Isolation
10.9K subscribers
598 photos
13 links
Download Telegram
في طريق راگلن | پاترك كاڤانا

"في طريق راگلن في نهارٍ خريفيٍّ صادفتُها للمرة الأولى وعرفتُ
أنّ شعرَها الدّاكنَ سيحيك مصيدةً قد أندمُ عليها يومًا ما؛
رأيتُ الخطرَ، ولكنّي خطوتُ في الدّرب المسحور،
وقلتُ، فليكن الأسى ورقةً تسقط عند طلوع النّهار.

في شارع گرافتن في نوڤمبر خَطَوْنا برفقٍ على طول حافّةِ
الوادي العميق حيث يمكن لعهد الشَّغفِ أن يُرى،
لا تزال ملكةُ القلوبِ تُعدّ التّارت فيما أنا لا أجمع القَشّ –
أوه لقد غرقتُ في العشق، وبهذا، بهذا، ضاعت سعادتي.

وَهَبْتُها هدايا العقل، وَهَبْتُها العلامةَ السريّةَ التي يعرفها
الفنّانون الذين أدركوا الآلهةَ الحقيقيّةَ للصّوتِ والحجر
والكلمة واللون. لم أبخلْ إذ مَنَحْتُها قصائد تُردّدها
فيها اسمُها وشعرُها الدّاكن مثل سُحُبٍ فوق حقول أيار.

في شارعٍ هادئٍ حيث تلتقي الأشباحُ القديمةُ أراها تمشي الآن
مُبتعدةً منّي مُسرعةً جدًا بحيث كان لعقلي أن يُدرك
أنّني لم أغازل كائنًا من صلصالٍ كما يجدر به –
حين يغازلُ الملاكُ الصّلصالَ سيفقد جناحيه عند فجر النّهار".
ليس آمنًا | پات إنگولدزبي

"عُدْتِ إلى البيت من المدرسة
في حافلة خاصة
مليئة بناسٍ
يبدون مثلكِ
يحبّون مثلكِ
ولقيتني
للمرة الأولى
وأحببتني.
أنت تحبّين الجميع
كثيرًا بحيث لا يكون آمنًا
أن نترككِ تخرجين وحيدةً.
إحدى عشرة سنةً من الحبّ
والثّقة والوقت لكِ كي تُدركي
أنّه لا يجوز أن تواصلي حبّكِ هكذا.
ما لم يوقفكِ أحدٌ
ستحضنين كلّ شخص ترينه.
النّاس الطّبيعيّون لا يفعلون هذا.
بعض النّاس الطّبيعيّين قد يؤذونكِ
جدًا لأنّك تفعلين هذا.

الكسيحون لا يبدون ودودين
ولكنّكِ تحضنينهم.
قبّلتِ سكّيرًا في الحافلة
فانهار وبكى
وقال «لم يقبّلني أحد
طوال ثلاثين عامًا.
ولكنّكِ فعلتِ
لمستِ وجهي
بأصابعكِ وقلتِ
أحبّكَ.»

لن يكون العالم
مُهيَّأً لكِ أبدًا.
أسلوبكِ صحيح
والعالم لن يكون مُهيَّأً أبدًا. بوسعنا أن نتعلّم كلّ شيء
تحتاجين إلى معرفته
عبر مراقبتكِ
تذهبين إلى مدرستك الخاصة
في حافلتكِ الخاصة
المليئة بناسٍ
يبدون مثلكِ
ويحبّون مثلكِ
وليس آمنًا
أن نترككِ تخرجين وحيدةً.
إنْ لم تكوني أنتِ طبيعيّةً
ما من أملٍ كبيرٍ
لنا نحن البقيّة".
القُبلة، طعنة عميقة | ضياء جبيلي

