ليس هذا ما توقّعته | هارييت مور
"سامحيني يا أختاه لقد أخطأت
مضت ثوانٍ منذ اعترافي الأخير
أنا أجلس تحت رحمة الحساباتِ السود
تغيرٌ صغيرٌ مخجلٌ في صناديق الغلّة اللعينة
مؤخّراً، أعترفُ، الأشياءُ قد تضاءلت
كأسٌ طويلةٌ من الفيرموث
علبةٌ من المحّار
قسٌّ يغسلني من الأخطاء
رغم أنّني لا أمتلكُ حتّى نعمة الإيمان.
هذا ليس كافياً، أتّفق معكِ
لكن من فضلكِ افهمي أنّني أبحثُ
عن كنيسةٍ ليس فيها ربٌّ
كثيراً ما تكون هناك قداسةٌ
بداخلنا، محتاجةٌ
إلى منزلها المبارك الخاصّ، تمحو
الأذى. ترفّقي الآن
بموعظتكَ، لقد سئمتُ، القداسةُ
العزلة، كلها محضُ لغةٍ، دعيهم يتكلّمون
قد نسمعهم عرضاً
مخبّئين في جمودهم
عدائيين ومتفائلين
بأسلحةٍ عتيقة. دعيني أحيّي الرفاق الطيّبين
إذا شئتُ ذلك، دعيني أحيّيهم بابتهالٍ مضطربٍ
" آه، ماذا توّقعتم من حياتكم؟" الخ..
دعيني أجهّز المائدة بأدواتٍ فضيّة
دعيني أستعلم عن الحذاء الكحليّ الذي يعبر
دعيني أفتح الأبواب
الحديقةُ تعجّ بالأخبار!
علينا أن نقلّل سذاجتنا، حماقاتنا
مرضنا، كلّها لبلابٌ، يلتصقُ بأرواحنا.
أكبرُ سنّاً، الآن، أعلمُ
كيف أنّ تمويل المتعة
هو مسألة توازنٍ
كيف يتراكم الحقد
"أنتِ مهملةٌ يا بنتي"
يمكنكِ أن تقولي إنّني لم أوّجه حياتي
إلى ما آلتْ عليه عن قصد
لكنّ الحقيقة، أنّني سأقودها إلى نفس المصير، بسعادةٍ
حتّى في هذه اللحظة. عن عمدٍ، حملتُ
سرباً من طيور العقعق الزرق (لم تكن لي) وعندما أُخِذتْ منّي، كم كان قاسياً
البقاء وحيدةً للغاية مع أوراقي الباردةِ
الدفيئةِ المظلّلةِ، حوافِ السقف..
من الصعب تسجيلُ هذا
لكن لمَ لا أكون صادقةً في دفتر حساباتٍ واحد
على الأقل؟ هناك ثقوبٌ في حساباتي
حذّرتكِ منها، ثقوبٌ في ما أعدّ نفسي
مسؤولةً عنه، ثقوبٌ في إمكانيّاتي الحمراء
نحن نساء اللون الأحمر، نحن النساء الحمر
الأحمر خلف الأذنين.
"حافظي على احمرارك"
أرجوكِ تابعي
كم مريحٌ أنّه بعد سنواتٍ عديدةٍ
أستطيع وضع مشمشةٍ
على الميزان، وفي الكفّة الأخرى مقابلها
أضع شيئاً صغيراً أزرق. أستطيع أن أدرك
أنّها مجرّد ثمرةٍ ضئيلةٍ للعسر
لكنّها قابلةٌ للتدبير! يمكن أن أقسّمها
يمكن أن أقدّمها على طبقٍ لأخواتي
وأطلب منهنّ أكلها
بدلاً منّي، وسيقمنَ بذلك
ببساطةٍ، أليس ذلك
هو الوجه الإعجازيّ لواجب الحبّ؟
لماذا ينبغي علينا أن نتابع القيام
بهذا العمل المثير للقلق؟
أن نحمل البنفسج السرّيّ
إلى الغرف المزدحمة،
لماذا علينا أن نضع احتمالاتٍ مُزهرة
تحت قدمي شخصٍ آخر؟
لا نقدرُ أن نفعل شيئاً حيال ذلك
رغم أنّنا لن نعرف عندها
ما إذا كنّا نزرع حياتنا هناك
أم إنّ السعادة ستُجتثُّ من جذورها.
كلّنا خاطرنا بأنفسنا
مخاطرتي تحوّلت إلى شيئٍ مختلفٍ
لا أقدر أن أبقي "الألفة"
قريبةً منّي بما يكفي
ما الذي سبّب هذا؟
ما الذي يمرضني؟
لقد التقيتِ بالبستانيّ الشرير
عندما كنتِ صغيرةً جدّاً
كان يكنس ما تبعثر من الباحة المعتمة
دفعتِ له أجره بأضراركِ
وستستمرّين بالدفع
لكن لا أستطيع أن أخبركِ إلى متى
مع ذلكَ، هذه هي قرابيني
من الأعضاء البنفسجيّة. أنا حمقاء
نحن حمقى، توقٌ أحمق
إن استطعتُ أن أهرّب روحي
لأحميها – سأضعها على الأرض البنفسجيّة مباشرةً – سأفعلُ،
لكنّها تعرف بالتأكيد كيف تصمدُ بداخلي.
صلّي:
"أمانٌ، أمانٌ"
نحنُ الآن في ضاحية اللطف. يمكننا أن نتخلّى
عن عنفنا، أن نفضّ
كل صابونةٍ تمنحنا إيّاها
جيوش نظيفة من الممرضاتِ
وأن نركع على السجادة
لنتلو صلاة شكر.
الآن، إذ نعلمُ ما هو الفقدان
سنقوم بكفّارةٍ ورديةٍ
سنلمّع حظوظنا الجديدة الجيّدة
ولن ننزّه حماقاتنا
على العشب المجزوز تحت ضوء القمر.
"تحت القمر" أزمّ شفتيّ
مرتديةً نظّاراتٍ صفراء، أدمعُ
أغرزُ أصابعي الصغيرة في التراب
لا بدّ أنّكِ متمرّسةٌ بالشفقة
أعرف الآن
أنّكِ وفي إحدى جيوبك توجدُ علبةٌ المحّار، ميداليّةٌ صغيرةٌ
تعبرين عنبرَ الأمل، في الجيب الآخر
صوتٌ يقول:
"جئتُ إلى هنا بتواضعٍ
محمّلةً بالكثير
وطلبتُ الكثير"
حسناً، أنا، أيضاً، حدّدتُ مطالبي
لكن ماذا عنها؟
عندما تشعرين بالضعف
أصغي إلى روح البنفسج الممزّقة
جائمةً بحذرٍ تربّتُ على حيواناتِ الاتّكال السود.
عندما تشعرين بالضعف،
ليست هناك أناقةٌ
في عبادتكِ
القذارة التي تربّتين فيها على الكلب
هي في داخلك، تلحقُ طيبتكِ
لا بدّ أن ترخي لها الطوق
وتتركيها تغادر
حتّى ولو لم يطعكِ الكلبُ،
فمن الممتع حقّاً أن
تجعليه يهرول في أشدّ عتماتكَ حلكة
يا فتاة هل من الجيّد
أن تحظي بصحبةٍ هناك،
ماذا يعني أن تندهي كلبكَ
من الخزانة المظلمة
وأن تطعميه اللحمَ الذي ملّحتِه طيلة الشتاء؟
تعرفين ماذا أعني باللحمِ
بواسطة ملحي ستعرفينني.
