Isolation
10.9K subscribers
598 photos
13 links
Download Telegram
صغيرتي المجنونة | أدا مونديس

"لما جاءتني صغيرتي المجنونة
كان شعرُها خيوطَ عنكبوت
وابتسامتُها ابتسامةَ قِطّة
وفمُها الصغيرُ فمَ عمياءَ
كانت تبحثُ عن الضوءِ
في شقوق العالم
عن أن تلعق أحجارَ وجهي
بلسانها المشتعل
حيوانٌ غاضبٌ كانَ يعزّي العجز كله
والأحزان القديمة للأرض
والفتاة الأميرة ذات الأحلام الحمراء
شبحُ امرأۃٍ
طولُ ساقيها
العاريتين في الشرفة
وأنا التي كنتُ أبقى مرتدية لباسي
وجالسةٌ بُإلحاحٍ في السريرِ
لما تكون الشوارع المهجورةُ
مشهدًا سينمائيًا
الأسلاكُ مثلَ صدر مُثقلٍ
الرقم 40 التهمهُ الأسفلتُ
الإشاراتُ الضوئيّة دونما شهودٍ تتابعُ لعبتها المتقطعة
والرصيف دونما ذاكرةٍ يحتضنُ بعض الكلابِ
حمالة الصدرِ الزاحفة في نطاقِ السرير
كل شيء قمتُ به ألفَ مرّةٍ بجوارِ صغيرتي المجنونة
عرّيتُ كتفيها
قبلتُ الوشم على كعبيها
قبلتُ كل أليافِ بشرتها
غسلتُها بالزيتِ والماءِ المُعتم لأجسادنا الملفوفةِ في الليل
المليئةِ بروائحَ بلا أسماءٍ من كلماتٍ ولا لغةٍ
كان صوتها المتلألئُ يصمتُ
كانت تقولُ لي كلّ ما كانت تريدُ حواسي أن تقولَه
كم من أضواء في عينيها
ألف شمس سوداء تطفو في أعماقِ كلِّ حدقةٍ
کالكواكبِ المجنونةِ المعلومة
تبحث عن عدَمِها
عن كاهلها الكستنائيّ الهائلِ
بطنها مليء بالأشواك
مخاوفُ وعنفٌ كان قد ألقاهما أخرون هناك
في عين العالم
هنا
عضوها الجنسي المُنفتحُ
أمام حُمّايَ
مثل ثمرةِ الموتِ
الرمان الحلوِ المُرِّ
وكلِّ بذرةٍ تقطرُ على لساني الحادِّ
لتأجيج عطشي
طفلتي الملكة
عند نطق اسمها
الابتسامةُ يَعصى عليّ
عناقُها كي يُخمد نيراني
معذّبةٌ سائلةٌ وحشيّةٌ
لمّا يهوي الليلُ على ركبتيه
أن تنظرَ إليها بلا عيونٍ
أن ترقصَ على عكاكيز الفجر
كل شيء قمتُ به ألف مرّة جنب صغيرتي المجنونة
لم أقبّلها
فمُها كان مختومًا أمامي
بحكمةِ نجمةٍ
طفل حزين
غابةُ خرساء
قلبُ العقربِ نجمي بشفتين مختومتين
أيتامٌ باردون
الحريقُ الذي يحرّرُني
الاختناقُ الذي يخلقني
هي الجرح الذي أجيء منه
الوحيدةُ التي وبغرابة
تمنعُني من الموت".
اسمي | مارك ستراند