"لا أتذكر السبب وراء حصولي على أول قبلة في حياتي
طبعتها معلمة التاريخ
في الصف السادس الابتدائي على خدي
ربما هو خطّي الجميل والمنمق
أو لون عينيّ
أو ربما هو الحبّ
كنتُ قد مسحت أثر القُبلة وأنا في
طريقي إلى البيت
وحين رأت أمي أحمر الشفاه على كم
قميصي الأبيض الوحيد
ظنت أني قتلت أحدًا
وكبقية الكذابين في أبريل
دعمت أنا هذا الظن
كنّا لا نزال في حينها
نعلق الثياب بمسامير مثبتة على الأبواب
لم يكن لدينا خزانات في البيت ولا سرير
فخبأتني في قن الدجاج
ولم تسألني من قتلت
لم تبحث في جثث النساء عن أثر طعنتي
لكني سمعتها تقول
بينما هي تغسل قميصي:
ولد يطعن بهذا العمق
لا بد أن يكون عاشقًا".
قدماكِ | بابلو نيرودا

"عندما لايمكنني النظر إلى وجهك
سأنظر إلى قدميك.
قدماك وعظامهما المقوسة
قدماك الصغيرتان الصلبتان
اللتان أعلم أنهما يسندانك
ويحملان ثقل جسدك الحلو
الذي يرتكز عليهما.
قدماك اللذان ينوءان بحمل ردفيك ونهديك
ولون الكرز في حلمتيك
ومحجري عينيك.
قدماك اللذان طارا للتو
بفمك الفاكهي العريض
وجدائلك الحمر
يابرجي الصغير .
لكنّي أحبّ قدميك
فقط لأنهما سارا بك
على وجه الأرض
على وجه الريح
على وجه الماء
لكي يعثرا على قلبي".
Kinuko Y. Craft
انفصال | فورتيسا لاتيفي

"عندما انفصلنا
لم يكن أمرًا قاطعًا
كلانا بكا، توقفنا فقط حين لاحظنا
أن أثاث غرفة نومكَ يطفو نحو الردهة
الجيران هاتفونا ليخبرونا أنهم عاجزون عن النوم
لأن قلبي يتصدع بصوت عال مريع
وهكذا، لتسكتني، قلتَ إنه مؤقت.

عندما انفصلنا، لم يكن الأمر منطقيًا
حاولت أن أستوعب، لكنني شعرت بدوار، حتى أنني تقيأت
واصل العالم دورانه بينما جلست أخلص شعري من القيء
كان هذا في المرة الأولى فقط.

في المرة الثانية
كان الأمر لا يزال ملتبسًا
جلسنا طويلًا فوق تراب الحديقة
حتى أننا حين نهضنا
كنا متمازجين مع الأرض
لكن لا بأس،
نعقتد أنها تبتلعنا على أية حال.

في المرة الثانية
كان الأمر لا يزال غامضًا
ركبنا سيارتي
وقلتُ إنني لن أتوقف حتى نوضح المسألة
لكن مؤشر البنزين اقترب من حد النفاذ
ولم نجد الكلمات
لكننا لم ننته بعد.

المرة الثالثة، كانت الأعنف
أمطرت طويلًا حتى شعرت
أن الكون بأكمله يغرق
لساعتين تحدثنا في نفس واحد مختنق
وحين قلت أخيرًا إنك راحل
غرست ركبتي في الوحل وتوسلت إليك لتبقى
تركتني هناك، قدت السيارة بعيدًا
وعندما عدتُ في النهاية إلى البيت
تركت أثرًا طينيًا زاحفًا
من الباب وحتى غرفة نومي.

في المرة الثالثة
على الأقل لم يخل الأمر من المنطق
لأن كلمات مثل أحبك
وأهجرك
جاءتا معًا
في حين كنت أظنهما
عالمين منفصلين.

عندما انفصلنا للمرة الأخيرة
كنا متعبين
لم يكن الأمر واضحًا ما يزال
لكننا لم نعد نهتم
لم يكن منطقيًا لكننا كنا خائري االقوى.

