الشِّعر فعل | ريمكو كامبرت
"الشعر هو فعل تأكيد،
أنا أؤكد أني أعيش،
وأني لا أعيش لوحدي.
الشعر هو المستقبل،
التفكير في الأسبوع المقبل، في بلد آخر،
التفكير فيكِ عندما تشيخين.
الشعر هو أنفاسي،
حركة قدميّ، اللتان ترتعشان أحياناً،
على الأرض التي تسببت في حدوث ذلك.
أصيب فولتير بالجدري،
لكنه شفى نفسه، من بين أمور أخرى، بشرب 120 لترا من عصير الليمون: هذا هو الشعر.
أو تخيّل الأمواج وهي تتكسر على الصخور
هي لا تنهار في الواقع، بل تستعيد نفسها
وفي هذا يكمن الشعر.
كل كلمة كُتبت هي هجوم على الشيخوخة.
الموت ينتصر في النهاية، نعم بالتأكيد.
لكن الموت ليس سوى الصمت الذي يسود في القاعة بعد أن تدوي الكلمة الأخيرة.
الموت انفعال عاطفي".
"الشعر هو فعل تأكيد،
أنا أؤكد أني أعيش،
وأني لا أعيش لوحدي.
الشعر هو المستقبل،
التفكير في الأسبوع المقبل، في بلد آخر،
التفكير فيكِ عندما تشيخين.
الشعر هو أنفاسي،
حركة قدميّ، اللتان ترتعشان أحياناً،
على الأرض التي تسببت في حدوث ذلك.
أصيب فولتير بالجدري،
لكنه شفى نفسه، من بين أمور أخرى، بشرب 120 لترا من عصير الليمون: هذا هو الشعر.
أو تخيّل الأمواج وهي تتكسر على الصخور
هي لا تنهار في الواقع، بل تستعيد نفسها
وفي هذا يكمن الشعر.
كل كلمة كُتبت هي هجوم على الشيخوخة.
الموت ينتصر في النهاية، نعم بالتأكيد.
لكن الموت ليس سوى الصمت الذي يسود في القاعة بعد أن تدوي الكلمة الأخيرة.
الموت انفعال عاطفي".
أحلم بشِعر يدهشك | نانوس فالاوريتس
"أحلم كلّ ليلة بشِعرٍ عظيمٍ
لا يشبه ما كتبتُ
أو ما سوف أكتب من أشعار
كلّ ليلة أحلمُ
بهذا الشِعر المغاير
المكوّن من سطورٍ غايةً في الصلابة
غايةً في الكثافة ومُحبَّبة
كأنها من الغرانيت، أسألُ نفسي
ما مواضيعها
ما الذي تقوله هاته السطور الرائعة
أيّها جدير بالملاحظة
أيّها يدهشك،
أيّها يأخذ بأنفاسكَ
لكن-على كلّ حال- يؤسفني القول
يستحيل التخمين عن أيّ شيء تعبّر
صدّقني، لقد حاولت وحاولت،
أقف أمام هذه السطور حيران
يومًا بعد يوم
في الليل
تداوم على المجيء
برسائل مزلزلة وبالغة الروعة
يتوجّب على كلّ واحدٍ أن يسمعها
لكن عندما أفتح عينيّ
لا كلمة واحدة تبقى
تتلاشى، تختفي في صفاء ضوء النهار
هذه الصروح الضخمة
تلك الأعمال الجبّارة لكلّ ليلة".
"أحلم كلّ ليلة بشِعرٍ عظيمٍ
لا يشبه ما كتبتُ
أو ما سوف أكتب من أشعار
كلّ ليلة أحلمُ
بهذا الشِعر المغاير
المكوّن من سطورٍ غايةً في الصلابة
غايةً في الكثافة ومُحبَّبة
كأنها من الغرانيت، أسألُ نفسي
ما مواضيعها
ما الذي تقوله هاته السطور الرائعة
أيّها جدير بالملاحظة
أيّها يدهشك،
أيّها يأخذ بأنفاسكَ
لكن-على كلّ حال- يؤسفني القول
يستحيل التخمين عن أيّ شيء تعبّر
صدّقني، لقد حاولت وحاولت،
أقف أمام هذه السطور حيران
يومًا بعد يوم
في الليل
تداوم على المجيء
برسائل مزلزلة وبالغة الروعة
يتوجّب على كلّ واحدٍ أن يسمعها
لكن عندما أفتح عينيّ
لا كلمة واحدة تبقى
تتلاشى، تختفي في صفاء ضوء النهار
هذه الصروح الضخمة
تلك الأعمال الجبّارة لكلّ ليلة".
"كانت علاقتي بأبي بعيدة، منذ بداية صباي. في ذلك الوقت كان بيتنا مزدحمًا بالأولاد والبنات، والمسؤولية التي كان يحملها والدي على عاتقيه ثقيلة؛ لذلك كان سيئ المزاج، ودائمًا ما يفقد أعصابه. وكلما كنت أتعرض لذلك الأمر، كنت أحمل كتابًا أمامه، دون أن التفت برأسي وأخرج من باب البيت، وأبقى وقتًا طويلًا في الخارج للقراءة، وذلك للتعبير عن اعتراضي واحتجاجي على تصرفاته".
جو جوه
جو جوه
الغسق | لويزا غلوك
"طوال اليوم يعمل في طاحونة ابن عمه، لذا عندما يعود إلى البيت
ليلًا، دائمًا يجلس عند هذه النافذة يشاهد وقتًا واحدًا من اليوم،
الغسق. كان يجب أن تكون هناك أوقات أكثر كهذا، لتجلس وتحلم.
وكما يقول ابن عمّه: العيش- العيش يأخذك بعيدا من الجلوس.
عند النافذة، ليس العالم بل مربع مقتطع لمنظر يمثّل العالم.
الفصول تتغيّر، كلّ واحد منها مرئي فقط
لبضع ساعات في اليوم. الأشياء الخضراء تتبعها الأشياء الصفراء
تتبعها البيضاء –أشياء مجردة تأتي منها
متع شديدة، كحبّات تين على الطاولة.
عند الغسق، تسقط الشمس في سديم نار حمراء بين شجرتي حور.
في الصيف تغرب متأخرة – يصعب أحيانا البقاء صاحيا.
ثم يسقط كلّ شيء. العالم ولوقت قصير ثمة ما يشاهد،
وبعدها فقط ما يُسمع، جداجد، صرار الليل. أو ما يُشمّ أحيانا،
عبق أشجار الليمون، عبق أشجار البرتقال. ثم يأخذ النوم هذا أيضا.
لكن من السهل التنازل عن الأشياء هكذا، من باب التجربة، لبضع ساعات.
أفتحُ أصابعي- اترك كل شي يرحل.
العالم المرئي، اللغة، خشخشة الأوراق في الليل، رائحة العشب، دخان الحطب.
أتركها ترحل، وأشعل شمعة".
"طوال اليوم يعمل في طاحونة ابن عمه، لذا عندما يعود إلى البيت
ليلًا، دائمًا يجلس عند هذه النافذة يشاهد وقتًا واحدًا من اليوم،
الغسق. كان يجب أن تكون هناك أوقات أكثر كهذا، لتجلس وتحلم.
وكما يقول ابن عمّه: العيش- العيش يأخذك بعيدا من الجلوس.
عند النافذة، ليس العالم بل مربع مقتطع لمنظر يمثّل العالم.
الفصول تتغيّر، كلّ واحد منها مرئي فقط
لبضع ساعات في اليوم. الأشياء الخضراء تتبعها الأشياء الصفراء
تتبعها البيضاء –أشياء مجردة تأتي منها
متع شديدة، كحبّات تين على الطاولة.
عند الغسق، تسقط الشمس في سديم نار حمراء بين شجرتي حور.
في الصيف تغرب متأخرة – يصعب أحيانا البقاء صاحيا.
