Isolation
10.9K subscribers
598 photos
13 links
Download Telegram
قلم الشاعر | تشارلز سيميك

"عرفت شاعراً لم يكن يستطيع كتابة قصائده إلا بعقب قلم رصاص. لم يكن يفلح معه بالقدر نفسه أي شيء آخر. كان أهله وأصدقاؤه يأتونه بأقلام الحبر، والأقلام الجافة، والآلات الكاتبة، وأجهزة الكمبيوتر، فيظل ينأى عنها جميعا. وكانت زوجته تقول "إن ذلك أشبه بإهداء ساعة يد لكلب في الكريسماس". لم يكن يحفزه على الكتابة غير أقلام الرصاص. ويسأله أصدقاؤه "كيف هذا؟" فيقول لأن بوسع المرء أن يعض قلم الرصاص إلى أن يصل إلى عقبه وهو يفكر في الجملة التالية. كما لم يكن يجد نفعاً في ألواح الكتابة والدفاتر والأغراض المكتبية الأنيقة. بل يفضل عليها مظاريف الفواتير القديمة، وظهور المنشروات الدعائية التي توزَّع في شوارع نيويورك للإعلان عن القروض السريعة وأندية التدليك والعرَّافين ومزادات البضائع الناجية من الحريق، وإن يكن بوسع قائمة وجبات مطعم أو إيصال إيداع في الحساب المصرفي أن ينقذه بالقدر نفسه.

وأمر آخر. كان يحب أن يكتب قصائده على مائدة المطبخ بينما زوجته تطبخ. وكان إجلاسه في غرفة ذات شرفة في الريفييرا الفرنسية أو في شاليه في جبال الألب السويسرية إهدار للمال، فما كان جمال الطبيعة الفائق يزيده إلا نعاساً. في حين أنه لحظة يسمع زوجته تفرم ثومة أو تخرط حزمة بقدونس، يجد ربة الشعر تناديه. وتتحقق النتيجة نفسها مع الحساءات المنزلية الثقيلة، ويخني اللحم البقري، ولحم الخنزير المحمص، والسجق المشوي. فالقصيدة الغنائية أشبه بالمطبخ الرفيع. تستوجب أنفا خبيرا بالتوابل وأصابع رقيقة اللمسات. كانت الروائح السابحة في الهواء تسيل اللعاب في فمه، وترقرق عينيه، فيسارع إلى البحث عن قلم رصاص وشيء يكتب عليه، وكان يحتفظ بكلا الشيئين في درج المطبخ مع مخزون وافر من خلال الأسنان. ويصب لنفسه كأس نبيذ أحمر ويجلس. كأس أو اثنان، يرشفهما على مهل، ولا شيء آخر. يتفادى أن يشرب الزجاجة كاملة، لأنها تجعل منه شخصاً سنتمنتاليا، وبدلاً من كتابة الشعر، يجد في نفسه الرغبة إلى الدندنة بأنغام المسلسلات الشهيرة والأوبرا الإيطالية.

ما كان يحبه في الكتابة بعقب القلم الرصاص أنه يجعل خربشاته غير قابلة تقريباً للقراءة. فبتلك الطريقة لم يكن يشعر بالحرج مما كتبه. كان ينظر إليه، وينظر إليه، بعد ذلك، محاولاً أن يخمن ماذا بحق الرب ذلك الذي قاله. وحين لم يكن يحالفه الحظ، كان يطلب العون من زوجته. فتفاجئه المرة تلو المرة بأن تجيئه بأشياء أفضل من أي شيء يكون في رأسه. زواج الواقعي والخيالي، أليس ذلك هو الشعر؟ وبمرور السنوات لم يعد بوسعه أن يميز ما الذي يخصه، وما الذي يخص زوجته، وما الذي يخص خلطاتها السماوية العديدة إذ تغلي على الموقد، فبعض منها إن شئتم الحق كانت شريكة في كتابة قصائده بقدر ما كان هو شريكاً فيها. قال لنفسه إنها كانت كتابة تعاونية. كنا نعمل نحن الاثنين عن قرب، مثل عالمين مجنونين في فيلم رعب، يتجادلان حول أنابيب اختباراتهما في المعمل ويصيحان في كلبهما إيجور كي يكف عن النباح ويترك ساعي البريد يملأ صندوق البريد بخطابات الاعتذار عن النشر المبعوثة من مجلات الشعر.

