Isolation
10.9K subscribers
598 photos
13 links
Download Telegram
Emile Friant
لا تغادر مرة أخرى | دونا ماري رايلي

"ليلة أمس، ظننت أنني قبلتك حتى سحبت كل تلك الوحدة عن روحك. ظننت أنني فعلت، لكنك في وقت لاحق نهضت، كشبح عارٍ يئن مرتجفًا، وأخبرتني بتلك الندبة في جسدك، حيث لا يسعني محوها.

لا أعرف أبدًا ما باستطاعتي قوله ردًا على تلك الأشياء: "لا بأس". "عد إلى الفراش."

"أرجوك لا تغادر مرة أخرى."

أحيانًا كنت تغادر لأيام طوال، وكل ما باستطاعتي فعله أن أتماسك، عن إبلاغ الشرطة باختفائك، والبحث بين المفقودين، بالرغم من أنك هنا، لا تزال بجواري في الفراش. لكن عينيك، كبيتٍ خاوٍ في الشتاء، يلقي أضواءه فقط لإخافة الدخلاء.

إلا أنني حينها أغدو ذلك الدخيل، وأنت موصد بإحكام حيث لا يمكن التسلل لداخلك.

ليلة أمس، ظننت أنني منحتك سببًا للعودة من الحزن، حين حلقت بجسدك كنوتة عالية وارتعدنا معًا لفرط ما يعصف بنا.

بعض الناس، برغم كل شيء، تتعدى أحزانهم كل المنطق، كل الدفء، وكل الحبّ. الآن صرت أدرك.

الآن صار لدي ما أقوله أمام تلك الأشياء التي تعترف لي بها في الظلام، كشبح مرتجف: "لا بأس". "يمكنك البقاء بين ذراعي". "أرجوك.. عُد إليّ مجددًا."
Channel photo updated
‏"رأيتُ
‏ابنةَ خالتي التي أحرقتْ نفسها
‏من أجل شخص تحبه
‏في شتاء 1999
‏كانت وحدها تحمل النار وتركض بها في الشوارع
‏منذ ذلك
‏وأنا أفهم الحب
‏بأن أحمل النار وأركض بها في الشوارع وحدي".

‏⁧ كاظم خنجر ⁩
لا أجد في بالي سوى اسمك | لانج لييف

"أحاول التفكير في كلمة قريبة من حب
فلا أجد في بالي سوى اسمك
أحاول تخيل ما قد أقوله
لو تقاطعت مساراتنا من جديد
لكنني أواصل رسم الفراغ.

نسيت كيف هو شعور الشمس
على بشرتي
دون القلق من أنها قد تؤذيني
توفقت عن الإلقاء بنفسي من أعلى الجرف
وذراعي مفرودتان في الهواء
في انتظار انتعاشة الماء بالأسفل.

كل يوم
أنظر في المرآة
فيتضح لي أكثر وأكثر
دمية بوجه أمي تنظر لي
كل يوم
أزن الماضي في مقابل الحاضر
ويجرني التفكير فيما كان يمكن
أن يكون.

أبحث عن صورة لك وأتساءل
متى سأفقد الأمل؟
أحدق في الساعة، بعقاربها البطيئة المنتظمة،
فزعة من يومٍ سأعرف فيه
أنه قد فات الآوان".
صباحًا بعد أن قتلت نفسي | ميجي روير

"في الصباح التالي لليلة أن قتلت نفسي، استيقظت.

قدمت لنفسي الإفطار في السرير. أضفت الملح والفلفل إلى البيض، أعددت شطيرة من الجبن واللحم المقدد. عصرت الجريب فروت وعبأته في زجاجة العصير. كحت قعر المقلاة وأزلت بقايا الزبد عن العلبة، غسلت الأطباق وطويت المناشف.

صباحًا بعد أن قتلت نفسي، وقعت في الحب. ليس مع الفتى في آخر الشارع ولا ناظر المدرسة الإعدادية. ليس مع عدّاء كل يوم ولا البقّال الذي دائمًا ما ينسى وضع ثمار الأفوكادو في الأكياس. وإنما، وقعت في حب أمي والطريقة التي تجلس بها على أرض غرفتي، حاملة بين كفيها مجموعة الأحجارالتي جمعتها كلها، حتى أصبح لونها داكنًا بفعل العرق. وقعت في حب أبي هناك عند النهر حيث دس رسالتي الأخيرة في زجاجة وألقاها مع التيار. مع أخي، الذي آمن ذات مرة في وجود الحصان ذي القرن الواحد، الجالس الآن على مكتبه في المدرسة محاولًا، باستماتة، أن يصدق أنني لا زلت على قيد الحياة.