ثم يسقط كلّ شيء. العالم ولوقت قصير ثمة ما يشاهد،
وبعدها فقط ما يُسمع، جداجد، صرار الليل. أو ما يُشمّ أحيانا،
عبق أشجار الليمون، عبق أشجار البرتقال. ثم يأخذ النوم هذا أيضا.
لكن من السهل التنازل عن الأشياء هكذا، من باب التجربة، لبضع ساعات.
أفتحُ أصابعي- اترك كل شي يرحل.
العالم المرئي، اللغة، خشخشة الأوراق في الليل، رائحة العشب، دخان الحطب.
أتركها ترحل، وأشعل شمعة".
الغريبة | بوشعيب كادر
"تأتي كلّ مساء
إلى الحانة
تلتَفُّ على نفسها
في أحد أركانها
اسمها شيرين
تأتي إلى حانة السِّنديانة
كما يأتي أيلول
زاحفاً على قدمين ثقيلتين
بعد الكأس الثالثة
ترتخي عضلات وجهها
وتَستسلم لروعة الخَدر
أخبرتني أنّها تحبّ النباتات
تَقتنيها، تُصفِّفها وتعتني بها
قالت شيرين:
إن الصّيف أجمل
مع فراشات معلّقة
على عيدان طويلة
تقصِد زهرة الأوركيد
رقصت أحبّت سافرت قرأت
استمتعت بالموسيقى
وتذكّرت الغريبة
ذات الشَّعر الطويل الأسود
والعينين العَسليتين
التي لم تغادر دارتها
إلا مرّة واحدة
لِتَرجُم بسبعة أحجار
كائناً خرافياً في مدينة الضَّلال والظّلال
سَكَنت في مملكة الظِّل
صاحبَتِ العتمة
واختفت فيها
كالضّريرة
لم تَرَ نوراً غير
الذي أَعْماها
تبدو تائهة العينين
بشرة وجهها
كالتي يحملها القادمون من الحرب
وجهها كتلك الوجوه الخفيضة
التي أَلِفَت الخسارات والهزائم
وعاشت فيهما
لم تَسكن غير السّماء
التي أسقَطتها
عليلة، ضعيفة
لم تسبح في بحرٍ
ولا رأت بجعاً في بُحيرات
لم تشرب قهوة الصّباح
في مقهى
لم تتنزّه في حديقة
لم تَكتب رسائل حُبّ
ولم تَتَلَقّها
دوَّخَتها شمس حارقة
في الرّأس ولم تُشفَ من الصُّداع
لاتَتَكَلَّمُ كثيراً
تَتَكَلّمُ بالمسموحِ لَها بِه
تَتكلّمُ قليلاً
لا تَتَكَلَّم أصلاً
وحين تَتكلّم لا يصمُدُ
وجهُها، يختفي
يَسقُطُ
كما يَسقُطُ الغَرامْ
يسقُطُ على صفحة الماء
وحين تَلْتَقِطهُ
يَصِيرُ عجيناً في يدَيها
نَسِيَت أَنَّ لها وَجهاً
فَغَطّته
يَنفَتحُ مَنبَعُ الحُب تَخرُجُ سَوسنة / فَيَنغَلِق
يَنفَتِح مَرّة ثانية / تُطِلُّ نرجِسَة / فَيَنغَلِق
يَنفَتِح مَرّة أخرى فتُطِلُّ منه نُدبَة
عَلّقت الأم تَمائم على عُنُقها
وحين شَدّت بِجذع الشجرة
لم يخرج المسيح
خرجت أربَع بنات سَقَطن كالبَلَحِ في الصحراء
لم يكن عمرُها يكفي
فجئت لأُتَمِّمَه
كانت تَقول لي دائماً
سَتستفيق غَداً أجمَلَ من الصَّباح
إنّها أمِّي
تُشبهُ كلَّ شيء
إلاّ وجه امرأة سعيدة
كم تمنّيت لو رأيتها صغيرة
حافية القدمين تطارد فراشات الرّبيع
أحياناً على غَيرِ عادَتِها تَفتح شُبّاك النافذة
المُطِلِّ على ساحة يَلعَبُ فيها الأطفال
وهي تَعرِفُ أَن العصافير
كَعادَتِها لن تأتي
وحين تَتَسَلَّلُ رُقاقات أَشِعَّة الشمس
يَجفِلُ وَجهُها كأَنّ إِبرَةً وَخَزَتهُ
كانت كَتِلك الأجساد الواهِنة
الرّخوة أو مِثل أوراق الخريف التي تَهفو
مَعَ أَوَّلِ هَزَّة رِيح
لم أتَعَرّف عليها آخر مرّة زرتها
رَأيتُ وجهاً غَضِناً
ونَفساً مَحروقة
كأنّ جُرحاً نَخَزَها ولم تَبرأ منه أبداً
هل هُناك وُجوه لِلمُنتَصرين
وأخرى للمَهزومين في السجون والمنافي؟
كان وجهُ أُمّي كُلَّ تلك الوجوه
ما عدا المُنتصرة منها
وَجهٌ ظَليلٌ
وَجهٌ مُعتِم
مُفتَرَقُ العَمى والتّيه
وَجهٌ طالِعٌ من الغَيبِ كاليَمَامِ البرّي
وَكُلَّما اقْتَرَبتُ منها
كان الظِلُ يَزحَف إليها
لم تَكن أنثى
كانت وَجهاً لِلغياب كانت
كتِلكَ الحيوانات التي وُجِدت على هذه الأرض
لِتُضرَبَ بالرّصاص
أَو تُنهَش
فتحمل جُرحها وتتيهُ في الفلوات
كُنتُ أستمِع إليها في الظلام
أَقصد كان الظَّلامُ يُصغِي إِلينا
وأنا أَتكَلّم وهي تَستمِع
أقصِد وَوالدي يتكَلّم وهي تستمع
أَعرفُ أَنّي حين أُغلِق باب البيت
سَينتهي كلّ شيء ويموت".
