"يوم أعطى النظام الأمر بأن تحرق، في الساحة العامة، الكتب الملآنة بمعارف مضرّة، وأرغمت الثيران، في كل مكان، على جرّ العربات، محمّلة بالكتب، إلى المحارق؛ تفحص واحد من أفضل الكتّاب المطاردين قائمة الكتب المحروقة، فهاله أن يكتشف سهوهم عن كتبه، فاستشاط غضبًا، هرع إلى مكتبه، وخطّ للطّغاة رسالة: «أحرقوني! -كتب بريشة سيالة- أحرقوني! لا تسيئوا إليّ هكذا! لا تهملوني! ألم أحكِ الحقيقة، دومًا، فيما كتبت؟ وها أنتم تعاملونني، الآن، ككذّاب! آمركم بهذا: أحرقوني!»".
برتولت برشت
برتولت برشت
بين حزنين وكآبة | بيجن جلالي
"الليل الزلال الأزرق الذي في مياهه الشفافة تلمع الأصداف. وافتقد بسمتكَ وضيافتك السخية وأتشبّثُ بأذيال معطفك المترهل. الذي إن قُّدر لي ان اتدلّى من زرقته فسوف تسـّـاقط مني الأوجاع وأغفل الصيف والخريف وأتشبث بكَ، متحرراً من حكايات حبي الناقصة. ناسياً النساء وأجسادهن الملونة، وتلك الخطوط التي تطوق شفاههن مزمومة كانت أو منفرجة. أنسى الأم والأب والأخ في انشغالاتهم ومكابداتهم والمصير. الوطنَ السالفَ والوطن الراهنَ، بؤسَ الناس وخيطَ أمانيهم. الحيواناتِ المطرودةَ اذ تصدُر رائحةُ شواء أجسادها من أفران الضواحي لتتنقل في المدينة من بيت إلى بيت. الكلابَ الوفيةَ السائبةَ والقططَ النحيفةَ الماكرةَ والعصافيرَ البلهاء. ربما حينما معلقٌ بكَ. أبكي بحرقة، وأحدثك عن صداقتي مع الأرض وأشرح لكَ معنى الفاقة وأمتدح الحمقى، ذلك أنني حينما أتمسّك بردائكَ، أكون قد تجازوتُ درجات الأرض والألم والفقر والحماقة.. وها هو ذا بكائي ونشيجي. ليلكُ أمٌّ رؤوفة لجمال الكون والغيوم هالتك البيضاء. وهل القمر وجهك الساطع الشاحب الذي يتخفّى خجلا وراء السحب والذي نظرته الرائية تعجز عن إدراك هذا الألم وتلك الفوضى والذي بهدوء يبكي. أنا ابنكَ البار الوقور يا ليل ومثلك روحي نائية ومقدودة من قماشة الرؤيا وشاحبة. روحي لا تعي شيئاً من سلوك الكون. نائية آلاف الأميال وتسعى جاهدة أن تشارك الأطفال والبراعم ألعابهم وأن تروّض أجساد النساء، وها هي رفيقة الفاقة والعجز والألم، لقد رافقت روحي الفصول الأربعة، وسايرت الحزن والأمل. روحي حب ساطع يطوي في رمشة عين مدار الأرض ويقطع المسافات الشاسعة بين النجوم.. بين الأمس واليوم، بين حزنين وكآبة، بين أمنيتين، يا ليل بحثتُ عن وجهك الحالم في الينابيع وفي عيون النساء وفي عمق البئر وها أنت ذا ملك جميع ساعاتي وها أنت ذا تحكم مملكة شاسعة من أكوام الأمل الأخضر ودماء الاحزان الملونة. لن تموت ابداً نجومك المنتسبة إليّ. وفي معبدك أشم عطر الأجساد النضرة وفي جنينتك أغرس ورودي.. وما أفكاري سوى درجات قصرك المرمري، وأحوالي محظيـّاتـُكَ اللاتي تتلمذن على يديك. من أجلك أعتز بشمس النهار ورقصة وريقات الشجر. وفي حضرتك أقدم البشرية قربانا بين يديك. وحينما أتمسّك بأذيالك، أصير مثلك أبدية معطاء".
"الليل الزلال الأزرق الذي في مياهه الشفافة تلمع الأصداف. وافتقد بسمتكَ وضيافتك السخية وأتشبّثُ بأذيال معطفك المترهل. الذي إن قُّدر لي ان اتدلّى من زرقته فسوف تسـّـاقط مني الأوجاع وأغفل الصيف والخريف وأتشبث بكَ، متحرراً من حكايات حبي الناقصة. ناسياً النساء وأجسادهن الملونة، وتلك الخطوط التي تطوق شفاههن مزمومة كانت أو منفرجة. أنسى الأم والأب والأخ في انشغالاتهم ومكابداتهم والمصير. الوطنَ السالفَ والوطن الراهنَ، بؤسَ الناس وخيطَ أمانيهم. الحيواناتِ المطرودةَ اذ تصدُر رائحةُ شواء أجسادها من أفران الضواحي لتتنقل في المدينة من بيت إلى بيت. الكلابَ الوفيةَ السائبةَ والقططَ النحيفةَ الماكرةَ والعصافيرَ البلهاء. ربما حينما معلقٌ بكَ. أبكي بحرقة، وأحدثك عن صداقتي مع الأرض وأشرح لكَ معنى الفاقة وأمتدح الحمقى، ذلك أنني حينما أتمسّك بردائكَ، أكون قد تجازوتُ درجات الأرض والألم والفقر والحماقة.. وها هو ذا بكائي ونشيجي. ليلكُ أمٌّ رؤوفة لجمال الكون والغيوم هالتك البيضاء. وهل القمر وجهك الساطع الشاحب الذي يتخفّى خجلا وراء السحب والذي نظرته الرائية تعجز عن إدراك هذا الألم وتلك الفوضى والذي بهدوء يبكي. أنا ابنكَ البار الوقور يا ليل ومثلك روحي نائية ومقدودة من قماشة الرؤيا وشاحبة. روحي لا تعي شيئاً من سلوك الكون. نائية آلاف الأميال وتسعى جاهدة أن تشارك الأطفال والبراعم ألعابهم وأن تروّض أجساد النساء، وها هي رفيقة الفاقة والعجز والألم، لقد رافقت روحي الفصول الأربعة، وسايرت الحزن والأمل. روحي حب ساطع يطوي في رمشة عين مدار الأرض ويقطع المسافات الشاسعة بين النجوم.. بين الأمس واليوم، بين حزنين وكآبة، بين أمنيتين، يا ليل بحثتُ عن وجهك الحالم في الينابيع وفي عيون النساء وفي عمق البئر وها أنت ذا ملك جميع ساعاتي وها أنت ذا تحكم مملكة شاسعة من أكوام الأمل الأخضر ودماء الاحزان الملونة. لن تموت ابداً نجومك المنتسبة إليّ. وفي معبدك أشم عطر الأجساد النضرة وفي جنينتك أغرس ورودي.. وما أفكاري سوى درجات قصرك المرمري، وأحوالي محظيـّاتـُكَ اللاتي تتلمذن على يديك. من أجلك أعتز بشمس النهار ورقصة وريقات الشجر. وفي حضرتك أقدم البشرية قربانا بين يديك. وحينما أتمسّك بأذيالك، أصير مثلك أبدية معطاء".