من هذا الأحمق؟ لعل هذا هو السؤال الذي يدور في أذهانكم. هو أنا، طبعاً. يظلون يلحون على الكتاب والفنانين في هذه الأيام بسؤال أحدهم "هل يمكن أن تصف لنا عملية الكتابة عندك؟" هل يسأل أحد بطل العالم في أكل السجق عن كيفية تدربه؟ لعلهم يسألونه. أنت معروف للعالم بمنحوتاتك المصنوعة من الزبدة يا سيدي، إذ تحولها إلى روائع تجتذب اهتمام أكبر المتاحف في هذا البلد وفي العالم: فهل صنعت زبدتك بنفسك وأنت تنحت تمثال "العذراء الباكية" أم اشتريته من السوبرماركت القريب؟ فإن قال إنه يصنعها بنفسه، يطلب الصحفيون مقابلة البقرة التي جيء منها باللبن ويسألون إن كان بوسعهم التقاط صورة للفنان والبقرة وهما واقفان بجوار التمثال.

ولأن الشعراء، لو صدقوا، نادراً ما يعرفون من أين تأتيهم قصائدهم ولا يتذكرون كيف جمعت بعضها إلى بعض على وجه الدقة، فإنهم يكونون مرغمين على تلفيق سيرتهم، ولغتهم الأدبية، ولغوهم الاصطلاحي إرضاء لجماهيرهم. ولم يكن الشعراء دائماً مرغمين على ذلك. فلم يسأل أحد "تي إس إليوت" أو "روبرت فروست" مثل تلك الأسئلة. وأتذكر أنني رأيت في شبابي شاعراً شهيراً يجلس في كرسي محاطاً بالطلبة جالسين على الأرض يشاهدونه في استغراق تام وهو ينظف أظافره بخلال أسنان في انهماك وصمت تام.

عندما كبرت أمي وانتقلت إلى دار رعاية المسنين، فاجأتني في يوم من الأيام قرب نهاية حياتها بسؤالي عما لو كنت ما أزال أكتب الشعر. ولما اعترفت لها أنني لا زلت أفعل، حدَّقت فيّ في ذهول. وكان عليّ أن أكرِّر إجابتي إلى أن تنهَّدت وأدارت عينيها، وهي ربما تحدث نفسها، ابني هذا كان دائما لديه صمولة مفكوكة في عقله. ذكّرني هذا بقولها لجيراننا في شبابي إن ابنها الفاشل دائم الكتابة في السر. كانت تحاول أن تتلصص من وراء ظهري ـ وأفراد غيرها في الأسرة كانوا يفعلون ذلك أيضا، فكنت أختفي في سريري و
أخفي رأسي تحت الغطاء. وحينما كانوا يسألونني عما أفعله، كنت أصمت أو أصيح قائلاً لا شيء، بحسب ما حكت أمي. ومرة فتشت سريري وأنا في المدرسة فعثرت على عقب قلم رصاص تحت وسادتي. ولما فتشت مرة أخرى لم تعثر على شيء هناك على الإطلاق.
وليس في ذاكرتي أنا شيء من ذلك كله، ولم أكن أعرف وهي تحكيه عن أي شيء تتكلم.

في عصر أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية، وبينما تنقرض أقلام الرصاص، احرصوا أن تكونوا طيبين ومراعين لمشاعر الآخرين حينما تصادفون عقب قلم رصاص ملقى في مكتبة عامة ما أو محل جزار محكوم عليه بالإغلاق. ثقوا أن له تاريخا. (ولكل أقلام الرصاص تاريخ). ولو وجد أحدكم في نفسه مثل مشاعر السامري الصالح، فليأخذه إلى البيت ويتركه في غرفته في أمان، فقد يحدث في يوم من الأيام أن يتمكن منه الكسل فيخرجه من مخبئه، وحينئذ قد يحكي له قصة حياته بينما أصابعه قابضة عليه برقة".
Ilya Glazunov
إلى آنجيل نافيس | جانين فيرلي

"عزيزتي آنجيل:

الرجال، يأتون باندفاع وقوة، كحبات
رمال في عاصفة.
في الآونة الأخيرة، لم أكن أنا؛
كنت أعبر الأنهار، أجمع السكاكين والمهدئات،
أستخدم لساني للصيد من حلوق الرجال،
فأجد جثثًا ميتة بين أسنانهم.
فتحت قميصي، كشفت عن صدري، شرعت الأبواب
والخزائن والشبابيك، كشفت جلدي وأردافي،
قلتها بصدق كما تعلمت:
هذه أنا، وهذا كل شيء، وهو ليس بالكثير.
أنا قلب وأنفاس وجلد ونزيف.
عاصفة أحيانًا.. وتهويدة أحيانًا أخرى.
يقبلون، أيها الملاك.
يقبلون.
يقولون الكثير، كلمات مصنوعة من فولاذ:
زواج
أطفال
اليوم
الحب
مستعد
أجل
آنجيل، لماذا يرحلون؟

تجاهلوني بقسوة حتى استحال جلدي خشبًا، ولساني ملحًا.
يبقون عليّ، كمجوهرات منسية في درج، حلي في صناديق،
كأس بطولة قديم في قبو.
نامي على الملاءات يا امرأة، فقط ارقدي في هدوء.
سأعود إليك بعد أن تعلني توبتك، بمجرد أن تكرهي نفسك بالقدر الكافي.
(مضحك كيف لا يؤلمك الهجر حين تكون فاعله)
آنجيل، حين غمستُ العوارض الخشبية في الكيروسين
وذهبتُ حاملة الشعلة،
بعدما سُحبت الجثث ودفنت على نحو سليم،
ظننت أن بقاءك سويًا يعني بقاءك صادقًا.

فقط كن صادقًا ولن تُجرح أبدًا، أليس كذلك؟
قالتها فتاة مصنوعة من شظايا لم تخلق للحب.
لكنهم حاولوا، على أيه حال.
حاولوا، وتبين، أنني أستطيع،
أستطيع أن أحب بقوة شظية.. شظية تذيب الجلد.
ذات ليلة على الملاءات – الملاءات التي كانت له-
كنا، حرارة رجل آخر وأنا، كومة من التشنجات، خذلان وأنين،
بكيت لأنه رحل، لأنه تركني لهذا الرجل.

مشينا معًا تحت المطر. قال إن بشرتي مثالية كأوراق الأقحوان.
حدثني عن ذلك الجسر. جلعني أضحك،
أضحك – حتى والمدينة ووجهي يأكلهما اللهب.
أرقد فوق ملاءاتي، دائمًا الملاءات، رقع الكتان الملطخة القديمة.
أسطّح نفسي إلى أقصى حد، أسطّح الأرداف والنهدين أتركهم
ينسكبوا للخارج كزبد ذائب.
أصير أرق وأرق وأرق، ألامس حواف الفراش،
أدعو أن أصبح في نحافة ورقة، في هشاشة جسم خفي.. هشاشة من لم يكن أبدًا.

آنجيل، المكان فارغ هنا، فارغ على الدوام.
ليس هناك من يرغب في الحطام، ليس هناك من هو قوي بما يكفي.
أخاف النهر، أخاف أن يبدأ في مناداتي ثانية.
أخاف أن أصحو غدًا لأجد بابي الأمامي يفتح مباشرة على ذلك الجسر.
أخاف الأسماك، أخاف ذيولها التي ستدفعني للقاع.
أخاف القوارب، أخاف محركاتها، وسترات نجاتها.
أخاف الجثث، الفتيات كلهن اللاتي لم يعثر عليهن.
أخاف الرجال، أخاف انجذابهم لللحم،
أخاف أسنانهم الحادة".
Channel photo updated
أنتِ ولدتِ لتبني | سارا كاي

"الجميع بحاجة إلى مكان. لكن، يجب ألا يكون بداخل شخص آخر". | ريتشارد سكين

"لو أنك نضجت وكنت من النساء اللاتي يحب الرجال النظر إليهن،
اسمحي لهم، لكن لا تخلطي بين العيون والأيدي
أو النوافذ
أو المرايا
دعيهم يروا كيف تبدو امرأة، فربما لم يروا واحدة من قبل.

لو أنك نضجت وكنت من النساء اللاتي يحب الرجال لمسهمن،
اسمحي لهم، أحيانًا لست ما يبحثون عنه
ربما يبحثون عن قنينة
أو باب
أو شطيرة
أو امرأة أخرى
لكن أيديهم وجدتك أولًا، لكن لا تخلطي بينك وبين حماية
أو متعة
أو وعد
أو وجبة خفيفة
أنت امرأة، جلد وعظام، عروق وأعصاب، شعر وعرق،
لم تخلقي من مجاز، أو اعتذارات.. أو حجج.