صباحًا بعد أن قتلت نفسي، أخذت الكلبة في نزهة. رأيت كيف يتشنج ذيلها عندما يطير عصفور بالقرب منها وكيف تتسارع خطاها لرؤيتها قطة. رأيت الفراغ في عينيها عندما التقطت عصا ولفّت لتحيتي، كان يمكننا أن نلعب لعبة الالتقاط لكنها ما كانت لترى في مكاني إلا السماء. وقفت جوارها بينما ربّت غريب على رأسها فاستجابت ليده مثلما كانت تستجيب لي.

صباحًا بعد أن قتلت نفسي، ذهبت إلى باحة الجيران الخلفية حيث طبعت على الأسمنت، في عمر السنتين، آثار أقدامي، لأعرف إذا ما بدأت في التلاشي بالفعل. قطفت بعض الزهور، نزعت الحشائش الضارة ورأيت المرأة العجوز من نافذتها تقرأ خبر موتي، شاهدت زوجها يبصق التبغ في بالوعة المطبخ ويأتيها بدوائها اليومي.

صباحًا بعد أن قتلت نفسي، تابعت شروق الشمس، رأيت أشجار البرتقال كلها تتفتح كأياد مبسوطة، ورأيت في الشارع طفل يلفت انتباه أمه لسحابة حمراء متفردة.

صباحًا بعد أن قتلت نفسي، عدت إلى تلك الجثة في المشرحة، لأحدثها حديثًا حميميًا، أخبرتها عن الأفوكادو وآثار الأقدام، عن النهر وعن والديها. أخبرتها عن غروب الشمس والكلبة والشاطئ.

صباحًا بعد أن قتلت نفسي، حاولت التراجع، لكنني عجزت عن وقف ما قد بدأت".
شرح اكتئابي لأمي | سابرينا بينايم

"أمي،
إن اكتئابي متبدل الهيئة
في يوم، صغير صغر حشرة على كف دب
اليوم التالي هو الدب نفسه
في تلك الأيام أتظاهر بالموت إلى أن يرحل الدب عني
أسمي الأيام السيئة بـ "الأيام المظلمة"
تقول أمي: "جربي إشعال الشموع"
لكن، عندما أرى شمعة، أرى كنيسة
وميض اللهب شرارت ذكرى عمرها أقصر من وقت الظهيرة
أقف بجوار نعشها المفتوح
إنها اللحظة التي أدركت فيها أن كل شخص سأعرفة سيموت يومًا
ثم إنني يا أمي، لا أخاف الظلام، ربما هذا جزء من المشكلة.

تقول أمي: "أعتقد أن المشكلة أنك عاجزة عن مغادرة الفراش"
لا أستطيع، القلق يبقيني رهينة داخل منزلي، داخل رأسي
تقول أمي: "من أين يأتي القلق؟"
القلق هو ابن العم الذي يزورك من خارج المدينة، الاكتئاب يشعر بوجوب
دعوته إلى الحفل
أمي، أنا ذلك الحفل، أنا الحفل الذي لا أود حضوره
تقول أمي: "لماذا لا تجربين الحفلات الحقيقية، رؤية الأصدقاء"
بالتأكيد، أخطط لذلك، لكنني لا أرغب في الذهاب
أخطط لأنني أعرف أن علي أن أرغب في الذهاب
أعرف أنني أحيانًا قد أرغب في الذهاب
لكن، ليس ممتعًا أن تحاول المرح بينما لا تملك الرغبة لذلك،
كلا يا أمي.