"تأتي كلّ مساء
إلى الحانة
تلتَفُّ على نفسها
في أحد أركانها
اسمها شيرين
تأتي إلى حانة السِّنديانة
كما يأتي أيلول
زاحفاً على قدمين ثقيلتين
بعد الكأس الثالثة
ترتخي عضلات وجهها
وتَستسلم لروعة الخَدر
أخبرتني أنّها تحبّ النباتات
تَقتنيها، تُصفِّفها وتعتني بها
قالت شيرين:
إن الصّيف أجمل
مع فراشات معلّقة
على عيدان طويلة
تقصِد زهرة الأوركيد
رقصت أحبّت سافرت قرأت
استمتعت بالموسيقى
وتذكّرت الغريبة
ذات الشَّعر الطويل الأسود
والعينين العَسليتين
التي لم تغادر دارتها
إلا مرّة واحدة
لِتَرجُم بسبعة أحجار
كائناً خرافياً في مدينة الضَّلال والظّلال
سَكَنت في مملكة الظِّل
صاحبَتِ العتمة
واختفت فيها
كالضّريرة
لم تَرَ نوراً غير
الذي أَعْماها
تبدو تائهة العينين
بشرة وجهها
كالتي يحملها القادمون من الحرب
وجهها كتلك الوجوه الخفيضة
التي أَلِفَت الخسارات والهزائم
وعاشت فيهما
لم تَسكن غير السّماء
التي أسقَطتها
عليلة، ضعيفة
لم تسبح في بحرٍ
ولا رأت بجعاً في بُحيرات
لم تشرب قهوة الصّباح
في مقهى
لم تتنزّه في حديقة
لم تَكتب رسائل حُبّ
ولم تَتَلَقّها
دوَّخَتها شمس حارقة
في الرّأس ولم تُشفَ من الصُّداع
لاتَتَكَلَّمُ كثيراً
تَتَكَلّمُ بالمسموحِ لَها بِه
تَتكلّمُ قليلاً
لا تَتَكَلَّم أصلاً
وحين تَتكلّم لا يصمُدُ
وجهُها، يختفي
يَسقُطُ
كما يَسقُطُ الغَرامْ
يسقُطُ على صفحة الماء
وحين تَلْتَقِطهُ
يَصِيرُ عجيناً في يدَيها
نَسِيَت أَنَّ لها وَجهاً
فَغَطّته
يَنفَتحُ مَنبَعُ الحُب تَخرُجُ سَوسنة / فَيَنغَلِق
يَنفَتِح مَرّة ثانية / تُطِلُّ نرجِسَة / فَيَنغَلِق
يَنفَتِح مَرّة أخرى فتُطِلُّ منه نُدبَة
عَلّقت الأم تَمائم على عُنُقها
وحين شَدّت بِجذع الشجرة
لم يخرج المسيح
خرجت أربَع بنات سَقَطن كالبَلَحِ في الصحراء
لم يكن عمرُها يكفي
فجئت لأُتَمِّمَه
كانت تَقول لي دائماً
سَتستفيق غَداً أجمَلَ من الصَّباح
إنّها أمِّي
تُشبهُ كلَّ شيء
إلاّ وجه امرأة سعيدة
كم تمنّيت لو رأيتها صغيرة
حافية القدمين تطارد فراشات الرّبيع
أحياناً على غَيرِ عادَتِها تَفتح شُبّاك النافذة
المُطِلِّ على ساحة يَلعَبُ فيها الأطفال
وهي تَعرِفُ أَن العصافير
كَعادَتِها لن تأتي
وحين تَتَسَلَّلُ رُقاقات أَشِعَّة الشمس
يَجفِلُ وَجهُها كأَنّ إِبرَةً وَخَزَتهُ
كانت كَتِلك الأجساد الواهِنة
الرّخوة أو مِثل أوراق الخريف التي تَهفو
مَعَ أَوَّلِ هَزَّة رِيح
لم أتَعَرّف عليها آخر مرّة زرتها
رَأيتُ وجهاً غَضِناً
ونَفساً مَحروقة
كأنّ جُرحاً نَخَزَها ولم تَبرأ منه أبداً
هل هُناك وُجوه لِلمُنتَصرين
وأخرى للمَهزومين في السجون والمنافي؟
كان وجهُ أُمّي كُلَّ تلك الوجوه
ما عدا المُنتصرة منها
وَجهٌ ظَليلٌ
وَجهٌ مُعتِم
مُفتَرَقُ العَمى والتّيه
وَجهٌ طالِعٌ من الغَيبِ كاليَمَامِ البرّي
وَكُلَّما اقْتَرَبتُ منها
كان الظِلُ يَزحَف إليها
لم تَكن أنثى
كانت وَجهاً لِلغياب كانت
كتِلكَ الحيوانات التي وُجِدت على هذه الأرض
لِتُضرَبَ بالرّصاص
أَو تُنهَش
فتحمل جُرحها وتتيهُ في الفلوات
كُنتُ أستمِع إليها في الظلام
أَقصد كان الظَّلامُ يُصغِي إِلينا
وأنا أَتكَلّم وهي تَستمِع
أقصِد وَوالدي يتكَلّم وهي تستمع
أَعرفُ أَنّي حين أُغلِق باب البيت
سَينتهي كلّ شيء ويموت".
هكذا تكلم زرادشت | فرديك نيتشة
الغبطة القاسرة
وسار زارا يقطع أبعاد البحر تساوره مثل هذه الهموم، وتدور به مثل هذه الأسرار، حتى إذا تخطى مجال أربعة أيام عن الجزر السعيدة وما ترك عليها من صحبه، اشتدت عزيمته فتغلب على آلامه، وثبّت قدميه في موقفه متجهاً إلى مقدراته مناجياً سريرته وقد عاد إليها مرحها وسرورها قائلاً:
لقد فزعت إلى عزلتي لأنني تقت إليها، فأنا الآن منفرد أمام صفاء السماء ومدى البحار، وقد خطا النهار إلى عصره وما التقيت بأصحابي للمرة الأولى إلا في وقت العصر، وفي مثل هذا اليوم اجتمعت بهم للمرة الثانية. والعصر هو الساعة التي يهدأ فيها اضطراب الأنوار جميعها لأن السعادة الذاهبة بدداً منشورة على مسالكها بين السماء والأرض تتجه إلى الاستقرار في روح الضياء. وها أن السعادة تحول اضطراب النور إلى سكون.
فيا لعصر حياتي! إن سعادتي هي أيضاً قد انحدرت يوماً إلى الوادي تطلب مستقراً فلقيت هذه الأرواح النيرة تفتح لها الملجأ الأمين.
يا لعصر حياتي! لكم تخليت عن أشياء في الحياة توصلاً إلى مغارس أفكاري الحية وإلى أنوار الصباح تدور في ذراتها أسمى أماني وآمالي.
لقد طلب المبدع يوماً رفاقاً له وفتش عن أبناء آماله فأدرك أنه لن يجد إذا هو لم يخلقهم خلقاً.
لقد أتممت نصف مهمتي باتجاهي نحو أبنائي وبعودتي إليهم، وقد وجب على زارا أن يبلغ نفسه الكمال من أجل هؤلاء الأبناء. وما يحب الإنسان من صميم قلبه إلا ابنه ونتيجة جهوده، وحيث يتجلى الحب الأشد فهنالك تكمن القوة المولدة؛ ذلك ما أدركته بتفكيري.
إن أزهار أبنائي لا تزال تتفتق في الربيع والريح تهب على صفوفهم فتهزها؛ فأبنائي أشجار حديقتي ونبت خير أراضي.
إن هذه الأشجار متراصة في منابتها على الجزر السعيدة، ولسوف أقتلعها واحدة فواحدة لأغرسها متفرقة فتتعلم احتمال العزلة وتنشأ فيها الأنفة والحزم لينتصب كل منها تجاه البحر وقد تعدب جزعها وتعقدت أغصانها كمنائر حية للبقاء القاهر.
على كل شجرة أن تشخص في مهب العواصف المترامية إلى البحر حيث يتدافع الغمر إلى قاعدة الجبل فلا تغفل ليلاً ونهاراً عن تفحص سرائرها. عليها أن تتحمل التجارب ليعلم أنها من سلالتي وأنها تحدرت من أصلي تعززها الإرادة المجالدة فتبدو صامتة حتى عندما تتكلم، وإذا ما استسلمت تبدو معطية وهي آخذة. وهكذا يتحول من يمشي على أثر زارا بإضرابه وبإبداعه إلى شخصية تحفر شريعتي على ألواحي فيكتمل بذلك كل شيء.
وهاأنذا من أجل هذه الشخصية وأمثالها أسعى إلى تكوين شخصيتي فأمتنع عن ورود السعادة مقتحماً كل شقاء في آخر تجربة أتحملها لأدرك سريرتي.
لقد آن الأوان لرحيلي وقد نبهني إلى وجوب الرحيل خيال المسافر وأطول الأزمان وأعمق الساعات صمتاً إذ نفخ الريح في فتحة القفل فتراجعت درفة الباب قائلة: هيا.
ولكنني كنت مقيداً بحبي لأبنائي يأسرني تشوقي إلى هذا الحب لأصبح فريسة لهؤلاء الأبناء فأضحى من أجلهم نفسي؛ وما الشوق عندي إلا صورة ظاهرة لحقيقة فنائي. إن أبنائي لي وفي هذا التملك يجب أن يضمحل كل شوق مستحيلاً إلى عقيدة مكينة.
وكان رأسي يلتهب بشمس محبتي فأتحرق بحرارة دمي فرأيت أشباح الشكوك تدور بي من كل جهة فتمنيت أن يلفحني قر الشتاء حتى تصطك أسناني من رعشة الصقيع، وما عتم أن اكتسح نفسي ضباب الجليد، فشق الماضي لحوده وبعثت منه الآلام التي دفنت وهي حية فيها، وما تناولها الفناء لأنها كانت نائمة طي أكفانها.