عندما لا تستطيعين بعد الآن
أن تركعي أمام النصيحة الحمراء
التي توزّع الأمل، في أرغفةٍ سيّئةٍ
يتوجّبُ عليك أخذها إلى المنطقة المطلوبة
ومضغها، عندما يكون الفرموث
"سامحيني يا أختاه لقد أخطأت
مضت ثوانٍ منذ اعترافي الأخير
أنا أجلس تحت رحمة الحساباتِ السود
تغيرٌ صغيرٌ مخجلٌ في صناديق الغلّة اللعينة
مؤخّراً، أعترفُ، الأشياءُ قد تضاءلت
كأسٌ طويلةٌ من الفيرموث
علبةٌ من المحّار
قسٌّ يغسلني من الأخطاء
رغم أنّني لا أمتلكُ حتّى نعمة الإيمان.
هذا ليس كافياً، أتّفق معكِ
لكن من فضلكِ افهمي أنّني أبحثُ
عن كنيسةٍ ليس فيها ربٌّ
كثيراً ما تكون هناك قداسةٌ
بداخلنا، محتاجةٌ
إلى منزلها المبارك الخاصّ، تمحو
الأذى. ترفّقي الآن
بموعظتكَ، لقد سئمتُ، القداسةُ
العزلة، كلها محضُ لغةٍ، دعيهم يتكلّمون
قد نسمعهم عرضاً
مخبّئين في جمودهم
عدائيين ومتفائلين
بأسلحةٍ عتيقة. دعيني أحيّي الرفاق الطيّبين
إذا شئتُ ذلك، دعيني أحيّيهم بابتهالٍ مضطربٍ
" آه، ماذا توّقعتم من حياتكم؟" الخ..
دعيني أجهّز المائدة بأدواتٍ فضيّة
دعيني أستعلم عن الحذاء الكحليّ الذي يعبر
دعيني أفتح الأبواب
الحديقةُ تعجّ بالأخبار!
علينا أن نقلّل سذاجتنا، حماقاتنا
مرضنا، كلّها لبلابٌ، يلتصقُ بأرواحنا.
أكبرُ سنّاً، الآن، أعلمُ
كيف أنّ تمويل المتعة
هو مسألة توازنٍ
كيف يتراكم الحقد
"أنتِ مهملةٌ يا بنتي"
يمكنكِ أن تقولي إنّني لم أوّجه حياتي
إلى ما آلتْ عليه عن قصد
لكنّ الحقيقة، أنّني سأقودها إلى نفس المصير، بسعادةٍ
حتّى في هذه اللحظة. عن عمدٍ، حملتُ
سرباً من طيور العقعق الزرق (لم تكن لي) وعندما أُخِذتْ منّي، كم كان قاسياً
البقاء وحيدةً للغاية مع أوراقي الباردةِ
الدفيئةِ المظلّلةِ، حوافِ السقف..
من الصعب تسجيلُ هذا
لكن لمَ لا أكون صادقةً في دفتر حساباتٍ واحد
على الأقل؟ هناك ثقوبٌ في حساباتي
حذّرتكِ منها، ثقوبٌ في ما أعدّ نفسي
مسؤولةً عنه، ثقوبٌ في إمكانيّاتي الحمراء
نحن نساء اللون الأحمر، نحن النساء الحمر
الأحمر خلف الأذنين.
"حافظي على احمرارك"
أرجوكِ تابعي
كم مريحٌ أنّه بعد سنواتٍ عديدةٍ
أستطيع وضع مشمشةٍ
على الميزان، وفي الكفّة الأخرى مقابلها
أضع شيئاً صغيراً أزرق. أستطيع أن أدرك
أنّها مجرّد ثمرةٍ ضئيلةٍ للعسر
لكنّها قابلةٌ للتدبير! يمكن أن أقسّمها
يمكن أن أقدّمها على طبقٍ لأخواتي
وأطلب منهنّ أكلها
بدلاً منّي، وسيقمنَ بذلك
ببساطةٍ، أليس ذلك
هو الوجه الإعجازيّ لواجب الحبّ؟
لماذا ينبغي علينا أن نتابع القيام
بهذا العمل المثير للقلق؟
أن نحمل البنفسج السرّيّ
إلى الغرف المزدحمة،
لماذا علينا أن نضع احتمالاتٍ مُزهرة
تحت قدمي شخصٍ آخر؟
لا نقدرُ أن نفعل شيئاً حيال ذلك
رغم أنّنا لن نعرف عندها
ما إذا كنّا نزرع حياتنا هناك
أم إنّ السعادة ستُجتثُّ من جذورها.
كلّنا خاطرنا بأنفسنا
مخاطرتي تحوّلت إلى شيئٍ مختلفٍ
لا أقدر أن أبقي "الألفة"
قريبةً منّي بما يكفي
ما الذي سبّب هذا؟
ما الذي يمرضني؟
لقد التقيتِ بالبستانيّ الشرير
عندما كنتِ صغيرةً جدّاً
كان يكنس ما تبعثر من الباحة المعتمة
دفعتِ له أجره بأضراركِ
وستستمرّين بالدفع
لكن لا أستطيع أن أخبركِ إلى متى
مع ذلكَ، هذه هي قرابيني
من الأعضاء البنفسجيّة. أنا حمقاء
نحن حمقى، توقٌ أحمق
إن استطعتُ أن أهرّب روحي
لأحميها – سأضعها على الأرض البنفسجيّة مباشرةً – سأفعلُ،
لكنّها تعرف بالتأكيد كيف تصمدُ بداخلي.
صلّي:
"أمانٌ، أمانٌ"
نحنُ الآن في ضاحية اللطف. يمكننا أن نتخلّى
عن عنفنا، أن نفضّ
كل صابونةٍ تمنحنا إيّاها
جيوش نظيفة من الممرضاتِ
وأن نركع على السجادة
لنتلو صلاة شكر.
الآن، إذ نعلمُ ما هو الفقدان
سنقوم بكفّارةٍ ورديةٍ
سنلمّع حظوظنا الجديدة الجيّدة
ولن ننزّه حماقاتنا
على العشب المجزوز تحت ضوء القمر.
"تحت القمر" أزمّ شفتيّ
مرتديةً نظّاراتٍ صفراء، أدمعُ
أغرزُ أصابعي الصغيرة في التراب
لا بدّ أنّكِ متمرّسةٌ بالشفقة
أعرف الآن
أنّكِ وفي إحدى جيوبك توجدُ علبةٌ المحّار، ميداليّةٌ صغيرةٌ
تعبرين عنبرَ الأمل، في الجيب الآخر
صوتٌ يقول:
"جئتُ إلى هنا بتواضعٍ
محمّلةً بالكثير
وطلبتُ الكثير"
حسناً، أنا، أيضاً، حدّدتُ مطالبي
لكن ماذا عنها؟
عندما تشعرين بالضعف
أصغي إلى روح البنفسج الممزّقة
جائمةً بحذرٍ تربّتُ على حيواناتِ الاتّكال السود.
عندما تشعرين بالضعف،
ليست هناك أناقةٌ
في عبادتكِ
القذارة التي تربّتين فيها على الكلب
هي في داخلك، تلحقُ طيبتكِ
لا بدّ أن ترخي لها الطوق
وتتركيها تغادر
حتّى ولو لم يطعكِ الكلبُ،
فمن الممتع حقّاً أن
تجعليه يهرول في أشدّ عتماتكَ حلكة
يا فتاة هل من الجيّد
أن تحظي بصحبةٍ هناك،
ماذا يعني أن تندهي كلبكَ
من الخزانة المظلمة
وأن تطعميه اللحمَ الذي ملّحتِه طيلة الشتاء؟
تعرفين ماذا أعني باللحمِ
بواسطة ملحي ستعرفينني.