ترين يا أمي، كل ليلة، يحملني الأرق بين ذراعيه،
يحتجزني في المطبخ على الشعاع الخافت
لضوء الموقد
للأرق طريقته الرومانسية في جعل القمر يبدو
صحبة مثالية
تقول أمي: "جربي عد الخراف"
لكن عقلي قادر فقط على عد الأسباب التي
تبقيني مستيقظة
لذا أخرج للمشي، لكن ركبتي المرتعشتين تقرقرعان
مثل ملعقتين فضيتين تحملهما ذراعان قويتان
بمعصمين رخوين
يدقان في أذني مثل أجراس متداخلة لكنيسة
تذكرني بأنني أسير نائمة في بحر من السعادة
لا يمكن أن أعمد نفسي فيه
تقول أمي: "السعادة قرار"
لكن سعادتي جوفاء مثل بيضة مثقوبة
سعادتي حمى شديدة سرعان ما تشفى
تقول أمي إنني ماهرة في تضخيم الأمور
ثم تسألني بيأس إذا ما كنت أخاف الموت
كلا يا أمي، أنا أخاف الحياة!

أنا وحيدة يا أمي
أعتقد أنني تعلمت، عندما هجرنا أبي، كيف
أحول الغضب إلى شعور بالوحدة
والشعور بالوحدة إلى انشغال
لذا عندما أقول أنا مشغولة للغاية مؤخرًا
أعني أنني أقع في النوم أثناء متابعتي للنشرة الرياضية
من فوق الكنبة
لأتجنب مواجهة الجانب الشاغر من سريري
لكن الاكتئاب ينجح دائمًا في إعادتي
مجددًا للسرير
إلى أن أصبحت عظامي حفريات منسية
لهيكل عظمي في مدينة غارقة
فمي مقبرة أسنان مكسورة من طحنها بعضها
صدري بهو خاو يتردد فيه صدى نبضات قلب
هنا، ما أنا إلا سائحة غير مكترثة،
لن أعرف أبدًا أين كنت.

أمي لا تفهمني ما زالت
لكن، ألا ترين يا أمي
أنا أيضًا لا أفهم!".
Choe Minjung
Channel photo updated
الشِّعر فعل | ريمكو كامبرت

"الشعر هو فعل تأكيد،
أنا أؤكد أني أعيش،
وأني لا أعيش لوحدي.
الشعر هو المستقبل،
التفكير في الأسبوع المقبل، في بلد آخر،
التفكير فيكِ عندما تشيخين.
الشعر هو أنفاسي،
حركة قدميّ، اللتان ترتعشان أحياناً،
على الأرض التي تسببت في حدوث ذلك.
أصيب فولتير بالجدري،
لكنه شفى نفسه، من بين أمور أخرى، بشرب 120 لترا من عصير الليمون: هذا هو الشعر.
أو تخيّل الأمواج وهي تتكسر على الصخور
هي لا تنهار في الواقع، بل تستعيد نفسها
وفي هذا يكمن الشعر.
كل كلمة كُتبت هي هجوم على الشيخوخة.
الموت ينتصر في النهاية، نعم بالتأكيد.
لكن الموت ليس سوى الصمت الذي يسود في القاعة بعد أن تدوي الكلمة الأخيرة.
الموت انفعال عاطفي".
Channel photo updated
أحلم بشِعر يدهشك | نانوس فالاوريتس

"أحلم كلّ ليلة بشِعرٍ عظيمٍ
لا يشبه ما كتبتُ
أو ما سوف أكتب من أشعار
كلّ ليلة أحلمُ
بهذا الشِعر المغاير
المكوّن من سطورٍ غايةً في الصلابة
غايةً في الكثافة ومُحبَّبة
كأنها من الغرانيت، أسألُ نفسي
ما مواضيعها
ما الذي تقوله هاته السطور الرائعة
أيّها جدير بالملاحظة
أيّها يدهشك،
أيّها يأخذ بأنفاسكَ
لكن-على كلّ حال- يؤسفني القول
يستحيل التخمين عن أيّ شيء تعبّر
صدّقني، لقد حاولت وحاولت،
أقف أمام هذه السطور حيران
يومًا بعد يوم
في الليل
تداوم على المجيء
برسائل مزلزلة وبالغة الروعة
يتوجّب على كلّ واحدٍ أن يسمعها
لكن عندما أفتح عينيّ
لا كلمة واحدة تبقى
تتلاشى، تختفي في صفاء ضوء النهار
هذه الصروح الضخمة
تلك الأعمال الجبّارة لكلّ ليلة".
"كانت علاقتي بأبي بعيدة، منذ بداية صباي. في ذلك الوقت كان بيتنا مزدحمًا بالأولاد والبنات، والمسؤولية التي كان يحملها والدي على عاتقيه ثقيلة؛ لذلك كان سيئ المزاج، ودائمًا ما يفقد أعصابه. وكلما كنت أتعرض لذلك الأمر، كنت أحمل كتابًا أمامه، دون أن التفت برأسي وأخرج من باب البيت، وأبقى وقتًا طويلًا في الخارج للقراءة، وذلك للتعبير عن اعتراضي واحتجاجي على تصرفاته".