"سوف تكسرك الحياة. لا أحد يستطيع حمايتك من ذلك، ولن يحميك كذلك العيش وحدك؛ لأنّ العزلة ستكسرك أيضا بحنينها. عليك أن تحبّ. عليك أن تشعر بالحبّ. فهذا سبب وجودك هنا على الأرض. فأنت هنا للمخاطرة بقلبك. أنت هنا لتُبتلع. وعندما يحدث أن تُكسر، أو يتم خيانتك، أو تُهجر، أو تُجرح، أو يتجول الموت في الجوار؛ اترك نفسك بجانب شجرة تفاح وانصت لسقوط التفاح حولك في أكوام مضيعًا حلاوته. قل لنفسك أنّك تذوقت منه ما يمكنك تذوقه".
لويز أردريتش
لويز أردريتش
"إذا سنحت لكِ الفرصة، وأنا أتأمل ذلك، اتركي لي رسالة عند الإستقبال، بضع كلماتٍ تكفي، مهما كانت. اليوم، ومثل كلّ يوم، أنا بحاجةٍ لأن أحصل على شيءٍ منكِ (يمكن أن تكون لكمةً على أنفي، لكن من الأفضل أن تكون بضعة أسطر تحمل لي حُبّكِ) إذا فكرتِ وصليتِ معي للرب نفسه، للسبب نفسه، عندها سوف يكون كلّ شيء على ما يرام والحياة ستكون جميلة.
ملاحظة: إذا كانت هذه البطاقة تعني لك ما تعنيه لي تمامًا، كما لو كانت منكِ لي، سوف أكون سعيدًا أنّي كتبتها".
بطاقة كتبها كاري غرانت لصوفيا لورين وتركها لها من بين رسائل أخرى في غرفتها في الفندق أثناء تصوير فيلم Houseboat عام 1958. تقول صوفيا عن هذه الرسائل: "رسائل عن الحبّ الذي رغم أنه تغيّر مع مرور الزمن؛ إلّا أنّه لم ينتهِ".
ملاحظة: إذا كانت هذه البطاقة تعني لك ما تعنيه لي تمامًا، كما لو كانت منكِ لي، سوف أكون سعيدًا أنّي كتبتها".
بطاقة كتبها كاري غرانت لصوفيا لورين وتركها لها من بين رسائل أخرى في غرفتها في الفندق أثناء تصوير فيلم Houseboat عام 1958. تقول صوفيا عن هذه الرسائل: "رسائل عن الحبّ الذي رغم أنه تغيّر مع مرور الزمن؛ إلّا أنّه لم ينتهِ".
"الشمس تُولدُ كلّ يوم، قديمًا قالها الفيلسوف هيرقليطس، وشمس الشّعر أيضًا تُولدُ كلّ يومٍ لأنها تُشاهد بأوجهٍ مختلفة من أناس مختلفين عاشوا تحتها بل عاشوا معها واستجابوا لها. حياة هؤلاء الناس تختلف عن حياتك، لكن بسبب السحر الذي يضفيه الشّعر على حقيقة الشمس ـ شمس الجميع، وشمسك أنتَ أيضًا ـ بإمكانك أن تحوز قدر ما تشاء من الشموس، بعدد ما يمكن للرجال والنساء أن يتخيلوه. الشّعر هو الذي يمكّنك من حيازة أعمق نوع من أنواع الامتلاك الشخصي للعالَم".
جيمس ديكي
جيمس ديكي
أغنية | سلفينا أوكامبو
"أوه.. لا شيء، لا شيء لي
لا يداي الغائبتان، لا نبرة صوتي
و لا ذراعاي البعيدتان
لقد حصلت على كل شيء..
لا شيء، لا شيء لي
مثل انعكاسات بحيرة كئيبة.. أنا
أو صدى لأصوات في قاع الزرقة
عندما أمطرتْ بشكل جيدٍ
حصلت على كل شيء:
الماء والزجاج الذي يستحيل إلى أي شيء
وسط الدخان، وسط الدوامة
داخل مبنى، داخل سمكة، داخل حجرٍ، داخل وردة مختلفةٌ عني أنا، مختلفة جداً
مثل بعض الناس عند وجودهم بين بعض الناس
أنا كل الأماكن التي أحببتها في حياتي
أنا امرأةٌ كرهتْ الكثير
وعطرٌ جُرِحَ في ليلة واحدة
مع مراسيم مصيرٍ لم يتأكد
أنا الظلال التي دخلتْ سيارة
تتألق في الميناء
السر المخبأ في العينين..أنا
وأنا سكين الغيرة
والأوجاع الحمراء ذات الجروح
أنا الصوت الذي سمعته وراء العماء
الضوء، والهواء فوق شجر السرو
أنا كل الكلمات التي عشقتها على الشفاه
وفي الكتب التي أعجبتني
أنا السلوقية التي هربت في المسافة
الفرع الانفرادي بين الفروع
أنا السعادة في يوم واحد
أنا عوز الأقدام العارية
مع الأطفال الذين يذهبون بصمتٍ بعيداً
أنا التي لم يخبروها، وكنتُ أعرف!
أوه.. كنت أريد أن يكون لي كل شيء
فأنا فقدتُ كل شيء..!
ولكن كل الأشياء صعبة المنال كالنهر، والرياح
كزهور الصيف الذهبية أن تموت في يديك
أنا كل شيء، ولكن لا شيء، لا شيء لي،
لا الألم، لا الفرحة، لا الرعب
ولا حتى كلمات أغنيتي!"
"أوه.. لا شيء، لا شيء لي
لا يداي الغائبتان، لا نبرة صوتي
و لا ذراعاي البعيدتان
لقد حصلت على كل شيء..