"اسمي
والمرجُ أخضرُ ذهبيٌّ
والشجرُ ناهضٌ بضوئهِ القمريِّ المرمريِّ
كنُصُبٍ تذكاريةٍ نَضِرةٍ
في الهواءِ العَبِقِ، والريفُ كلّهُ نابضٌ
بصريرِ الحشراتِ وطنينِها، كنتُ أرقدُ في العشبِ،
شاعرًا بمسافاتٍ بعيدةٍ تُفتَحُ فوقي، وتساءلتُ
عما سأصيرُ وأينَ أَلقَى نفسي،
ومع أن وجودي شبيهٌ بالعدمِ، فقد شعرتُ وهلةً
أن السماءَ الشاسعةَ بعنقودِ النجومِ مُلكي، وسمعتُ
اسمي كأنهُ للمرةِ الأولى، سمعتهُ بالطريقةِ التي
يسمع بها المرءُ ريحاً أو زخّاتِ مطر، لكنهُ واهنٌ وبعيدٌ
كمن لا يخصّني بل يخصُّ السكونَ
الذي منهُ جاءَ وإليهِ يؤوبُ".
جائعةٌ منذ قرون | كاثرين لورنس

"شهقتُ. لكنه كان قد انزلق داخلي، بفعل البلل الذي يشبه بحيرة ساخنة غير مرئية. غبتُ في عالم سحري، تلاشى خلاله الزمن والتفاصيل المألوفة. فأين ذهبت الجدران والسقف والشبابيك؟ لماذا انتقلتُ دفعةً واحدة من عالمي إلى عالم آخر، بفعل حركة واحدة منه؟ ليست أية حركة، لكن هذه الحركة بالتحديد؟ نقلةٌ جذرية، تكف فيها الملكات العقلية عن العمل لتحيله إلى الإحساس والغريزة الأولى. أحاسيس لم أكن أدري بوجودها داخلي تنبت وتزدهر كأشجار باسقة، وأحاسيس تصحو مهللة راقصة رقصة بدائية، وأحاسيس تولد من مناطق لا تخطر بالبال، في أية لحظة من لحظات الوعي. غابة من الأحاسيس أتماوج على إيقاعها الحميم، كقارب خشبي صغير على أمواج بحر هائج.

بلا إرادة، أتماوج، أعلو وأهبط، أصعد وأنزل، أتلوى وأنثني ثم أنفرد، أنقبض وأنبسط، وهو يتلاعب بي، يقودني، كأنه قائد الأوركسترا التي ليست سوى أعضائي المنفلتة مني وأحاسيسي المشتعلة. يغوص إلى أعماقي فيشعل روحي ثم ينسحب فيخبو الحريق، يُسرع الإيقاع فيصعد بي إلى حافة الانفجار، ثم يُبطئ فأتراجع عن الحافة، يفلت جسدي من عقاله، من سيطرتي، يصبح مرهونًا به وبضرباته المتلاحقة التي ألهث في إثرها.

يتفتح جسدي وروحي في مناطق سرية، مناطق مجهولة لا أعرفها ولم تخطر لي ببال. تتفتح وتتصاعد آهاتها الشهوانية تريد وتهفو وتستجدي. كأن أعضاء جديدة تنبت داخلي في ربيع جسدي، ظامئة جائعة منذ قرون. كُلي مفتوح عن آخري، للشموس والأقمار اللاذعة القاضمة الآكلة، للرياح والعواصف التي تتقاذفني فيما بينها كأني لعبتها أو دميتها، تطيح بي وتحنو عليَّ، تبعثرني وتلملمني، تقذفني وتلتقطني، أنا المغيبة في الحلم أو الغيبوبة، يخترقني من كل الجهات والأبواب المفتوحة، مشتعلةً في أنحائي وتضاريسي وكهوفي الغائرة. فمَن يقول لي ما الذي يجري؟ مَن يقرأ لي الأبجدية التي لا أعرف هجاءها، فتقرأني هي كما يحلو لها، أنا المفعولة فيها بلا حول ولا قوة، في استسلام وخضوع شهيين، على سطح غيمة أطفو، ينهال عليَّ رذَاذٌ دافئ لا أدري من أين، أرفرف بأجنحة من قوس قزح، حولي عصافير ملونة تغرد وتزقزق، تنقرني وتهرب، ثم تنقرني، وتحوم، أمد يدي لأمسكها تروغ وتبتعد ثم تنقض، مناقيرها تلذعني، تقضمني، وتحوم بعيدًا، ثم تنقض لتغوص مناقيرها تشرب مائي قطرة قطرة، فأطفو أتقافز من غيمة إلى غيمة، تحملني إلى سماوات أخرى، وأخرى، وأخرى.
على حافة الانفجار، وخلاياي تقرع الطبول، لا أدري، لكن الضربات تنال الأعماق وحواف الروح. أتصاعد تنهال من كل الأبواب؛ كلي أبواب مشرعة عن آخرها، تجرفني سيوله الساخنة وهي تنفجر داخلي، وتتخلل مسامي الدفينة، وقرعات الطبول تعلو، تعلو، فأنفجر في البراح المباح".
ذكريات في أواسط الخريف | جورج أوريل