جو جوه
الغسق | لويزا غلوك

"طوال اليوم يعمل في طاحونة ابن عمه، لذا عندما يعود إلى البيت
ليلًا، دائمًا يجلس عند هذه النافذة يشاهد وقتًا واحدًا من اليوم،
الغسق. كان يجب أن تكون هناك أوقات أكثر كهذا، لتجلس وتحلم.
وكما يقول ابن عمّه: العيش- العيش يأخذك بعيدا من الجلوس.

عند النافذة، ليس العالم بل مربع مقتطع لمنظر يمثّل العالم.
الفصول تتغيّر، كلّ واحد منها مرئي فقط
لبضع ساعات في اليوم. الأشياء الخضراء تتبعها الأشياء الصفراء
تتبعها البيضاء –أشياء مجردة تأتي منها
متع شديدة، كحبّات تين على الطاولة.

عند الغسق، تسقط الشمس في سديم نار حمراء بين شجرتي حور.
في الصيف تغرب متأخرة – يصعب أحيانا البقاء صاحيا.
ثم يسقط كلّ شيء. العالم ولوقت قصير ثمة ما يشاهد،
وبعدها فقط ما يُسمع، جداجد، صرار الليل. أو ما يُشمّ أحيانا،
عبق أشجار الليمون، عبق أشجار البرتقال. ثم يأخذ النوم هذا أيضا.
لكن من السهل التنازل عن الأشياء هكذا، من باب التجربة، لبضع ساعات.
أفتحُ أصابعي- اترك كل شي يرحل.
العالم المرئي، اللغة، خشخشة الأوراق في الليل، رائحة العشب، دخان الحطب.
أتركها ترحل، وأشعل شمعة".
الغريبة | بوشعيب كادر