عندما لا تستطيعين بعد الآن
أن تركعي أمام النصيحة الحمراء
التي توزّع الأمل، في أرغفةٍ سيّئةٍ
يتوجّبُ عليك أخذها إلى المنطقة المطلوبة
ومضغها، عندما يكون الفرموث
قد انتهى، ولا تكترثين لمصير البنفسجاتِ.
بعد ذلك، لم تكترثي أصلاً،
حيث لا يوجد أحدٌ ليصغي إليك
تفتحين قلبكِ
وتقولين:
"ليس هذا ما توقّعته! "
- ماذا إذاً؟؟".
بعد ذلك، لم تكترثي أصلاً،
حيث لا يوجد أحدٌ ليصغي إليك
تفتحين قلبكِ
وتقولين:
"ليس هذا ما توقّعته! "
- ماذا إذاً؟؟".
أيّ شيء تقولينه قد يُستخدّم ضدّك
| كلارا أوبليغادو
"إيّاكِ أن تنبسي بحرفٍ حين نصعد إلى السفينة، لا تدعي البحر يُوقِعُ بك، لا تنظري إلى السماء الشاسعة عندما نعبر الحدود، ولا تكشفي للجنود عن مخالبك، لا تحدّقي إلى أسنانهم الناصعة البياض. لا تتذمّري من حال هذا المعسكر حيث لا شيءَ سوى الوحل والبرد. لا تحتجّي عندما تخرجين إلى العمل، ولا تثقي بالإيماءاتِ الودُودة، فلن تجرَّ علينا سوى المتاعب.
لا تُكرّري أنك تودّين لو ترجعين إلى البيت، ولا تضعي كلماتٍ لأمنياتك، إذ لا أحد سيكترث بها. لا تسألي عن أبيك، فنحن محظوظتان ببقائنا على قيد الحياة، ولا أعرف أين هم أصدقاؤك. أتقني اللغة بسرعة، إذ لن تحقّقي شيئاً إذا كان لفظك رديئاً. فلتنفرجْ أساريرك، لا تثيري انتباه أحدٍ، ولا تبكي فليس عندنا مناديل، وما من أحد سيواسيك. لا تتأوّهي. فالصمت هو خبزٌ يابسٌ يجتاز حنجرتَينا.
لا تسألي ولا تحكي لي مشاكلك، فلديّ ما يكفيني. ستكبرين وتصبحين جميلة، سيسهل عليك أن تجدي زوجاً، فالرجال يذهبون إلى ما يذهبون إليه. سيكون شعرك مسبلاً ولمّاعاً، وستكون عيناك عميقتين مثل بئرين. ولا تقولي لذلك الشابّ الذي ستلتقين به مَن نكون نحن الاثنتان، لا تحكي له قصّتنا، أبداً لا تنطقي بالحقيقة. دعيه يفتح ذراعيه ويهدهدك كما لو كنت حمامة، لكن ضُمّي جيداً رجليك.
لا تهبي جسدك مبكراً جداً، فماذا عسانا نفعل إن حبِلت. لا تنفتحي، لا تتمادي في التعبير عن مشاعرك، لا تُسلِّمي نفسك. لا. إذا استوضحكِ لماذا نعيش في هذا البلد، قولي له إننا جئنا من أجل العمل، وإنّ مالنا قليل، وإنّ أباك في سفر. قولي له ما تشائين، لكن إيّاكِ أن تخبريه بالحقيقة.
وعندما تحصلين على أوراق الإقامة املئي حياتك بما تشائين من أبناء، وضَعي لكلٍّ اسمين: واحدٌ تُرضين به زوجك، وآخرُ، بِلُغتنا، أبقِيه سرّاً. وعندئذٍ، يا ابنتي، فقط عندئذ، أضرمي النار بكلماتك، ارمي بها حريقاً يلتهم الحدود كالهشيم. لا، لم أقل شيئاً. لا تسمعيني، لا تقولي لي شيئاً. لا".
| كلارا أوبليغادو
"إيّاكِ أن تنبسي بحرفٍ حين نصعد إلى السفينة، لا تدعي البحر يُوقِعُ بك، لا تنظري إلى السماء الشاسعة عندما نعبر الحدود، ولا تكشفي للجنود عن مخالبك، لا تحدّقي إلى أسنانهم الناصعة البياض. لا تتذمّري من حال هذا المعسكر حيث لا شيءَ سوى الوحل والبرد. لا تحتجّي عندما تخرجين إلى العمل، ولا تثقي بالإيماءاتِ الودُودة، فلن تجرَّ علينا سوى المتاعب.
لا تُكرّري أنك تودّين لو ترجعين إلى البيت، ولا تضعي كلماتٍ لأمنياتك، إذ لا أحد سيكترث بها. لا تسألي عن أبيك، فنحن محظوظتان ببقائنا على قيد الحياة، ولا أعرف أين هم أصدقاؤك. أتقني اللغة بسرعة، إذ لن تحقّقي شيئاً إذا كان لفظك رديئاً. فلتنفرجْ أساريرك، لا تثيري انتباه أحدٍ، ولا تبكي فليس عندنا مناديل، وما من أحد سيواسيك. لا تتأوّهي. فالصمت هو خبزٌ يابسٌ يجتاز حنجرتَينا.
لا تسألي ولا تحكي لي مشاكلك، فلديّ ما يكفيني. ستكبرين وتصبحين جميلة، سيسهل عليك أن تجدي زوجاً، فالرجال يذهبون إلى ما يذهبون إليه. سيكون شعرك مسبلاً ولمّاعاً، وستكون عيناك عميقتين مثل بئرين. ولا تقولي لذلك الشابّ الذي ستلتقين به مَن نكون نحن الاثنتان، لا تحكي له قصّتنا، أبداً لا تنطقي بالحقيقة. دعيه يفتح ذراعيه ويهدهدك كما لو كنت حمامة، لكن ضُمّي جيداً رجليك.
لا تهبي جسدك مبكراً جداً، فماذا عسانا نفعل إن حبِلت. لا تنفتحي، لا تتمادي في التعبير عن مشاعرك، لا تُسلِّمي نفسك. لا. إذا استوضحكِ لماذا نعيش في هذا البلد، قولي له إننا جئنا من أجل العمل، وإنّ مالنا قليل، وإنّ أباك في سفر. قولي له ما تشائين، لكن إيّاكِ أن تخبريه بالحقيقة.
وعندما تحصلين على أوراق الإقامة املئي حياتك بما تشائين من أبناء، وضَعي لكلٍّ اسمين: واحدٌ تُرضين به زوجك، وآخرُ، بِلُغتنا، أبقِيه سرّاً. وعندئذٍ، يا ابنتي، فقط عندئذ، أضرمي النار بكلماتك، ارمي بها حريقاً يلتهم الحدود كالهشيم. لا، لم أقل شيئاً. لا تسمعيني، لا تقولي لي شيئاً. لا".
كم هي قصيرة حياة الرصاصة | كلمنتين فون راديكس
"(المسيء، متفاءلًا، يقول إنه لا يرغب في الحديث عن الماضي، المستقبل فحسب)
الليلة، سأركب القطار من العمل إلى البيت
سأصعد السلم إلى شقتي
مرورًا بالباب الذي ثبتني به
بينما سمعت صوتي متوسلًا.
سأضع حقيبتي على كرسي غرفة المعيشة،
الكرسي نفسه حيث جلس هادئًا يخبرني
أنه لو حدث وهجرته
سينتحر برصاصة تأخذه لرحلة
عبر سموات حالكة
ليموت لأسابيع قبل أن تعرف أمه حتى.