"يومًا ما أواسط الخريف،
تلك الأيام الساكنة عندما حلّق السنونو،
وشجيرات الدردار تذبل في الضباب،
وكل واحدة كائنٌ منتشٍ بذاته،
أيقنت بوضوح،
عاجزًا عن التعبير، كيف ستغلف العظام،
تلك البرودة في الدماغ، وذلك الخدر،
الذي ينتظرني في القبر القاتم.
أرى الناس يتدفقون في الشوارع،
موسومين بالموت، مثلي
هائمين بلا هدف، بلا جذور، مثل أوراق متطايرة،
تتعامى عن الأرض والسماء.
لا شيء يؤدي للإيمان، لا شيء يدعو للمحبة،
دون فرح، دون ألم، دون التفات إلى نهر
الحياة الثمينة التي تتدفق داخلنا،
لا شيء سوى الكفاح والكدح وكأننا في حلم.
يا أيها الراحلون، توقّفوا وتذكّروا
كيف قيّد الطاغية حياتكم بالأصفاد.
تذكروا تلك الساعة الثابتة المعطلة من الزمن،
ضربة قاتلة، والظلام وراءها.
بينما يدان الرجال، دعونا نعرف
ونعيش في السلام والزمن المزدهر
دعونا نعرف عالمنا أكثر فأكثر بينما لا نزال قادرين على ذلك
وأن نعيد تشكيل ذواتنا، مهما كانت مريضة.
لنعش بيدين وعينين ودماغ
ورعين منفتحين وواعين دائمًا،
حتى نشعل أعمارنا ساطعة قوية
مثل نيران الشموع في الهواء الساكن،
هكذا هي الحياة
بعضنا يفكر، وبعضنا يؤمن، بعضنا يبحث عن الأمان،
لنقلها قبل أن يلتهمنا صمت القبور".
Kenton Nelson
بومة بيضاء | ليو ثيلادا

"أنفاس السرو
تخبطني في هذه اللحظة
المنعشة الهادئة
منذ زمن لم أجلس وحدي
على مقعد في حديقة
منذ زمن بعيد جدًا
لم أخرج مساء
لأتشرّب
من وميض المساء في جسدي
نعم،
لقد أخذت في التعود شيئًا فشيئا
أن أكون حيوانًا سوداويًا
في الليل
بقيت مغطى
بالوهج الأمومي للقمر
لقد اخترقتَ الليل
لتصير نقيًّا
کجبل جليدي
الآن لديك
هدوء البومة البيضاء".
ماذا أريد؟ | حماد نيازي

"أريد ضوءًا
نقطةً، نقطتين، قليلًا من ضوءٍ
يمكنني أن أصنع منه شمسًا
شمسًا ناعمةً، ساطعةً كالدموع

لا. أريد ظلًا
باتساع قدمٍ، قدمين، قليلًا من ظلٍ
يمكنني أن أصنع تحته سرير نومٍ
سريرًا مريحًا، ناعمًا، مليئًا بالأحلام

لا. أريد كلماتٍ
اثنتين، ثلاث، فقط قليلًا من كلماتٍ
يمكنني أن أصنع بها قصيدةً
قصيدةً قصيرةً، جميلةً، ذات معنى

لا. أريد نَفَسًا
لساعةٍ، ساعتين، فقط قليلًا من أنفاسٍ
أتنفسها ليمكنني أن أنتظرها أكثر
انتظارًا طويلًا، دون جدوى، لكنه ضروري

