Isolation
10.9K subscribers
598 photos
13 links
Download Telegram
الراعي العاشق | فرناندو بيسوا

"يشرئب قمر الربيع في أعالي السماء
أفكر بكِ وأنا مكتمل من الداخل.
عندما أجوب الحقول الخالية
تَهبُّ عَليَّ نسمةٌ عليلة.
أفكرُ بكِ، وأتمتمُ اسْمَكِ وأنا لستُ أنا: مبتهجًا.
غدًا ستأتينَ برفْقتِي لنقطفَ الأزهارَ في الْحَقل
سَأصَاحِبكِ عَبْرَ الْحُقول
لأتَأمَّلكِ وأنتِ تقطفينَ الأزْهَار.
وإذْ أبْصركِ بالفعل غدا وأنتِ تقطفينَ الأزهارَ برفقتي
في الحقول
فعندما يأتِ الغد وتتجولينَ معي في الحقل لنجني الأزهار
ستغمرني البهجة والحقيقة

لا أعرفُ كيف أتحدثْ لأنني غارقٌ في الشعور.
أصغي لصوتي وكأنه لشخصٍ آخر،
ويتحدث صوتي عنها وكأنها
هي من يتحدثْ.
شعرها أشقرٌ كسنابل يانعة تحت أشعة الشمس،
إذا ما تحدثتْ فمها يعبر عن أشياء
ليست بالكلمات.
وعندما تضحكْ، تتمرأى أسْنانُها الناصعة كحصيات
في أحد الأنهار".
نجاة من الهلاك | دينيس بروتوس

"لا أدري كيف
ننجو من الهلاك
ولا يذيل حبنا المثقل بالإحباط

تفتش الكشافات
عن جسدينا العاريين
وتبعثر معالمهما

يُطل الفاشي بوجهه المتجهم
فوق رأسينا
مترنحًا في طريقه
نحو سقوط عظيم

تدك أحذية الجنود
بابنا المتهالك

ولكن لا أدري كيف
ننجو من الهلاك
ونعلو فوق البعد والفقد والحرمان

ينتشر الحراس على الأسفلت المظلم
ويهدد الفحيح حياتنا

يمزق العنف بلادنا دون رحمة
يرديها قبيحة مذمومة
يفرِّقنا ويُذهب بحماسنا وولعنا

ولكن، لا أدري كيف
ينجو الحب من الهلاك".
نشيد للبحر | خورخي لويس بورخيس

"كنت أمنّي النّفس بنشيد للبحر، إيقاعاته متشامخة كصراخ الموج؛
للبحر، حين تلهبه الشّمس فتخال مياهه راية حمراء؛
للبحر، حين يقبِّلُ النّهود البكر للشّواطئ المذهّبة، وهي تنتظر.. ظمأى،
للبحر، حين تزمجر حشوده، وترمي الرّياح بلعناتها؛
حين يلتمع في مياهه القاسية القمر المُسْمَرِّ.. الدّامي؛
للبحر، حين تفرغ فيه الكأس القربانيّة للنّجوم حزنها الدّفين.

نزلت اليوم من أعلى الجبل إلى الوادي، ومن الوادي إلى البحر.

كانت الطّريق مديدة كقُبلة.
أشجار اللّوز كانت تلقي على الطّريق بخيوط مزرورقة من الظلّ.
وفي نهاية الوادي صاحت الشّمس من على
الأطلال القرمزيّة، في الغابة الشّاحبة الاخضرار:
الهاوية!
فيا أخي! ويا أبي! ويا محبوبتي...!
إنّي لألج الحديقة العجيبة وأسبح بعيدًا
عن الأرض.

