا علاج لها، ولا مؤنس، ولا من عودة إلى البيت.
ضحكتك، ماذا عن ضحكتك؟ ضحكتك تشبه نعمة "العودة إلى البيت".
في شجارنا الثمانمئة وستة وعشرين -كما أحصيتِ آخر مرة- أقسمتُ أن لا أعود إليك. أنت تعرفين أن الكهول الهرمين يعودون أشباه مراهقين مُرهقين أمام غنج دلال صوتك، وأن العهود المتينة، تغدو محض نكت سخيفة أمام أول "تعال" منكِ، وأنا اتفق مع ميرزا، وهو يقول: "سمعنا عن طرد آدم من الجنّة. بمزيد من الإذلال؛ سأرحل عن الشارع الذي تقيمين فيه"، ولا غالب إلا الله يا مرزا غالب، هكذا قال أجدادنا الذين انتهت تأشيرات بقائهم في أوروبا؛ ولم يعودوا يملكون حق العودة، لنقص في الجوازات والكرامة.
من على شارع جانبي، رفقة وحدتي، أتأمل العابرات -لا أضيع يومي في تأمُّل العابرين الذكور، أنا نموذج سيء لأحدهم-، واحدةٌ يشبه شعرها شعرك، ثنتان تملكان أعينًا توازي عينيك -لا يقاربنها البتّة-، وأنف كأنفك، وكاشفة عن صدرها لكني لا أتأمله، فلا أعلم عن مدى شبهه ولا مدى شُبهتي، ومشيتك، يا لمشيتك، يعجز "وونغ كار واي"، عن تصويرها لو كنتِ بطلة In The Mood For Love، وضحكتكِ؛ لا أحد يشبه ضحكتك. -ثمة أشياء أخرى؛ لكني بالطبع، لا أطالعها-.
ينظر إليّ شرطي في المطار، وتقول لي عيناه: هل أنت إرهابيّ؟ أُدخل يدي ببطء إلى جيب بنطالي، أخرجها على مهل، وعيناي تحدّقان في يده التي تتحسس مسدسه، أضع السماعة على أذني، وأسمع أغنية بلغة لا أفهمها.
يقول لي بائع أسود، هل تريد نظارة سوداء؟ لا أجيبه، فيكمل: لتكون ملائمةً للون قلبك. أتوقف، أعتقده محقًا، أعود إليه وأساومه، وأحصل عليها بثمن لا يكفي لشراء قهوة. يقول لي بضجر: لقد كنتُ محقًا في لون قلبك. أغادره مرتديا نظارتي الجديدة، بلمسة بوندوية، أودعه بإشارة خفيفة من طرف يدي، وأفكر في ضحكتك.
أتذكرك وأنا في طائرة، تعبر سماء مدينتك، وأحدهم يقول لك نكتة سخيفة؛ وكعادتك: تضحكين بعنف، فيقول كابتن الطائرة: التزموا أماكنكم، وأحكِموا أحزمتكم، ثمة اهتزازات هوائية، لا نعلم سببها؛ وأتذكر ضحكتك، وأنجو.
مطعّمًا بالحُبّ، مثقلًا بالحنين، مضرجًا بالذكريات، أعبر شارعًا مزدحمًا، يقول لي صوت رقيق: آسف، وأفكر علام؟ للمسة كتفي، قلبي يودّ أن تلمسيه أيضًا، وأبسم للوجه الأرقّ، فتزيد سرعتها هربًا، وهي تلعق شفتين من مشمش، فيقول قلبي: من يلعق عني حزن الليالي، وانتظار الذين لا يؤوبون؟
يضع شخص قبعة يهودية، يسير معاكسًا لي. اتركه يعبر؟ اضطرّه إلى أضيق الطريق. ينظر إليّ عابسًا، أشتم أمه. يا للسوقية، ما ذنب أمه؟ هه، ألعن أباه أيضًا، وعائلته وقبيلته. ههه، هل للمشرد المجريّ قبيلة أصلا، ابن السلالة المنحطة، يأتي ليزاحمنا في فلسطين، ههه، يزاحمنا. يا لسعة قلوبنا الضعيفة. وبإشارة من طرف يدي -بأصبع واحدة، لا يحتاج أكثر من ذلك- وبلمسة بوندوية أيضًا، اترك له الطريق ليعبر. إلى الجحيم.
كنت في هذا الشارع قبل أربعة أعوام. أضع على رقبتي عمامة فلسطينية. طلبت مني خالتي حصّة -التي لا تقرأ ما أكتب، أو بالأصح: لا تعرف أنني أكتب، أو لو شئنا الدقة: لا تتنازل لتقرأ ما أكتب- أن أرسل لها صورًا من المكان، وأعقَبت: وأين صورتك؟ وأرسلت لها صورة واثقة رفقة الشال العزيز، لترد بعد ساعة: "ما هذا يا إرهابي؟ هل التحقت بداعش؟"، ولا شيء آخر يذكر في المحادثة سوى سؤال عن نوع طبق واسم مطعم. يا فلسطين العزيزة، أعتذر لك عن هذا. ألبس اليوم قميصًا عليه كلمة عربية، وكلما مررت بشرطي تأملني ساعتين. أعرف توجّسه، وأعرف خالتي أكثر.
سيارة شرطة تمرق مسرعة -ياه، منذ مدة طويلة لم استخدم كلمة تمرق، جيدة- أتذكر بوكوفسكي اللعين، مولانا في الكتابة والبذاءة، وهو يصف المدينة بالطمأنينة، حالما يسمع صوت إسعاف أو بوق شرطة. المدينة تأكل نفسها. ثمة شجار، وقتيل ربما. هذا يعني نجاة البقية. أهز رأسي وأتذكر ضحكتك التي لا تمرق من روحي أبدًا.
أعود إلى مقهى كنت آلفه. النادلة هي النادلة. القهوة هي القهوة. المقعد الذي كنت أحب هو نفسه؛ شاغرًا. الشجرة الصغيرة، وقد اشتدّ عودها. الحيطان التي شحب لونها. كل شيء هو كما هو، عداي. غيرتني الليالي وضحكتك. أبتسم للنادلة فتقول بودّ: ما قهوتك لهذا اليوم؟ هي التي ظلت دهرًا تقدمها دون أن تسألني عن نوعها. لكنها الليالي وضحكتك. أطلب ماءً، لأبلع غصتي.
محطة قطار متأخر. إضاءة خافتة. متسوّل يقول لي: هل تعرف نعمة العودة إلى البيت؟ هبني ما يمكن أن يريح ضميرك، لكي تعود إلى البيت، تاركًا مثلي في العراء. لستُ وحدي يقول. ثمة الكثير من أصدقائي في السجون. ومراكز الشرطة. كلنا لا نعرف نعمة "العودة إلى البيت"، دفء وضع يدك على مقبض باب بيت، نعومة إغلاق ستارة ليلًا، ترف إغلاق إضاءة خاصة. آه، يا للحزن المديد، وأنت تتذكرهم وحيدين، في كآبة السجون التي لا علاج لها، ولا مؤنس، ولا من عودة إلى البيت.
ضحكتك، ماذا عن ضحكتك؟ ضحكتك تشبه نعمة "العودة إلى البيت".