(تلك كانت كذبة، بالطبع، لكنها كذبة أبقت هاتفي متاحًا،
أبقت على رثاء محشور خلف أسناني،
كان غابة من حقائق قاسية، وفي بعض الأيام كان
علي النطق بها لحماية الأحياء)
سأمشي في المطبخ حيث وعدني بالأطفال،
وعدني حلمًا ومنحني كابوسًا،
ثم خاتم ماسي كاعتذار عن الكابوس.
سأنزلق داخل البانيو (حيث اختبأت مرة، ضربات
قلبي كزئير أسد، بينما يطرق بابي بقبضته)
سأهمس لنفسي
لست مضطرة للكذب لحمايتكَ بعد الآن،
لست مدينة لكَ بغفران.
يا إلهي، كم هي قصيرة حياة الرصاصة
مقارنة بالجرح.
يا إلهي، ماذا عليّ أن أفعل
لأترك الماضي ورائي
ويبقى هناك حيث هو".
"(المسيء، متفاءلًا، يقول إنه لا يرغب في الحديث عن الماضي، المستقبل فحسب)
الليلة، سأركب القطار من العمل إلى البيت
سأصعد السلم إلى شقتي
مرورًا بالباب الذي ثبتني به
بينما سمعت صوتي متوسلًا.
سأضع حقيبتي على كرسي غرفة المعيشة،
الكرسي نفسه حيث جلس هادئًا يخبرني
أنه لو حدث وهجرته
سينتحر برصاصة تأخذه لرحلة
عبر سموات حالكة
ليموت لأسابيع قبل أن تعرف أمه حتى.
(تلك كانت كذبة، بالطبع، لكنها كذبة أبقت هاتفي متاحًا،
أبقت على رثاء محشور خلف أسناني،
كان غابة من حقائق قاسية، وفي بعض الأيام كان
علي النطق بها لحماية الأحياء)
سأمشي في المطبخ حيث وعدني بالأطفال،
وعدني حلمًا ومنحني كابوسًا،
ثم خاتم ماسي كاعتذار عن الكابوس.
سأنزلق داخل البانيو (حيث اختبأت مرة، ضربات
قلبي كزئير أسد، بينما يطرق بابي بقبضته)
سأهمس لنفسي
لست مضطرة للكذب لحمايتكَ بعد الآن،
لست مدينة لكَ بغفران.
يا إلهي، كم هي قصيرة حياة الرصاصة
مقارنة بالجرح.
يا إلهي، ماذا عليّ أن أفعل
لأترك الماضي ورائي
ويبقى هناك حيث هو".
لا بأس من العواء في وجه القمر | كاتلين سيال
"في البداية، بعد رحيلهم
اترك نفسك للأفكار الأنانية
والشريرة والقذرة والغاضبة والفاحشة والشنيعة كلها
دع أمواج الغضب تعبرك
اسمح للحزن بأن يتم عمله
لا تبتلع لسانك عندما يتحول لنصل حاد
اصرخ قليلًا، لو أنك في حاجة لذلك، لكن لا تبتلع تلك الشفرة
لا تلوم الرب
لو أنك مضطر، لوح بقبضتك في وجه السماء
افعلها، سيغفر لك.
كل، تذكر إطعام نفسك
استحم، لو أنك تستطيع.
نم.
قبّل أحباءك فوق جباههم
لاحظ كيف لا يزال الحب موجودًا، وأين.
سامح الغد لأنه لم يظهر أبدًا لهم
امسك غضبك من كتفيه وهزه حتى ينهار
احزن
اسمح لقلبك بأن يكون أثقل من جينز مبتل
استشعر الثقل الجاثم على صدرك
تعجب كيف أنك لا زلت حيًا، كيف أن هذا لم يقتلك، أنت أيضًا.
احتضن نفسك مثل طفل، غن لها حتى تنام
اذهب إلى حيث الدفء
جفف ملابسك في أشعة الشمس، ثم ارتدي أدفأها.
الألم دائم
لكنه، مثل الندوب، سيبهت، هلالًا على ذراعك
لا تعتذر عما فعلت لتواصل الحياة
لا بأس من افتقادهم في كل لحظة
لا بأس من العواء في وجه القمر
الألم حيوان بأنياب حادة وقلب رقيق
انتظر
سيهون
سيدس الزمن أصابعه داخل تلك الفجوة العميقة
ويسحب الظلمة، شيئًا فشيئًا
استمع لأصواتهم تهمس:
"أنا سعيد. أينما كنت، أحيا في سلام".
"في البداية، بعد رحيلهم
اترك نفسك للأفكار الأنانية
والشريرة والقذرة والغاضبة والفاحشة والشنيعة كلها
دع أمواج الغضب تعبرك
اسمح للحزن بأن يتم عمله
لا تبتلع لسانك عندما يتحول لنصل حاد
اصرخ قليلًا، لو أنك في حاجة لذلك، لكن لا تبتلع تلك الشفرة
لا تلوم الرب
لو أنك مضطر، لوح بقبضتك في وجه السماء
افعلها، سيغفر لك.
كل، تذكر إطعام نفسك
استحم، لو أنك تستطيع.
نم.
قبّل أحباءك فوق جباههم
لاحظ كيف لا يزال الحب موجودًا، وأين.
سامح الغد لأنه لم يظهر أبدًا لهم
امسك غضبك من كتفيه وهزه حتى ينهار
احزن
اسمح لقلبك بأن يكون أثقل من جينز مبتل
استشعر الثقل الجاثم على صدرك
تعجب كيف أنك لا زلت حيًا، كيف أن هذا لم يقتلك، أنت أيضًا.
احتضن نفسك مثل طفل، غن لها حتى تنام
اذهب إلى حيث الدفء
جفف ملابسك في أشعة الشمس، ثم ارتدي أدفأها.
الألم دائم
لكنه، مثل الندوب، سيبهت، هلالًا على ذراعك
لا تعتذر عما فعلت لتواصل الحياة
لا بأس من افتقادهم في كل لحظة
لا بأس من العواء في وجه القمر
الألم حيوان بأنياب حادة وقلب رقيق
انتظر
سيهون
سيدس الزمن أصابعه داخل تلك الفجوة العميقة
ويسحب الظلمة، شيئًا فشيئًا
استمع لأصواتهم تهمس:
"أنا سعيد. أينما كنت، أحيا في سلام".
لأني امرأةٌ كاملة | بسمة شيخو
"لأني امرأةٌ كاملة
لا أرضى برجلٍ تشاركني به كلّ النسوة اللاتي مررن بحياته،
ينهشنَ تفاصيل ذاكرته،
يقضمن يومه،
ويتركن جزءاً صغيراً منه ليفكر بي،
ويندم على وقتٍ مرّ دوني.
لأني امرأة كاملة
أكش خيالات قصصه القديمة عن حياته
كذبابات الصيف يتجمّعن حوله،
وأشاهده يتأفف من تلويحة أصابعي بوجهه
أحبه حين يشتم ويتذمر.
لأني امرأة كاملة
لا أرضى بفُتاته
أكسر الكأس إن لم تُملأ لأجلي
أريده كاملاً بكلّ تفاصيله
سأحمل الشعرة البيضاء في حاجبه مع شعري الأسود
سأغطي الندب على رقبته بجلدي
وأكمل معه شروده الطويل،
أراقبه وهو يحلق ذقنه
يربط حذاءه
ويهاتف أمه
وأبتسم للعشبة التي نبتت خطأً على ذراعي.
لأني امرأةٌ كاملة
أصنع عالمنا بنفسي
أملك كلّ ما نحتاجه للغد
كالنملة جمعت مؤونة عُمرٍ طويل
وأنا أغني أغاني الجنادب
لأني امرأةٌ كاملة
ستتعب من محاولاتك البحث عن نقصٍ داخلي
ستحنّ لفراغاتٍ ملأتَها قبلي..