لا. أريد أدعيةً
اثنين، ثلاثةً، قليلًا من أدعيةٍ
يمكنني أن أصنع بها جنتي
جنةً جميلةً، كالأم، مفعمة بالأسى

لا. أريد كل هذا
ضوءًا، وظِلًا، وكلماتٍ، وأنفاسٍ، وأدعيةٍ
يمكنني أن أصنع بها عالمًا
عالمًا كألواني، وأحلامي، وناسي".
قصيدة للإيجار | حيدر أرغولان

"استأجري هذا البحر في هذا الصباح
ولنتذكّر بعضنا البعض في الأزرق
استأجري الشمسَ في هذه الظهيرة
لكي لا يدخل هذا البرود بيننا مرّةً أُخرى
استأجري الكسلَ بعد هذه الظهيرة
فلربما أُصبحُ قطّةً في ظلاله
استأجري حديقة في هذا المساء
ولتكبرَ في يدينا الورودُ والبنفسجُ والياسمين
وإذا استأجرتِ النومَ هذه الليلة،
فسوف أستضيف عينيكِ فقط في حلمي
استأجري هذا الجسدَ في هذا الربيع
لقد تغبّرت كلماتي في كتاب الجسد
وفي هذا الدرس استأجري الجغرافيا
لنأخذ استراحةً مع التربة والمياه
واستأجري رحلةً في هذه الاستراحة
لنمشي إلى الصداقة بلا توقُّف
وهذه المرّة استأجري مركباً شراعيّاً
وسيذهب القلبُ أينما تأخذه الرياح
استأجري هذا الشارع في هذا الصيف 
افتحي الأبواب،
واتركي الوحدةَ وحيدةً في الغرف
لا تستأجري هذه القصيدة، وإلا سأصبح شاعركِ!".
أربع عيون | حيدر أرغولان

"لسنا بخير أيتها النظّارة
انظري، إنهم يحاولون كسرنا بلا توقّف
لسنا بخير يا عَينيّ الاثنتين
لم يتركوا لي روحي
ولم يتركوا لكِ زجاجكِ
لم يعد لدينا أيّ شيءٍ يُكسَر
هل يصبح الذين لا يرتدون نظّارات قساةً هكذا؟
يشدُّونكِ ويأخذونكِ منّي،
وهكذا نُسحَق أيتها النظارة،
أنتِ محطَّمة دوني، وأنا معتمٌ دونكِ
أين الإنسانية؟
إذا لم يكسرونا إلى هذه الدرجة
كنّا اشترينا لهم نظّاراتٍ واحداً واحداً
أليس كذلك يا صديقتي الزجاجية؟
كم أنتِ جميلة أمام عينيّ مرّة أُخرى
دونكِ لا طعم للبسمة ولا للنظرة
في غيابكِ يبدو القبح أسوأ في عيني،
واللكمات أكثر ظُلماً، والكلمات أكثر قسوةً في قلبي
في غيابكِ يبدو العالم فارغاً في عيني
سأعتني بكِ مثل عيني
فلم تعد باستطاعة عيني أن ترى أحداً غيركِ
وليس لديّ كلام للذين لا يروننا
لقد كسرونا كثيراً أيتها النظارة
حطّمونا وكسروا كل شيء فينا
حطّمونا ولم ينظروا إلينا بقلوبهم مرّة واحدة
إنهم يُصوِّبون أعينهم الآن على الروح، وعلى الزجاج أيضاً
لقد سقطنا من الأعين، كما سقطنا من الكلام
ولم يعد بإمكاننا أن ننكسر مرّة أخرى أيتها النظارة
ستكون نهايتنا إذا انكسرنا مرّةً أُخرى
ولن يكون باستطاعتهم أن يجدوا قطعة واحدة منّا!
آهِ، لم يتركوا لنا عيناً لتنظر أو قلباً ليرى
لو أنَّ شيئاً جميلاً واحداً قد تبقّى
لكنّا اعتنينا به، ليس بعينينا الاثنتين فقط، ولكن بأربع عيون
وكنّا سنقول إن الذي يدخل الروح يدخل الزجاج أيضاً
لكنهم أهملوا عيوننا وقلوبنا
ولم يعد للروح هوسٌ، ولا للزجاج رغبة في الرؤية
نظارتي
لنعتنِ ببعضنا البعض يا شقيقة الروح
ربما يهتمّون هم أيضاً بأنفسهم
نظّارتي
يا عينيّ الاثنتين، وعظامي
أتمنّى ألّا أكون قد كسرتكِ بهذه الكلمات
لأنكِ نحيفة للغاية، وتنكسرينَ
وينكسر أيضاً قلب الصداقة الزجاجي!".
Glen Preece
نجمة الليل | لويز إليزابيث غليك