لو أنك نضجت وكنت من النساء اللاتي يحب الرجال حملهن،
اسمحي لهم، طوال اليوم يتمرون للحفاظ على أجسادهم قائمة-
حتى بعد سنوات من التطور، يشعرون بالقلق، ينمون العضلات، ويزيدون الأذرع
والعمود الفقري قوة.
قليل من الرجال يرغبون في معرفة شعور الالتفاف من حولك كعلامة استفهام،
معترفين أنهم لا يملكون الأجوبة، معتقدين أنهم سيملكونها الآن؛
بعض الرجال سيرغبون في حملك كجواب
أنت لست الجواب
أنت لست لست المشكلة
ولا القصيدة
ولا اللغز
أو المزحة.

لو أنك نضجت وكنت من النساء اللاتي يعشقهن الرجال،
اسمحي لهم.
لكن اعلمي أن المحبوب غير المحب،
حين تقعين في الحب ينكشف لك المحيط بعد سنوات من القفز في البرك.
لا تهدري الوقت وأنت تتساءلين إذا كنت من النوع الذي يجرحه الرجال.
من الصعب التوقف عن حب المحيط، حتى لو تركك لاهثة، مالحة.
اغفري لنفسك القرارات التي اتخذتها، تلك التي لازلت، عندما تسترجعيها ليلًا،
تسمينها أخطاء.
واعلمي:
أنتِ من النساء اللاتي يبحثن عن مكان لتسميه مكانك
حطمي الأصنام
كنتِ دائمًا المكان
أنتِ امرأة تخلقه بنفسها
أنتِ ولدتِ لتبني".
سارة كوتنر
حبيبي | رين هانغ


"حبيبي
لقد اشتَريتُ سكينًا
يُمكن لكلينا استخدامها
لو لم تعد تُحبني بعد الآن
سأقتلك
لو لم أعد أحبك بعد الآن
اِقتُلني".


"حبيبي
نَظَرتُ إلى الوراء
ولا زلت تقف هناك
نَظَرتُ إلى الوراء مجددًا
ولا زلت واقفًا هناك.
نَظَرتُ إلى الوراء مرة أخرى
وقد أقفل الباب الآن.
لا أستطيع رؤيتك
ولكنني أعرف
أنك لا زلت واقفًا هناك".


"حبيبي
العصافير لا تَسَقُط ميتة أثناء طيرانها
بل تَموتُ في الهواء
مثل حيوانات محنطة طافية،
ولا يموت الناس فجأة خلال سيرهم
بل يموتون وهم بانتظار إشارات المرور،
يموتون وهم واقفون
مثل شجرة يابسة في الشتاء
ولن يلاحظ أحد الأمر في الحال.

التفكير فيك
يجلب لي الكثير من الآلم".


"حبيبي
أنا أُشَاهِدُك
وما زلت أخشى أن تختفي
أعانقك
وما زلت أخشى أن تختفي.

القمر لن يختفي
الشمس لن تختفي.

حتى في اليوم الملبد بالغيوم
حتى عندما لا تتمكن من رؤيتهم
تعرف أنهم لم يختفوا
هذه هي الطريقة التي أواسي بها نفسي".
"لقد استخدمت اللغة سلاحًا للمناورة، لفهم الرعب الذي ينطوي عليه حزني؛ فلقد كان الشعر، الذي هو الكلمات، أكوابًا من صفيح طافحة بدموعي، شربتها حين عطشتُ. لا يكفي الشعر كي يشفي جروح الحروب، ولا يكفي لحجب عزلة المرء؛ إنه يفعل ذلك من وقت إلى آخر، عند الضرورة، كما يفعل السراب تجاه التائه في الصحراء. تؤمنُ، فيقود ذلك الإيمان رحلتك، وينقذك من الجلوس منتظرًا، ينخرك اليأس، إنه يأخذك قُدُمًا، أعمقَ، إلى داخل نفسك، ولكنّه لا يظلّ ساكنًا، فهو ليس أداة توازن واستقرار، فقوّته السحرية تتدفّق حين يكون المرء في غاية الضياع، وفي غاية الاحتياج..
يسبغ عليك حريّةً لتهرب من منطقة الحرب الرهيبة لظروفك الخاصّة، ولكنه لا يُبعِدك عن عديد مناطق الحروب الأخرى التي تنتظر خلف التلة الأخرى والتلة والأخرى والأخرى.. يمدّك الشعر بحبل لتشدّ به نفسك وترفعها إلى الأعلى، أو تشنق به نفسك، إنه يحرّرك لتصبح مدمنًا، سكّيرًا، إنّك الآن حرٌّ لأن الشعر أنقذك، وسمح لك بأن تكذب وتغشّ وتسرق وتدمّر نفسك، إنّه يخلّصك من جُبْنك، ومن عجرفتك التامّة، إنه يخبرك بأن تستخدم هذه اللُّقْيَا الجديدة في فعل ما تشاء، فكل ما قد يؤذيك، أو يتلفك، هو الآن رهن مشيئتك، بحريّة وبلا أيّ قيود".