وتشتاق للعبة
لأني امرأةٌ كاملة
أنا أنانية
أنا انطوائية
أنا سعيدة
لأني امرأةٌ كاملة
فرحت بأنك قرعت أجراس غرفتي المهجورة
وأزحت العنكبوت عن غاري البعيد
وأتيتني بكلّ نقصك
لأعيد تجميعك، وأصنعك من جديد".
"لأني امرأةٌ كاملة
لا أرضى برجلٍ تشاركني به كلّ النسوة اللاتي مررن بحياته،
ينهشنَ تفاصيل ذاكرته،
يقضمن يومه،
ويتركن جزءاً صغيراً منه ليفكر بي،
ويندم على وقتٍ مرّ دوني.
لأني امرأة كاملة
أكش خيالات قصصه القديمة عن حياته
كذبابات الصيف يتجمّعن حوله،
وأشاهده يتأفف من تلويحة أصابعي بوجهه
أحبه حين يشتم ويتذمر.
لأني امرأة كاملة
لا أرضى بفُتاته
أكسر الكأس إن لم تُملأ لأجلي
أريده كاملاً بكلّ تفاصيله
سأحمل الشعرة البيضاء في حاجبه مع شعري الأسود
سأغطي الندب على رقبته بجلدي
وأكمل معه شروده الطويل،
أراقبه وهو يحلق ذقنه
يربط حذاءه
ويهاتف أمه
وأبتسم للعشبة التي نبتت خطأً على ذراعي.
لأني امرأةٌ كاملة
أصنع عالمنا بنفسي
أملك كلّ ما نحتاجه للغد
كالنملة جمعت مؤونة عُمرٍ طويل
وأنا أغني أغاني الجنادب
لأني امرأةٌ كاملة
ستتعب من محاولاتك البحث عن نقصٍ داخلي
ستحنّ لفراغاتٍ ملأتَها قبلي..
وتشتاق للعبة
لأني امرأةٌ كاملة
أنا أنانية
أنا انطوائية
أنا سعيدة
لأني امرأةٌ كاملة
فرحت بأنك قرعت أجراس غرفتي المهجورة
وأزحت العنكبوت عن غاري البعيد
وأتيتني بكلّ نقصك
لأعيد تجميعك، وأصنعك من جديد".
لا تمنحي ذئبًا مفتاح بيتك | نايرا وحيد
"أنتِ
حين تسمحين لذلك الرجل
بالوصول لأطفالك
أن يزرع قدميه في عروقهم
أن يقبض على أصواتهم
ورقابهم
وأجسادهم بعنفه
لم تعودي أمًا.
حين تمنحيه مفتاح الباب
لأنك تريدين أن تشعري أن هناك من يحبك
تهبينهم لذئب يلتهم طفولتهم.
سيتطلب الأمر ثلث حياتهم
وكل ما يملكونه
من شجاعة
من أصغر خلاياهم إلى شعرهم
ليتعلموا التركيبة الكيميائية التي
تحول هذا النوع من
الخيانة
إلى شيء لين، محتمل".
"أنتِ
حين تسمحين لذلك الرجل
بالوصول لأطفالك
أن يزرع قدميه في عروقهم
أن يقبض على أصواتهم
ورقابهم
وأجسادهم بعنفه
لم تعودي أمًا.
حين تمنحيه مفتاح الباب
لأنك تريدين أن تشعري أن هناك من يحبك
تهبينهم لذئب يلتهم طفولتهم.
سيتطلب الأمر ثلث حياتهم
وكل ما يملكونه
من شجاعة
من أصغر خلاياهم إلى شعرهم
ليتعلموا التركيبة الكيميائية التي
تحول هذا النوع من
الخيانة
إلى شيء لين، محتمل".
العدم في كل شيء | إنريك لين
"أنظُرُ في المرآة ولا أرى وجهي.
لقد اختفيت: صارت المرآة وجهي.
جعلتُ نفسي أتوارى
منذ رؤيتي لنفسي لمرّات كثيرة في هذه المرآة المكسورة
فقدتُ معنى وجهي
أو أني عددتها حتى صارت لا نهائية
أو أن العدم بداخلها، كما في كل الأشياء،
قد أخفاها،
العدم في كل شيء كالشمس في الليل،
وأنا الغيابُ أمام مرآة مكسورة".
"أنظُرُ في المرآة ولا أرى وجهي.
لقد اختفيت: صارت المرآة وجهي.
جعلتُ نفسي أتوارى
منذ رؤيتي لنفسي لمرّات كثيرة في هذه المرآة المكسورة
فقدتُ معنى وجهي
أو أني عددتها حتى صارت لا نهائية
أو أن العدم بداخلها، كما في كل الأشياء،
قد أخفاها،
العدم في كل شيء كالشمس في الليل،
وأنا الغيابُ أمام مرآة مكسورة".
الصّمت، لبُّ المسألة | ديريك والكوت
"تتهيّأُ لبلوى،
لكنّ أخرى تأتي.
لا يُشبه الأمرُ الطقسَ،
وليس بوسعك أن تُحصِّنَ نفسَك،
عدم الاستعداد هو لبّ المسألة.
رفيقك، المرأة،
الصديق إلى جوارك،
الطّفلُ قربَك،
والكلب،
نرتجفُ لأجلهم،
نتطلَّعُ صوبَ البحرِ آملين
أن تمطر.
علينا أن نتأهّبَ للمطر؛
لستَ تجد صِلةً
بين أشعّةِ الشمس إذ تغيّرُ
الدّفلى الآخذةَ بالاسوداد
في حديقة البحر،
وبين الذهب الطّالع من النخيلِ.
ولا تجد صلةً
بين نُقط الرّذاذ
على جلدك،
وبين عويلِ الكلب،
العاصفة لا تُخيف،
الاستعداد هو لبُّ المسألة؛
وما يأتيك من الزهو
يقصدُ أن يُعْلِمك
بأنّ الصّمتَ هو لبُّ المسألة:
أنه أعمقُ من الاستعداد،
أنه بعمقِ البحر،
بعمقِ الأرض،
بعمقِ الحبّ.
الصّمتُ
أعتى من الرّعد،
نحن مُبتَلُون بالغفلة والعمق
كما الأنعامُ التي لا تتلفظ بالحُبِّ أبداً
كما نفعلُ، إلا
أنه يصبح عصيّاً عن التلفّظ
ولا مناص من أن يُقالَ،
عويلاً،
دموعاً،
في الرّذاذ الذي يأتي أعيننَا
دون أن يتلفظ باسمِ الشيء المحبوب،
صمت الموتى،
صمت أعمقِ حُبٍّ دفين هو
الصمت الأوحد،
وإنْ نَكُنَّهُ للبهيمة،
أو للطفل أو للمرأة أو للصديق،
فإنه الحبُّ الأوحد، هو ذاته،
وهو المُبارَكَةُ
إذ تتجلى عميقةً بالفقد
هو المُبارَكَةُ، هو المبارَكَة".
"تتهيّأُ لبلوى،
لكنّ أخرى تأتي.
لا يُشبه الأمرُ الطقسَ،
وليس بوسعك أن تُحصِّنَ نفسَك،
عدم الاستعداد هو لبّ المسألة.
رفيقك، المرأة،
الصديق إلى جوارك،
الطّفلُ قربَك،
والكلب،
نرتجفُ لأجلهم،
نتطلَّعُ صوبَ البحرِ آملين
أن تمطر.