"تأتي كلّ مساء
إلى الحانة
تلتَفُّ على نفسها
في أحد أركانها
اسمها شيرين
تأتي إلى حانة السِّنديانة
كما يأتي أيلول
زاحفاً على قدمين ثقيلتين
بعد الكأس الثالثة
ترتخي عضلات وجهها
وتَستسلم لروعة الخَدر
أخبرتني أنّها تحبّ النباتات
تَقتنيها، تُصفِّفها وتعتني بها
قالت شيرين:
إن الصّيف أجمل
مع فراشات معلّقة
على عيدان طويلة
تقصِد زهرة الأوركيد
رقصت أحبّت سافرت قرأت
استمتعت بالموسيقى
وتذكّرت الغريبة
ذات الشَّعر الطويل الأسود
والعينين العَسليتين
التي لم تغادر دارتها
إلا مرّة واحدة
لِتَرجُم بسبعة أحجار
كائناً خرافياً في مدينة الضَّلال والظّلال
سَكَنت في مملكة الظِّل
صاحبَتِ العتمة
واختفت فيها
كالضّريرة
لم تَرَ نوراً غير
الذي أَعْماها
تبدو تائهة العينين
بشرة وجهها
كالتي يحملها القادمون من الحرب
وجهها كتلك الوجوه الخفيضة
التي أَلِفَت الخسارات والهزائم
وعاشت فيهما
لم تَسكن غير السّماء
التي أسقَطتها
عليلة، ضعيفة
لم تسبح في بحرٍ
ولا رأت بجعاً في بُحيرات
لم تشرب قهوة الصّباح
في مقهى
لم تتنزّه في حديقة
لم تَكتب رسائل حُبّ
ولم تَتَلَقّها
دوَّخَتها شمس حارقة
في الرّأس ولم تُشفَ من الصُّداع
لاتَتَكَلَّمُ كثيراً
تَتَكَلّمُ بالمسموحِ لَها بِه
تَتكلّمُ قليلاً
لا تَتَكَلَّم أصلاً
وحين تَتكلّم لا يصمُدُ
وجهُها، يختفي
يَسقُطُ
كما يَسقُطُ الغَرامْ
يسقُطُ على صفحة الماء
وحين تَلْتَقِطهُ
يَصِيرُ عجيناً في يدَيها
نَسِيَت أَنَّ لها وَجهاً
فَغَطّته
يَنفَتحُ مَنبَعُ الحُب تَخرُجُ سَوسنة / فَيَنغَلِق
يَنفَتِح مَرّة ثانية / تُطِلُّ نرجِسَة / فَيَنغَلِق
يَنفَتِح مَرّة أخرى فتُطِلُّ منه نُدبَة
عَلّقت الأم تَمائم على عُنُقها
وحين شَدّت بِجذع الشجرة
لم يخرج المسيح
خرجت أربَع بنات سَقَطن كالبَلَحِ في الصحراء
لم يكن عمرُها يكفي
فجئت لأُتَمِّمَه
كانت تَقول لي دائماً
سَتستفيق غَداً أجمَلَ من الصَّباح
إنّها أمِّي
تُشبهُ كلَّ شيء
إلاّ وجه امرأة سعيدة
كم تمنّيت لو رأيتها صغيرة
حافية القدمين تطارد فراشات الرّبيع
أحياناً على غَيرِ عادَتِها تَفتح شُبّاك النافذة
المُطِلِّ على ساحة يَلعَبُ فيها الأطفال
وهي تَعرِفُ أَن العصافير
كَعادَتِها لن تأتي
وحين تَتَسَلَّلُ رُقاقات أَشِعَّة الشمس
يَجفِلُ وَجهُها كأَنّ إِبرَةً وَخَزَتهُ
كانت كَتِلك الأجساد الواهِنة
الرّخوة أو مِثل أوراق الخريف التي تَهفو
مَعَ أَوَّلِ هَزَّة رِيح
لم أتَعَرّف عليها آخر مرّة زرتها
رَأيتُ وجهاً غَضِناً
ونَفساً مَحروقة
كأنّ جُرحاً نَخَزَها ولم تَبرأ منه أبداً
هل هُناك وُجوه لِلمُنتَصرين
وأخرى للمَهزومين في السجون والمنافي؟
كان وجهُ أُمّي كُلَّ تلك الوجوه
ما عدا المُنتصرة منها
وَجهٌ ظَليلٌ
وَجهٌ مُعتِم
مُفتَرَقُ العَمى والتّيه
وَجهٌ طالِعٌ من الغَيبِ كاليَمَامِ البرّي
وَكُلَّما اقْتَرَبتُ منها
كان الظِلُ يَزحَف إليها
لم تَكن أنثى
كانت وَجهاً لِلغياب كانت
كتِلكَ الحيوانات التي وُجِدت على هذه الأرض
لِتُضرَبَ بالرّصاص
أَو تُنهَش
فتحمل جُرحها وتتيهُ في الفلوات
كُنتُ أستمِع إليها في الظلام
أَقصد كان الظَّلامُ يُصغِي إِلينا
وأنا أَتكَلّم وهي تَستمِع
أقصِد وَوالدي يتكَلّم وهي تستمع
أَعرفُ أَنّي حين أُغلِق باب البيت
سَينتهي كلّ شيء ويموت".
Lauren Sleeping in Winter Sunlight
By: Kurt Solmssen
هكذا تكلم زرادشت | فرديك نيتشة

الغبطة القاسرة

وسار زارا يقطع أبعاد البحر تساوره مثل هذه الهموم، وتدور به مثل هذه الأسرار، حتى إذا تخطى مجال أربعة أيام عن الجزر السعيدة وما ترك عليها من صحبه، اشتدت عزيمته فتغلب على آلامه، وثبّت قدميه في موقفه متجهاً إلى مقدراته مناجياً سريرته وقد عاد إليها مرحها وسرورها قائلاً:

لقد فزعت إلى عزلتي لأنني تقت إليها، فأنا الآن منفرد أمام صفاء السماء ومدى البحار، وقد خطا النهار إلى عصره وما التقيت بأصحابي للمرة الأولى إلا في وقت العصر، وفي مثل هذا اليوم اجتمعت بهم للمرة الثانية. والعصر هو الساعة التي يهدأ فيها اضطراب الأنوار جميعها لأن السعادة الذاهبة بدداً منشورة على مسالكها بين السماء والأرض تتجه إلى الاستقرار في روح الضياء. وها أن السعادة تحول اضطراب النور إلى سكون.