لا شيء، لا شيء لي
مثل انعكاسات بحيرة كئيبة.. أنا
أو صدى لأصوات في قاع الزرقة
عندما أمطرتْ بشكل جيدٍ
حصلت على كل شيء:
الماء والزجاج الذي يستحيل إلى أي شيء
وسط الدخان، وسط الدوامة
داخل مبنى، داخل سمكة، داخل حجرٍ، داخل وردة مختلفةٌ عني أنا، مختلفة جداً
مثل بعض الناس عند وجودهم بين بعض الناس
أنا كل الأماكن التي أحببتها في حياتي
أنا امرأةٌ كرهتْ الكثير
وعطرٌ جُرِحَ في ليلة واحدة
مع مراسيم مصيرٍ لم يتأكد
أنا الظلال التي دخلتْ سيارة
تتألق في الميناء
السر المخبأ في العينين..أنا
وأنا سكين الغيرة
والأوجاع الحمراء ذات الجروح
أنا الصوت الذي سمعته وراء العماء
الضوء، والهواء فوق شجر السرو
أنا كل الكلمات التي عشقتها على الشفاه
وفي الكتب التي أعجبتني
أنا السلوقية التي هربت في المسافة
الفرع الانفرادي بين الفروع
أنا السعادة في يوم واحد
أنا عوز الأقدام العارية
مع الأطفال الذين يذهبون بصمتٍ بعيداً
أنا التي لم يخبروها، وكنتُ أعرف!
أوه.. كنت أريد أن يكون لي كل شيء
فأنا فقدتُ كل شيء..!
ولكن كل الأشياء صعبة المنال كالنهر، والرياح
كزهور الصيف الذهبية أن تموت في يديك
أنا كل شيء، ولكن لا شيء، لا شيء لي،
لا الألم، لا الفرحة، لا الرعب
ولا حتى كلمات أغنيتي!"
نساءٌ مهجورات | تسيتسي إيلا جاجي
"هناك نساء مهجوارت، معاصمهن لا تغضب بينما
يقطعن الخضر ويسلخن الطماطم وقت تحضير الوجبات.
أزواجهن في حدائق البيرة -بمال الأسرة- ما مقداره حمل حقيبة
من الفاصوليا أو قطع الصابون.
نساء يحافظن على شفاهن مطبقة متلامسة،
حتى وهن يزيحن ذبابة من على جبينهن،
وهن يبتلعن مخاط الأمسيات الباردة.
نساء يتذكرن، على نحو ضبابي، كيف عندما بدأ الحب
لم يكن للاعتياد وجود حيث يتجهن.
تولد المرأة وتعرف كيفية حدوث الأمر،
قلبها يستحيل ترابًا دقيقًا في نعومة القرفة.
أمر له علاقة بالمرض، بالشفاة الحمراء،
بمطاعم المدينة، وتكلفة مزيل العرق.
في الحقيقة، يحدث كثيرًا أن يحكم على أزواجهن
بقضاء ما تبقى من حياتهم في البيت؛
ليضاجعوا جثة تفوح منها رائحة المطبخ،
غير مسموح لهم بالتأنق للغرباء.
هؤلاء النسوة يلبسن فساتين بنية طويلة.
نادرًا ما يسرعن أثناء اجتيازهن الميداين المزدحمة،
يتحركن كما لو أنهن يحملن، داخلهن،
تلال ثقيلة".
"هناك نساء مهجوارت، معاصمهن لا تغضب بينما
يقطعن الخضر ويسلخن الطماطم وقت تحضير الوجبات.
أزواجهن في حدائق البيرة -بمال الأسرة- ما مقداره حمل حقيبة
من الفاصوليا أو قطع الصابون.
نساء يحافظن على شفاهن مطبقة متلامسة،
حتى وهن يزيحن ذبابة من على جبينهن،
وهن يبتلعن مخاط الأمسيات الباردة.
نساء يتذكرن، على نحو ضبابي، كيف عندما بدأ الحب
لم يكن للاعتياد وجود حيث يتجهن.
تولد المرأة وتعرف كيفية حدوث الأمر،
قلبها يستحيل ترابًا دقيقًا في نعومة القرفة.
أمر له علاقة بالمرض، بالشفاة الحمراء،
بمطاعم المدينة، وتكلفة مزيل العرق.
في الحقيقة، يحدث كثيرًا أن يحكم على أزواجهن
بقضاء ما تبقى من حياتهم في البيت؛
ليضاجعوا جثة تفوح منها رائحة المطبخ،
غير مسموح لهم بالتأنق للغرباء.
هؤلاء النسوة يلبسن فساتين بنية طويلة.
نادرًا ما يسرعن أثناء اجتيازهن الميداين المزدحمة،
يتحركن كما لو أنهن يحملن، داخلهن،
تلال ثقيلة".
"أؤمن بأن الشاعرَ شاعرٌ في لحظات حياته كلّها؛ فأن يكون المرء شاعراً يعني أن يكون إنساناً. أعرف بعض الشعراء ممن لا يمت سلوكهم اليومي بأي صِلة لشعرهم، أي أنهم لا يكونون شعراء إلا حين يكتبون الشعر، ثم ينتهي الأمر وينقلبون من جديد إلى أناسٍ جشعين، مُنْغَمِسين بالملذات، متعسفين، قصار نظر، بائسين، حسودين. فإذن، لا أستطيع تصديق قصائدهم لأني أهتم لوقائع الحياة، فعندما أجد هؤلاء السادة يُرعِدون ويزبِدون- في قصائدهم ومقالاتهم – ينتابني القرف منهم، وأشك في صدقهم، وحينها أقول لنفسي: ربما لم يكن صراخهم هذا إلا من أجل طبق من الرز البسمتي!".
فروغ فرخزاد
فروغ فرخزاد
أنشودة الـمنتشين بشرب الشمس | ناظم حكمت
"إنها أنشودة، أنشودة الذين يشربون الشمس في أزاهيـر الأرض. إنها خصلة من الشعر، خصلة شعر ملتهبة، تتجعد وتحتـرق كشعلة حمراء دامية فوق الجباه السمراء لأبطال عراة نحاسيي الأقدام. لقد رأيت، أنا، هؤلاء الأبطال؛ واحتضنت كذلك تلك الخصلة. لقد عبرت معهم الجسر الذاهب إلى الشمس، وشربت كذلك من أزاهيـر الأرض، وغنيت تلك الأنشودة. لقد استمدت قلوبنا نبضها من الأرض. لقد نفضنا غبار الكسل ممزقين أفواه الأسود ذات الأعراف الذهبية، وثبنا وامتطينا الرياح البارقة. النسور تنطلق من صخرة لصخرة، تخفق في الضياء بأجنحتها المذهبة. الجنود بأياديهم الملتهبة يضربون بالسياط خيولهم الجامحة.