"الليلة ولأول مرة منذ سنوات عديدة،
ظهرت لي هناك مرة أخرى
رؤية روعة الأرض:
في سماء المساء
بدا النجم الأول
يزداد ألقًا
كما أظلمت الأرض
حتى أخيرًا لا يمكن أن يصبح أكثر قتامة.
والنور الذي كان نور الموت
يبدو أنه يعيد إلى الأرض
قوتها في وحدة التحكم.
لم تكن هناك نجوم أخرى
فقط واحد عرفت اسمه
كما فعلت في حياتي الأخرى
كنت سبب إصابتها: فينوس،
نجمة المساء المبكرة،
لك أهدي رؤيتي،
منذ ذلك الحين على هذا السطح الفارغ
لقد ألقيت ما يكفي من الضوء
لجعل فرحتي
مرئية مرّة أخرى".
طيبتك الصغيرة | لويز غلوك

"لا تظُنّ بأني لستُ ممتنةً لطيبتك
الصغيرة تجاهي.
أنا بالأحرى أحبّ الأفعال الطيّبة الصغيرة.
حقًا، أُفضّلها أكثر
على الطيبة الكبيرة التي تحدّق فيك على الدوام
كصورة حيوانٍ عظيم على السّجّاد
إلى أن تنكمش حياتك كلّها
إلى لا شيء سوى أنّك تستيقظ يومًا بعد يوم
صغيرًا وهالات الشمس الحارقة تتوهّج.

أتساءل وأنا أنظُر إليك في المرآة
ماذا يعني أن تكون جميلًا
ولماذا أنت لا تحب
سوى أن تجرح نفسك، مثلما أعمى
يحلق ذقنه. أظنك تتركني أنظُر إليك طويلًا
كي تنقلب ضدّ نفسك
بكثير من العنف،
قاصدًا أن تريني كيف تزيل البشرة
بازدراء وبلا تردد.
إلى أن أراك تمامًا كما أنت
رجلًا ينزف، وليس الصورة
التي أتوق إليها في المرآة.

في البداية، حين غادرتَ
تملّكني خوف: ثم
في الطريق شدّني شاب
كانت عيناه في عيني
صافيتين وحزينتين: فناديت عليه
بأن يدخل، وكلّمته بلغتنا نحن الاثنين
لكنَّ يديه كانتا يديك
بكل لطف تعبّران عن صبوتهما القاتلة
ثم لم يعد يهمني شيء
أو من منكما ناديت
كان جرحي عميقًا.

أظنّ من الأفضل ألا أحب أحدًا
على أن أحبّك. ها هي ثيابي السوداء،
بيجاماتي المترهلة وفساتيني البالية
في أكثر من مكان. لماذا عليها أن تظل معلقة
بلا جدوى كما لو أني سأكون عارية؟
كنتَ تحبني كثيرًا
في الأسود: سأهديها إليك إذن
فقد تشتهي أن تلامسها بشفتيك أو تمرر أناملك
على ملمسها الطري الرقيق، فأنا
في حياتي الجديدة، لن أكون في حاجة إليها".
وجهك مرآة | لويز غليك

