أُفتّش في السماء عن نجمة | خورخي دانيال
"لَطَالمَا أبحثُ عَنْ مكانٍ مَا،
عَنْ لَيلةٍ مُعَيَّنةٍ،
عَنْ فَجرٍ مُعَيَّن،
عَنْ شُروقِ شَمْسٍ.
لَطَالمَا ظَلَلْتُ أبحَثتُ عَنْ كِتابٍ
عَنْ أُغْنِيَةٍ،
عَنْ ألوانِ الطيفِ،
عَنْ أي غُروبٍ لِلشَمْسِ،
عَنْ رَذاذِ مَطَرٍ خَفيفٍ
يُخَضِّبُ ذكرياتي؛
عَنْ قِصَّةٍ،
أو وَرَقةٍ بيضاء
كي أتمكَّنُ مِنْ مِلئهَا بالكَلِماتِ
فأنَا دائمًا أبحَثُ عَنْ الصَّمتِ فِى العيون
دونَ الإكتراثِ باللَونِ؛
ولكنَّني أتملى فِى نَظرَتُها.
لَطَالمَا أُفَتِّشُ فِي السَمَاءِ عَنْ نِجمَةٍ
لأَنْ تَسْمَع أُمنيتي؛
وتكون هي دومًا نَفسُهَا؛
وفى الختام؛ أجِدني وَحِيدًا،
وأصيرُ طوال الوقت ساهمٌ مسلوب البالِ،
والشُكُوك تساورني،
فَمَا أبحثُ عَنْهُ هُو اسمُكِ،
هُمَا يداكِ، وشفتاكِ
هُمَا عيناكِ، وصوتكِ
لأنهم إليكِ دائمًا.
كَشَخْصٍ مَا…
أبْحَثُ دونَ أن أُنادي عليكِ
ولكنْ مَع العِلم بأهميته،
ودونَ أمتلاكي سَبَبًا
لعلَّه يُسَاعدني على أن أُكْمِل،
وأمضي قُدمًا إلى الأمام".
"لَطَالمَا أبحثُ عَنْ مكانٍ مَا،
عَنْ لَيلةٍ مُعَيَّنةٍ،
عَنْ فَجرٍ مُعَيَّن،
عَنْ شُروقِ شَمْسٍ.
لَطَالمَا ظَلَلْتُ أبحَثتُ عَنْ كِتابٍ
عَنْ أُغْنِيَةٍ،
عَنْ ألوانِ الطيفِ،
عَنْ أي غُروبٍ لِلشَمْسِ،
عَنْ رَذاذِ مَطَرٍ خَفيفٍ
يُخَضِّبُ ذكرياتي؛
عَنْ قِصَّةٍ،
أو وَرَقةٍ بيضاء
كي أتمكَّنُ مِنْ مِلئهَا بالكَلِماتِ
فأنَا دائمًا أبحَثُ عَنْ الصَّمتِ فِى العيون
دونَ الإكتراثِ باللَونِ؛
ولكنَّني أتملى فِى نَظرَتُها.
لَطَالمَا أُفَتِّشُ فِي السَمَاءِ عَنْ نِجمَةٍ
لأَنْ تَسْمَع أُمنيتي؛
وتكون هي دومًا نَفسُهَا؛
وفى الختام؛ أجِدني وَحِيدًا،
وأصيرُ طوال الوقت ساهمٌ مسلوب البالِ،
والشُكُوك تساورني،
فَمَا أبحثُ عَنْهُ هُو اسمُكِ،
هُمَا يداكِ، وشفتاكِ
هُمَا عيناكِ، وصوتكِ
لأنهم إليكِ دائمًا.
كَشَخْصٍ مَا…
أبْحَثُ دونَ أن أُنادي عليكِ
ولكنْ مَع العِلم بأهميته،
ودونَ أمتلاكي سَبَبًا
لعلَّه يُسَاعدني على أن أُكْمِل،
وأمضي قُدمًا إلى الأمام".
نبض الجوع | إريكا يونغ
"أكان صوتًا؟ أم ضربًا بالصوط؟ إنه شيء أشد بدائية من الكلام. شيء يشبه الضرب في أحشائي أسميته "نبض الجوع". وكأن معدتي تعتقد أنها قلب. ومهما ملأتها -بالرجال، والكتب، والطعام، بكعك زنجبيل على شكل رجال وبقصائد تشبه الرجال وبرجال يشبهون القصائد- ترفض أن تهدأ. كنت عصية على الامتلاء.