وكان كل شيء يشير إلي بأن قد حان زمن الرحيل ولكنني كنت لا أنتبه إلى هذه الدعوة حتى تحركت أعماقي ولسعتني ثائرات أفكاري. ويا ليت لي القوة للتغلب على ارتعاشي عندما أشعر بقوة التفكير في أغواري تحاول أن تخترق لها منفذاً، فإنني لا أزال أحس باختلاج قلبي عندما أتنصت لدبيب أفكاري وهي تحاول الانجلاء لي. إن في صمتك نفسه أيتها الفكرة ما يشد على عنقي وأنت أشد صمتاً من أغواري. ولكم حاولت أن أستخرجك من الأعماق أيتها الفكرة فخانني العزم واكتفيت بإضماري إياك في ذاتي. إنني لم أتصل بعد إلى جرأة الأسد وإلى منتهى إقدامه.
إنك لجد ثقيلة في أغواري أيتها الفكرة ولسوف أجد يوماً قوة الأسد وأتخذ لصوتي زئيره فأرفعك من الغور إلى المنبسط، حتى إذا ما تغلبت بذلك على نفسي تدرجت إلى انتصار أعظم أختم به أعمالي. وإلى أن أبلغ هذا الظفر سأبقى تائهاً على بحار لا أعرف لها ساحلاً تداعبني خطرات الأحداث فأتلفت إلى ما ورائي وإلى ما أمامي ولا أعلم أين المنتهى.
ألم تحن بعد ساعة جهادي الأخير أم هي ماثلة أمامي الآن؟ والحق أن البحر والحياة يحيطان بي بجمالهما الفتان ويعلقان أبصارهما علي.
فيا لعصر حياتي، يا للسعادة تتقدم ساعة المساء، يا للمرسى في وسط العباب، يا للسكون في قلب الارتياب، إنني أحاذركنّ ولا أثق بكنّ جميعاً.
أما والحق إنني أخشى جمالكن الغدار كما يخشى العاشق ابتسامة تجاوزت حد التلطف في افترارها.
الغبطة القاسرة
وسار زارا يقطع أبعاد البحر تساوره مثل هذه الهموم، وتدور به مثل هذه الأسرار، حتى إذا تخطى مجال أربعة أيام عن الجزر السعيدة وما ترك عليها من صحبه، اشتدت عزيمته فتغلب على آلامه، وثبّت قدميه في موقفه متجهاً إلى مقدراته مناجياً سريرته وقد عاد إليها مرحها وسرورها قائلاً:
لقد فزعت إلى عزلتي لأنني تقت إليها، فأنا الآن منفرد أمام صفاء السماء ومدى البحار، وقد خطا النهار إلى عصره وما التقيت بأصحابي للمرة الأولى إلا في وقت العصر، وفي مثل هذا اليوم اجتمعت بهم للمرة الثانية. والعصر هو الساعة التي يهدأ فيها اضطراب الأنوار جميعها لأن السعادة الذاهبة بدداً منشورة على مسالكها بين السماء والأرض تتجه إلى الاستقرار في روح الضياء. وها أن السعادة تحول اضطراب النور إلى سكون.
فيا لعصر حياتي! إن سعادتي هي أيضاً قد انحدرت يوماً إلى الوادي تطلب مستقراً فلقيت هذه الأرواح النيرة تفتح لها الملجأ الأمين.
يا لعصر حياتي! لكم تخليت عن أشياء في الحياة توصلاً إلى مغارس أفكاري الحية وإلى أنوار الصباح تدور في ذراتها أسمى أماني وآمالي.
لقد طلب المبدع يوماً رفاقاً له وفتش عن أبناء آماله فأدرك أنه لن يجد إذا هو لم يخلقهم خلقاً.
لقد أتممت نصف مهمتي باتجاهي نحو أبنائي وبعودتي إليهم، وقد وجب على زارا أن يبلغ نفسه الكمال من أجل هؤلاء الأبناء. وما يحب الإنسان من صميم قلبه إلا ابنه ونتيجة جهوده، وحيث يتجلى الحب الأشد فهنالك تكمن القوة المولدة؛ ذلك ما أدركته بتفكيري.
إن أزهار أبنائي لا تزال تتفتق في الربيع والريح تهب على صفوفهم فتهزها؛ فأبنائي أشجار حديقتي ونبت خير أراضي.
إن هذه الأشجار متراصة في منابتها على الجزر السعيدة، ولسوف أقتلعها واحدة فواحدة لأغرسها متفرقة فتتعلم احتمال العزلة وتنشأ فيها الأنفة والحزم لينتصب كل منها تجاه البحر وقد تعدب جزعها وتعقدت أغصانها كمنائر حية للبقاء القاهر.
على كل شجرة أن تشخص في مهب العواصف المترامية إلى البحر حيث يتدافع الغمر إلى قاعدة الجبل فلا تغفل ليلاً ونهاراً عن تفحص سرائرها. عليها أن تتحمل التجارب ليعلم أنها من سلالتي وأنها تحدرت من أصلي تعززها الإرادة المجالدة فتبدو صامتة حتى عندما تتكلم، وإذا ما استسلمت تبدو معطية وهي آخذة. وهكذا يتحول من يمشي على أثر زارا بإضرابه وبإبداعه إلى شخصية تحفر شريعتي على ألواحي فيكتمل بذلك كل شيء.
وهاأنذا من أجل هذه الشخصية وأمثالها أسعى إلى تكوين شخصيتي فأمتنع عن ورود السعادة مقتحماً كل شقاء في آخر تجربة أتحملها لأدرك سريرتي.
لقد آن الأوان لرحيلي وقد نبهني إلى وجوب الرحيل خيال المسافر وأطول الأزمان وأعمق الساعات صمتاً إذ نفخ الريح في فتحة القفل فتراجعت درفة الباب قائلة: هيا.
ولكنني كنت مقيداً بحبي لأبنائي يأسرني تشوقي إلى هذا الحب لأصبح فريسة لهؤلاء الأبناء فأضحى من أجلهم نفسي؛ وما الشوق عندي إلا صورة ظاهرة لحقيقة فنائي. إن أبنائي لي وفي هذا التملك يجب أن يضمحل كل شوق مستحيلاً إلى عقيدة مكينة.
وكان رأسي يلتهب بشمس محبتي فأتحرق بحرارة دمي فرأيت أشباح الشكوك تدور بي من كل جهة فتمنيت أن يلفحني قر الشتاء حتى تصطك أسناني من رعشة الصقيع، وما عتم أن اكتسح نفسي ضباب الجليد، فشق الماضي لحوده وبعثت منه الآلام التي دفنت وهي حية فيها، وما تناولها الفناء لأنها كانت نائمة طي أكفانها.
وكان كل شيء يشير إلي بأن قد حان زمن الرحيل ولكنني كنت لا أنتبه إلى هذه الدعوة حتى تحركت أعماقي ولسعتني ثائرات أفكاري. ويا ليت لي القوة للتغلب على ارتعاشي عندما أشعر بقوة التفكير في أغواري تحاول أن تخترق لها منفذاً، فإنني لا أزال أحس باختلاج قلبي عندما أتنصت لدبيب أفكاري وهي تحاول الانجلاء لي. إن في صمتك نفسه أيتها الفكرة ما يشد على عنقي وأنت أشد صمتاً من أغواري. ولكم حاولت أن أستخرجك من الأعماق أيتها الفكرة فخانني العزم واكتفيت بإضماري إياك في ذاتي. إنني لم أتصل بعد إلى جرأة الأسد وإلى منتهى إقدامه.
إنك لجد ثقيلة في أغواري أيتها الفكرة ولسوف أجد يوماً قوة الأسد وأتخذ لصوتي زئيره فأرفعك من الغور إلى المنبسط، حتى إذا ما تغلبت بذلك على نفسي تدرجت إلى انتصار أعظم أختم به أعمالي. وإلى أن أبلغ هذا الظفر سأبقى تائهاً على بحار لا أعرف لها ساحلاً تداعبني خطرات الأحداث فأتلفت إلى ما ورائي وإلى ما أمامي ولا أعلم أين المنتهى.