جيمي سانتياغو باكا
الدفتر الأزرق | كريستيان بوبان

"تفتحين هذا الدفتر. فتجدين أنّ الأمر يتعلّق بالسماء، بهذا الجزء من السماء الّذي بقي بداخلنا، مُكهرباً، ليليّاً، متوحّشاً، غيرَ قابلٍ للتصرّف. سترين على أزرق هذه الصفحات بياضَ نجمة، هو بياضُ الملح نفسه، وبياض النار. ستمرّ بضع كلماتٍ تحت عينيك، في صباحِ عينيك. كلمةٌ مثل هذه: "روح". الرّوح. إنّها غسيل الشّمس الرّطب، المطويّ بمحبّة. غطاءٌ ذهبيّ من أجل سرير العشاق، مطرّز بالأَسود، ومنقوشٌ عليه الحرفان الأوّلان للعاصفة والفجر معاً. ستقرئين مرّة أخرى، بعيداً. نحو كلمات أخرى. ستقرئين كلماتٍ ثمينة، رقراقة، أميريّة، هي كلمات اليأس ذاتُها، وكلمات الأمل. وعندها ستفهمين. ستفهمين أنّ في كلّ واحدة من هذه الكلمات، من هذه الصفحات، لم يكن الأمر يتعلّق إلّا بكِ، بهذه المصادفة الرائعة بينك وبين هذا الحبّ الّذي يغمرني نحوك. بينك وبين هذه الكلمات، الّتي هي كلماتي لأقُولكِ. بينك وبين هذه الكلمات التي تمخّضت في اللّيل، متولّدةً من هذه الفوضى التّالية لدخولكِ إلى روحي كي تنعم بالسلام. ستفهمين أنّك لم تمنعينني أبداً من الكتابة. ستفهمين أنّني لم أكتب إلّا من أجلك، حتى قبل أن أتعرّف عليك، حتّى في الزمن، في هذا المدى المعتم للزّمن السابق للِقائنا. في هذه الصحراء. كنتُ أكتب في انتظار هذا الحبّ، في انتظار مجيئه، في استحالةِ قدومه. كتبتُ كلماتٍ أكثرَ عصفاً من الليل، أكثر قتامةً من اللّيل، على أمل أن أتجاوزه، أن أُلحق هزيمةً باللّيل بمزيدٍ من الليل. الآن أنا أكتب. في الحبّ، في الضوء، أكتب. بكلماتٍ أكثر إشراقاً من الضّوء، لكي أتجاوزه، لأبلغ فيه مدىً لا يخضع لكُسوف، لأفوز منه بهذا الوضوح الّذي لم يعد يشوّش دورانَ الأيام البطيء. معك أكتب. معك أرى أنّ هذه الكلمات هي نفسُها. كلماتُ اللّيل. النهارِ المشرق. انتظارِ الحب. الحبّ. اليأس. الأمل. أكتب على ضوء هذا أنّنا الوحيدان الجديران بالمعرفة. أنا أكتبك. في هذه الدفاتر وفي كلّ ما أكتب أيضاً. أنتِ حاضرة أيضاً من طرف إلى آخر، حاضرةٌ في هذه النصوص الّتي أُرسلها إلى "مونبلييه". حيث أنا في وضع استحالةٍ للحديث عنك، وهي ليست ظرفيّة. في هذا اللّيل حيث تكونين بداخلي، في هذا اللّيل الحارق حيث تمتزج بك الّتي تأتي منها الكلمات، أكتبُ، أكتبكِ. أناديك. من هذه الصفحات أناديك. من هذه الغابات، المستنقع، الطّرقات، من هذه الأراضي، الّتي تُقاس بخُطانا إلى ما لانهاية، أُناديك".
بالطبع إنه مؤلم | كارين بوي