ماذا كان ذلك الشيء الصاخب داخلي؟ أكان طبلًا؟ أم أصوات مجموعة من الآلات؟ أم ارتطام الهواء بجلد مشدود. أم خلوسة سمعية؟ أكان ربما ضفدعة؟ ألم تكن تحكي بذلك الصوت عن أحد الأمراء؟ أم إنها اعتقدت أنها هي الأميرة؟
هل قُدر لي أن أبقى جائعة طوال حياتي؟".
"أكان صوتًا؟ أم ضربًا بالصوط؟ إنه شيء أشد بدائية من الكلام. شيء يشبه الضرب في أحشائي أسميته "نبض الجوع". وكأن معدتي تعتقد أنها قلب. ومهما ملأتها -بالرجال، والكتب، والطعام، بكعك زنجبيل على شكل رجال وبقصائد تشبه الرجال وبرجال يشبهون القصائد- ترفض أن تهدأ. كنت عصية على الامتلاء.
ماذا كان ذلك الشيء الصاخب داخلي؟ أكان طبلًا؟ أم أصوات مجموعة من الآلات؟ أم ارتطام الهواء بجلد مشدود. أم خلوسة سمعية؟ أكان ربما ضفدعة؟ ألم تكن تحكي بذلك الصوت عن أحد الأمراء؟ أم إنها اعتقدت أنها هي الأميرة؟
هل قُدر لي أن أبقى جائعة طوال حياتي؟".
مقطع موسيقي: اليغرو | توماس ترانسترومر
"بعد يوم أسود، ألعب موسيقى هايدن
وأشعر بدفء بسيط في يدي.
مفاتيح البيانو جاهزة، المطارق الرقيقة تتساقط
كصوت أخضر، مليء بالصمت.
يقول الصوت إن الحرية موجودة
وشخص ما يرفض دفع ضرائب قيصر.
أدفعُ بيدي في جيوب هايدن
وأتصرف مثل رجل هادئ رغم كل الصعوبات.
أرفع علم هايدن، وأصدر إعلانًا:
"نحن لا نستسلم، نحن نسعى للسلام"
الموسيقى بيت من زجاج على منحدر.
الصخور تتدحرج نحوه، الصخور تتطاير،
الصخور تعبر المنزل،
لكن صفائح الزجاج تبقى سالمة".
"بعد يوم أسود، ألعب موسيقى هايدن
وأشعر بدفء بسيط في يدي.
مفاتيح البيانو جاهزة، المطارق الرقيقة تتساقط
كصوت أخضر، مليء بالصمت.
يقول الصوت إن الحرية موجودة
وشخص ما يرفض دفع ضرائب قيصر.
أدفعُ بيدي في جيوب هايدن
وأتصرف مثل رجل هادئ رغم كل الصعوبات.
أرفع علم هايدن، وأصدر إعلانًا:
"نحن لا نستسلم، نحن نسعى للسلام"
الموسيقى بيت من زجاج على منحدر.
الصخور تتدحرج نحوه، الصخور تتطاير،
الصخور تعبر المنزل،
لكن صفائح الزجاج تبقى سالمة".
أنت الذي أريد | رابيندرانات طاغور
"أنت الذي أريد، أنت وحدك،
فليردّد قلبي هذا دون انقطاع.
إن كل لذاتي التي أنعم بها، ليلًا ونهارًا،
هي زائفةٌ حتى اللباب.
وكالليل الذي يخفي في ظلمته رغبة النور
في الانبثاق، فإن في أعماق
شعوري تدوّي هذه الصيحة؛
أنت الذي أريد، أنت وحدك.
وكما تتشوّف العاصفة إلى نهايةٍ هادئةٍ،
حين تهب بجماع قوتها، ضد الهدوء،
فإن ثورتي تهب ضدّ حبّك
وتدوّي منها هذه الصيحة؛
أنت الذي أريد، أنت وحدك".
"أنت الذي أريد، أنت وحدك،
فليردّد قلبي هذا دون انقطاع.
إن كل لذاتي التي أنعم بها، ليلًا ونهارًا،
هي زائفةٌ حتى اللباب.
وكالليل الذي يخفي في ظلمته رغبة النور
في الانبثاق، فإن في أعماق
شعوري تدوّي هذه الصيحة؛
أنت الذي أريد، أنت وحدك.