تأتي الأمواج برذاذها المزركش والرّخو،
متفلّتة من الكارثة. نحو السّاحل،
بذُراها الحمراء،
ببيوت هندسيّة الشّكل،
بنخيلها الضّئيل،
الذي غدا مضحكًا وشاحبًا
كالذّكريات
الجامدة!
أنا معك يا بحر! وجسدي موتّر كالقوس
يصارع عضلاتك الغضوب.
أنت وحدك الموجود.
روحي تنبذ كلّ ماضيها.
كسماء قطبيّة تنفض ندف ثلجها
الشّاردة!
آه! إنّها للحظة امتلاء رائعة!
قبل أن أعرفك أيّها البحر الشّقيق،
لطالما تسكّعت في دروب التّيه الزّرقاء
الموشّحة بأشرطة من الفوانيس
وعند تناصف اللّيل المقدّس، لطالما نسجت أكاليل
من قبلات على شفاه موهوبة في
صمت وقور،
في إزهارٍ
مدمّى...
ولكنّني اليوم، أهب للرّياح
كلّ هذه الأشياء التي طواها الماضي
طواها دون رجعة... فأنت وحدك الموجود.
قويّ وعارٍ. لا شيء غير هذا النّفسِ المنعش
وهذه الأمواج،
والكؤوس القربانيّة اللاّزورديّة وسحرها.
(لقد حلمت بنشيد للبحر إيقاعاته متشامخة كصراخ الموج.)
لا تزال تتملّكني الرّغبة في كتابة قصيد لك
يكون له إيقاع موجك الهادر
ونَفَسُك البدائيّ المالح،
وجلجلة مراسي السّفن الثّملة
بالنّور والجذام،
وصراخ البحّارة، وأنوار أصداء الحفر السّحيقة
حيث أياديك الرّشيقة والمتقشّفة
لا تنفكّ تداعب الموتى...
نشيد
منمّش بصور حمراء وامضة!
أيّها البحر! أيّتها الأسطورة! أيتها الشّمس!
أيّتها الأعماق السّحيقة!
إنّي لا أعلم لماذا أحبّك. أعلم أنّنا هرمنا نحن الاثنين؛
وبأنّنا نعرف بعضنا منذ دهور، أنا وأنت،
أعلم بأنّه في مياهك المهيبة والضّاحكة
استعر
فجر الحياة،
(في رماد مساء محموم كنت أنبض في ثديك للمرّة الأولى).
أيّها البحر المتلوّن، من أحشاءك انبعثت.
مكبّلان ومترحّلان نحن الاثنين؛
يحدونا ظمأ جامح للنّجوم؛
نتردّد بين الأمل وخيبة الأمل؛
بين النّور والظّلمة؛
نحن الاثنين، بشوقنا الرّحيب
نحن الاثنين، ببؤسنا المهيب".
‏Artur Ferraris
وداعًا أيتها الأيادي | خورخي لويس بورخيس

"لم يعد العالم سحريًّا. لقد تركوك
لن تتشارك القمر الصافي ولا الحدائق الوئيدة.
لم يعد ثمة قمرٌ ليس مرآةً للماضي،
أو زجاجًا لوحدة، أو شمس احتضار.

وداعًا أيتها الأيادي المتبادلة
والأصداغ التي كان يقربها الحب.
اليوم ليس لديك سوى الذاكرة الوفية والأيام القاحلة.

لا يخسر أحدٌ
سوى ما لا يملكه وما لم يملكه قط،
لكن لا يكفي أن تكون شجاعًا
لتتعلم فن النسيان.

يمّزقك رمزٌ أو زهرٌة،
ويمكن لجيتارٍ أن يقتلك.

لن أكون سعيدًا بعدُ. ربما لا يُهمّ
فثمة أشياء كثيرة في العالم
وأي لحظة كانت هي أكثر عُمقًا
وتنوّعًا من البحر. والحياة قصيرة.

وإن كانت الساعات شديدة الطول،
فإن أمرًا عجيبًا مظلمًا يتربّص بنا،
الموت، ذلك البحر الآخر،
ذلك السهم الآخر
الذي يحرّرنا من الشمس والقمر،
والحب.