"رجلٌ وامرأةٌ يستلقيانِ في سريرٍ أبيض.
الدنيا صباح. أفكرُ
سيستيقظانِ قريبًا.
على الطاولةِ المجاورةِ مزهريةُ
زنابق؛ يتجمَّعُ
نورُ الشمسِ في حنجرتيهما.
أراقبهُ يستديرُ نحوها
كما لو أنهُ فعلَ هذا لينطقَ اسمها
لكن بصمتٍ، غائرًا في فمها ـ
على حافةِ النافذةِ،
مرةً واحدةً، مرتانِ اثنتانِ،
يغرِّدُ طائرٌ.
ثم تتقلبُ؛ جسدها
ينضحُ بأنفاسهِ.
أفتحُ عينيَّ؛ أنتَ تراقبني.
تقريباً في كل هذه الغرفةِ
تتزلجُ الشمسُ.
انظري إلى وجهكِ، تقولُ،
واضعاً وجهكَ قربَ وجهي
لتصنعَ منه مرآةً.
كمْ أنتَ هادئٌ. والعَجَلةُ المشتعلةُ
تمرُّ برفقٍ فوقنا".
رغبتك الضامرة | لويز غليك

"أنتَ لا تحب العالمَ.
لو كنتَ تحب العالمَ لكانَ في قصائدكَ
صُوَرٌ.
جون يحب العالم. لديهِ
شعارٌ: لا تحاكم الناس
كي لا يحاكموكَ. لا
تناقشْ هذه النقطةَ
على نظريةِ أنّ من غيرِ الممكنِ
أن يحبَّ المرءُ ما يرفض
أن يعرفه: أن يرفض
الكلام لا يعني
قمعَ الإحساس.
انظْر إلى جون، منطلقاً في الدنيا،
يركضُ حتى في الأيامِ البائسة
كهذا اليوم. بقاؤكَ
جافاً يشبه تفضيلَ الهرةِ المعيب
لاصطيادِ عصافير ميتة: تماماً
متناسقٌ مع أفكاركَ الروحيةِ المدجنة،
خريفٌ، خسارةٌ، عتمةٌ، إلخ.
باستطاعتنا كلنا أن نكتبَ عن المعاناة
وعيوننا مغمضةٌ. عليكَ أن تدعَ الناس ترى
أشياءَ أخرى منكَ؛ أرِهْم رغبتكَ
الضامرة بالتهامِ اللحمِ الأحمر".
رُسُل | لويز غلوك

"ليس عليكَ سوى أن تنتظر، ولسوف يجدونكَ.
الإوزّ الذي يطير واطئاً فوق المستنقع،
الإوزّ اللامع في المياه السوداء،
سوف يعثر عليك.

والغزلان ـ
كم هي بديعة،
كأنّ أجسادها لا تعترض سبيلها.
تنزلق خفيفة في العراء
تعبر أشعة الشمس ذات الألواح البرونزية.

ما الذي يجعلها تقف ساكنة هكذا
إذا لم تكن تنتظر؟
لابثة بلا حراك، حتى تصدأ أقفاصها،
والشجيرات ترتعش في الريح
جالسة القرفصاء، عارية من الأوراق.

ليس عليكَ سوى أن تترك الأمر يحدث:
تلك الصرخة ــ «أطلقها، أطلقها» ــ مثل ذاك القمر
الذي غضّنته الأرض فصعدَ
ممتلئاً في دائرة سهامه".
مركز الحبّ | روبرتو خواروث

"لا يتطابق مركز الحبّ
دائمًا مع مركز الحياة.

يبحثُ كلا المركزين عن بعضهما البعض
كحيوانين مضطربين.
لكن نادرًا ما يلتقيان؛
لأنّ للتطابق مفتاحٌ آخر:
هو أن يولدا معًا.