وكما تتشوّف العاصفة إلى نهايةٍ هادئةٍ،
حين تهب بجماع قوتها، ضد الهدوء،
فإن ثورتي تهب ضدّ حبّك
وتدوّي منها هذه الصيحة؛
أنت الذي أريد، أنت وحدك".
وقت الرحيل | رابيندرانات طاغور
"أمّاه، حان وقت الرحيل، أنا راحلٌ.
في وحدة الفجر، في ظلمته الشاحبة، حين تمتد ذراعك نحو طفلك في مهده، سأقول،
"الطفل ليس هنا!"
أمّاه، أنا راحل.
سأغدو نسمةً رقيقةً تداعبك، رقرقةَ ماءٍ في حمّامِك، وأقبّلك أيضاً وأيضا.
في الليالي العاصفة حين يصفقُ المطرُ الاوراقَ، ستسمعين همسي في سريرك، وستلتمع ضحكاتي مع البرق المتسلل من نافذة غرفتك المفتوحة.
في الليل حين تستلقين وتظلين يقظةً لوقت متأخر تفكرين بطفلك سأغني لك من النجوم، "نامي، أمي، نامي."
في ضوء القمر الشارد، سأتسللُ إلى سريرك وأستلقي على صدرك وأنت نائمة.
سأغدو حلماً، وأنّسلّ من فتحة جفنيك لأغفو في نومك العميق، وحين تصحين وتحدقين حولك فزعة، وامضاً مثل يرعة سأرفرف بعيداً في الظلام.
في عيد بوجا* العظيم، حين يحوم أطفال الجيران حول البيت يلعبون سأذوب في نغمات الناي وانبض في قلبك طول اليوم.
وحين تأتي خالتي العزيزة مع هدايا العيد وتسأل، "أختي، أين هو طفلنا؟"
أماه، ستردين برقّة، "في عيوني هو، في جسدي، وفي روحي".
"أمّاه، حان وقت الرحيل، أنا راحلٌ.
في وحدة الفجر، في ظلمته الشاحبة، حين تمتد ذراعك نحو طفلك في مهده، سأقول،
"الطفل ليس هنا!"
أمّاه، أنا راحل.
سأغدو نسمةً رقيقةً تداعبك، رقرقةَ ماءٍ في حمّامِك، وأقبّلك أيضاً وأيضا.
في الليالي العاصفة حين يصفقُ المطرُ الاوراقَ، ستسمعين همسي في سريرك، وستلتمع ضحكاتي مع البرق المتسلل من نافذة غرفتك المفتوحة.
في الليل حين تستلقين وتظلين يقظةً لوقت متأخر تفكرين بطفلك سأغني لك من النجوم، "نامي، أمي، نامي."
في ضوء القمر الشارد، سأتسللُ إلى سريرك وأستلقي على صدرك وأنت نائمة.
سأغدو حلماً، وأنّسلّ من فتحة جفنيك لأغفو في نومك العميق، وحين تصحين وتحدقين حولك فزعة، وامضاً مثل يرعة سأرفرف بعيداً في الظلام.
في عيد بوجا* العظيم، حين يحوم أطفال الجيران حول البيت يلعبون سأذوب في نغمات الناي وانبض في قلبك طول اليوم.
وحين تأتي خالتي العزيزة مع هدايا العيد وتسأل، "أختي، أين هو طفلنا؟"
أماه، ستردين برقّة، "في عيوني هو، في جسدي، وفي روحي".
رسالة وداع | ستيغ لارسون
"ستوكهولم
9 فبراير 1977م
إيفا، حبيبتي،
سينتهى الأمر. بطريقة أو بأخرى، كل شيء ينتهي. ينتهى يومًا ما. ربما تكون هذه إحدى أروع الحقائق التي نعرفها عن الكون بأكمله. تموت النجوم، تموت المجرات، تموت الكواكب. ويموت الناس أيضًا. لم أكن مؤمنًا أبدًا، ولكن في اليوم الذي أصبحت مهتمًا فيه بعلم الفلك، تخليتُ عن كل ما تبقى من خوفي من الموت. أدركت أنه بالمقارنة بالكون، إنسان، إنسان واحد، أنا ... صغير بشكل لا متناهٍ. حسنًا، أنا لا أكتب هذه الرسالة لإلقاء محاضرة دينية أو فلسفية عميقة. أنا أكتبها لأقول لك "وداعًا". كنت أتحدث معك للتو على الهاتف. وما زلت أسمع صدى صوتك. أتخيلك أمام عيني ... صورة جميلة، ذكرى جميلة سأحتفظ بها حتى النهاية. في هذه اللحظة بالذات، عندما تقرأين هذه الرسالة، أعلمي أنني مت.