السعادة التي منحتنيها،
وسلبتنيها يجب أن تُمحى
ما كان كل شيء يجب أن يصير عدمًا.

لم يبق لي سوى لذة الحزن،
تلك العادة العقيمة التي تميل بي
إلى الجنوب، إلى بابٍ ما، إلى ناصية ما".
في صبيحة يوم باكر | ريموند كارفر

"الوقت باكر جدًا، وما تزال ثمة عتمة في الخارج
أنا بمحاذاة النافذة ومعي القهوة،
وما يخطر في البال
من أشياء الصباح الباكر المعتادة.

لمّا رأيت الصبي وصديقة
يمشيان على الطريق
يوزعان الجرائد،
وقد اعتمرا قبعتيهما وسترتيهما.
أحدهما يحمل كيسًا على كتفه.
يعلوهما سرور
هذان الصبيان لم يكونا يتبادلان الحديث،
وأظن أنه لو كان بوسعهما سيمسكان بيدي بعضهما.
إنهما يقومان بهذا العمل
في وقت مبكر من الصباح،
يتقدمان على مهلهما.

تتشرب السماء الضوء، مع
أن القمر الشاحب ما يزال معلقًا فوق المياه.

فيضُ جمال تخال للحظة أنه لا يداخله
موت، أو طموح، أو حب.

غبطة، تحل بغتةً،
تتجاوز حقًا أي كلامٍ عنها في صبيحة يوم باكر".
سعاة البريد في غابة الخريف | تشاكتي تشادوباداي

"لقد رأيت سعاة البريد يتجولون في غابة الخريف،
أكياسهم الصفراء مليئة بالعشب مثل كروش أغنام منتفخة.
كثير من الرسائل الجديدة والقديمة وجدوها
سعاة البريد هؤلاء في الغابة الخريفية.
لقد رأيتهم يلقطونها
مثل كراكٍ تنقر أسماكها.
غامضون مبهمون منهمكون ومنهكون،
هم ليسوا مثل سعاة البريد لدينا
التي تضيع من أيديهم
رسائل الحب الدؤوبة الباذخة.

نبتعد عن بعضنا البعض بشكل مستمر،
نبتعد طامعين في الرسائل
وتصلنا رسائل عديدة من بعيد.
كأننا نقول سنبتعد عنك في الحال
لكي نسلم رسائل مفعمة بالحب لسعاة البريد.

ولذا ننتقل بعيدًا عن أناس
هم في الحقيقة أنفسنا،
وتجدنا على وشك البوح بنقاط ضعفنا الحمقاء
ودوافعنا الغامضة ونبوح بكل شيء،
بينما لم نعد نرى أنفسنا في المرآة
ونطفو صامتين في شرفات المساء الخالية
وهكذا نخلع ملابسنا لننجرف
وحدنا في ضوء القمر.

لزمن طويل لم نعانق بعضنا البعض.
لزمن طويل لم نتذوق قبلات البشر.
لزمن طويل لم نسمع ناسًا يغنون.
لزمن طويل لم نر أطفالًا يتحاكون.

ننجرف نحو غابة أقدم من الغابة
التي أنطبع فيها ظل الأوراق الأبدية بين فكوك الحجر
ونطفو بعيدًا إلى أرض ذات صلات غريبة.

لقد رأيت سعاة البريد يتجولون في غابة الخريف،
أكياسهم الصفراء مليئة بالعشب مثل كروش أغنام منتفخة.
كثير من الرسائل الجديدة والقديمة وجدها
سعاة البريد هؤلاء في الغابة الخريفية.