"بالطبع إنه مؤلم حين تتكسّر البراعم.
وإلا لماذا على الربيع أن يحتارَ؟
لماذا كلُّ اشتياقنا الحارّ
مُقيّدٌ بالعتمةِ المُرّة الجامدة؟
كان البرعم مغطىً طيلة الشتاء.
ما الجديدُ الذي يلتهمُ وينفجر؟
بالطبع إنه مؤلم حين تتمزّقَ البراعم،
مؤلم على الذي يتفتحُ
والذي ينغلِق.

نعم، بالتأكيد، صعبٌ حين تسقط القطرات
مرتعشةً من الخوف ثقيلةً تتدلّى،
تلتصق بالغصن، تنتفخ، تلمع ــ
الحِملُ يجرّها الى الأسفل، ما أشدَّ التصاقها!
صعبٌ أنْ تكون متردداً، خائفاً ومنشطراً،
صعبٌ أنْ تحسَّ بالانجرار الى الأعماق الباردةِ،
مع أنّك باقٍ في مكانك ثابتاً مرتجفاً فحسب-
صعبٌ أنْ ترغبَ في الارتقاء
وترغبَ في الهبوط .

آنذاك، حين تكون في حالةٍ أسوأ ولا أحدَ يمدُّ يد المساعدة،
تنفجرُ في البكاء مثل صراخِ براعم الشجرة.
آنذاك، حين لا يُطاق ايُّ خوف بعدُ،
تتساقطُ قطراتُ الغصن لامعةً،
تنسى أنّ الجديدَ قد أرعبها،
تنسى أنها ارتعدت من الرحلة ـ
تشعر للحظة بأقصى الأمان،
تستريح في الاطمئنان
الذي يخلقُ العالم".
أن أكون معك | دانيال شور

"أن أكون معك-
أن استشعر وهج الضوء
حتى في الظلام
أن أرغب في بقاء "الآن" للأبد
بينما أتوقع غدًا
أن أرسم مستقبلًا بين ثنايا ابتسامتك
أن أملأ خط الحياة على طول كفك
أن تتلون وجنتي من أثر نظرتك
أن تمتد ابتسامتي كسلاسل جبلية
أن أسمع ما يذكرني بك كلما صدحت أغنية حب،
لأفهم أخيرًا لماذا وجدت.
أن أعي تمامًا، لماذا لا أحظى بليلة نوم هانئة،
إلا بجوارك.

أن أكون معك
يعني
أن أجد الله في صمتنا
أن أرى القداسة في لمساتنا
أن أحمده على تلك النعمة
أن أدعوه لتبقى".
الأب | ديول تي. لين

"الأب هو ذلك الشخص المميز
الذي يبدو طويلاً جداً
لما كان يضع يده في يدك،
عندما كنت صغيراً جداً.
تصعد على كتفيه،
يراقبك لساعات وأنت تلعب،
ويضحك عندما ترى حشرة،
تخاف وتهرب بعيداً.
يغمز لك
عندما تسأل الخروج لميعادك الأول،
يومئ لك بالموافقة،
ويقول: لا تتأخر.
والآن، بعد كل تلك السنوات،
عندما أفكر بكل ذلك،
أرى أن ما جعله يبدو طويلاً جداً،
كان حبّه لي".
Lore Deuninck
انقراض النساء | محمد حنيف