عندما انفصلنا للمرة الأخيرة
أدركت أنني نسيت كيف يكون الانهيار
لذا بدلًا منه،
تماسكت".
يمكن للقصيدة أن تبدأ من أي مكان | ثروت حسين

"يمكن للقصيدة أن تبدأ من أي مكان
من فردتي حذاء
أو من قبر جرفته الأمطار
أو من زهرة نبتت على حافة قبر
كلّ شيء يجد ملجأً في مكان ما
النمل تحت سجادة الصلاة
والبنات في صوتي
السنجاب يبني بيته في جمجمة ثور
الشعر أيضًا سيكون له بيت
قلب منفي أو عيون تترقّب
عجلة تركها صانعها ناقصة
القصيدة فقط قادرة على اكمالها
رجع السماء غير كاف للقصيدة
لكن بسهولة يمكن للقصيدة أن تكون في افطار صباحي
يمكن أن تلظم فيها الزهور، الدموع، والأجراس الرنانة
يمكن أن تُغنَّى في العتمة
يمكن أن تُدَرّس في ضوء المهرجانات الدافىء
يمكن أن تراها
في الأواني الفارغة، القمصان العارية، والمهود الشاغرة
يمكن أن تسمعها
تمشي بجانب عربات اليد والنعوش
يمكن أن تقبلها
في حشد الموانىء
يمكن أن تعجنها
في طست حجري
يمكن أن تغرسها
في حديقة نعناع طري

لا يمكن للقصيدة أن تكون أكثر عتمة من الليالي
لا يمكن للقصيدة أن تقطع بأيّ سيف
لا يمكن للقصيدة أن تسجن في أي جدار

يمكن للقصيدة أن تتركك في أي مكان
كغيمة
كهواء
كدرب
كيد أب".
Auguste Rodin
الرجل الذي احب الزهور | ستيفن كينج