علينا أن نتأهّبَ للمطر؛
لستَ تجد صِلةً
بين أشعّةِ الشمس إذ تغيّرُ
الدّفلى الآخذةَ بالاسوداد
في حديقة البحر،
وبين الذهب الطّالع من النخيلِ.
ولا تجد صلةً
بين نُقط الرّذاذ
على جلدك،
وبين عويلِ الكلب،
العاصفة لا تُخيف،
الاستعداد هو لبُّ المسألة؛
وما يأتيك من الزهو
يقصدُ أن يُعْلِمك
بأنّ الصّمتَ هو لبُّ المسألة:
أنه أعمقُ من الاستعداد،
أنه بعمقِ البحر،
بعمقِ الأرض،
بعمقِ الحبّ.
الصّمتُ
أعتى من الرّعد،
نحن مُبتَلُون بالغفلة والعمق
كما الأنعامُ التي لا تتلفظ بالحُبِّ أبداً
كما نفعلُ، إلا
أنه يصبح عصيّاً عن التلفّظ
ولا مناص من أن يُقالَ،
عويلاً،
دموعاً،
في الرّذاذ الذي يأتي أعيننَا
دون أن يتلفظ باسمِ الشيء المحبوب،
صمت الموتى،
صمت أعمقِ حُبٍّ دفين هو
الصمت الأوحد،
وإنْ نَكُنَّهُ للبهيمة،
أو للطفل أو للمرأة أو للصديق،
فإنه الحبُّ الأوحد، هو ذاته،
وهو المُبارَكَةُ
إذ تتجلى عميقةً بالفقد
هو المُبارَكَةُ، هو المبارَكَة".
حياتنا عمل فني | لانج لييف
"بعد حين
تبدأ في اختلاق المواقف
أعتقد أنها طبيعة بشرية
أن نضيف ونطرح من ذكرياتنا
لنستعيدها كما نحب أن تكون.
لكن، قبل كل شيء
حياتنا عمل فني حي
ألا يسمح لنا بتشكيله بالطريقة التي نختار؟
أذكر عندما رأيت لوحتي المفضلة لأول مرة
كيف سلب جمالها الجارح أنفاسي
فكرت، لو أن بيكاسو أنهاها بفرشاة واحدة أقل
لربما أخبرنا بقصة مختلفة تمامًا،
لو أنه بدأها بمسحة من الأحمر بدلًا من الأزرق
لربما أصبحت مجرد فصل
عوضًا عن حقبة كاملة".
"بعد حين
تبدأ في اختلاق المواقف
أعتقد أنها طبيعة بشرية
أن نضيف ونطرح من ذكرياتنا
لنستعيدها كما نحب أن تكون.
لكن، قبل كل شيء
حياتنا عمل فني حي
ألا يسمح لنا بتشكيله بالطريقة التي نختار؟
أذكر عندما رأيت لوحتي المفضلة لأول مرة
كيف سلب جمالها الجارح أنفاسي
فكرت، لو أن بيكاسو أنهاها بفرشاة واحدة أقل
لربما أخبرنا بقصة مختلفة تمامًا،
لو أنه بدأها بمسحة من الأحمر بدلًا من الأزرق
لربما أصبحت مجرد فصل
عوضًا عن حقبة كاملة".
نسيم بحري | ستيفان مالارميه
"الجسد حزين، واحسرتاه! ولقد قرأت جميع الكتب.
الهروب! الهروب إلى هناك! أشعر أن طيورًا منتشية
بكونها تطير بين الزبد المجهول والسماء!
لا شيء، لا الحدائق العتيقة التي تعكسها العيون
تحفظ هذا القلب المنغمس في البحر
يا أيّتها الليالي! ولا الضوء الخالي من قنديلي
على الصفحة الخاوية التي يحميها البياض
ولا المرأة الشابة التي ترضع طفلها
سأرحل! يا سفينة البخار المتبخترة بصاريتك
أبحري إلى طبيعة غريبة!
سأم خيبت ظنه الآمال القاسية
لا يزال يؤمن بتوديع المناديل الرفيع!
وربما الصواري وهي تستدعي العواصف
هي من تلك التي تنحني الريح بها فوق عواصف البحر
ضائعون، بلا صواري، بلا صواري، وبلا جزر خِصْبة..
لكن اسمع يا قلبي نشيد البحّارة!".
"الجسد حزين، واحسرتاه! ولقد قرأت جميع الكتب.
الهروب! الهروب إلى هناك! أشعر أن طيورًا منتشية
بكونها تطير بين الزبد المجهول والسماء!
لا شيء، لا الحدائق العتيقة التي تعكسها العيون
تحفظ هذا القلب المنغمس في البحر
يا أيّتها الليالي! ولا الضوء الخالي من قنديلي
على الصفحة الخاوية التي يحميها البياض
ولا المرأة الشابة التي ترضع طفلها
سأرحل! يا سفينة البخار المتبخترة بصاريتك
أبحري إلى طبيعة غريبة!
سأم خيبت ظنه الآمال القاسية
لا يزال يؤمن بتوديع المناديل الرفيع!
وربما الصواري وهي تستدعي العواصف
هي من تلك التي تنحني الريح بها فوق عواصف البحر
ضائعون، بلا صواري، بلا صواري، وبلا جزر خِصْبة..
لكن اسمع يا قلبي نشيد البحّارة!".
أشدّ حدّة من شفرة | سيرغي يسينِن
"الحياة خدعة ذاتُ حنينٍ فتّاك
سرُّ قوّتها أنها بيدها الخشنة
تخطّ حروف القدَر.
دائماً، حين أُغمِض عينَيّ،
أقول: «ما إن تلمس القلب،
الحياة خدعة ولكنّها أحياناً
تزيِّن الكذِب بالأفراح.
أَدِرْ وجهك إلى السماء العجوز،
مستفسرًا عن مصيرك القمر،
مهلاً، أيها الفاني، ولا تطلبْ
تلك الحقيقةَ التي لا تحتاجها».
في زوبعة الليلك يحسُن
التفكير بأن الحياة درب
وإنْ خدعتْك الصديقات الخفيفات،
وإنْ خانك الأصدقاء الخفيفون.
ليكنْ أنهم يدلّلونني بالكلام اللطيف،
ليكنِ اللسان الخبيث أشدّ حِدّة من شفرة
فأنا لَطالما أعيش مستعدّاً لكل شيء
وبلا رحمةٍ ألِفْتُ كل شيء.
هذه الأعالي تبعث في روحيَ البرْد،
لا دفءَ في نار النجوم.
لقد هجرني من أحببت
ونسيَني من بهم عشت.
مع ذلك، فأنا، المطارَد المنبوذ،
أنظر مبتسمًا إلى الفجر،
على الأرض الحميمة الحبيبة
أشكر هذه الحياة على كل شيء".
"الحياة خدعة ذاتُ حنينٍ فتّاك
سرُّ قوّتها أنها بيدها الخشنة
تخطّ حروف القدَر.
دائماً، حين أُغمِض عينَيّ،
أقول: «ما إن تلمس القلب،
الحياة خدعة ولكنّها أحياناً
تزيِّن الكذِب بالأفراح.
أَدِرْ وجهك إلى السماء العجوز،
مستفسرًا عن مصيرك القمر،
مهلاً، أيها الفاني، ولا تطلبْ
تلك الحقيقةَ التي لا تحتاجها».
في زوبعة الليلك يحسُن
التفكير بأن الحياة درب
وإنْ خدعتْك الصديقات الخفيفات،
وإنْ خانك الأصدقاء الخفيفون.
ليكنْ أنهم يدلّلونني بالكلام اللطيف،
ليكنِ اللسان الخبيث أشدّ حِدّة من شفرة
فأنا لَطالما أعيش مستعدّاً لكل شيء
وبلا رحمةٍ ألِفْتُ كل شيء.