فيا لعصر حياتي! إن سعادتي هي أيضاً قد انحدرت يوماً إلى الوادي تطلب مستقراً فلقيت هذه الأرواح النيرة تفتح لها الملجأ الأمين.

يا لعصر حياتي! لكم تخليت عن أشياء في الحياة توصلاً إلى مغارس أفكاري الحية وإلى أنوار الصباح تدور في ذراتها أسمى أماني وآمالي.

لقد طلب المبدع يوماً رفاقاً له وفتش عن أبناء آماله فأدرك أنه لن يجد إذا هو لم يخلقهم خلقاً.

لقد أتممت نصف مهمتي باتجاهي نحو أبنائي وبعودتي إليهم، وقد وجب على زارا أن يبلغ نفسه الكمال من أجل هؤلاء الأبناء. وما يحب الإنسان من صميم قلبه إلا ابنه ونتيجة جهوده، وحيث يتجلى الحب الأشد فهنالك تكمن القوة المولدة؛ ذلك ما أدركته بتفكيري.

إن أزهار أبنائي لا تزال تتفتق في الربيع والريح تهب على صفوفهم فتهزها؛ فأبنائي أشجار حديقتي ونبت خير أراضي.

إن هذه الأشجار متراصة في منابتها على الجزر السعيدة، ولسوف أقتلعها واحدة فواحدة لأغرسها متفرقة فتتعلم احتمال العزلة وتنشأ فيها الأنفة والحزم لينتصب كل منها تجاه البحر وقد تعدب جزعها وتعقدت أغصانها كمنائر حية للبقاء القاهر.

على كل شجرة أن تشخص في مهب العواصف المترامية إلى البحر حيث يتدافع الغمر إلى قاعدة الجبل فلا تغفل ليلاً ونهاراً عن تفحص سرائرها. عليها أن تتحمل التجارب ليعلم أنها من سلالتي وأنها تحدرت من أصلي تعززها الإرادة المجالدة فتبدو صامتة حتى عندما تتكلم، وإذا ما استسلمت تبدو معطية وهي آخذة. وهكذا يتحول من يمشي على أثر زارا بإضرابه وبإبداعه إلى شخصية تحفر شريعتي على ألواحي فيكتمل بذلك كل شيء.

وهاأنذا من أجل هذه الشخصية وأمثالها أسعى إلى تكوين شخصيتي فأمتنع عن ورود السعادة مقتحماً كل شقاء في آخر تجربة أتحملها لأدرك سريرتي.

لقد آن الأوان لرحيلي وقد نبهني إلى وجوب الرحيل خيال المسافر وأطول الأزمان وأعمق الساعات صمتاً إذ نفخ الريح في فتحة القفل فتراجعت درفة الباب قائلة: هيا.

ولكنني كنت مقيداً بحبي لأبنائي يأسرني تشوقي إلى هذا الحب لأصبح فريسة لهؤلاء الأبناء فأضحى من أجلهم نفسي؛ وما الشوق عندي إلا صورة ظاهرة لحقيقة فنائي. إن أبنائي لي وفي هذا التملك يجب أن يضمحل كل شوق مستحيلاً إلى عقيدة مكينة.

وكان رأسي يلتهب بشمس محبتي فأتحرق بحرارة دمي فرأيت أشباح الشكوك تدور بي من كل جهة فتمنيت أن يلفحني قر الشتاء حتى تصطك أسناني من رعشة الصقيع، وما عتم أن اكتسح نفسي ضباب الجليد، فشق الماضي لحوده وبعثت منه الآلام التي دفنت وهي حية فيها، وما تناولها الفناء لأنها كانت نائمة طي أكفانها.