"قطعَ الشاب شوارع نيويورك بنشاطٍ وانتعاش في مساء ذلك اليوم الصحو من مايو 1963. كان الهواء جميلًا منعشًا، وكانت الظلمة تسري في السماء ببطء بدرجاتٍ من اللون الأزرق إلى لون الغسق البنفسجي الهادئ المحبَّب. هناك أناس يحبون المدينة، وكانت هذه من الليالي التي جعلتهم يحبونها. بدا جميع من يقفون على أبواب متاجر البقالة والمغاسل والمطاعم مبتسمين. تلك السيدة العجوز التي تدفع أمامها كيسين من المشتريات في عربة أطفال قديمة ابتسمت للشاب وحيته قائلة:
- «مرحبًا أيها الوسيم!»
بادلها الشاب الابتسام بنصف ابتسامة ولوح بيده محييًا.
وواصلت العجوز طريقها قائلة لنفسها:
- «إنه عاشق.»
شيءٌ ما كان يميِّزه رغم مظهره العادي. كان يرتدي بذلة ذات لونٍ رمادي فاتح، بينما لم يعقد رباط عنقه إلى النهاية فبَرَز من تحته زر ياقة القميص مفتوحًا. كان داكن الشعر قصيره، وكانت بشرته بيضاء ناعمة وعيناه زرقاوين. لم تكن ملامحه تتَّسم بشيءٍ فائقٍ للعادة، لكنه -في تلك الليلة الربيعيَّة، وفي هذه الجادة النيويوركية، وفي ذلك اليوم من مايو من عام 1963- بدا وسيمًا، حتى أن السيدة العجوز وجدت نفسها -في لحظةٍ من التوق إلى الماضي مرَّت بها- تُفكِّر في أن أيَّ شخصٍ قد يبدو جميلًا في الربيع طالما هو في الطريق للقاء الحبيب على العشاء، ولربما الرقص بعد هذا.
يبدو الربيع وكأنه الفصل الوحيد الذي يحمل فيه الحنين إلى الماضي مذاقًا مُرًّا، ولقد مضت العجوز في طريقها وهي سعيدة لأنها تحدَّثت إليه، ولأنه ردَّ مجاملتها بأن رفع يده بنصف تحية.
قطع الشاب الشارع 63 بخطواتٍ متقافزة بنفس الابتسامة النصفيَّة على وجهه، وعند نهاية الشارع وقف رجل عجوز إلى جوار عربة يد خضراء قديمة ملأى بالزهور التي سيطر على معظمها اللون الأصفر، كأنها حمى صفراء جميلة عمادها النرجس والزعفران. كانت لدى الرجل أيضًا زهور القرنفل وزهور الشاي ذات اللونين الأصفر والأبيض، وكان يأكل البسكويت المملَّح ويستمع إلى الراديو الترانزستور الضخم المثبَّت في ركن العربة.
لم يُصغ أحد إلى الأخبار السيئة القادمة من الراديو: سفاح المطرقة لم يزل طليقًا، چون كينيدي يُعلن أن الموقف في دولة آسيوية صغيرة اسمها ڤيتنام يستوجب التحرُّك، استخراج الشُّرطة لجثة امرأة مجهولة الهوية من النهر الشرقي، هيئة محلفين كبرى تفشل في إدانة أحد زعماء العصابات الكبار في أحد فصول حملة إدارة المدينة على تجارة الهروين، الروس فجَّروا سلاحًا نوويًّا.
لم يبد أيُّ من هذا حقيقيًّا... لم يبد أيُّ منه مهمًّا، لأن الهواء كان رقيقًا جميلًا.
وقف رجلان ببطنين منتفختين أمام مخبز يقذفان قطع العملة ويتمازحان. كان الربيع يرتجف عند حافة الصيف، وفي نيويورك الصيف فصل الأحلام.
مرَّ الشاب بعربة الزهور، وشيئًا فشيئًا ابتعد صوت الأخبار السيئة. تردَّد الشاب للحظات ونظر من خلف كتفه وأطرق يفكِّر. مد يده في جيب معطفه ولمس الشيء الذي بداخله مرَّة أخرى، وللحظةٍ بدت ملامحه مرتبكة مشوشة، ثم إنها عادت لمرحها السابق إذ غادرت يده جيب المعطف.
عاد إلى عربة الزهور مبتسمًا. سوف يشتري لها بعض الزهور. سيسعدها هذا. كان يحب أن يرى عينيها تتألقان بالدهشة والحبور عندما يأتي لها بهدية—أشياء صغيرة في المعتاد، لأنه كان أبعد ما يكون عن الثراء: علبة من الحلوى، سوار، أو بعض البرتقال الإسباني كما فعل ذات مرَّة، فهو يعرف أنه برتقال نورما المفضَّل.
عاد الشاب إلى عربة الزهور مبتسمًا وعيناه تجريان على ما تحمله العربة منها. كان البائع العجوز في العقد السابع من عمره تقريبًا، يرتدي معطفًا رماديًّا باليًا ويعتمر قبعة رغم دفء الجو. كان وجهه خريطة من التجاعيد، عيناه غائرتان، بينما تصاعد دخان السيجارة التي بين أنامله. هو أيضًا تذكَّر كيف يكون المرء شابًّا في الربيع؛ شابًّا وغارقًا في الحب حتى النخاع. وجه بائع الزهور العجوز كان عابسًا في المعتاد، لكنه الآن ابتسم قليلًا، تمامًا كما ابتسمت السيدة التي تدفع عربة البقالة. نفض العجوز فتات البسكويت من على معطفه وقال لنفسه:
- «إنه عاشق»
سأله الشاب:
- «بكم زهورك؟»
- «سأعطيك باقة جميلة بدولارٍ واحد. زهور الشاي هذه نابتة في دفيئة، لذا تتكلَّف أكثر. سبعون سنتًا للواحدة. سأبيع لك نصف دستة منها بثلاثة دولاراتٍ ونصف.»
- «أسعارك غالية.»
- «الأشياء التي تستحق لا تأتي بثمن زهيد. ألم تعلِّمك أمك هذا يا صديقي الصغير؟»
ابتسم الشاب قائلًا:
- «لعلها ذكرته لي ذات مرَّة.»
- «بالطبع ذكرته! سأعطيك نصف دستة، زهرتان حمراوان وزهرتان صفراوان وزهرتان بيضاوان. لا يمكنني أن أفعل ما هو أكثر. وسأزيِّن لك الصحبة بالسرخس. هذا يروق لهن.»
محتفظًا بابتسامته سأله الشاب:
- «لهن؟»
قال بائع الزهور وهو يلقي بعقب السيجارة في البالوعة القريبة: «يا صديقي الصغير، لا أحد يشتري الزهور لنفسه في مايو.
هذا يكاد يكون قانونًا.»
فكَّر الشاب في نورما، في عينيها السعيدتين المندهشتين وابتسامتها الرقيقة. أومأ برأسه إيجابًا وهو يقول:
- «أظن هذا.»
- «سأخبرك برأيي، فالنصائح ما زالت مجانية، أليس كذلك؟»
- «أظنها الشيء الوحيد الذي تبقى مجانيًّا هذه الأيام.»
ردَّ بائع الزهور:
- «لك أن تراهن على هذا. حسن يا صديقي الصغير، لو كانت هذه الزهور لأمك، فاشتري لها الباقة: بعض من النرجس وبعض من الزعفران وبعض زنابق الوادي. عندها ستقول:آه يا عزيزي! إنها جميلة. كم كلَّفتك؟ ألم أعلِّمك ألا تُبدِّد نقودك؟»