هناك أشياء أريدك أن تعرفيها. أدرك ما ينتظرني وأنا أتجه لأفريقيا. لدي شعور بأن هذه الرحلة يمكن أن تؤدي إلى موتي، ولكنه شيء يجب أن أختبره، رغم كل شيء. لم أولد لأجلس على كرسي وثير. تلك ليست طبيعتي. تصحيح: لم تكن أبدًا طبيعتي ... لست ذاهبًا إلى أفريقيا كصحفي فقط، بل ذاهب في مهمة سياسية، ولهذا أعتقد أن هذه الرحلة قد تؤدي إلى موتي.
هذه هي المرة الأولى التي أكتب لك فيها وأنا أعرف بالضبط ما أود قوله: أحبك، أحبك، أحبك، أحبك. أريدك أن تعرفي هذا. أريدك أن تعرفي أنني أحبك أكثر مما أحببت أي شخص. أريدك أن تعرفي أنني أعني ما أقوله. أريدك أن تذكريني وألا تحزني عليَّ. إذا كنت أعني لك شيئًا حقًا، وأعلم أنني أفعل، فستعانين على الأرجح عندما تعلمين أنني مت. ولكن إذا كنت أعني لك شيئًا حقًا، فلا تعاني، لا أريد ذلك. لا تنسني، واستمري بالعيش. عيشي حياتك. سيتلاشى الألم مع الوقت، حتى لو كان من الصعب تخيل ذلك الآن. عيشي بسلام يا حبيبتي الأعز. عيشي، أحبي، اكرهي وواصلي النضال ...
أعلم أن لدي العديد من العيوب، وآمل أن لدي بعض الصفات الجيدة أيضًا. لكنك، إيفا، ألهمتي فيَّ حبًا لم أخبره قط لدرجة أنني لم أتمكن أبدًا من التعبير لك عنه...
اجلسي باستقامة، افردي كتفيك، ارفعي رأسك عاليًا. حسنًا؟ اعتني بنفسك، إيفا. انهضي وتناولي فنجان قهوة. انتهى الأمر. شكرًا لك على الأوقات الجميلة التي قضيناها. لقد جعلتني سعيدًا جدًا. وداعًا.
بَوْسَة الوداع يا إيفا.
من ستيغ، مع حبي".
_____
في 9 نوفمبر 2004، توفي ستيغ لارسون - الصحفي ومؤلف روايات "سلسلة الألفية" المنشورة بعد وفاته، وكان أولها "الفتاة ذات وشم التنين" - بعد إصابته بنوبة قلبية. كان عمره 50 عامًا. في الشهر التالي، وجدت حبيبة ستيغ، إيفا غابرلسون، الرسالة التالية بين متعلقاته، مكتوب عليها "برجاء فتحها فقط بعد وفاتي"، وقد كتبها خلال رحلة إلى أفريقيا في عام 1977 عندما كان عمره 22 عامًا فقط.
"ستوكهولم
9 فبراير 1977م
إيفا، حبيبتي،
سينتهى الأمر. بطريقة أو بأخرى، كل شيء ينتهي. ينتهى يومًا ما. ربما تكون هذه إحدى أروع الحقائق التي نعرفها عن الكون بأكمله. تموت النجوم، تموت المجرات، تموت الكواكب. ويموت الناس أيضًا. لم أكن مؤمنًا أبدًا، ولكن في اليوم الذي أصبحت مهتمًا فيه بعلم الفلك، تخليتُ عن كل ما تبقى من خوفي من الموت. أدركت أنه بالمقارنة بالكون، إنسان، إنسان واحد، أنا ... صغير بشكل لا متناهٍ. حسنًا، أنا لا أكتب هذه الرسالة لإلقاء محاضرة دينية أو فلسفية عميقة. أنا أكتبها لأقول لك "وداعًا". كنت أتحدث معك للتو على الهاتف. وما زلت أسمع صدى صوتك. أتخيلك أمام عيني ... صورة جميلة، ذكرى جميلة سأحتفظ بها حتى النهاية. في هذه اللحظة بالذات، عندما تقرأين هذه الرسالة، أعلمي أنني مت.