المسافات تتباعد بين رسائلنا
ولكنني لم أر المسافات بين الأشجار تزداد بعدًا".
أنا أبترك | فريدا كاهلو

ميكسيكو،
1953

عزيزي السيد دييغو،

أكتب هذه الرسالة من غرفة مشفى قبل أن أدخل غرفة الجراحة. يريدونني أن أسرع، ولكنني مصممة على إنهاء الكتابة أولًا، لأنني لا أريد ترك أي شيء معلق. خاصة وأنا أدرك الآن ما يخططون له. يريدون جرح كبريائي ببتر ساقي. عندما أخبروني أنه يتوجب بترها، لم أتلق الخبر كما توقع الجميع. لا، فقد كنت امرأة مشوّهة لحظة فقدتك، مجددًا، للمرة الألف، ولكنني نجوت.

أنا لا أخاف الألم وأنت تعرف. لأنه جوهريٌّ في وجودي تقريبًا، مع ذلك أعترف أنني عانيت، بشكل متعاظم عندما خنتني، في كل مرة فعلت ذلك، ليس مع أختي فقط ولكن مع العديد من النساء الأخريات. كيف انخدعن بك؟ أنت تظن أنني غضبت بسبب كريستينا، لكنني أعترف اليوم أن ذلك لم يكن بسببها. كان بسببي وبسببك. أولًا بسببي، بما أنني لم أتمكن أبدًا من فهم ما بحثت عنه وما تبحث عنه، وما الذي يقدمنه لك ولم أستطع تقديمه. دعنا لا نخدع أنفسنا دييغو، لقد أعطيتك كل ما يمكن تقديمه إنسانيًا وكلانا يعرف ذلك. لكن مع ذلك، كيف تمكنت من إغواء الكثير من النساء بينما أنت قبيح ابن زانية؟

لا أكتب لك لأتهمك بشيء أكثر من الاتهامات التي وجهناها لبعضنا خلال هذه الحياة اللعينة ومختلف الحيوات اللعينة الأخرى. بل لأنهم سيبترون ساقي. لقد أخبرتك أنني كنت اعتبر نفسي ناقِصَة لوقت طويل، ولكن لم على الجميع أن يعرفوا ذلك أيضًا؟ سوف يصبح تجزؤي الآن واضحًا ليراه الجميع، لتراه أنت ... لهذا أخبرك قبل أن تسمع الإشاعات. سامحني لأنني لم آت إلى منزلك وأخبرك بالأمر بشكل شخصي، ولكن نظرًا للظروف ولحالتي لا يسمح لي بمغادرة الغرفة، ولا استخدام الحمام حتى. ليست نيتي أن أجعلك تشفق عليَّ أنت أو من سواك، ولا أريدك أن تحس بالذنب. أكتب لأعلمك أنني سأطلق سراحك، سأبترك. كن سعيدًا ولا تبحث عني مجددًا. لا أريد أن أسمع منك، ولا أريدك أن تسمع مني. لو كان هناك ما سيسعدني قبل موتي فهو أن لا أرى وجهك اللعين البشع ابن الحرام يتجول في حديقتي مرة أخرى أبدًا.

هذا كل شيء، يمكنني المضي الآن ليتم تقطيعي في سلام.

الوداع من شخص يحبك بجنون وإتقاد،

فريداك

__________________
عندما التحقت فريدا كاهلو بالحزب الشيوعي المكسيكي في عام 1927، التقت لأول مرة بدييغو ريفيرا، زميلها الفنان الذي يكبرها بـ 21 عامًا والذي سرعان ما أصبح معلمها وزوجها. كانت حياة كاهلو حتى ذلك الوقت صراعًا بسبب شلل الأطفال عندما كانت طفلة وحادث مروري خطير كشخص بالغ، أدى الأخير إلى مشاكل طوال حياتها البالغة، لكنها تخطت الأمر بفضل حبها للفن. كشخص بالغ، تفردت، وأصبحت واحدة من أكثر الرسامين إثارة للإعجاب في العالم، وحظي ريفيرا بالاحتفاء بالمثل. كان زواجهما مشهورًا وغير متوقع. في عام 1953، قبل عام من وفاتها، تم بتر إحدى ساقي كاهلو بسبب الغرغرينا. وبينما كانت تنتظر إجراء العملية، كتبت إلى ريفيرا الرسالة التالية.
مرّة أخرى إلى الغدر | فيليستي كوري

"مرّة أخرى إلى ذلك الخِزي
استعبادنا في الوحشية
وحقّنا في القتل.
هو حقّنا. بالطبع
وبالنسبة للغرب ذلك أفضل ما يكون
والشرقُ هو الشرقُ
الدنيءُ، والبهيمة التي سوف
تُفترس.