ألم تحن بعد ساعة جهادي الأخير أم هي ماثلة أمامي الآن؟ والحق أن البحر والحياة يحيطان بي بجمالهما الفتان ويعلقان أبصارهما علي.
فيا لعصر حياتي، يا للسعادة تتقدم ساعة المساء، يا للمرسى في وسط العباب، يا للسكون في قلب الارتياب، إنني أحاذركنّ ولا أثق بكنّ جميعاً.
أما والحق إنني أخشى جمالكن الغدار كما يخشى العاشق ابتسامة تجاوزت حد التلطف في افترارها.
إنني أرفع عني ساعة السعادة كالغيور يصد عن محبوبته ولما يزل العطف يتجلى في قسوته وجفائه.
بُعداً لك أيتها الساعة السعيدة! فقد اجتاحتني بحلولك غبطة قاسرة وأنا أتوقع أعمق الأحزان. لقد جئتني في غير الأوان.
بُعداً لك أيتها الساعة السعيدة! اذهبي واطلبي لك ملجأ هنالك في مقر أبنائي، سارعي إليهم وباركيهم قبل حلول المساء وأنيليهم سعادتي.
لقد اقترب الغسق وجنحت الشمس إلى الغروب فتوارت عني سعادتي.
هكذا تكلم زارا. . .
وبات يتوقع نزول شقائه به طوال ليله، غير أنه انتظر عبثاً إذ بقى الليل منيراً ساكناً واستمرت السعادة تخطو مع الساعات مقتربة إليه. وما لاح الفجر حتى بدا زارا يتضاحك قائلاً:
إن السعادة تتأثرني لأنني لا أتأثر النساء، وهل السعادة إلا امرأة؟
قبل بزوغ الشمس
أيتها السماء الرافعة قبابها فوق رأسي نقية صافية، أيتها السماء السحيقة وقد غادرت في أبعادك الأنوار، إنني أشخص إليك فتمتلكني رعشة الأشواق الإلهية.
أنا لا أسبر أغواري إلا إذا سموت إلى عليائك، ولا أشعر بطهارتي إلا حين يجللني صفاؤك.
إنك تحجبين نجومك كما يتلفع الإله بسنائه. أنت صامتة وبصمتك تذيعين لي حكمتك.
لقد تجليت لي اليوم في سكونك على زبد الآفاق فأعلنت لروحي المزبدة ما فيك من حب وعفاف. جئت إلي جميلة مقنعة بجمالك تخاطبيني بلا كلام وتعلنين حكمتك وما كنت أعلم ما في روحك من عفاف. أتيت إلي قبل بزوغ الشمس أنا المنفرد في عزلتي.
أنا وأنت صديقان منذ الأزل فأحزاننا واحدة كارتياعنا، وعمق أغوارنا وشمسنا واحدة أيضاً. وما نتناجى إلا لوفرة ما نعلم ثم يسودنا الصمت فنتبادل ما أعرف وما تعرفين بلغة البسمات. أفما بعثت أنوارك من مكمن أنواري أفليست فكرتك أختاً لفكرتي؟
لقد تعلمنا كل شيء سوية وتدربنا سوية على الاعتلاء فوق ذاتنا متجهين إلى صميمها مبتسمين بافترار لا تعكره الغيوم. وبلفتات صافية نغرقها في سحيق الأبعاد في حين تتدافع كالأمطار تحتنا النزعات المكبوتة وأهداف الأخطاء.
إلى مَ كانت تتوق نفسي عندما كنت أذهب في الليل شارداً على مسالك الضلال؟ وماذا كنت أطلب في تسلقي الجبال نحو قممها؟ أفما كنت أنت مقصدي أيتها السماء. وهل كانت أسفاري جميعها إلا ذهاباً مع حافز التدرب؟ وهل كان لإرادتي من هدف غير التحليق في الأجواء؟ وهل أبغضت شيئاً بغضي الغمام وكل نقاب يلفع الضياء؟ لقد كرهت بغضي نفسه لأنه يعكر صفاءك أيتها السماء.
إنني أنفر من هذه الغيوم تمر كأنها قطط برية تزحف زحفاً لأنها تختلس مني ومنك أيتها السماء الحقيقة الإيجابية الثابتة في كل شيء؛ فأنا وأنت ننفر من هذه الدخيلات المعكرات من هذه الغيوم الكاسحات، فما هي إلا كائنات مختلطة في نوعها يسودها التردد فلا تعرف أن تلعن بإخلاص ولا أن تبارك بإخلاص. وخير لي أن ألجأ إلى مغارة أو أسقط في هاوية من أن أقف أمامك يا سماء الضياء وقد عكرت صفاءك الغيوم الكاسحات. ولكم وددت لو أنني أسمر أردانها على آفاقك بسهام البروق الذهبية ثم أنزل عليها الرعود تهوى قاصفة على مراجل أحشائها. إنني أود قرعها بعصا الغيظ لأنها تحجب عني حقائقك أيتها السماء الممتدة بأغوار أنوارها فوق رأسي كما تحجب حقيقتي عنك.
لخير لي أن أسمع هزيم الرعود وولولة العواصف من أن أتنصت إلى مواء هذه الهررة الزحافة المترددة. ففي المجتمع أمثال لهذه الغيوم يسيرون مترددين بخطوات الذئاب وقد وقفت أشد بغضي عليهم.
(على من لا يعرف أن يمنح البركة أن يتعلم إنزال اللعنات) ذلك ما ألهمتنيه السماء الصافية مبدأ ينير سمائي كالكواكب في أشد الليالي قتاماً.
ما دمت فوقي أيتها السماء الصافية المتألقة بالأنوار فإنني لا أنقطع عن منح البركة وإيراد بياني إيجاباً وتأكيداً لأنير بعقيدتي جميع الأغوار المظلمة.
لقد جاهدت طويلاً حتى أصبحت مبارِكاً ومؤكِداً. وما ناضلت إلا لأحرر ذراعي فأبسطهما للبركة؛ وتقوم بركتي على الاعتلاء فوق كل شيء كما تعتلي السماء والسقوف المكورة وقباب الأجراس والغبطة الدائمة. فطوبى لمن يبارك هكذا. لأن كل الأشياء قد تعمدت من ينبوع الأبدية وما وراء الخير والشر؛ وما الخير والشر إلا خيالات عابرة وأحزان بليلة وغيوم متراكضة إلى الفناء.
والحق أن من البركة لا من اللعنة أن نعلم بأن فوق كل شيء تمتد سماء الصدفة وسماء البراءة وسماء الحيرة وسماء الاضطراب.
إن كلمة الصدفة لأقدم ما في العالم من نسب للأشياء؛ وقد أرجعت كل الأشياء إلى هذا النسب النبيل فأنقذتها من عبودية المقصد والهدف. وهكذا رفعت الحرية والغبطة السماوية عالياً ونصبتها كالقباب فوق جميع الأشياء إذ علمت أن ليس من إرادة أبدية تعلو بها لتبسط مقاصدها فوقها.
لقد وضعت حداً لهذه الإرادة بل لهذا الجنون وهذا الاضطراب عندما علمت أن الوقوف عند الحقيقة كان مستحيلاً وسيبقى مستحيلاً.
بُعداً لك أيتها الساعة السعيدة! فقد اجتاحتني بحلولك غبطة قاسرة وأنا أتوقع أعمق الأحزان. لقد جئتني في غير الأوان.
بُعداً لك أيتها الساعة السعيدة! اذهبي واطلبي لك ملجأ هنالك في مقر أبنائي، سارعي إليهم وباركيهم قبل حلول المساء وأنيليهم سعادتي.
لقد اقترب الغسق وجنحت الشمس إلى الغروب فتوارت عني سعادتي.
هكذا تكلم زارا. . .