ضحك الشاب بينما تابع البائع العجوز:
- «لكنها لو كانت لفتاتك، فهذا موضوع آخر يا بني. إن جلبت لها زهور الشاي فلن تتحوَّل إلى محاسِبة! هل تفهمني؟ سوف تلف ذراعيها حول عنقك و...»
قاطعه الشاب قائلًا:
- «سآخذ زهور الشاي.»
قهقه بائع الزهور بدوره، والتفت إليهما الرجلان اللاعبان بقطع العملة مبتسمين، ونادى أحدهما على الشاب صائحًا:
- «يا فتى، هل تريد شراء خاتم زفاف بثمنٍ رخيص؟ سأبيع لك خاتمي. لم أعد أحتاجه.»
ابتسم الشاب وسرت حُمرة الخجل في وجهه. اختار البائع ست زهورٍ وقص سوقها قليلًا ثم رشَّها بالماء ولفَّها وناولها للشاب، بينما جاء الصوت من الراديو يقول:
- «يبدو الطقس الليلة كما تريدونه تمامًا. استمتعي به يا نيويورك العظيمة، استمتعي!»
أعطى الشاب للبائع حساب الزهور وتناول منه الباقي، ثم واصل طريقه إلى نهاية الشارع بعينين متسعتين باللهفة والاشتياق، غير عابئ بما يدور حوله في ثيرد آڤنيو. سار دون أن يعي أن المرأتين الواقفتين عند باب تلك المغسلة نظرتا إليه بحسرة وهو يحمل باقة الزهور، فقد ولَّت الأيام التي كانتا تتلقيان فيها الزهور منذ زمن. سار دون أن يعي أن شرطي المرور الشاب قد أوقف عبور السيَّارات في الشارع 66 بصفَّارة منه ليسمح له بالمرور، فقد كان الشرطي نفسه خاطبًا ولاحظ الانطباع الحالم على وجه الشاب. سار دون أن يعي أن هاتين المراهقتين لوحتا له ضاحكتين.
توقَّف عند بداية الشارع 73 ثم انعطف يمينًا. كانت الإضاءة في الشارع الصغير الذي ترى فيه أسماء المطاعم الإيطالية خفيضة، وعلى بعد ثلاث بنايات كانت مباراة كرة قدم حماسية تدور تحت الضوء الخابي. لم يبتعد الشاب كثيرًا، بل انعطف مرَّة أخرى داخل زقاقٍ ضيِّق.
كانت النجوم تتألق في السماء الآن، وكان الزقاق مظلمًا وتحفه الظلال التي تلقيها صناديق القمامة. سار الشاب ببطء وألقى نظرة على ساعة يده. كانت الثامنة والربع، ولا بد أن نورما...
ثم إنه رآها قادمة إليه من ناحية الفناء، ترتدي سروالًا أزرق غامقًا وقميصًا كقمصان البحارة جعل قلبه يثب في صدره.
كانت رؤيتها للمرة الأولى مفاجِئة له دائمًا، كأنها صدمة جميلة.
بدت ابتسامته كأنها تشع إذ سار صوبها قائلًا:
- «نورما.»
نظرت إليه مبتسمة... لكن ابتسامتها تلاشت إذ اقترب منها.
اهتزَّت ابتسامته بدورها قليلًا، وللحظةٍ شعر بالقلق. بدا وجهها الجميل مرتبكًا بينما هبط الظلام أكثر فأكثر.
هل يمكن أنه أخطأ تعرُّفها؟ كلا... إنها نورما.
ناولها باقة الزهور قائلًا في سعادة:
- «اشتريت لك زهورًا.»
نظرت الفتاة إلى الزهور وابتسمت ثم أعادتها إليه قائلة:
- «شكرًا، لكنك مخطئ. إن اسمي...»
- «... نورما...» همس بها وهو يُخرج المطرقة ذات اليد القصيرة من جيب معطفه.
- «إنها من أجلك يا نورما... كلها دومًا من أجلك.»
تراجعت الفتاة إلى الخلف والفزع يكسو وجهها بينما استدارت شفتاها على شكل رقم 0 من الرُّعب.
هي لم تكن نورما...
نورما ميتة منذ عشر سنوات...
ولم يهم هذا لأنها كانت على وشك الصراخ، ولقد انقضَّ عليها هو بالمطرقة ليوقف الصرخة... ليقتل الصرخة...
انقضَّ عليها بالمطرقة وسقطت الباقة من يده لتنزف الزهور الحمراء والصفراء والبيضاء إلى جوار صناديق القمامة...
انقضَّ عليها بالمطرقة، لكنها لم تصرخ لأنها لم تكن نورما كما لم تكن واحدة منهن نورما...
هي لم تكن نورما، ولذلك هوى عليها بالمطرقة كما فعل مع الأخريات الخمس من قبل...
عندما غادر الزقاق المظلم بعدها مبتعدًا كان الظلام قد حلَّ بالكامل. كانت مباراة الكرة قد انتهت وعاد الأطفال إلى منازلهم. لو كانت هناك بقع من الدم على سترته فلن يراها أحد. ليس في هذا الظلام، ليس في تلك الليلة الربيعية، ولم يكن اسمها نورما لكنه يعرف أن اسمه هو الحب.
كان اسمه الحب، ولقد سار في هذه الشوارع المظلمة لأن نورما كانت تنتظره، ولسوف يعثر عليها.
عادت الابتسامة إلى وجهه مرَّة أخرى، وعاد النشاط إلى خطواته المتقافزة إذ عاد إلى الشارع 73. رآه زوجان جالسان على عتبة دارهما وهو يمر، فثبَّتت الزوجة عينيها على الشاب ذي الحلة الرمادية الذي اختفى في ظلمات الليل، وخطر لها في حسرة أن زوجها لم يعد يبدو هكذا، وخطر لها أيضًا أنه إن كان يوجد ما هو أجمل من الربيع، فهو الحب الشاب".
Man Ray
أنا أعرفُ كلّ شيء | حسين بناهي