سأخبرك بما أُسميه خرق الإيمان:
کيهودية بالولادة والتنشئة، أؤمن
أن الصهيونية تعني الأرض الموعودة
لليهود والعرب الكادحين يدًا بيد.
ولكنني أجرؤ الآن على القول: إنني قد خُدعتُ.
خُدعتُ وأنا أواجهُ كلّ ليلةٍ
شبح والدي التواق للانتقام.

نعم، اسمحوا لي أن أكون خائنة لعِرقي.
فالحقيقهُ يجب أن تُقال من نوع اليهود مثلي.
أرى إسرائيل ذات وجهٍ نازيٍّ
بمنطق استيطانهم خُطّةً بعد خُطّة
بضحايا المحرقة الخونة
مُبتهلين لتجددِ تلك الجريمة.

بمُسمّاكِ الذي أخذتِه عبثًا. أُصغي.. إسرائيل
إنها تعني وحشيتكِ التي صنعت من عالمِنا الجحيم.
تدنيسُنا لِما جعل لهُ اللهُ قيمةً
مثلنا،
مثلما نفعل،
والطريقة التي نحن بها،
وجشعنا السيادي.
نُسمّيها الديمقراطية.
الديمقراطية التي تعني إراقتنا للدماء حسب الحاجة.

مرّة أخرى، وأخرى، وإلى الأبد،
إنّ كلمة غدر
أصبحت تعرفنا:
بخرقنا للوعد
وخرقنا للثقة...
نحن نطبقُ كل خرقٍ ينصحُ به قادتُنا
نُبقي الأسرى آمنين للتعذيب والشهوة.

لقد ماتت إنسانيتنا حيّةٌ تحت قُدسية المبدأ
لقد تعفّنت دون عدد أو اسم".
بلا وداع | ماريا إلينا ولش

"ما أجمل غيابك،
فليكن أبديًّا
لكنك تبقى
کرائحة الشمس على الجلد
بعد صيف طويلٍ

ويا لكآبة رفقتك
حتى الغياب
فالغروبُ يهتزُ في الأهواء
عندما يُودّعك لآخر مرّة

تذوب الحياةُ من حياتي
بعد اعتياد الفراق
لكن الموكبَ يهزّ داخلي
دون إشارة وداع.

يا لعذوبة البقاء
أرى فيك الاتجاه والمساء
وأصنعُ من حبّي الكثير
دموعًا واشتعالًا

عميقٌ في صمتك
غنِ لي عندما تذهب
تاركًا من خلفك وشوشة ساحرة
بئرًا داخليًا عميقًا.

تذوبُ الحياةُ من حياتي
بعد اعتياد الفراق
لكن الموكبَ يهزّ داخلي
دون إشارة وداع".
من بعيدٍ أحبّك | جمال ثریا

"من بعيدٍ أحبّك
حيث لا أستطيع شمّ رائحتك
ولا أستطيع ضمّك إلي
ودون أن أتمكّن من تلمس وجهك
فقط أحبّك

هكذا، من بعيدٍ أحبّك
دون أن تمسّ يداي يداك
ودون أن يلامس قلبي قلبك
ولا أن أغوص في عمق عينيك
فلست ألهو بلعبة الحبّ لثلاثة أيام،
إنّما كالرجال أحبّك