هناك أشياء أريدك أن تعرفيها. أدرك ما ينتظرني وأنا أتجه لأفريقيا. لدي شعور بأن هذه الرحلة يمكن أن تؤدي إلى موتي، ولكنه شيء يجب أن أختبره، رغم كل شيء. لم أولد لأجلس على كرسي وثير. تلك ليست طبيعتي. تصحيح: لم تكن أبدًا طبيعتي ... لست ذاهبًا إلى أفريقيا كصحفي فقط، بل ذاهب في مهمة سياسية، ولهذا أعتقد أن هذه الرحلة قد تؤدي إلى موتي.
هذه هي المرة الأولى التي أكتب لك فيها وأنا أعرف بالضبط ما أود قوله: أحبك، أحبك، أحبك، أحبك. أريدك أن تعرفي هذا. أريدك أن تعرفي أنني أحبك أكثر مما أحببت أي شخص. أريدك أن تعرفي أنني أعني ما أقوله. أريدك أن تذكريني وألا تحزني عليَّ. إذا كنت أعني لك شيئًا حقًا، وأعلم أنني أفعل، فستعانين على الأرجح عندما تعلمين أنني مت. ولكن إذا كنت أعني لك شيئًا حقًا، فلا تعاني، لا أريد ذلك. لا تنسني، واستمري بالعيش. عيشي حياتك. سيتلاشى الألم مع الوقت، حتى لو كان من الصعب تخيل ذلك الآن. عيشي بسلام يا حبيبتي الأعز. عيشي، أحبي، اكرهي وواصلي النضال ...
أعلم أن لدي العديد من العيوب، وآمل أن لدي بعض الصفات الجيدة أيضًا. لكنك، إيفا، ألهمتي فيَّ حبًا لم أخبره قط لدرجة أنني لم أتمكن أبدًا من التعبير لك عنه...
اجلسي باستقامة، افردي كتفيك، ارفعي رأسك عاليًا. حسنًا؟ اعتني بنفسك، إيفا. انهضي وتناولي فنجان قهوة. انتهى الأمر. شكرًا لك على الأوقات الجميلة التي قضيناها. لقد جعلتني سعيدًا جدًا. وداعًا.
بَوْسَة الوداع يا إيفا.
من ستيغ، مع حبي".
_____
في 9 نوفمبر 2004، توفي ستيغ لارسون - الصحفي ومؤلف روايات "سلسلة الألفية" المنشورة بعد وفاته، وكان أولها "الفتاة ذات وشم التنين" - بعد إصابته بنوبة قلبية. كان عمره 50 عامًا. في الشهر التالي، وجدت حبيبة ستيغ، إيفا غابرلسون، الرسالة التالية بين متعلقاته، مكتوب عليها "برجاء فتحها فقط بعد وفاتي"، وقد كتبها خلال رحلة إلى أفريقيا في عام 1977 عندما كان عمره 22 عامًا فقط.
الحُبّ يطلقنا إلى الحياة | مايا أنجلو
"نحن، الغرباء عن الشجاعة
منفيّون من المسرّة
نسكنُ متكوِّرين في قواقع العزلة
إلى أن يغادرَ الحبُّ معبدَه القدسيّ العالي
ويأتي ليصبح في مرمى أنظارنا
ليُطْلِقَنا إلى الحياة.
يصلُ الحبُّ
وفي قطاره تأتي النشواتُ
ذكرياتُ المتعِ الآفلة
وتواريخ الوجع العتيقة.
ومع أننا جسورون،
يحطّمُ الحب أغلالَ الخوف
الذي كبّل أرواحنا.
نحن مفطومون عن ترددنا وجبننا
في النضرة الآتية من وهج الحبّ
نُقْدِم على الاستبسال
ثم سرعان ما نجد
أنّ الحبَّ يكلِّف كلَّ ما نحن عليه
وما سنكونه.
رغم أنه ليس أكثر من الحب
الذي يُطْلِقنا أحرارا".
"نحن، الغرباء عن الشجاعة
منفيّون من المسرّة
نسكنُ متكوِّرين في قواقع العزلة
إلى أن يغادرَ الحبُّ معبدَه القدسيّ العالي
ويأتي ليصبح في مرمى أنظارنا
ليُطْلِقَنا إلى الحياة.
يصلُ الحبُّ
وفي قطاره تأتي النشواتُ
ذكرياتُ المتعِ الآفلة
وتواريخ الوجع العتيقة.