ثمة غزو، غزو للشمس. فلسوف نأخذ الشمس عنوة. لقد بات الاستيلاء على الشمس وشيكا. لقد ولدنا من التراب، من النار، من الماء ومن الحديد. ونساؤنا يرضعن أطفالنا الشمس. ولحانا النحاسية تفوح برائحة التراب. سعادتنا حارة، حارة كالدم، حارة بقدر تلك اللحظة التي تتوهج في أحلام الشباب. نحن نرتفع على رؤوس موتانا، أولئك الذين علقت أطراف سلالمهم بالنجوم، نرتفع صوب الشمس. إن موتانا الذين سقطوا قد دفنوا في الشمس. ولا وقت لدينا لنقيم لهم المأتم. فهناك غزو، غزو للشمس! ولسوف نأخذ الشمس عنوة. لقد بات الاستيلاء على الشمس وشيكا. والبساتين تتصاعد من عناقيد عنبها الأحمر أبخرة الدم. ويلتف الدخان متجمعا حول المداخن الحجرية الكثيفة. لقد صرخ هذا الصوت القائد الآمر. قوة هذا الصوت، هذه القوة هي التي تضرب ستارا على عيون الذئاب الجريحة الجائعة، هذه القوة .. هي التي توقفها حيث هي. فلتأمر، فلتأمر لنمت. نحن نشرب الشمس في صوتك، ويهدر. أنا أهدر. فالفرسان الذين تختـرق رماحهم ستر الدخان للآفاق المحترقة يركضون. فهناك غزو. ولسوف نأخذ الشمس عنوة. ولقد بات الاستيلاء على الشمس وشيكا. الأرض نحاس. والسماء نحاس. فلنصرخ! هيا حطم واصرخ بأنشودة الذين يشربون الشمس".
"إنها أنشودة، أنشودة الذين يشربون الشمس في أزاهيـر الأرض. إنها خصلة من الشعر، خصلة شعر ملتهبة، تتجعد وتحتـرق كشعلة حمراء دامية فوق الجباه السمراء لأبطال عراة نحاسيي الأقدام. لقد رأيت، أنا، هؤلاء الأبطال؛ واحتضنت كذلك تلك الخصلة. لقد عبرت معهم الجسر الذاهب إلى الشمس، وشربت كذلك من أزاهيـر الأرض، وغنيت تلك الأنشودة. لقد استمدت قلوبنا نبضها من الأرض. لقد نفضنا غبار الكسل ممزقين أفواه الأسود ذات الأعراف الذهبية، وثبنا وامتطينا الرياح البارقة. النسور تنطلق من صخرة لصخرة، تخفق في الضياء بأجنحتها المذهبة. الجنود بأياديهم الملتهبة يضربون بالسياط خيولهم الجامحة.
ثمة غزو، غزو للشمس. فلسوف نأخذ الشمس عنوة. لقد بات الاستيلاء على الشمس وشيكا. لقد ولدنا من التراب، من النار، من الماء ومن الحديد. ونساؤنا يرضعن أطفالنا الشمس. ولحانا النحاسية تفوح برائحة التراب. سعادتنا حارة، حارة كالدم، حارة بقدر تلك اللحظة التي تتوهج في أحلام الشباب. نحن نرتفع على رؤوس موتانا، أولئك الذين علقت أطراف سلالمهم بالنجوم، نرتفع صوب الشمس. إن موتانا الذين سقطوا قد دفنوا في الشمس. ولا وقت لدينا لنقيم لهم المأتم. فهناك غزو، غزو للشمس! ولسوف نأخذ الشمس عنوة. لقد بات الاستيلاء على الشمس وشيكا. والبساتين تتصاعد من عناقيد عنبها الأحمر أبخرة الدم. ويلتف الدخان متجمعا حول المداخن الحجرية الكثيفة. لقد صرخ هذا الصوت القائد الآمر. قوة هذا الصوت، هذه القوة هي التي تضرب ستارا على عيون الذئاب الجريحة الجائعة، هذه القوة .. هي التي توقفها حيث هي. فلتأمر، فلتأمر لنمت. نحن نشرب الشمس في صوتك، ويهدر. أنا أهدر. فالفرسان الذين تختـرق رماحهم ستر الدخان للآفاق المحترقة يركضون. فهناك غزو. ولسوف نأخذ الشمس عنوة. ولقد بات الاستيلاء على الشمس وشيكا. الأرض نحاس. والسماء نحاس. فلنصرخ! هيا حطم واصرخ بأنشودة الذين يشربون الشمس".
خزّة في القلب | لي باي
"بالقرب من النافذة، تجلس زوجة المحارب.
مثقلة القلب، تطرز وردة بيضاء
على وسادة من الحرير.
تخز الإبرة إصبعها!
يسيل الدم على الوردة البيضاء
التي تتلون بالأحمر.
تسمع وقع سنابك حصان يجمح...
تُرى! أهو حبيبها الذي يعود أخيرًا؟
لكنها ليست سوى دقات قلبها الذي يخفق
بعنف في صدرها...
تحني رأسها على الوسادة
وحول الوردة الحمراء،
تطرز دموعًا من فضة".
"بالقرب من النافذة، تجلس زوجة المحارب.
مثقلة القلب، تطرز وردة بيضاء
على وسادة من الحرير.
تخز الإبرة إصبعها!
يسيل الدم على الوردة البيضاء
التي تتلون بالأحمر.
تسمع وقع سنابك حصان يجمح...
تُرى! أهو حبيبها الذي يعود أخيرًا؟
لكنها ليست سوى دقات قلبها الذي يخفق
بعنف في صدرها...
تحني رأسها على الوسادة
وحول الوردة الحمراء،
تطرز دموعًا من فضة".
قلت قهوة | شارمن ليلند جون
"قلت قهوة،
ولم أقل:
"أتود
لو لمست
نهدي الدافئ
اللين
بأصابع يديك
الرقيقة
الطويلة
الخالية من
خاتم؟"
قلت قهوة،
ولم أقل:
"أتود
لو مررت
لسانك
بطول رقبتي
مباشرة
أسفل
شحمة أذني
اليسرى؟"
قلت قهوة،
ولم أقل:
"أتود لو
ضممتني
بين ذراعيك
لتستشعر دقات
قلبي
الهاربة
بينما تضغط جسدي
إلى جسدك النحيل
الصلب
حتى أذوب
تمامًا
من الرغبة؟"
قلت قهوة
هناك، حيث وقفنا
في تلك الليلة
المعطرة بالياسمين
وباب سيارتي
يحول بيننا
فيحمينا
من أنفسنا ومن
أشواقنا.
قلت:
"أترغب في
فنجان من
القهوة؟"
ولم أقل:
"أتود لو
قبلتني
بينما تنسل
لتطمر وجهك
بين خصلات شعري الطويل
االناعم،
حالك السواد؟"
لكنك قلت:
"لا استطيع
أنا متزوج
وأخشى البقاء
وحيدًا معكِ"
فحدقت في
عينيك
مليًا
وكررت:
"قلت قهوة".