وبات يتوقع نزول شقائه به طوال ليله، غير أنه انتظر عبثاً إذ بقى الليل منيراً ساكناً واستمرت السعادة تخطو مع الساعات مقتربة إليه. وما لاح الفجر حتى بدا زارا يتضاحك قائلاً:
إن السعادة تتأثرني لأنني لا أتأثر النساء، وهل السعادة إلا امرأة؟
قبل بزوغ الشمس
أيتها السماء الرافعة قبابها فوق رأسي نقية صافية، أيتها السماء السحيقة وقد غادرت في أبعادك الأنوار، إنني أشخص إليك فتمتلكني رعشة الأشواق الإلهية.
أنا لا أسبر أغواري إلا إذا سموت إلى عليائك، ولا أشعر بطهارتي إلا حين يجللني صفاؤك.
إنك تحجبين نجومك كما يتلفع الإله بسنائه. أنت صامتة وبصمتك تذيعين لي حكمتك.
لقد تجليت لي اليوم في سكونك على زبد الآفاق فأعلنت لروحي المزبدة ما فيك من حب وعفاف. جئت إلي جميلة مقنعة بجمالك تخاطبيني بلا كلام وتعلنين حكمتك وما كنت أعلم ما في روحك من عفاف. أتيت إلي قبل بزوغ الشمس أنا المنفرد في عزلتي.
أنا وأنت صديقان منذ الأزل فأحزاننا واحدة كارتياعنا، وعمق أغوارنا وشمسنا واحدة أيضاً. وما نتناجى إلا لوفرة ما نعلم ثم يسودنا الصمت فنتبادل ما أعرف وما تعرفين بلغة البسمات. أفما بعثت أنوارك من مكمن أنواري أفليست فكرتك أختاً لفكرتي؟
لقد تعلمنا كل شيء سوية وتدربنا سوية على الاعتلاء فوق ذاتنا متجهين إلى صميمها مبتسمين بافترار لا تعكره الغيوم. وبلفتات صافية نغرقها في سحيق الأبعاد في حين تتدافع كالأمطار تحتنا النزعات المكبوتة وأهداف الأخطاء.
إلى مَ كانت تتوق نفسي عندما كنت أذهب في الليل شارداً على مسالك الضلال؟ وماذا كنت أطلب في تسلقي الجبال نحو قممها؟ أفما كنت أنت مقصدي أيتها السماء. وهل كانت أسفاري جميعها إلا ذهاباً مع حافز التدرب؟ وهل كان لإرادتي من هدف غير التحليق في الأجواء؟ وهل أبغضت شيئاً بغضي الغمام وكل نقاب يلفع الضياء؟ لقد كرهت بغضي نفسه لأنه يعكر صفاءك أيتها السماء.
إنني أنفر من هذه الغيوم تمر كأنها قطط برية تزحف زحفاً لأنها تختلس مني ومنك أيتها السماء الحقيقة الإيجابية الثابتة في كل شيء؛ فأنا وأنت ننفر من هذه الدخيلات المعكرات من هذه الغيوم الكاسحات، فما هي إلا كائنات مختلطة في نوعها يسودها التردد فلا تعرف أن تلعن بإخلاص ولا أن تبارك بإخلاص. وخير لي أن ألجأ إلى مغارة أو أسقط في هاوية من أن أقف أمامك يا سماء الضياء وقد عكرت صفاءك الغيوم الكاسحات. ولكم وددت لو أنني أسمر أردانها على آفاقك بسهام البروق الذهبية ثم أنزل عليها الرعود تهوى قاصفة على مراجل أحشائها. إنني أود قرعها بعصا الغيظ لأنها تحجب عني حقائقك أيتها السماء الممتدة بأغوار أنوارها فوق رأسي كما تحجب حقيقتي عنك.
لخير لي أن أسمع هزيم الرعود وولولة العواصف من أن أتنصت إلى مواء هذه الهررة الزحافة المترددة. ففي المجتمع أمثال لهذه الغيوم يسيرون مترددين بخطوات الذئاب وقد وقفت أشد بغضي عليهم.
(على من لا يعرف أن يمنح البركة أن يتعلم إنزال اللعنات) ذلك ما ألهمتنيه السماء الصافية مبدأ ينير سمائي كالكواكب في أشد الليالي قتاماً.
ما دمت فوقي أيتها السماء الصافية المتألقة بالأنوار فإنني لا أنقطع عن منح البركة وإيراد بياني إيجاباً وتأكيداً لأنير بعقيدتي جميع الأغوار المظلمة.
لقد جاهدت طويلاً حتى أصبحت مبارِكاً ومؤكِداً. وما ناضلت إلا لأحرر ذراعي فأبسطهما للبركة؛ وتقوم بركتي على الاعتلاء فوق كل شيء كما تعتلي السماء والسقوف المكورة وقباب الأجراس والغبطة الدائمة. فطوبى لمن يبارك هكذا. لأن كل الأشياء قد تعمدت من ينبوع الأبدية وما وراء الخير والشر؛ وما الخير والشر إلا خيالات عابرة وأحزان بليلة وغيوم متراكضة إلى الفناء.
والحق أن من البركة لا من اللعنة أن نعلم بأن فوق كل شيء تمتد سماء الصدفة وسماء البراءة وسماء الحيرة وسماء الاضطراب.
إن كلمة الصدفة لأقدم ما في العالم من نسب للأشياء؛ وقد أرجعت كل الأشياء إلى هذا النسب النبيل فأنقذتها من عبودية المقصد والهدف. وهكذا رفعت الحرية والغبطة السماوية عالياً ونصبتها كالقباب فوق جميع الأشياء إذ علمت أن ليس من إرادة أبدية تعلو بها لتبسط مقاصدها فوقها.
لقد وضعت حداً لهذه الإرادة بل لهذا الجنون وهذا الاضطراب عندما علمت أن الوقوف عند الحقيقة كان مستحيلاً وسيبقى مستحيلاً.
فما هناك إلا قليل من التعقل وذرات من الحكمة تتلقفها الكواكب لخميرة امتزجت بالأشياء جميعها ولولا الجنون لما امتزجت بها.
ليس للإنسان أن يعطي من الحكمة إلا قليلاً. غير أنني وجدت في كل مكان عقيدة لها سعادتها وهي تفضيل الرقص على أرجل الصدفة العمياء.
فيا أيتها السماء الممتدة فوق رأسي، أيتها السماء الصافية المتعالية، لقد أصبح كل صفاء فيك قائماً على اعتقادي بأن ليس في الكون عنكبة خالدة، وليس فيه من الحكمة ما تنسجه العناكب. فلتكن مجالاتك أيتها السماء مسرحاً لخطرات الصدف الإلهية، أو فلتكن خواناً يدحرج عليه الآلهة نردهم، فعلام يعلو أديم وجهك الاحمرار؟ أترى جاء بياني مبهماً أم وردت بركتي لك لعنة عليك؟ أم أخجلك أن أنفرد بك فأردت أن أتوارى وأكف عن الكلام لأن الفجر قد لاح على الآفاق؟
إن في العالم من الأغوار ما لا يدركه النهار، ومن الأشياء ما يجب كتمانها أمامه، وقد باغتنا النهار، فلنفترق.
أيتها السماء الممتدة فوق رأسي بطهرها واضطرامها. أيتها الغبطة المتجلية قبل بزوغ الشمس، لقد باغتنا النهار فلنفترق.
هكذا تكلم زارا...
ليس للإنسان أن يعطي من الحكمة إلا قليلاً. غير أنني وجدت في كل مكان عقيدة لها سعادتها وهي تفضيل الرقص على أرجل الصدفة العمياء.