"كمتمرّنة بعد التخرج، عملتْ "أليس" في قسم الطوارئ والحوادث لستّة أشهر، ولم يمضِ يوم واحد، ولو يومٌ واحد، لم ترَ فيه امرأةً أطلق عليها الرصاص أو ذُبِحتْ أو شُنقتْ أو خُنقتْ أو سُمّمتْ أو أحرقتْ أو دُفنتْ حيّة. زوجٌ مرتاب، أخٌ يحمي شرفه، أبٌ يحمي شرفه، ابنٌ يحمي شرفه، عشيقٌ مهجورٌ ينتقم لشرفه، مزارعون متخاضمون يسوّون خلافاتهم المائيّة، مرابون يجمعون أرباحهم: معظم خلافات الحياة كما بدا لها كانت تُحلّ عبر القيام بمختلف الأفعال تجاه جسد امرأة. المرأة كانت شيئاً تحصل عليه كفكّة نقود في صفقة تُعقد في زاوية شارع. نادراً، لكن نادراً جدّاً، وُجدتْ امرأةٌ ما سجّلت هدفاً في هذه المنافسة. التقت "أليس" في سجن بروستال بعض اللواتي حطمن جماجم أزواجهنّ، فخوراتٍ بما فعلن، لكن تدبرن أمرهنّ ليظهرن بمظهر أرامل في حداد.
بالنسبة لعقل "أليس" الفتي الذي بقي بعيداً عن تغطية الصحافة والتلفاز لهذه الرياضة بالحماس ذاته لأيّة رياضةٍ أخرى، بدت المدينة مليئةً بالقاتلين المتسلسلين. كانت هناك جريمةٌ في كلّ مطبخ، وأحياناً جريمةٌ حتّى ولو لم يوجد مطبخٌ في المنزل، أو أحياناً عندما لا يوجد مطبخٌ أصلاً، لا جدران، لا سقوف. حتّى البدو الذين يسكنون خياماً مرتجلةً يمكن لهم أن يلتقطوا بقّة الشرف ويسوّوا لعبة ورقٍ طال أمدها في الليل عبر الاتجار بامرأة. وما تعلّمته "أليس" كان أنّه لن يوجد محقّقو شرطةٍ يبحثون عن الأدلة ولا لجان برلمانيّة ستناقش كيفيّة الحفاظ على هذا الجنس المهدّد بالانقراض".
"لقد توصلت بالنهاية إلى أن الضمير هو جنتنا وجحيمنا في الوقت نفسه. يوم الحساب والعقاب المشهور نحمله هنا، في صدورنا. ونحن في كل ليلة عن غير وعي منا نواجه يوم الحساب. وحسب الحكم الذي يصدره ضميرنا، ننام مرتاحين أو نغرق في الكوابيس. لسنا لا سليمان الحكيم ولا حتى محللين نفسسين. نحن قاضٍ وطرف. مدعٍ عام ومحام، لا مفر!
إذا لم نكن نستطيع إدانتنا أو تبرئتنا من بوسعه أن يفعل ذلك؟ من تتوفر لديه كل هذه العناصر على سريتها، لكي يصدر حكما علينا، مثلنا نحن أنفسنا؟ ألا نعرف منذ البداية ودون أدنى تردد متى نكون مذنبين ومتى نكون أبرياء؟".

ماريو بينيديتي
"في وقت فراغي، أبتكر طرقًا تجعل الآخرين يقعون في حب
أشخاص سواي.
إنه عمل شاق، بدوام كامل، من التاسعة حتى الخامسة يوميًا،
لكنه أفضل من التعامل مع مشاعر غير مرغوب فيها.

أثر الجراحة القيصرية على بطن أمي لا يزال ممتدًا
عبر نصفها السفلي كهلال.
أحيانًا أتساءل إذا كان هذا هو سبب هجر أبي لها: لأنها جرحت بالفعل
قبل أن تسنح له فرصة فعل ذلك بنفسه!

أراكمُ في بيتي أوراقًا بأرقام هواتف الرجال
في أكوام، أحولها فيما بعد إلى رماد بولاعتي.
الجيران جميعًا يعتقدون أنني أستعد لعشاء ليلة الجمعة
بوضع اللحوم فوق الشواية.
لا يعرفون أن الرائحة مصدرها بعض حكايات
حب من طرف وحيد.
رسائلي للرجال المنبوذين دائمًا ما تنتهي
بعبارة: لا تهاتفني مرة أخرى.

ربما يرجع الأمر كله بشكل ما لطفولتي،
عندما ضرب ابن الجيران عش دبابير بمضربه، كما يضرب
جرة مليئة بالهدايا، دافعًا بها نحوي، لتلسعني أكثر من مرة،
فكبرت وأنا أقرن الحب بالأذى.
لكن أيًا ما كان الأمر، يقول معالجي النفسي، إنني ربما بشكل ما
كنت منقلبة رأسًا على عقب داخل الرحم، قبضتيّ الدقيقتين كانتا ترجفان
مثل إبر البوصلة، حتى أشارت قدمي، عوضًا عن رأسي، إلى قلب أمي.
هكذا، كبرت غير قادرة على الاستماع لنبضات أحدهم
دون أن أرغب في ركلها لتصمت".

ميجي روير