"قلت قهوة،
ولم أقل:
"أتود
لو لمست
نهدي الدافئ
اللين
بأصابع يديك
الرقيقة
الطويلة
الخالية من
خاتم؟"
قلت قهوة،
ولم أقل:
"أتود
لو مررت
لسانك
بطول رقبتي
مباشرة
أسفل
شحمة أذني
اليسرى؟"
قلت قهوة،
ولم أقل:
"أتود لو
ضممتني
بين ذراعيك
لتستشعر دقات
قلبي
الهاربة
بينما تضغط جسدي
إلى جسدك النحيل
الصلب
حتى أذوب
تمامًا
من الرغبة؟"
قلت قهوة
هناك، حيث وقفنا
في تلك الليلة
المعطرة بالياسمين
وباب سيارتي
يحول بيننا
فيحمينا
من أنفسنا ومن
أشواقنا.
قلت:
"أترغب في
فنجان من
القهوة؟"
ولم أقل:
"أتود لو
قبلتني
بينما تنسل
لتطمر وجهك
بين خصلات شعري الطويل
االناعم،
حالك السواد؟"
لكنك قلت:
"لا استطيع
أنا متزوج
وأخشى البقاء
وحيدًا معكِ"
فحدقت في
عينيك
مليًا
وكررت:
"قلت قهوة".
الورقة الميتة | هيرمان هيسه
"كل الزهور تتوق أن تصير ثمارًا
وكل صبيحة أن تصير مساء
على هذه الأرض لا شيء يدوم
غير الحركة، غير الزمن الهارب
الصيف الجميل يتوق ولو لمرة
لرؤية الطبيعة الذابلة، والخريف الآت
اهدأي، أيتها الورقة الميتة
لا تغضبي حين تأتيك الريح
لتحملك بعيدًا
تابعي لهوك، ولا تقاومي
دعي الأشياء تتغير بسلام
دعي الريح التي انتزعتك
تحملك نحو مسكنك الأخير"
"كل الزهور تتوق أن تصير ثمارًا
وكل صبيحة أن تصير مساء
على هذه الأرض لا شيء يدوم
غير الحركة، غير الزمن الهارب
الصيف الجميل يتوق ولو لمرة
لرؤية الطبيعة الذابلة، والخريف الآت
اهدأي، أيتها الورقة الميتة
لا تغضبي حين تأتيك الريح
لتحملك بعيدًا
تابعي لهوك، ولا تقاومي
دعي الأشياء تتغير بسلام
دعي الريح التي انتزعتك
تحملك نحو مسكنك الأخير"
الرجل الخمسيني | هرمان هيسه
"بين الولادة والقبر
يستمر الوجود خمسين سنة
ثم يأتي الموت ليؤدي عمله
وتبدأ روحنا الضعيفة بالتفكك
نغدو انحطاطًا وبذاءة
يسقط شعرنا سريعًا
حتى أسناننا تذهب
وبدلاً من أن نضم بسعادة
فتيات جميلات إلى قلوبنا
نقرأ عملاً لـ Goethe
ولكن وقبل النهاية
ومرة أخرى
أريد أن آخذ واحدة
من تلك الشابات
حادة النظرة، مبعثرة الشعر
أمسكها برفق بين يدي
أقبل شفتيها، نهديها، وجنتيها
أنزع تنورتها، ثيابها الداخلية
المشدودة عليها
بعد ذلك، حسنًا سأنتظر دونما ألم
أن يأتي الموت ويحملني
آمين".
"بين الولادة والقبر
يستمر الوجود خمسين سنة
ثم يأتي الموت ليؤدي عمله
وتبدأ روحنا الضعيفة بالتفكك
نغدو انحطاطًا وبذاءة
يسقط شعرنا سريعًا
حتى أسناننا تذهب
وبدلاً من أن نضم بسعادة
فتيات جميلات إلى قلوبنا
نقرأ عملاً لـ Goethe
ولكن وقبل النهاية
ومرة أخرى
أريد أن آخذ واحدة
من تلك الشابات
حادة النظرة، مبعثرة الشعر
أمسكها برفق بين يدي
أقبل شفتيها، نهديها، وجنتيها
أنزع تنورتها، ثيابها الداخلية
المشدودة عليها
بعد ذلك، حسنًا سأنتظر دونما ألم
أن يأتي الموت ويحملني
آمين".
قلم الشاعر | تشارلز سيميك
"عرفت شاعراً لم يكن يستطيع كتابة قصائده إلا بعقب قلم رصاص. لم يكن يفلح معه بالقدر نفسه أي شيء آخر. كان أهله وأصدقاؤه يأتونه بأقلام الحبر، والأقلام الجافة، والآلات الكاتبة، وأجهزة الكمبيوتر، فيظل ينأى عنها جميعا. وكانت زوجته تقول "إن ذلك أشبه بإهداء ساعة يد لكلب في الكريسماس". لم يكن يحفزه على الكتابة غير أقلام الرصاص. ويسأله أصدقاؤه "كيف هذا؟" فيقول لأن بوسع المرء أن يعض قلم الرصاص إلى أن يصل إلى عقبه وهو يفكر في الجملة التالية. كما لم يكن يجد نفعاً في ألواح الكتابة والدفاتر والأغراض المكتبية الأنيقة. بل يفضل عليها مظاريف الفواتير القديمة، وظهور المنشروات الدعائية التي توزَّع في شوارع نيويورك للإعلان عن القروض السريعة وأندية التدليك والعرَّافين ومزادات البضائع الناجية من الحريق، وإن يكن بوسع قائمة وجبات مطعم أو إيصال إيداع في الحساب المصرفي أن ينقذه بالقدر نفسه.
وأمر آخر. كان يحب أن يكتب قصائده على مائدة المطبخ بينما زوجته تطبخ. وكان إجلاسه في غرفة ذات شرفة في الريفييرا الفرنسية أو في شاليه في جبال الألب السويسرية إهدار للمال، فما كان جمال الطبيعة الفائق يزيده إلا نعاساً. في حين أنه لحظة يسمع زوجته تفرم ثومة أو تخرط حزمة بقدونس، يجد ربة الشعر تناديه. وتتحقق النتيجة نفسها مع الحساءات المنزلية الثقيلة، ويخني اللحم البقري، ولحم الخنزير المحمص، والسجق المشوي. فالقصيدة الغنائية أشبه بالمطبخ الرفيع. تستوجب أنفا خبيرا بالتوابل وأصابع رقيقة اللمسات. كانت الروائح السابحة في الهواء تسيل اللعاب في فمه، وترقرق عينيه، فيسارع إلى البحث عن قلم رصاص وشيء يكتب عليه، وكان يحتفظ بكلا الشيئين في درج المطبخ مع مخزون وافر من خلال الأسنان. ويصب لنفسه كأس نبيذ أحمر ويجلس. كأس أو اثنان، يرشفهما على مهل، ولا شيء آخر. يتفادى أن يشرب الزجاجة كاملة، لأنها تجعل منه شخصاً سنتمنتاليا، وبدلاً من كتابة الشعر، يجد في نفسه الرغبة إلى الدندنة بأنغام المسلسلات الشهيرة والأوبرا الإيطالية.