فيا أيتها السماء الممتدة فوق رأسي، أيتها السماء الصافية المتعالية، لقد أصبح كل صفاء فيك قائماً على اعتقادي بأن ليس في الكون عنكبة خالدة، وليس فيه من الحكمة ما تنسجه العناكب. فلتكن مجالاتك أيتها السماء مسرحاً لخطرات الصدف الإلهية، أو فلتكن خواناً يدحرج عليه الآلهة نردهم، فعلام يعلو أديم وجهك الاحمرار؟ أترى جاء بياني مبهماً أم وردت بركتي لك لعنة عليك؟ أم أخجلك أن أنفرد بك فأردت أن أتوارى وأكف عن الكلام لأن الفجر قد لاح على الآفاق؟
إن في العالم من الأغوار ما لا يدركه النهار، ومن الأشياء ما يجب كتمانها أمامه، وقد باغتنا النهار، فلنفترق.
أيتها السماء الممتدة فوق رأسي بطهرها واضطرامها. أيتها الغبطة المتجلية قبل بزوغ الشمس، لقد باغتنا النهار فلنفترق.
هكذا تكلم زارا...
في طريق راگلن | پاترك كاڤانا
"في طريق راگلن في نهارٍ خريفيٍّ صادفتُها للمرة الأولى وعرفتُ
أنّ شعرَها الدّاكنَ سيحيك مصيدةً قد أندمُ عليها يومًا ما؛
رأيتُ الخطرَ، ولكنّي خطوتُ في الدّرب المسحور،
وقلتُ، فليكن الأسى ورقةً تسقط عند طلوع النّهار.
في شارع گرافتن في نوڤمبر خَطَوْنا برفقٍ على طول حافّةِ
الوادي العميق حيث يمكن لعهد الشَّغفِ أن يُرى،
لا تزال ملكةُ القلوبِ تُعدّ التّارت فيما أنا لا أجمع القَشّ –
أوه لقد غرقتُ في العشق، وبهذا، بهذا، ضاعت سعادتي.
وَهَبْتُها هدايا العقل، وَهَبْتُها العلامةَ السريّةَ التي يعرفها
الفنّانون الذين أدركوا الآلهةَ الحقيقيّةَ للصّوتِ والحجر
والكلمة واللون. لم أبخلْ إذ مَنَحْتُها قصائد تُردّدها
فيها اسمُها وشعرُها الدّاكن مثل سُحُبٍ فوق حقول أيار.
في شارعٍ هادئٍ حيث تلتقي الأشباحُ القديمةُ أراها تمشي الآن
مُبتعدةً منّي مُسرعةً جدًا بحيث كان لعقلي أن يُدرك
أنّني لم أغازل كائنًا من صلصالٍ كما يجدر به –
حين يغازلُ الملاكُ الصّلصالَ سيفقد جناحيه عند فجر النّهار".
"في طريق راگلن في نهارٍ خريفيٍّ صادفتُها للمرة الأولى وعرفتُ
أنّ شعرَها الدّاكنَ سيحيك مصيدةً قد أندمُ عليها يومًا ما؛
رأيتُ الخطرَ، ولكنّي خطوتُ في الدّرب المسحور،
وقلتُ، فليكن الأسى ورقةً تسقط عند طلوع النّهار.
في شارع گرافتن في نوڤمبر خَطَوْنا برفقٍ على طول حافّةِ
الوادي العميق حيث يمكن لعهد الشَّغفِ أن يُرى،
لا تزال ملكةُ القلوبِ تُعدّ التّارت فيما أنا لا أجمع القَشّ –
أوه لقد غرقتُ في العشق، وبهذا، بهذا، ضاعت سعادتي.
وَهَبْتُها هدايا العقل، وَهَبْتُها العلامةَ السريّةَ التي يعرفها
الفنّانون الذين أدركوا الآلهةَ الحقيقيّةَ للصّوتِ والحجر
والكلمة واللون. لم أبخلْ إذ مَنَحْتُها قصائد تُردّدها
فيها اسمُها وشعرُها الدّاكن مثل سُحُبٍ فوق حقول أيار.
في شارعٍ هادئٍ حيث تلتقي الأشباحُ القديمةُ أراها تمشي الآن
مُبتعدةً منّي مُسرعةً جدًا بحيث كان لعقلي أن يُدرك
أنّني لم أغازل كائنًا من صلصالٍ كما يجدر به –
حين يغازلُ الملاكُ الصّلصالَ سيفقد جناحيه عند فجر النّهار".
ليس آمنًا | پات إنگولدزبي
"عُدْتِ إلى البيت من المدرسة
في حافلة خاصة
مليئة بناسٍ
يبدون مثلكِ
يحبّون مثلكِ
ولقيتني
للمرة الأولى
وأحببتني.
أنت تحبّين الجميع
كثيرًا بحيث لا يكون آمنًا
أن نترككِ تخرجين وحيدةً.
إحدى عشرة سنةً من الحبّ
والثّقة والوقت لكِ كي تُدركي
أنّه لا يجوز أن تواصلي حبّكِ هكذا.
ما لم يوقفكِ أحدٌ
ستحضنين كلّ شخص ترينه.
النّاس الطّبيعيّون لا يفعلون هذا.
بعض النّاس الطّبيعيّين قد يؤذونكِ
جدًا لأنّك تفعلين هذا.
الكسيحون لا يبدون ودودين
ولكنّكِ تحضنينهم.
قبّلتِ سكّيرًا في الحافلة
فانهار وبكى
وقال «لم يقبّلني أحد
طوال ثلاثين عامًا.
ولكنّكِ فعلتِ
لمستِ وجهي
بأصابعكِ وقلتِ
أحبّكَ.»
لن يكون العالم
مُهيَّأً لكِ أبدًا.
أسلوبكِ صحيح
والعالم لن يكون مُهيَّأً أبدًا. بوسعنا أن نتعلّم كلّ شيء
تحتاجين إلى معرفته
عبر مراقبتكِ
تذهبين إلى مدرستك الخاصة
في حافلتكِ الخاصة
المليئة بناسٍ
يبدون مثلكِ
ويحبّون مثلكِ
وليس آمنًا
أن نترككِ تخرجين وحيدةً.
إنْ لم تكوني أنتِ طبيعيّةً
ما من أملٍ كبيرٍ
لنا نحن البقيّة".
"عُدْتِ إلى البيت من المدرسة
في حافلة خاصة
مليئة بناسٍ
يبدون مثلكِ
يحبّون مثلكِ
ولقيتني
للمرة الأولى
وأحببتني.
أنت تحبّين الجميع
كثيرًا بحيث لا يكون آمنًا
أن نترككِ تخرجين وحيدةً.
إحدى عشرة سنةً من الحبّ
والثّقة والوقت لكِ كي تُدركي
أنّه لا يجوز أن تواصلي حبّكِ هكذا.
ما لم يوقفكِ أحدٌ
ستحضنين كلّ شخص ترينه.
النّاس الطّبيعيّون لا يفعلون هذا.
بعض النّاس الطّبيعيّين قد يؤذونكِ
جدًا لأنّك تفعلين هذا.
الكسيحون لا يبدون ودودين
ولكنّكِ تحضنينهم.
قبّلتِ سكّيرًا في الحافلة
فانهار وبكى
وقال «لم يقبّلني أحد
طوال ثلاثين عامًا.
ولكنّكِ فعلتِ
لمستِ وجهي
بأصابعكِ وقلتِ
أحبّكَ.»
لن يكون العالم
مُهيَّأً لكِ أبدًا.
أسلوبكِ صحيح
والعالم لن يكون مُهيَّأً أبدًا. بوسعنا أن نتعلّم كلّ شيء
تحتاجين إلى معرفته
عبر مراقبتكِ
تذهبين إلى مدرستك الخاصة
في حافلتكِ الخاصة
المليئة بناسٍ
يبدون مثلكِ
ويحبّون مثلكِ
وليس آمنًا
أن نترككِ تخرجين وحيدةً.
إنْ لم تكوني أنتِ طبيعيّةً
ما من أملٍ كبيرٍ
لنا نحن البقيّة".