هكذا، من بعيدٍ أحبّك
دون أن أمسح دموعك المنهمرة على وجنتيك
ودون أن أشارك أكثر ضحكاتك جنونًا
ودون أن نُدندن سويةً أغانيك المفضلة

هكذا، من بعيدٍ أحبّك
دون أن أسبب لك انکسارًا
ولا نزيفًا ولا جروحًا
ودون حزن ولا دموع
من بعيد أحبّك

هكذا، من بعيدٍ أحبّك
بكلّ الكلمات المبعثرة على لساني
سأقول لك أحبّك
وحين يسيل حبر كلماتي قطرةً قطرةً
على ورقةٍ بيضاء نقيّة، أحبّك".
كلمتان ناعمتان | ألفونسينا ستورني

"هذه الليلة، همستَ في أذني كلمتين عاديتين.
كلمتان متعبتان من كثرة تكرارهما.
ومن شدّة قِدمهما، صارتا جديدتين.

كلمتان ناعمتان جدًّا
حتّى أن القمر الذي كان يمشي
متسلّلًا بين الأغصان
توقّف في فمي.

كلمتان ناعمتان جدًّا،
حتّى أنّني لا أحاول أن أتحرّك
لأُزيحَ نملة تتنزّه على عُنقي.

كلمتان ناعمتان جدًّا
حتّى أنّني رَغمًا عني أقول؟ آهٍ،
ما أجمل، الحياة!؟
ناعمتان جدًّا ووديعتان جدًّا
حتّى أنّ زيوتًا فوّاحة تنسكب على الجسد.

ناعمتان جدًّا وجميلتان جدًّا
حتّى أنّ أصابعي، المتوترة
تتحرّك في اتّجاه السماء، كأنها مِقصّ.
آهٍ، تودّ أصابعي
لو تقطع النجوم".
أتذكّرك | ألفونسينا ستورني

"سبتمبر. شجرة الخوخ، المُزهرة، تُزيّن نوافذ الغرفة.
يدا الأمّ لونهما أبيض، شاحبتان، وفوقهما، يضع الأب شفتيّه الشهيّتين، الدافئتين، ويؤخِّرهما…

شابان، جميلان، ويتحابّان. الطفل الذي يبلغ من العمر عشرة أيام، عاريًا، يبكي وسط اتّساخ الأقمشة البيضاء كالثلج، والمطرّزة برسومات أزهار.
طيور كناري ذهبية تغني أسفل الممرّات.

إنّه وقت القيلولة. تخرج الأمّ الثّدي الذي يقطر منه الحليب، الثّدي الأبيض والناعم. تصبّ، سائلها الثمين في فم الحيوان الصغير الناعم والأخرق.
الذي يمارس، وهو يرتشفه، بهجتَه الأولى،
مُلَملَمًا في ذراع الشمع المُصْفرّ، الذي يحيط عُنقَه. أنا أشاهد وأتذكّركَ".
George Henry Boughton
قريبًا تخضرُّ الأشجار كلّها | آرنه يونسون

"ليس لديّ متسع من الوقت
ولا حتى ما يكفي لستر جسدي
مبتَلعٌ حتى النصف
قريبًا سيمسي الصيف علينا
الأشجار مصدّاتُ موج هائلة تصد كُتلًا خضراء
تموج أوراق الأشجار فاتحة الخضرة رقائق ذهب
في الماء.
مخمل مضيء أخضر رمادي بشرة طفل
لامعة كالفضة الجميلة
ترحل عنك حين أداعب التحوّل.
لا تجفي مني
احفظيني في كل ما هو ليس بوعد
ولكنه وعدٌ مع ذلك
احفظيني في وجهك
في التجاعيد الرقيقة
كالإبر تحت لسانك اللاذع في عينيك اللتين
تحسبينها مبصرتين
احفظيني في سيارتك الزرقاء.
وفي كل ما حولك
أنظري
سأموت ولن أعود أبدًا.