ما كان يحبه في الكتابة بعقب القلم الرصاص أنه يجعل خربشاته غير قابلة تقريباً للقراءة. فبتلك الطريقة لم يكن يشعر بالحرج مما كتبه. كان ينظر إليه، وينظر إليه، بعد ذلك، محاولاً أن يخمن ماذا بحق الرب ذلك الذي قاله. وحين لم يكن يحالفه الحظ، كان يطلب العون من زوجته. فتفاجئه المرة تلو المرة بأن تجيئه بأشياء أفضل من أي شيء يكون في رأسه. زواج الواقعي والخيالي، أليس ذلك هو الشعر؟ وبمرور السنوات لم يعد بوسعه أن يميز ما الذي يخصه، وما الذي يخص زوجته، وما الذي يخص خلطاتها السماوية العديدة إذ تغلي على الموقد، فبعض منها إن شئتم الحق كانت شريكة في كتابة قصائده بقدر ما كان هو شريكاً فيها. قال لنفسه إنها كانت كتابة تعاونية. كنا نعمل نحن الاثنين عن قرب، مثل عالمين مجنونين في فيلم رعب، يتجادلان حول أنابيب اختباراتهما في المعمل ويصيحان في كلبهما إيجور كي يكف عن النباح ويترك ساعي البريد يملأ صندوق البريد بخطابات الاعتذار عن النشر المبعوثة من مجلات الشعر.
من هذا الأحمق؟ لعل هذا هو السؤال الذي يدور في أذهانكم. هو أنا، طبعاً. يظلون يلحون على الكتاب والفنانين في هذه الأيام بسؤال أحدهم "هل يمكن أن تصف لنا عملية الكتابة عندك؟" هل يسأل أحد بطل العالم في أكل السجق عن كيفية تدربه؟ لعلهم يسألونه. أنت معروف للعالم بمنحوتاتك المصنوعة من الزبدة يا سيدي، إذ تحولها إلى روائع تجتذب اهتمام أكبر المتاحف في هذا البلد وفي العالم: فهل صنعت زبدتك بنفسك وأنت تنحت تمثال "العذراء الباكية" أم اشتريته من السوبرماركت القريب؟ فإن قال إنه يصنعها بنفسه، يطلب الصحفيون مقابلة البقرة التي جيء منها باللبن ويسألون إن كان بوسعهم التقاط صورة للفنان والبقرة وهما واقفان بجوار التمثال.
ولأن الشعراء، لو صدقوا، نادراً ما يعرفون من أين تأتيهم قصائدهم ولا يتذكرون كيف جمعت بعضها إلى بعض على وجه الدقة، فإنهم يكونون مرغمين على تلفيق سيرتهم، ولغتهم الأدبية، ولغوهم الاصطلاحي إرضاء لجماهيرهم. ولم يكن الشعراء دائماً مرغمين على ذلك. فلم يسأل أحد "تي إس إليوت" أو "روبرت فروست" مثل تلك الأسئلة. وأتذكر أنني رأيت في شبابي شاعراً شهيراً يجلس في كرسي محاطاً بالطلبة جالسين على الأرض يشاهدونه في استغراق تام وهو ينظف أظافره بخلال أسنان في انهماك وصمت تام.
عندما كبرت أمي وانتقلت إلى دار رعاية المسنين، فاجأتني في يوم من الأيام قرب نهاية حياتها بسؤالي عما لو كنت ما أزال أكتب الشعر. ولما اعترفت لها أنني لا زلت أفعل، حدَّقت فيّ في ذهول. وكان عليّ أن أكرِّر إجابتي إلى أن تنهَّدت وأدارت عينيها، وهي ربما تحدث نفسها، ابني هذا كان دائما لديه صمولة مفكوكة في عقله. ذكّرني هذا بقولها لجيراننا في شبابي إن ابنها الفاشل دائم الكتابة في السر. كانت تحاول أن تتلصص من وراء ظهري ـ وأفراد غيرها في الأسرة كانوا يفعلون ذلك أيضا، فكنت أختفي في سريري و
"عرفت شاعراً لم يكن يستطيع كتابة قصائده إلا بعقب قلم رصاص. لم يكن يفلح معه بالقدر نفسه أي شيء آخر. كان أهله وأصدقاؤه يأتونه بأقلام الحبر، والأقلام الجافة، والآلات الكاتبة، وأجهزة الكمبيوتر، فيظل ينأى عنها جميعا. وكانت زوجته تقول "إن ذلك أشبه بإهداء ساعة يد لكلب في الكريسماس". لم يكن يحفزه على الكتابة غير أقلام الرصاص. ويسأله أصدقاؤه "كيف هذا؟" فيقول لأن بوسع المرء أن يعض قلم الرصاص إلى أن يصل إلى عقبه وهو يفكر في الجملة التالية. كما لم يكن يجد نفعاً في ألواح الكتابة والدفاتر والأغراض المكتبية الأنيقة. بل يفضل عليها مظاريف الفواتير القديمة، وظهور المنشروات الدعائية التي توزَّع في شوارع نيويورك للإعلان عن القروض السريعة وأندية التدليك والعرَّافين ومزادات البضائع الناجية من الحريق، وإن يكن بوسع قائمة وجبات مطعم أو إيصال إيداع في الحساب المصرفي أن ينقذه بالقدر نفسه.
وأمر آخر. كان يحب أن يكتب قصائده على مائدة المطبخ بينما زوجته تطبخ. وكان إجلاسه في غرفة ذات شرفة في الريفييرا الفرنسية أو في شاليه في جبال الألب السويسرية إهدار للمال، فما كان جمال الطبيعة الفائق يزيده إلا نعاساً. في حين أنه لحظة يسمع زوجته تفرم ثومة أو تخرط حزمة بقدونس، يجد ربة الشعر تناديه. وتتحقق النتيجة نفسها مع الحساءات المنزلية الثقيلة، ويخني اللحم البقري، ولحم الخنزير المحمص، والسجق المشوي. فالقصيدة الغنائية أشبه بالمطبخ الرفيع. تستوجب أنفا خبيرا بالتوابل وأصابع رقيقة اللمسات. كانت الروائح السابحة في الهواء تسيل اللعاب في فمه، وترقرق عينيه، فيسارع إلى البحث عن قلم رصاص وشيء يكتب عليه، وكان يحتفظ بكلا الشيئين في درج المطبخ مع مخزون وافر من خلال الأسنان. ويصب لنفسه كأس نبيذ أحمر ويجلس. كأس أو اثنان، يرشفهما على مهل، ولا شيء آخر. يتفادى أن يشرب الزجاجة كاملة، لأنها تجعل منه شخصاً سنتمنتاليا، وبدلاً من كتابة الشعر، يجد في نفسه الرغبة إلى الدندنة بأنغام المسلسلات الشهيرة والأوبرا الإيطالية.