وكان كل شيء يشير إلي بأن قد حان زمن الرحيل ولكنني كنت لا أنتبه إلى هذه الدعوة حتى تحركت أعماقي ولسعتني ثائرات أفكاري. ويا ليت لي القوة للتغلب على ارتعاشي عندما أشعر بقوة التفكير في أغواري تحاول أن تخترق لها منفذاً، فإنني لا أزال أحس باختلاج قلبي عندما أتنصت لدبيب أفكاري وهي تحاول الانجلاء لي. إن في صمتك نفسه أيتها الفكرة ما يشد على عنقي وأنت أشد صمتاً من أغواري. ولكم حاولت أن أستخرجك من الأعماق أيتها الفكرة فخانني العزم واكتفيت بإضماري إياك في ذاتي. إنني لم أتصل بعد إلى جرأة الأسد وإلى منتهى إقدامه.

إنك لجد ثقيلة في أغواري أيتها الفكرة ولسوف أجد يوماً قوة الأسد وأتخذ لصوتي زئيره فأرفعك من الغور إلى المنبسط، حتى إذا ما تغلبت بذلك على نفسي تدرجت إلى انتصار أعظم أختم به أعمالي. وإلى أن أبلغ هذا الظفر سأبقى تائهاً على بحار لا أعرف لها ساحلاً تداعبني خطرات الأحداث فأتلفت إلى ما ورائي وإلى ما أمامي ولا أعلم أين المنتهى.

ألم تحن بعد ساعة جهادي الأخير أم هي ماثلة أمامي الآن؟ والحق أن البحر والحياة يحيطان بي بجمالهما الفتان ويعلقان أبصارهما علي.

فيا لعصر حياتي، يا للسعادة تتقدم ساعة المساء، يا للمرسى في وسط العباب، يا للسكون في قلب الارتياب، إنني أحاذركنّ ولا أثق بكنّ جميعاً.

أما والحق إنني أخشى جمالكن الغدار كما يخشى العاشق ابتسامة تجاوزت حد التلطف في افترارها.
إنني أرفع عني ساعة السعادة كالغيور يصد عن محبوبته ولما يزل العطف يتجلى في قسوته وجفائه.

بُعداً لك أيتها الساعة السعيدة! فقد اجتاحتني بحلولك غبطة قاسرة وأنا أتوقع أعمق الأحزان. لقد جئتني في غير الأوان.

بُعداً لك أيتها الساعة السعيدة! اذهبي واطلبي لك ملجأ هنالك في مقر أبنائي، سارعي إليهم وباركيهم قبل حلول المساء وأنيليهم سعادتي.

لقد اقترب الغسق وجنحت الشمس إلى الغروب فتوارت عني سعادتي.

هكذا تكلم زارا. . .

وبات يتوقع نزول شقائه به طوال ليله، غير أنه انتظر عبثاً إذ بقى الليل منيراً ساكناً واستمرت السعادة تخطو مع الساعات مقتربة إليه. وما لاح الفجر حتى بدا زارا يتضاحك قائلاً:

إن السعادة تتأثرني لأنني لا أتأثر النساء، وهل السعادة إلا امرأة؟

قبل بزوغ الشمس

أيتها السماء الرافعة قبابها فوق رأسي نقية صافية، أيتها السماء السحيقة وقد غادرت في أبعادك الأنوار، إنني أشخص إليك فتمتلكني رعشة الأشواق الإلهية.

أنا لا أسبر أغواري إلا إذا سموت إلى عليائك، ولا أشعر بطهارتي إلا حين يجللني صفاؤك.

إنك تحجبين نجومك كما يتلفع الإله بسنائه. أنت صامتة وبصمتك تذيعين لي حكمتك.

لقد تجليت لي اليوم في سكونك على زبد الآفاق فأعلنت لروحي المزبدة ما فيك من حب وعفاف. جئت إلي جميلة مقنعة بجمالك تخاطبيني بلا كلام وتعلنين حكمتك وما كنت أعلم ما في روحك من عفاف. أتيت إلي قبل بزوغ الشمس أنا المنفرد في عزلتي.