ومع أننا جسورون،
يحطّمُ الحب أغلالَ الخوف
الذي كبّل أرواحنا.
نحن مفطومون عن ترددنا وجبننا
في النضرة الآتية من وهج الحبّ
نُقْدِم على الاستبسال
ثم سرعان ما نجد
أنّ الحبَّ يكلِّف كلَّ ما نحن عليه
وما سنكونه.
رغم أنه ليس أكثر من الحب
الذي يُطْلِقنا أحرارا".
علامة إرشاد | روبنسون جيفرز
"أيها المتحضّر، يا من يتساءل
كيف يمكن أن يصبح إنسانيًا من جديد
أصْغ إليَّ كي تعرف كيف:
انطلقْ إلى الخارج،
أحببْ الأشياء لا الرجال،
وانأَ بنفسك حالًا عن بني البشر،
اتركْ تلك الدمية تحتضر.
فكّر إذا شئت كيف تنمو الزنابق،
تمدَّد على صخرةٍ صامتة
إلى أن تشعر بقداستها
اجعل شرايينك باردة،
انظر إلى النجوم الصامتة،
اجعل عينيك تتسلقان السلم الكبير
خارج حفرة نفسك وحفرة الإنسان.
إن الأشياء رائعة الجمال،
وسيتبعُ حبُّك عينيكَ.
إن الأشياء هي الله، وستحبّ الله،
وليس هذا عبثًا،
ذلك أننا نكنّ مشاعر لما نحب
ونقاسمه طبيعته.
وإذا ما نظرتَ إلى الخلف
على امتداد أشعة النجوم
سترى أن هناك مكانًا تحت قبة السماء
حتى للبشرية، تلك الدمية المسكينة.
وها هي صفاتها ترمّم فسيفساءها حولك،
وعناصر قوتها ومرضها،
وأنت حرّ الآن كي تصبح حتى بشريًا
لكن بعد أن تولد من الصخر والهواء،
وليس من امرأة".
"أيها المتحضّر، يا من يتساءل
كيف يمكن أن يصبح إنسانيًا من جديد
أصْغ إليَّ كي تعرف كيف:
انطلقْ إلى الخارج،
أحببْ الأشياء لا الرجال،
وانأَ بنفسك حالًا عن بني البشر،
اتركْ تلك الدمية تحتضر.
فكّر إذا شئت كيف تنمو الزنابق،
تمدَّد على صخرةٍ صامتة
إلى أن تشعر بقداستها
اجعل شرايينك باردة،
انظر إلى النجوم الصامتة،
اجعل عينيك تتسلقان السلم الكبير
خارج حفرة نفسك وحفرة الإنسان.
إن الأشياء رائعة الجمال،
وسيتبعُ حبُّك عينيكَ.
إن الأشياء هي الله، وستحبّ الله،
وليس هذا عبثًا،
ذلك أننا نكنّ مشاعر لما نحب
ونقاسمه طبيعته.
وإذا ما نظرتَ إلى الخلف
على امتداد أشعة النجوم
سترى أن هناك مكانًا تحت قبة السماء
حتى للبشرية، تلك الدمية المسكينة.
وها هي صفاتها ترمّم فسيفساءها حولك،
وعناصر قوتها ومرضها،
وأنت حرّ الآن كي تصبح حتى بشريًا
لكن بعد أن تولد من الصخر والهواء،
وليس من امرأة".
ذكريات الخريف الماضي | أسوك كومار ميترا
"الريحٌ العاتية هنا تمزّقُ
ذكرياتِ الخريفِ الماضي
اقتربنا معًا وعيوننا مفتوحة
في مظلّة هبوطٍ لامست الدنيا
هذه الليلة ثم اختفت بين الظلال
شفتاكِ ويدكِ لم تزل دافئة
عيناكِ وعيناي
قمرٌ شبِقٌ وقلوبٌ صامتة
الليلُ يرحل
وتُبحرُ ذكرياتنا
الآن وقد عدنا
إلى منزلنا المحطم
غدا الحبُّ غرفةً خاوية
شعلةً بطيئةً، تلعق الجراح
لقد كنتُ أبحثُ عن ذكرياتي معكِ
وكلما فقدتُ طريقي
يحومُ قمرٌ موشومٌ في مظلّة
لكم تخطرين ببالي
في براءتي
الأمطارُ راحت تنهملُ وتنهملُ فوق بيتنا
المُحطّم".