ما كان يحبه في الكتابة بعقب القلم الرصاص أنه يجعل خربشاته غير قابلة تقريباً للقراءة. فبتلك الطريقة لم يكن يشعر بالحرج مما كتبه. كان ينظر إليه، وينظر إليه، بعد ذلك، محاولاً أن يخمن ماذا بحق الرب ذلك الذي قاله. وحين لم يكن يحالفه الحظ، كان يطلب العون من زوجته. فتفاجئه المرة تلو المرة بأن تجيئه بأشياء أفضل من أي شيء يكون في رأسه. زواج الواقعي والخيالي، أليس ذلك هو الشعر؟ وبمرور السنوات لم يعد بوسعه أن يميز ما الذي يخصه، وما الذي يخص زوجته، وما الذي يخص خلطاتها السماوية العديدة إذ تغلي على الموقد، فبعض منها إن شئتم الحق كانت شريكة في كتابة قصائده بقدر ما كان هو شريكاً فيها. قال لنفسه إنها كانت كتابة تعاونية. كنا نعمل نحن الاثنين عن قرب، مثل عالمين مجنونين في فيلم رعب، يتجادلان حول أنابيب اختباراتهما في المعمل ويصيحان في كلبهما إيجور كي يكف عن النباح ويترك ساعي البريد يملأ صندوق البريد بخطابات الاعتذار عن النشر المبعوثة من مجلات الشعر.
من هذا الأحمق؟ لعل هذا هو السؤال الذي يدور في أذهانكم. هو أنا، طبعاً. يظلون يلحون على الكتاب والفنانين في هذه الأيام بسؤال أحدهم "هل يمكن أن تصف لنا عملية الكتابة عندك؟" هل يسأل أحد بطل العالم في أكل السجق عن كيفية تدربه؟ لعلهم يسألونه. أنت معروف للعالم بمنحوتاتك المصنوعة من الزبدة يا سيدي، إذ تحولها إلى روائع تجتذب اهتمام أكبر المتاحف في هذا البلد وفي العالم: فهل صنعت زبدتك بنفسك وأنت تنحت تمثال "العذراء الباكية" أم اشتريته من السوبرماركت القريب؟ فإن قال إنه يصنعها بنفسه، يطلب الصحفيون مقابلة البقرة التي جيء منها باللبن ويسألون إن كان بوسعهم التقاط صورة للفنان والبقرة وهما واقفان بجوار التمثال.
ولأن الشعراء، لو صدقوا، نادراً ما يعرفون من أين تأتيهم قصائدهم ولا يتذكرون كيف جمعت بعضها إلى بعض على وجه الدقة، فإنهم يكونون مرغمين على تلفيق سيرتهم، ولغتهم الأدبية، ولغوهم الاصطلاحي إرضاء لجماهيرهم. ولم يكن الشعراء دائماً مرغمين على ذلك. فلم يسأل أحد "تي إس إليوت" أو "روبرت فروست" مثل تلك الأسئلة. وأتذكر أنني رأيت في شبابي شاعراً شهيراً يجلس في كرسي محاطاً بالطلبة جالسين على الأرض يشاهدونه في استغراق تام وهو ينظف أظافره بخلال أسنان في انهماك وصمت تام.
عندما كبرت أمي وانتقلت إلى دار رعاية المسنين، فاجأتني في يوم من الأيام قرب نهاية حياتها بسؤالي عما لو كنت ما أزال أكتب الشعر. ولما اعترفت لها أنني لا زلت أفعل، حدَّقت فيّ في ذهول. وكان عليّ أن أكرِّر إجابتي إلى أن تنهَّدت وأدارت عينيها، وهي ربما تحدث نفسها، ابني هذا كان دائما لديه صمولة مفكوكة في عقله. ذكّرني هذا بقولها لجيراننا في شبابي إن ابنها الفاشل دائم الكتابة في السر. كانت تحاول أن تتلصص من وراء ظهري ـ وأفراد غيرها في الأسرة كانوا يفعلون ذلك أيضا، فكنت أختفي في سريري و
أخفي رأسي تحت الغطاء. وحينما كانوا يسألونني عما أفعله، كنت أصمت أو أصيح قائلاً لا شيء، بحسب ما حكت أمي. ومرة فتشت سريري وأنا في المدرسة فعثرت على عقب قلم رصاص تحت وسادتي. ولما فتشت مرة أخرى لم تعثر على شيء هناك على الإطلاق.
وليس في ذاكرتي أنا شيء من ذلك كله، ولم أكن أعرف وهي تحكيه عن أي شيء تتكلم.
في عصر أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية، وبينما تنقرض أقلام الرصاص، احرصوا أن تكونوا طيبين ومراعين لمشاعر الآخرين حينما تصادفون عقب قلم رصاص ملقى في مكتبة عامة ما أو محل جزار محكوم عليه بالإغلاق. ثقوا أن له تاريخا. (ولكل أقلام الرصاص تاريخ). ولو وجد أحدكم في نفسه مثل مشاعر السامري الصالح، فليأخذه إلى البيت ويتركه في غرفته في أمان، فقد يحدث في يوم من الأيام أن يتمكن منه الكسل فيخرجه من مخبئه، وحينئذ قد يحكي له قصة حياته بينما أصابعه قابضة عليه برقة".
وليس في ذاكرتي أنا شيء من ذلك كله، ولم أكن أعرف وهي تحكيه عن أي شيء تتكلم.
في عصر أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية، وبينما تنقرض أقلام الرصاص، احرصوا أن تكونوا طيبين ومراعين لمشاعر الآخرين حينما تصادفون عقب قلم رصاص ملقى في مكتبة عامة ما أو محل جزار محكوم عليه بالإغلاق. ثقوا أن له تاريخا. (ولكل أقلام الرصاص تاريخ). ولو وجد أحدكم في نفسه مثل مشاعر السامري الصالح، فليأخذه إلى البيت ويتركه في غرفته في أمان، فقد يحدث في يوم من الأيام أن يتمكن منه الكسل فيخرجه من مخبئه، وحينئذ قد يحكي له قصة حياته بينما أصابعه قابضة عليه برقة".
إلى آنجيل نافيس | جانين فيرلي
"عزيزتي آنجيل:
الرجال، يأتون باندفاع وقوة، كحبات
رمال في عاصفة.
في الآونة الأخيرة، لم أكن أنا؛
كنت أعبر الأنهار، أجمع السكاكين والمهدئات،
أستخدم لساني للصيد من حلوق الرجال،
فأجد جثثًا ميتة بين أسنانهم.
فتحت قميصي، كشفت عن صدري، شرعت الأبواب
والخزائن والشبابيك، كشفت جلدي وأردافي،
قلتها بصدق كما تعلمت:
هذه أنا، وهذا كل شيء، وهو ليس بالكثير.