أنا وأنت صديقان منذ الأزل فأحزاننا واحدة كارتياعنا، وعمق أغوارنا وشمسنا واحدة أيضاً. وما نتناجى إلا لوفرة ما نعلم ثم يسودنا الصمت فنتبادل ما أعرف وما تعرفين بلغة البسمات. أفما بعثت أنوارك من مكمن أنواري أفليست فكرتك أختاً لفكرتي؟

لقد تعلمنا كل شيء سوية وتدربنا سوية على الاعتلاء فوق ذاتنا متجهين إلى صميمها مبتسمين بافترار لا تعكره الغيوم. وبلفتات صافية نغرقها في سحيق الأبعاد في حين تتدافع كالأمطار تحتنا النزعات المكبوتة وأهداف الأخطاء.

إلى مَ كانت تتوق نفسي عندما كنت أذهب في الليل شارداً على مسالك الضلال؟ وماذا كنت أطلب في تسلقي الجبال نحو قممها؟ أفما كنت أنت مقصدي أيتها السماء. وهل كانت أسفاري جميعها إلا ذهاباً مع حافز التدرب؟ وهل كان لإرادتي من هدف غير التحليق في الأجواء؟ وهل أبغضت شيئاً بغضي الغمام وكل نقاب يلفع الضياء؟ لقد كرهت بغضي نفسه لأنه يعكر صفاءك أيتها السماء.

إنني أنفر من هذه الغيوم تمر كأنها قطط برية تزحف زحفاً لأنها تختلس مني ومنك أيتها السماء الحقيقة الإيجابية الثابتة في كل شيء؛ فأنا وأنت ننفر من هذه الدخيلات المعكرات من هذه الغيوم الكاسحات، فما هي إلا كائنات مختلطة في نوعها يسودها التردد فلا تعرف أن تلعن بإخلاص ولا أن تبارك بإخلاص. وخير لي أن ألجأ إلى مغارة أو أسقط في هاوية من أن أقف أمامك يا سماء الضياء وقد عكرت صفاءك الغيوم الكاسحات. ولكم وددت لو أنني أسمر أردانها على آفاقك بسهام البروق الذهبية ثم أنزل عليها الرعود تهوى قاصفة على مراجل أحشائها. إنني أود قرعها بعصا الغيظ لأنها تحجب عني حقائقك أيتها السماء الممتدة بأغوار أنوارها فوق رأسي كما تحجب حقيقتي عنك.

لخير لي أن أسمع هزيم الرعود وولولة العواصف من أن أتنصت إلى مواء هذه الهررة الزحافة المترددة. ففي المجتمع أمثال لهذه الغيوم يسيرون مترددين بخطوات الذئاب وقد وقفت أشد بغضي عليهم.

(على من لا يعرف أن يمنح البركة أن يتعلم إنزال اللعنات) ذلك ما ألهمتنيه السماء الصافية مبدأ ينير سمائي كالكواكب في أشد الليالي قتاماً.

ما دمت فوقي أيتها السماء الصافية المتألقة بالأنوار فإنني لا أنقطع عن منح البركة وإيراد بياني إيجاباً وتأكيداً لأنير بعقيدتي جميع الأغوار المظلمة.

لقد جاهدت طويلاً حتى أصبحت مبارِكاً ومؤكِداً. وما ناضلت إلا لأحرر ذراعي فأبسطهما للبركة؛ وتقوم بركتي على الاعتلاء فوق كل شيء كما تعتلي السماء والسقوف المكورة وقباب الأجراس والغبطة الدائمة. فطوبى لمن يبارك هكذا. لأن كل الأشياء قد تعمدت من ينبوع الأبدية وما وراء الخير والشر؛ وما الخير والشر إلا خيالات عابرة وأحزان بليلة وغيوم متراكضة إلى الفناء.

والحق أن من البركة لا من اللعنة أن نعلم بأن فوق كل شيء تمتد سماء الصدفة وسماء البراءة وسماء الحيرة وسماء الاضطراب.

إن كلمة الصدفة لأقدم ما في العالم من نسب للأشياء؛ وقد أرجعت كل الأشياء إلى هذا النسب النبيل فأنقذتها من عبودية المقصد والهدف. وهكذا رفعت الحرية والغبطة السماوية عالياً ونصبتها كالقباب فوق جميع الأشياء إذ علمت أن ليس من إرادة أبدية تعلو بها لتبسط مقاصدها فوقها.

لقد وضعت حداً لهذه الإرادة بل لهذا الجنون وهذا الاضطراب عندما علمت أن الوقوف عند الحقيقة كان مستحيلاً وسيبقى مستحيلاً.