"أنا أعرفُ كلَّ شيءٍ
بإمكاني أنْ أحدّثَ أصدقائي عنها
أستطيعُ..
أنْ أعطيَ محاضرةً عنْ خياشيمِ الأسماكِ
أعطي محاضرةً عنْ تكاثرِ الدببةِ
وأستطيعُ أنْ أثبتَ أنَّ الأشجارَ بإمكانِها أنْ تبكيَ
والعصافيرَ في موسمِ الشتاءِ الفتّاكِ في حياتِهِنَّ
يشنقْنَ أجسادَهُنَّ على الأغصانِ
أستطيعُ أنْ أثبتَ أنَّ الحياةَ فوقَ سطحٍ واحدٍ
تدورُ حولَ محورٍ واحدٍ
أستطيعْ أنْ ألمسَ الشتاءَ بصدقٍ
دونَ أنْ أضغطَ على زرِّ الصمتِ
أستطيعُ أنْ أثبتَ أنَّ الربيعَ
مصيدةٌ ملوّنةٌ
ليصطادوا بِهِ كلَّ الفصولِ
أستطيعُ أنْ أشرحَ ثلاثَ ساعاتٍ عَنْ صبرِ السلاحفِ
عنْ رقّةِ قلبِ الفيلِ
عَنْ طهرِ البطاريقِ
عنْ إرغامِ الذئابِ
عنْ غرائزِ الجرادِ الجنسيّةِ
وحتّى عنْ خططِ حروبِ ملكةِ النحلِ
دونَ أنْ أضربَ يدي على المنصّةِ
أوْ أطلبَ مِنْ نظرةِ عيني أنْ يصفقَ لي الجمهورُ