أن يولدا معًا،
كما يجب أن يولد ويموت
كُلّ العشّاق".
القبرُ المشرَّع للهواء | لويز غليك

"عن أمي ورثتُ التطلبَ،
عن أبي الضميرَ.
لا تجوز على الميت إلا الرحمة.
لهذا سأدفعُ ثمناً باهظاً جداً
إن كذبتُ،
إن أوثقتُ نفسي
إلى حافةِ قبرٍ.
أقولُ للأرضِ
أن تكونَ لطيفةً تجاه أمي،
الآن وفي ما بعد.
احفظي، ببرودتكِ،
الجمالَ الذي حسدناه كلُّنا.
أصبحتُ امرأةً مسنةً.
رحَّبتُ بالعتمةِ
التي اعتدتُ أن أخافها جداً.
لا تجوز على الميت إلا الرحمة".
قصيدة الحبّ | ذي شان ساحل

"هذه قصيدة الحب،
يجب أن تُكتب على الماء،
أو يجب أن تُطيَّر في الهواء
مربوطة بساق حمامة
أو يجب أن تُحفَّظ
لأرنب،
أو يجب أن تُخبَّأ
في بيانو قديم.

هذه قصيدة الحب،
يجب ألا تُقرأ في البلكونة
ويجب ألا تُحفظ
تحت سماء مفتوحة،
يجب ألا تُنسى في المطر،
ويجب ألا تُقرَّب كثيراً
إلى العيون".
أيدي الرّفاق | يانيس ريتسوس

"ظلّت أيدينا عارية
احتكّت أيدينا ألف مرّةٍ
بِذَقنِ ريحٍ غير محلوقة
انتزعت الأسلاكَِ الشّائكة ألف مرّة
أمسكت بِِقُضبانِ الْموتِ الجليدية ألف مرّة
صارت أيدينا مُتصلّبة على الفأس، على الحَجَرِ،
في المعارك وحتى بواطن أيدينا تصلّبت من
المصافحات العديدة.
إنّها الآن، تتحسّسُ الأشياءَ بشدّةٍ أكبر.
هواءُ البيت وطَيفُ الأمّ
كانا زوجًا من قُفّازات ناعِمة، قفّازات من صوفٍ.كانت تُدفئ أيدينا - تمنعُ عنّا ملامسة أيدي الآخرين مباشرة على الجلد.
الآن، هذه القفّازات مُهترئة
نستعملها لتضميدِ جراحِ رفاقنا.
نستعملها كخِرَقٍ لمسح لَوازِم المائدة وأواني العَشاء.
ظلّتْ أيدينا عارية.
تعلّمتِ العمل، الصّمت، البَصمَة.
رَفعَتْ ألف مرّة القَبضة في حُنقٍ.
بمطواء، قطّعت وقطّعت من جديدٍ رغيفَ الصّبر.
اصطدمت بِالحائط وصفعتِ اللّيل
الْآنَ، تَسْنَدُ أيدينا بكاملِ عرائها إلى الرّكبِ
مثلما تَسندُ الشّمسُ إلى الجبلِ،
مثلما يَسندُ الجبلُ إلى البحرِ،
مثلما يَسندُ قلبُ الرّفيق إلى عقيدته.
هكذا هيَ أيدي الشّيوعيّين.
حين تُصافحكَ تُدرِكُ أنّ العواصمَ بِكُليتها تُضِيءُ خلفَ اللّيل.
حين تَرفَعُ دِلاءٍ مِن ماءِ البحر إلى القمّة
تُدرِكُ أنّ اليومَ التّالي، كلٌّ مِن الشّمسُ ومن البحر يصيران بين أيديهم.
تُدرِكُ أنّ أكياسَ الحِجارة الضَخمة تغدو خفيفةً بين أيديهم.
لأنّ، مَا يَزيد عن ضِعفِ الوزن، دوماً ما يُرفَع بواسطة الْحريّة
هكذا هيَ أيدي الشّيوعيّين.
أيدٍ عارية، عروقٌ عارية على أيدٍ عارية،
مثل خطوط السّككِ الْحديديّة على خارطة العالَم.
أيدٍ عارية - داخل قبضتها تلاشى خطُّ القدَرِ.
داخل قبضتها تُمسِكُ بِمصير العالَمِ.
إنّها أيدي الشّيوعيّين".