رسالة من زجاج وماء
لست أكثر من طيف مدبر ذائب في المطر
مسكوب على نافذتك، افتحي
فأحل حبر دفتر يومياتك
وماسكارتك
ولوحاتك المائية وسماءك الزرقاء
اقرأي شفافيتي.

هكذا إذن،
إن احتجت إليّ
اشربيني مع النبيذ
إلعقي ملحي لا تقولي شيئًا
دعيني وحسب حيوانًا
أحس بلسانك، بثقلك، وظلك،
دعيني أقتنص كأضعف ما في قطيعٍ
افتحيني.

لا تقدّسي الحبّ
احمليه مع القشور والعظام
دعيه يسيل كدمّ السمك تحت الحنفية
كُليه، قبّليه، إلعقيه
احفظيني
من كؤوس خزانتك
في بحيرتك
في ملابسك
احفظيني مطرزًا ومخيطًا.

أيتها الطفلة
أضمّك بين ذراعي
أنت خفيفة كما يجب أن يكون عليه الأطفال
تلعنينني لأنّي أهجرك
تلعنينني لأنّني باق
ليس فيك شيء من القداسة
تفرغين ذاتك عليّ
خذي بيديّ
احفظينني، لا تغسلي ثيابك
كوني قرى الضيوف الصغار
أحوّلك.

اغسلي، أوصدي
احفظي في كؤوس نظيفة
نبيذك، ملحك، وأمونياك
اغسلي، أوصدي
وسخي ثانية
عبر نوافذ مشرعة يأتي سبيل آخر
أبيض كالقطن بلا سكاكين بلا كلمات بلا خلاص.

سيأتي الخريف
يقطع فيه السواد ويحلّ
بلى، ولا حتى أنتِ، أنا، يمكننا منع السواد
عن التفشي
غدًا تتفتح الغابات بتيجان معتمة وارفة الظلال
قريبًا تخضر الأشجار كلها.

الإنتظار يطلق الداء
فطر أصفر، طفح جراح مفتوحة تزين
البيت الأشجار الأوراق
أحدهم يجمع أعشابًا طيبة
يعبئ العدوى في زجاج وكأنها حيوانات ناقصة:
أجنحة مشدودة
جلد سحلية مجرّح
أفواه دامية
لا شفاء هناك، تعالي وانظري..
هذا أنا.

مساكن حفر مصاعدُ جلد سحالي شرشف للهجر
لإخفاء الرحيل ثانية إلى المسالك المهجورة
إلى الأكواخ الرمادية
إلى الحديد الصدئ أجام القراص
تذوقي لساني، يدي، الآثار ظلال الأجساد الكبيرة
(يمكثون غير مقسمين محفوظين
كحبوب هوائية غير مضاءة تحت الأرض)
تعالي بعدها إلى هنا
لحمُ الألم الدامي جسد
أسكنه.

يأتي المساء بالرطوبة
قادمًا من البحيرة مغطيًا
كثياب لم تخيّط، كشبكة صيد
أعطني فرصة كي أعلق في النسيج البراق
في النجوم في ماء بيض الضفادع في شباك الصيد
في قطر ندى جلدك
أعطني فرصة للنجاة من اليباس
العدم
شُقي جسدي المتحوّل
دعيني أنَم.

أن لا يفيق المرء، أن يُغسّل، أن يُشرّح
أن تنتزع أحشاؤه، أن تُفحص، أن يُصدّق عليها
ثم يُعاد كل شيء ثانية
ويخيط حتى الرقبة
كل هذا في الظلام.
كانوا يبحثون عن ذهب سينير
هكذا نفعل مع الجميع، بحكم الشرع
احفظيني مخبأ بين السكاكين
في الدرج القريب منك
في كل اللقاءات
اغسليني وقطّعيني
بيعيني لمربّي الكلاب
عضات الكلاب هي عضاتك
كل تلك الليالي التي ظنناها الأخيرة.