القُبلة، طعنة عميقة | ضياء جبيلي
"لا أتذكر السبب وراء حصولي على أول قبلة في حياتي
طبعتها معلمة التاريخ
في الصف السادس الابتدائي على خدي
ربما هو خطّي الجميل والمنمق
أو لون عينيّ
أو ربما هو الحبّ
كنتُ قد مسحت أثر القُبلة وأنا في
طريقي إلى البيت
وحين رأت أمي أحمر الشفاه على كم
قميصي الأبيض الوحيد
ظنت أني قتلت أحدًا
وكبقية الكذابين في أبريل
دعمت أنا هذا الظن
كنّا لا نزال في حينها
نعلق الثياب بمسامير مثبتة على الأبواب
لم يكن لدينا خزانات في البيت ولا سرير
فخبأتني في قن الدجاج
ولم تسألني من قتلت
لم تبحث في جثث النساء عن أثر طعنتي
لكني سمعتها تقول
بينما هي تغسل قميصي:
ولد يطعن بهذا العمق
لا بد أن يكون عاشقًا".
"لا أتذكر السبب وراء حصولي على أول قبلة في حياتي
طبعتها معلمة التاريخ
في الصف السادس الابتدائي على خدي
ربما هو خطّي الجميل والمنمق
أو لون عينيّ
أو ربما هو الحبّ
كنتُ قد مسحت أثر القُبلة وأنا في
طريقي إلى البيت
وحين رأت أمي أحمر الشفاه على كم
قميصي الأبيض الوحيد
ظنت أني قتلت أحدًا
وكبقية الكذابين في أبريل
دعمت أنا هذا الظن
كنّا لا نزال في حينها
نعلق الثياب بمسامير مثبتة على الأبواب
لم يكن لدينا خزانات في البيت ولا سرير
فخبأتني في قن الدجاج
ولم تسألني من قتلت
لم تبحث في جثث النساء عن أثر طعنتي
لكني سمعتها تقول
بينما هي تغسل قميصي:
ولد يطعن بهذا العمق
لا بد أن يكون عاشقًا".
قدماكِ | بابلو نيرودا
"عندما لايمكنني النظر إلى وجهك
سأنظر إلى قدميك.
قدماك وعظامهما المقوسة
قدماك الصغيرتان الصلبتان
اللتان أعلم أنهما يسندانك
ويحملان ثقل جسدك الحلو
الذي يرتكز عليهما.
قدماك اللذان ينوءان بحمل ردفيك ونهديك
ولون الكرز في حلمتيك
ومحجري عينيك.
قدماك اللذان طارا للتو
بفمك الفاكهي العريض
وجدائلك الحمر
يابرجي الصغير .
لكنّي أحبّ قدميك
فقط لأنهما سارا بك
على وجه الأرض
على وجه الريح
على وجه الماء
لكي يعثرا على قلبي".
"عندما لايمكنني النظر إلى وجهك
سأنظر إلى قدميك.
قدماك وعظامهما المقوسة
قدماك الصغيرتان الصلبتان
اللتان أعلم أنهما يسندانك
ويحملان ثقل جسدك الحلو
الذي يرتكز عليهما.
قدماك اللذان ينوءان بحمل ردفيك ونهديك
ولون الكرز في حلمتيك
ومحجري عينيك.
قدماك اللذان طارا للتو
بفمك الفاكهي العريض
وجدائلك الحمر
يابرجي الصغير .
لكنّي أحبّ قدميك
فقط لأنهما سارا بك
على وجه الأرض
على وجه الريح
على وجه الماء
لكي يعثرا على قلبي".
انفصال | فورتيسا لاتيفي
"عندما انفصلنا
لم يكن أمرًا قاطعًا
كلانا بكا، توقفنا فقط حين لاحظنا
أن أثاث غرفة نومكَ يطفو نحو الردهة
الجيران هاتفونا ليخبرونا أنهم عاجزون عن النوم
لأن قلبي يتصدع بصوت عال مريع
وهكذا، لتسكتني، قلتَ إنه مؤقت.
عندما انفصلنا، لم يكن الأمر منطقيًا
حاولت أن أستوعب، لكنني شعرت بدوار، حتى أنني تقيأت
واصل العالم دورانه بينما جلست أخلص شعري من القيء
كان هذا في المرة الأولى فقط.
في المرة الثانية
كان الأمر لا يزال ملتبسًا
جلسنا طويلًا فوق تراب الحديقة
حتى أننا حين نهضنا
كنا متمازجين مع الأرض
لكن لا بأس،
نعقتد أنها تبتلعنا على أية حال.
في المرة الثانية
كان الأمر لا يزال غامضًا
ركبنا سيارتي
وقلتُ إنني لن أتوقف حتى نوضح المسألة
لكن مؤشر البنزين اقترب من حد النفاذ
ولم نجد الكلمات
لكننا لم ننته بعد.
المرة الثالثة، كانت الأعنف
أمطرت طويلًا حتى شعرت
أن الكون بأكمله يغرق
لساعتين تحدثنا في نفس واحد مختنق
وحين قلت أخيرًا إنك راحل
غرست ركبتي في الوحل وتوسلت إليك لتبقى
تركتني هناك، قدت السيارة بعيدًا
وعندما عدتُ في النهاية إلى البيت
تركت أثرًا طينيًا زاحفًا
من الباب وحتى غرفة نومي.
في المرة الثالثة
على الأقل لم يخل الأمر من المنطق
لأن كلمات مثل أحبك
وأهجرك
جاءتا معًا
في حين كنت أظنهما
عالمين منفصلين.
عندما انفصلنا للمرة الأخيرة
كنا متعبين
لم يكن الأمر واضحًا ما يزال
لكننا لم نعد نهتم
لم يكن منطقيًا لكننا كنا خائري االقوى.
عندما انفصلنا للمرة الأخيرة
أدركت أنني نسيت كيف يكون الانهيار
لذا بدلًا منه،
تماسكت".
"عندما انفصلنا
لم يكن أمرًا قاطعًا
كلانا بكا، توقفنا فقط حين لاحظنا
أن أثاث غرفة نومكَ يطفو نحو الردهة
الجيران هاتفونا ليخبرونا أنهم عاجزون عن النوم
لأن قلبي يتصدع بصوت عال مريع
وهكذا، لتسكتني، قلتَ إنه مؤقت.
عندما انفصلنا، لم يكن الأمر منطقيًا
حاولت أن أستوعب، لكنني شعرت بدوار، حتى أنني تقيأت
واصل العالم دورانه بينما جلست أخلص شعري من القيء
كان هذا في المرة الأولى فقط.
في المرة الثانية
كان الأمر لا يزال ملتبسًا
جلسنا طويلًا فوق تراب الحديقة
حتى أننا حين نهضنا
كنا متمازجين مع الأرض
لكن لا بأس،
نعقتد أنها تبتلعنا على أية حال.
في المرة الثانية
كان الأمر لا يزال غامضًا
ركبنا سيارتي
وقلتُ إنني لن أتوقف حتى نوضح المسألة
لكن مؤشر البنزين اقترب من حد النفاذ
ولم نجد الكلمات
لكننا لم ننته بعد.
المرة الثالثة، كانت الأعنف
أمطرت طويلًا حتى شعرت
أن الكون بأكمله يغرق
لساعتين تحدثنا في نفس واحد مختنق
وحين قلت أخيرًا إنك راحل
غرست ركبتي في الوحل وتوسلت إليك لتبقى
تركتني هناك، قدت السيارة بعيدًا
وعندما عدتُ في النهاية إلى البيت
تركت أثرًا طينيًا زاحفًا
من الباب وحتى غرفة نومي.
في المرة الثالثة
على الأقل لم يخل الأمر من المنطق
لأن كلمات مثل أحبك
وأهجرك
جاءتا معًا
في حين كنت أظنهما
عالمين منفصلين.
عندما انفصلنا للمرة الأخيرة
كنا متعبين
لم يكن الأمر واضحًا ما يزال
لكننا لم نعد نهتم
لم يكن منطقيًا لكننا كنا خائري االقوى.
عندما انفصلنا للمرة الأخيرة
أدركت أنني نسيت كيف يكون الانهيار
لذا بدلًا منه،
تماسكت".