هذه الأعالي تبعث في روحيَ البرْد،
لا دفءَ في نار النجوم.
لقد هجرني من أحببت
ونسيَني من بهم عشت.
مع ذلك، فأنا، المطارَد المنبوذ،
أنظر مبتسمًا إلى الفجر،
على الأرض الحميمة الحبيبة
أشكر هذه الحياة على كل شيء".
"موسيقى أعشقها. أغنية "phantom of opera " يملأ صداها أرجاء بيتي الجبلي الواسع.. أنا واقفة قرب شباك المطبخ، تمامًا حيث ما زالت خشبة تقطيع البصل إياها تعلم حكايتها. ورثتها عن أمي وأمي عن جدتي، تتكىء في الشمس مثل كمان عتيق وحزين. أيضا تمتد بلاطة قديمة بيضاء وضعت عليها أصنافًا قليلة من الفاكهة والخضار، في محاولة مني لتحضير عشاء خفيف لليلة بمناسبة عيد ميلادي..
أنظر إلى الحديقة وأشرد للحظات كلما قشّرت جزرة أو رأس بطاطا أو جمعت ضمة بقدونس.. فجأة ألمحك قادم.. تركن السيارة بين أغصان شجرة الجوز المعمّرة وتترجل عابرًا بين شتلات الخبيزة الحمراء باتجاه بيتي.
أسأل: كيف لهذا القلب الصغير أن يطرق على هذا الشكل ولا يتوقف عن الخفقان أو يصاب فورًا بسكتة؟ لا أسرع لأفتح لك.. ولا أرغب بالتفكير كثيرًا كيف دخلت.. فقط أترك ذاتي تصغي إلى صوت دفّة الباب تنغلق وأحبس ما تبقّى من أنفاس وأنا أتنصت على وقع خطاك على البلاط.
في الواقع لم يكن هناك من صوت، حفيف ربما أشبه بطيران خفيف نحسّه كهبّة هواء لطيفة.. أو رفّة جناح.. أتحنّط مكاني، هناك قرب الشباك الذي رأيتك منه وعيناي لا تفارقان الحديقة..
أشعر بنسمتك تقترب، تقترب مني كثيرًا فأرتجف وأنت ترفع شعري وتقبّل عنقي من الوراء. لا أستدير لألاقي وجهك، عينيك وفمك. لا أستدير حتى لا أتأكد من أنك لم تأت.. لم تأت قط..."
ليلى عيد
أنظر إلى الحديقة وأشرد للحظات كلما قشّرت جزرة أو رأس بطاطا أو جمعت ضمة بقدونس.. فجأة ألمحك قادم.. تركن السيارة بين أغصان شجرة الجوز المعمّرة وتترجل عابرًا بين شتلات الخبيزة الحمراء باتجاه بيتي.
أسأل: كيف لهذا القلب الصغير أن يطرق على هذا الشكل ولا يتوقف عن الخفقان أو يصاب فورًا بسكتة؟ لا أسرع لأفتح لك.. ولا أرغب بالتفكير كثيرًا كيف دخلت.. فقط أترك ذاتي تصغي إلى صوت دفّة الباب تنغلق وأحبس ما تبقّى من أنفاس وأنا أتنصت على وقع خطاك على البلاط.
في الواقع لم يكن هناك من صوت، حفيف ربما أشبه بطيران خفيف نحسّه كهبّة هواء لطيفة.. أو رفّة جناح.. أتحنّط مكاني، هناك قرب الشباك الذي رأيتك منه وعيناي لا تفارقان الحديقة..
أشعر بنسمتك تقترب، تقترب مني كثيرًا فأرتجف وأنت ترفع شعري وتقبّل عنقي من الوراء. لا أستدير لألاقي وجهك، عينيك وفمك. لا أستدير حتى لا أتأكد من أنك لم تأت.. لم تأت قط..."
ليلى عيد
ليس العمر بشيء | المطران جورج خضر
"هذه الكتابة لا علاقة لها بسني خصوصًا أن معظم القراء لا يعرف عني شيئًا. لهذا يزين لي أني قادر أن أكتب حرًا من أعوامي المنصرمة والآتي الممكن لا يعرفه إلا ربّك. نحن نجيء من ماضينا ولا نعرف إن كان لنا آتٍ. لا يقاس الإنسان بعدد ما مر عليه من أعوام. قد تكون فارغة أو الكثير منها كذلك. الإنسان ما استلم أو ما ارتضاه مما استلم وهو من حاضره المقبول أو المرفوض أو ما كان منه تحت السؤال. نحن حركة بحيث أننا لسنا مجرد ثمرة لما مضى علينا لكوننا ارتقاء او أقلّه تغيرًا.
لذلك لا يعني تقدم العمر شيئًا. لا هو نضج بالضرورة ولا هو اهتداء. ليس العمر بشيء. ما تملأه فيه من حضرة إنسانية هو كل الوجود لأن الزمن لا يأتيك، ضرورة، بمضمون. كان لك وعاء والوعاء يحمل كل شيء. أنت لست نتيجة مرور السنين عليك فقط. أنت حضور الحضرة الإلهية إن نزلت. وأنت بذا متطلّع إلى الآتيات أو إلى الباقيات الأبقى من الآتيات. أنت ما كنت وما تصير وتريد في الآن أن تصير. مرة أراد كبير في كنيستي منذ خمسين سنة أن يرد حجتي عليه بقوله لي خبرة سنوات عديدة. أجبته ليست الخبرة بشيء إذ قد تكون خبرة خير أو خبرة شر. وكل واحدة منها تعلّمك شيئا. لذلك لا تستطيع أن تفرض عليّ ما تعتبره علما جاءك من الخبرة. ربما كان الرجل على حق أن يعتبر جوابي له تحديا. ولكن من قال أن التحدي لا يحمل الحق أو من قال أن خبرة الشيوخ تحمل معها الحقيقة. ربما حملت معها المرارة. فالإنسان لا ينمو دائمًا رفيق الله أي عارفه. غالبًا ما يكبر ذواقًا لخطاياه ومستخلصًا فكره من تراكمها فيه. غير صحيح أن الكهولة أو الشيخوخة تأتينا دائمًا بالفضيلة. فكثيرًا ما حملت أتعابنا والفكر الآتي من الأتعاب أي من المرارة.
كثيرا ما أتاك العمر بالكآبة ولكن لك أن تقاوم لأن مسؤوليتك العطاء الذي يستحيل اقترانه بالحزن الشديد. المسؤول من عرف أن له غدًا يملأه بالحب لأنه وحده الخلاق في الزمان.
ليس في أية مرحلة من العمر مضمون روحي واحد. الطهارة والدنس ممكنان في أية حقبة من وجودنا الأرضي إلى أن يتبرأ الإنسان بالموت كما يقول الرسول. لذلك يصرّ آباؤنا على القول أن من أهم ما يعطاك في جهادك أن تذكر الموت كل يوم. أرادوا انك إن فعلت هذا لا تقوم على الخطيئة لأن الموت الذي تنتجه رهيب لديك.
تعلّم السن أو تفسد المعرفة التي تنسب إلى الشيوخ فيها سلام أو فيها اضطراب. كمّ الأعوام يعطي هذا أو ذاك. لا يأتيك النضج دائمًا من تقادم الزمان عليك. إنه في أعماقه هبة إلهيّة، فوق استواء العقل وأعلى ذرى السلام وهذا ينزل عليك من الرب. ومن هذه المقاربة قد يأتيك فتى أعلى قدرا في العقل من طاعن في السنّ. العقل العظيم ما ينزل عليك من ربّك المنشئ للعقول ومربيها.