تعالي، انظري أنا مشرّح
كُلي حبّي
الذي هو أنت، إنه حماض الغنم والبيقة
ارقدي عندي أنا قراص خرفيش
يهبط النور في وركي
املأي جسدي بخرق وقش
إدعكي جلدي بالأصباغ
هذا ليس ألمي
إدفنيني واحفظي ألمك معي.

احفظيني بعد
احفظيني قبل أن تمسكي بي وبالشق الأحمر
شق الوجع، المصابيح التي أكلت لأجلك
في نومي
والسحالي في صدري
لُفي إرمي بيعي كل شيء إلا النفيس لديك
أنزليه ضعيه بين الخزف في الدكان
احفظيني في جوريتك في ترقبك
حرّري جسدي مما رأيت
قبل أن تعرفيني.

صغار الطيور تتدفق من الشرخ
سوداء
حامت دون حماية
تهجر طفولتها
يعثر المرء على الريش الصغير
بين تشعبات الأغصان بين الصخور
على الرفة في كتب الصبيان
ألبوم القصائد غطى الموت بالريش
دعيه يُغني مع أنغام العندليب
لا تفقدي الطفولة
أما إحساس الجناح الرهيف
فاحفظيه هو الآخر.

منفى
والغيوم هي الأخرى مختلفة
ليست غريبة
بل كأول طائر مهاجر يراه المرء في الربيع
إذ كلّ شيء لم يزل
في تبرعم
بلى، المرء هنا في وطنه.

دون مشاعر يرسل المذياع التوق
انثريني الآن
بينما أنا في نومي
فوق هذا البلد
احفظيني وأنا في ضياعي
قريبًا تخضرّ الأشجار كلّها
قريبًا تخضرّ الأشجار كلّها".
‏Filippo Carcano
من الأزهار | لي يونغ لي

"من الأزهار يأتي
كيس الورق البني هذا معبأً بالخوخ
الذي اشتريناه من الصبي عند منعطف الطريق
حيث تتبعنا العلامات التي رسمت خوخًا.

من الأغصان المثقلة، من الأيدي،
من الرفقة الحلوة في الصناديق،
يأتي الرحيق إلى جانب الطريق، الخوخ الممتلئ
الذي نقضمه، بقشره المغبّر وكل ما عليه،
يأتي غبار الصيف المألوف، الغبار الذي نأكله.

ياه، أن ننال ما نحب في الداخل،
أن نحمل بستانًا داخلنا، أن نأكل
لا القشر فقط، بل الظل،
لا السكّر، بل الأيام، أن نمسك
الفاكهة بأيدينا، نعشقها، ثم نقضم
البهجة المستديرة للخوخ.

ثمة أيام نحياها
غافلين عن الموت
المحيط بنا؛ من فرحة
لفرحة لفرحة، من جناح لجناح،
من زهر إلى زهر إلى
زهر مستحيل، زهر حلو مستحيل".
مسكَن | فيليب جاكوتيه

"منذ زمنٍ بعيدٍ أسعى إلى العيش هنا،
في هذه الغرفة التي أدّعي أنّي أُحبّها،
الطاولة، والأشياء خِلْوَةُ البال،
والنافذة التي كلما انقضى ليلٌ
تفتحُ خضرات جديدة،
قلب الشحرور الذي يخفق في اللبلابة الداكنة،
والأشعة الأولى في كل مكان
تجهزُ على الظلمة المحتضرة.
أنا أيضًا، أقبَلُ بالاعتقاد أن الطقس عذبٌ
وأنّي في البيت،
وأنّ نهاري سيكون طيبًا.
فقط، هناك تلك العنكبوت
عند قائمة السرير،
لم أسحقها بما فيه الكفاية،
ويخيَّلُ إليَّ
أنها ما زالت تنسج الفخَّ
الذي ينتظر شبحي الهشّ".