أنا أعرفُ كلَّ شيءٍ
وبإمكاني أنْ أحدّثَ أصدقائي عنْها بوضوحٍ
مِنْ أصواتِ الكلابِ وراءَ بابِ غرفتي أعرفُ أنَّني في منتصفِ الليلِ
الكلابُ في باحةِ بيتي
لديْها الحقُّ لتلعقَ بحريّةٍ أولادَها

هلْ ترينَ إلى أينَ وصلتُ؟
كانَ يجبُ عليَّ النومُ
لكنْ بروحِ الكلابِ أقسمُ
أنَّ النومَ حيلةُ إبليسَ في عمرِ الستّينِ
يقدّمُ ثلاثينَ عاماً مِنْ عمرِنا قرباناً للموتِ
لكنَّنا بدلَ الموتِ نستطيعُ أنْ نفكّرَ
بسككِ القطارِ
أنْ نفكّرَ بالأحذيةِ
بعيونٍ تفكّرُ..
و نستنتجُ..
أنَّ أوفى زوجٍ في العالمِ.. أحذيتُنا".
Channel photo updated
Jeremy Lipking
"لو تعرف عمق الشقاء الذي يجلبه اكتساب المعرفة على نحو مفاجئ: مثل الصاعقة التي تنير الأرض! أعيش الآن على كوكب مؤلم، شفافة كالصقيع، كما لو أنني تعلمت كلّ شيء دفعة واحدة في غضون ثوان. صديقاتي ورفيقاتي غدون نسوة على مهل. أما أنا فقد كبُرتُ في لحظاتٍ معدودة، وبات كلّ شيء مضجراً وتافهاً. أدرك الآن عدمية الوجود، فلو أن هناك شيئاً ما، لتبصّرته".

فريدا كالو
كل صباح | تشارلز وايلز

"حين استيقظ كل صباح
أتأملك لفترة
أقبلك بهدوء
ثم أراقب شفتيكِ إذ تغدوان ابتسامة.

تسأليني: كم الساعة؟
فأهمس في أذنك
أنّ الوقت لا يعنينا
حين تكونين هنا، دافئة وقريبة.

تتسع ابتسامتك
لكنك تشيحين بوجهك بعيدًا
تختبئين تحت الوسادة
أملًا في الاحتيال على
الصباح.

خصلات شعرك
المتماوجة
تنساب كمياه للأسفل
لكنها لا تخفي الرقبة
التي سرعان ما تنكشف أمامي
هانئة، مستكينة لضغط شفتيّ.

أتحسسك بنعومة
أمرر أصابعي على فقرات ظهرك
على مهل، يستفيق جسدك
تلفين حتى تلتقي عينانا.