غير أن أهمية السن عند الصالحين ما كانت في توبتهم وهذه غالبًا ما تتطلب مراس زمان لأن التوبة جرح بالغ ولا يستقر الإنسان فيها إلا إذا انتظر الموت أو ترجاه. ما منع الله هذا الترجي. أنه منع الحزن أمام ما نتوقعه إذ فتح لنا باب الرجاء الذي هو انفتاح على القيامة.
أنت تلميذ كل حقب العمر وإلا كنت غبيًا. لك خبرتان: خبرة خطاياك، وخبرة فضيلتك. وإذا وهبك الله نعمة من عنده تضرب خطيئتك بما اكتسبت من فضيلة أي إذا رأيت وجه الله أبهى شيء في الوجود، غير أن هذا تتعلّمه بالمراس، بالصبر على خطيئتك ورجاء خلاص منها. والصبر لا يعني الاستكانة أو الانهزام. إنه يعني شكرك لما استلمت من تعزيات الرب والبقاء عليها. ليس الصبر الدوام على كل حال. إنه فقط الديمومة مع النعمة لأن شريكك فيه هو الله ذاته.
من هذه الزاوية لا تعني السن شيئًا. قد تأتي بارتقاء روحي وقد تأتي بهبوط أو تخلّف أو فساد. تقادم الزمان لا يعطيك شيئًا بالضرورة ولا يحرمك شيئًا إن شئت المثابرة. الله وحده معطيك في كل ظرف من ظروف حياتك. وحياتك العميقة هي النعمة فيك. أنت تحيا إن كنت تستلم النعمة بشكر وتفهمها وتصر على البقاء فيها.
فإذا تجلّت الرؤى الإلهيّة فيك يسجّل الله لك عمرًا روحيا لا علاقة له بالسنين. فالله حضور وليس تعاقب أعوام إلى أن يزول تحكّم الزمان فيك وحكمتك النعمة. عندئذ، تسكن الأبديّة وأنت في حدود الزمان".
"هذه الكتابة لا علاقة لها بسني خصوصًا أن معظم القراء لا يعرف عني شيئًا. لهذا يزين لي أني قادر أن أكتب حرًا من أعوامي المنصرمة والآتي الممكن لا يعرفه إلا ربّك. نحن نجيء من ماضينا ولا نعرف إن كان لنا آتٍ. لا يقاس الإنسان بعدد ما مر عليه من أعوام. قد تكون فارغة أو الكثير منها كذلك. الإنسان ما استلم أو ما ارتضاه مما استلم وهو من حاضره المقبول أو المرفوض أو ما كان منه تحت السؤال. نحن حركة بحيث أننا لسنا مجرد ثمرة لما مضى علينا لكوننا ارتقاء او أقلّه تغيرًا.
لذلك لا يعني تقدم العمر شيئًا. لا هو نضج بالضرورة ولا هو اهتداء. ليس العمر بشيء. ما تملأه فيه من حضرة إنسانية هو كل الوجود لأن الزمن لا يأتيك، ضرورة، بمضمون. كان لك وعاء والوعاء يحمل كل شيء. أنت لست نتيجة مرور السنين عليك فقط. أنت حضور الحضرة الإلهية إن نزلت. وأنت بذا متطلّع إلى الآتيات أو إلى الباقيات الأبقى من الآتيات. أنت ما كنت وما تصير وتريد في الآن أن تصير. مرة أراد كبير في كنيستي منذ خمسين سنة أن يرد حجتي عليه بقوله لي خبرة سنوات عديدة. أجبته ليست الخبرة بشيء إذ قد تكون خبرة خير أو خبرة شر. وكل واحدة منها تعلّمك شيئا. لذلك لا تستطيع أن تفرض عليّ ما تعتبره علما جاءك من الخبرة. ربما كان الرجل على حق أن يعتبر جوابي له تحديا. ولكن من قال أن التحدي لا يحمل الحق أو من قال أن خبرة الشيوخ تحمل معها الحقيقة. ربما حملت معها المرارة. فالإنسان لا ينمو دائمًا رفيق الله أي عارفه. غالبًا ما يكبر ذواقًا لخطاياه ومستخلصًا فكره من تراكمها فيه. غير صحيح أن الكهولة أو الشيخوخة تأتينا دائمًا بالفضيلة. فكثيرًا ما حملت أتعابنا والفكر الآتي من الأتعاب أي من المرارة.
كثيرا ما أتاك العمر بالكآبة ولكن لك أن تقاوم لأن مسؤوليتك العطاء الذي يستحيل اقترانه بالحزن الشديد. المسؤول من عرف أن له غدًا يملأه بالحب لأنه وحده الخلاق في الزمان.
ليس في أية مرحلة من العمر مضمون روحي واحد. الطهارة والدنس ممكنان في أية حقبة من وجودنا الأرضي إلى أن يتبرأ الإنسان بالموت كما يقول الرسول. لذلك يصرّ آباؤنا على القول أن من أهم ما يعطاك في جهادك أن تذكر الموت كل يوم. أرادوا انك إن فعلت هذا لا تقوم على الخطيئة لأن الموت الذي تنتجه رهيب لديك.
تعلّم السن أو تفسد المعرفة التي تنسب إلى الشيوخ فيها سلام أو فيها اضطراب. كمّ الأعوام يعطي هذا أو ذاك. لا يأتيك النضج دائمًا من تقادم الزمان عليك. إنه في أعماقه هبة إلهيّة، فوق استواء العقل وأعلى ذرى السلام وهذا ينزل عليك من الرب. ومن هذه المقاربة قد يأتيك فتى أعلى قدرا في العقل من طاعن في السنّ. العقل العظيم ما ينزل عليك من ربّك المنشئ للعقول ومربيها.
غير أن أهمية السن عند الصالحين ما كانت في توبتهم وهذه غالبًا ما تتطلب مراس زمان لأن التوبة جرح بالغ ولا يستقر الإنسان فيها إلا إذا انتظر الموت أو ترجاه. ما منع الله هذا الترجي. أنه منع الحزن أمام ما نتوقعه إذ فتح لنا باب الرجاء الذي هو انفتاح على القيامة.
أنت تلميذ كل حقب العمر وإلا كنت غبيًا. لك خبرتان: خبرة خطاياك، وخبرة فضيلتك. وإذا وهبك الله نعمة من عنده تضرب خطيئتك بما اكتسبت من فضيلة أي إذا رأيت وجه الله أبهى شيء في الوجود، غير أن هذا تتعلّمه بالمراس، بالصبر على خطيئتك ورجاء خلاص منها. والصبر لا يعني الاستكانة أو الانهزام. إنه يعني شكرك لما استلمت من تعزيات الرب والبقاء عليها. ليس الصبر الدوام على كل حال. إنه فقط الديمومة مع النعمة لأن شريكك فيه هو الله ذاته.
من هذه الزاوية لا تعني السن شيئًا. قد تأتي بارتقاء روحي وقد تأتي بهبوط أو تخلّف أو فساد. تقادم الزمان لا يعطيك شيئًا بالضرورة ولا يحرمك شيئًا إن شئت المثابرة. الله وحده معطيك في كل ظرف من ظروف حياتك. وحياتك العميقة هي النعمة فيك. أنت تحيا إن كنت تستلم النعمة بشكر وتفهمها وتصر على البقاء فيها.
فإذا تجلّت الرؤى الإلهيّة فيك يسجّل الله لك عمرًا روحيا لا علاقة له بالسنين. فالله حضور وليس تعاقب أعوام إلى أن يزول تحكّم الزمان فيك وحكمتك النعمة. عندئذ، تسكن الأبديّة وأنت في حدود الزمان".