أنا قلب وأنفاس وجلد ونزيف.
عاصفة أحيانًا.. وتهويدة أحيانًا أخرى.
يقبلون، أيها الملاك.
يقبلون.
يقولون الكثير، كلمات مصنوعة من فولاذ:
زواج
أطفال
اليوم
الحب
مستعد
أجل
آنجيل، لماذا يرحلون؟
تجاهلوني بقسوة حتى استحال جلدي خشبًا، ولساني ملحًا.
يبقون عليّ، كمجوهرات منسية في درج، حلي في صناديق،
كأس بطولة قديم في قبو.
نامي على الملاءات يا امرأة، فقط ارقدي في هدوء.
سأعود إليك بعد أن تعلني توبتك، بمجرد أن تكرهي نفسك بالقدر الكافي.
(مضحك كيف لا يؤلمك الهجر حين تكون فاعله)
آنجيل، حين غمستُ العوارض الخشبية في الكيروسين
وذهبتُ حاملة الشعلة،
بعدما سُحبت الجثث ودفنت على نحو سليم،
ظننت أن بقاءك سويًا يعني بقاءك صادقًا.
فقط كن صادقًا ولن تُجرح أبدًا، أليس كذلك؟
قالتها فتاة مصنوعة من شظايا لم تخلق للحب.
لكنهم حاولوا، على أيه حال.
حاولوا، وتبين، أنني أستطيع،
أستطيع أن أحب بقوة شظية.. شظية تذيب الجلد.
ذات ليلة على الملاءات – الملاءات التي كانت له-
كنا، حرارة رجل آخر وأنا، كومة من التشنجات، خذلان وأنين،
بكيت لأنه رحل، لأنه تركني لهذا الرجل.
مشينا معًا تحت المطر. قال إن بشرتي مثالية كأوراق الأقحوان.
حدثني عن ذلك الجسر. جلعني أضحك،
أضحك – حتى والمدينة ووجهي يأكلهما اللهب.
أرقد فوق ملاءاتي، دائمًا الملاءات، رقع الكتان الملطخة القديمة.
أسطّح نفسي إلى أقصى حد، أسطّح الأرداف والنهدين أتركهم
ينسكبوا للخارج كزبد ذائب.
أصير أرق وأرق وأرق، ألامس حواف الفراش،
أدعو أن أصبح في نحافة ورقة، في هشاشة جسم خفي.. هشاشة من لم يكن أبدًا.
آنجيل، المكان فارغ هنا، فارغ على الدوام.
ليس هناك من يرغب في الحطام، ليس هناك من هو قوي بما يكفي.
أخاف النهر، أخاف أن يبدأ في مناداتي ثانية.
أخاف أن أصحو غدًا لأجد بابي الأمامي يفتح مباشرة على ذلك الجسر.
أخاف الأسماك، أخاف ذيولها التي ستدفعني للقاع.
أخاف القوارب، أخاف محركاتها، وسترات نجاتها.
أخاف الجثث، الفتيات كلهن اللاتي لم يعثر عليهن.
أخاف الرجال، أخاف انجذابهم لللحم،
أخاف أسنانهم الحادة".
"عزيزتي آنجيل:
الرجال، يأتون باندفاع وقوة، كحبات
رمال في عاصفة.
في الآونة الأخيرة، لم أكن أنا؛
كنت أعبر الأنهار، أجمع السكاكين والمهدئات،
أستخدم لساني للصيد من حلوق الرجال،
فأجد جثثًا ميتة بين أسنانهم.
فتحت قميصي، كشفت عن صدري، شرعت الأبواب
والخزائن والشبابيك، كشفت جلدي وأردافي،
قلتها بصدق كما تعلمت:
هذه أنا، وهذا كل شيء، وهو ليس بالكثير.
أنا قلب وأنفاس وجلد ونزيف.
عاصفة أحيانًا.. وتهويدة أحيانًا أخرى.
يقبلون، أيها الملاك.
يقبلون.
يقولون الكثير، كلمات مصنوعة من فولاذ:
زواج
أطفال
اليوم
الحب
مستعد
أجل
آنجيل، لماذا يرحلون؟
تجاهلوني بقسوة حتى استحال جلدي خشبًا، ولساني ملحًا.
يبقون عليّ، كمجوهرات منسية في درج، حلي في صناديق،
كأس بطولة قديم في قبو.
نامي على الملاءات يا امرأة، فقط ارقدي في هدوء.
سأعود إليك بعد أن تعلني توبتك، بمجرد أن تكرهي نفسك بالقدر الكافي.
(مضحك كيف لا يؤلمك الهجر حين تكون فاعله)
آنجيل، حين غمستُ العوارض الخشبية في الكيروسين
وذهبتُ حاملة الشعلة،
بعدما سُحبت الجثث ودفنت على نحو سليم،
ظننت أن بقاءك سويًا يعني بقاءك صادقًا.
فقط كن صادقًا ولن تُجرح أبدًا، أليس كذلك؟
قالتها فتاة مصنوعة من شظايا لم تخلق للحب.
لكنهم حاولوا، على أيه حال.
حاولوا، وتبين، أنني أستطيع،
أستطيع أن أحب بقوة شظية.. شظية تذيب الجلد.
ذات ليلة على الملاءات – الملاءات التي كانت له-
كنا، حرارة رجل آخر وأنا، كومة من التشنجات، خذلان وأنين،
بكيت لأنه رحل، لأنه تركني لهذا الرجل.
مشينا معًا تحت المطر. قال إن بشرتي مثالية كأوراق الأقحوان.
حدثني عن ذلك الجسر. جلعني أضحك،
أضحك – حتى والمدينة ووجهي يأكلهما اللهب.
أرقد فوق ملاءاتي، دائمًا الملاءات، رقع الكتان الملطخة القديمة.
أسطّح نفسي إلى أقصى حد، أسطّح الأرداف والنهدين أتركهم
ينسكبوا للخارج كزبد ذائب.
أصير أرق وأرق وأرق، ألامس حواف الفراش،
أدعو أن أصبح في نحافة ورقة، في هشاشة جسم خفي.. هشاشة من لم يكن أبدًا.
آنجيل، المكان فارغ هنا، فارغ على الدوام.
ليس هناك من يرغب في الحطام، ليس هناك من هو قوي بما يكفي.
أخاف النهر، أخاف أن يبدأ في مناداتي ثانية.
أخاف أن أصحو غدًا لأجد بابي الأمامي يفتح مباشرة على ذلك الجسر.
أخاف الأسماك، أخاف ذيولها التي ستدفعني للقاع.
أخاف القوارب، أخاف محركاتها، وسترات نجاتها.
أخاف الجثث، الفتيات كلهن اللاتي لم يعثر عليهن.
أخاف الرجال، أخاف انجذابهم لللحم،
أخاف أسنانهم الحادة".