في تلك اللحظة،
تحديدًا،
بينما شفتاك غواية تامة،
حين استيقظ
كل صباح
أهيم تمامًا في النعيم".
Channel photo updated
صلاة لأجل العائلة الكبرى | غاري سنايدر

"الشكر لأمِّنا الأرض
المُبْحِرةِ عبر النهار والليل
لترابها النادر العذب الخصيب
ليكن ذلك في أذكارنا

الشكر للنباتات
الواقفة عبر الريح والمطر
لأوراقها تحت الشمس
تحوِّل الضوء
لشعيرات جذورها الناعمة
ولرقص عروقها اللولبية الزاخرة
ليكن ذلك في أذكارنا

الشكر للهواء
نَفَس أغنياتنا
ونسيم الروح الصافية
حاملِ السنونوات المحلِّقة
والبومة الصامتة عند الفجر
ليكن ذلك في أذكارنا

الشكر للكائنات البرية، أشقائِنا
لأسرارها وحرياتها وسُبُلها المعلِّمه
أولئك الذين يقاسموننا حليبهم
المكتملون بذاتهم
الشجعان المتيقظون
ليكن ذلك في أذكارنا

الشكر للمياه
للغيوم والبحيرات والأنهر والجليديات
كامنةً أم سارحة
المتدفقة عبر بحار أبداننا
ليكن ذلك في أذكارنا

الشكر للشمس
لضوئها الباهر النابض عبر جذوع الأشجار
عبر الضباب
وعبر الكهوف
هناك، حيث تنام الدببة والأفاعي
الضوءِ الذي يوقظنا
ليكن ذلك في أذكارنا

الشكر للسماء الجليلة
الزاخرة بمليارات النجوم وأكثر
تتخطى القوى والأفكار كافه
ويبقى في داخلنا
جدُّنا الفضاء
والعقل زوجه
ليكن ذلك في أذكارنا".
Forwarded from i-Articles (Firas Anis)
أنطونيو غرامشي: لماذا أكره يوم رأس السنة

https://7iber.com/culture/i-hate-new-years-day/
"دائمًا ما كان يضيء النور ويطفئه
يفتح الباب ويغلقه
يعد بينما يمشي: 36، 37، 38، 39، 40
في نهاية الأمر، اضطررت لأن أقول له:
لو أنه واصل فتح الباب
سنجد جمعًا من المتطفلين داخل المنزل قبل حلول المساء.

استجاب لي بمحاولة تقبيلي مرة واحدة
ثم انتهى الأمر وهو يقبلني ثلاث وعشرين مرة
ثم القبلة الرابعة والعشرين
ثم كان عليه أن يعيد اثنتين منها لأن
"أفواهنا لم تنطبق تمامًا".

في بعض الليالي،
كنت أستيقظ لأجد ضوء القمر يغمر الملاءات
أستمع إليه مرددًا: "اللعنة" مرارًا ومرارًا
اصطدم إصبع قدمه بباب الحمام
لكنه يعجز عن التوقف عن ترديد السبة متى بدأ،
عدت إلى النوم مجددًا بعد أن حدقت في وسادتي
إلى أن انحفرت زهورها في عينيّ،
حلمت أننا ذهبنا إلى حفل في دار الأوبرا
لكن، بدلًا من أن ترتفع الأصوات الجميلة عاليًا في الهواء،
تغنتا مطربتان بكلمة "اللعنة" على أنغام أوبرا لاترافياتا.
اعتذر في اليوم التالي، قائلًا إن الدواء الجديد
يجعل مزاجه سيئًا طوال الوقت، لذا توقف عنه.
قلت، إن ما شعر ربما يكون دليلًا على فاعلية الدواء.

بعد مرور يومين، جاءت سيارة الإسعاف وأخذته بعيدًا
أصاب أحد رسغيه، عن طريق الخطأ، بينما كان
يقطّع الجزر للحساء
لكنه لم يكتف برسغ واحد نازف
كان لابد أن يكونا اثنين".

ميجي روير
أن تحبين مريضًا بالوسواس القهري