"الريحٌ العاتية هنا تمزّقُ
ذكرياتِ الخريفِ الماضي
اقتربنا معًا وعيوننا مفتوحة
في مظلّة هبوطٍ لامست الدنيا
هذه الليلة ثم اختفت بين الظلال
شفتاكِ ويدكِ لم تزل دافئة
عيناكِ وعيناي
قمرٌ شبِقٌ وقلوبٌ صامتة
الليلُ يرحل
وتُبحرُ ذكرياتنا
الآن وقد عدنا
إلى منزلنا المحطم
غدا الحبُّ غرفةً خاوية
شعلةً بطيئةً، تلعق الجراح
لقد كنتُ أبحثُ عن ذكرياتي معكِ
وكلما فقدتُ طريقي
يحومُ قمرٌ موشومٌ في مظلّة
لكم تخطرين ببالي
في براءتي
الأمطارُ راحت تنهملُ وتنهملُ فوق بيتنا
المُحطّم".
"ذلكَ الحُزْنُ هو مَا يُزَيِّنَهُن، وهو الذي صيَّرَهُنَ شاحبات، مِمَّا تُرِكَ بأياديهُنَ مِنْ شفافية وطهارة راهبات؛ كَنِسوةٍ مُحْصَنَاتٍ داخل أديرة.
لأنه هُناكَ لَحظةٍ بهذا الخريف يَصلنَ فيها إلى لدرجةٍ مِنْ إكتمال نضجهن. تلألأ عيونهن كَالمحمومين، فيتحور الوباء كصنف مِنْ أصناف الصَّدَفْ، ويَظهرُ الشعر مَحفوراً في موجاتٍ مِنْ رُصاصٍ، ووقتمَا يَتَمَشَّينَ، يفعلن ذَلك بخفةٍ ورشاقةٍ غريبين. يُعرفنَ في تلك اللحظات أنهن بديعات الجمال بشكل لا يمكن انتقاده؛ لكنهن يَعلمنَ أيضًا أن ذلك الجمال هو شَفَق – اللهيب الأحمر الأخير قُبيل غروب الشمس، وأنه سيحين الغُروب قريبًا، وفيما بعد سيتحولن إلى نساءٍ صغيرات حزينات تلك الفتيات المرتديات بلوزات مصنوعة من أقمشة شفيفة خفيفة، وتبدو الواحدة منهُنَ ولديها ظهر منحني بعض الشيئ، وعندما يسمعن حديثًا عَنْ الحُبِ، يضحكن بطريقةٍ يملئُها الإرتياب والتشكُّك، ويسعين لتغيير دفة الحوار".
روبرتو آرلت
لأنه هُناكَ لَحظةٍ بهذا الخريف يَصلنَ فيها إلى لدرجةٍ مِنْ إكتمال نضجهن. تلألأ عيونهن كَالمحمومين، فيتحور الوباء كصنف مِنْ أصناف الصَّدَفْ، ويَظهرُ الشعر مَحفوراً في موجاتٍ مِنْ رُصاصٍ، ووقتمَا يَتَمَشَّينَ، يفعلن ذَلك بخفةٍ ورشاقةٍ غريبين. يُعرفنَ في تلك اللحظات أنهن بديعات الجمال بشكل لا يمكن انتقاده؛ لكنهن يَعلمنَ أيضًا أن ذلك الجمال هو شَفَق – اللهيب الأحمر الأخير قُبيل غروب الشمس، وأنه سيحين الغُروب قريبًا، وفيما بعد سيتحولن إلى نساءٍ صغيرات حزينات تلك الفتيات المرتديات بلوزات مصنوعة من أقمشة شفيفة خفيفة، وتبدو الواحدة منهُنَ ولديها ظهر منحني بعض الشيئ، وعندما يسمعن حديثًا عَنْ الحُبِ، يضحكن بطريقةٍ يملئُها الإرتياب والتشكُّك، ويسعين لتغيير دفة الحوار".
روبرتو آرلت
صورة أُمّي | جون فانتي
"كان ثمّة حقيبة كبيرة وقديمة في غرفة أمّي وكانت أقدم حقيبة رأيتها في حياتي، واحدة من تلك الحقائب ذات الغطاء الدائريّ مثل بطن رجل بدين. يوجد في قعر هذه الحقيبة تحت شراشف الزفاف التي لم تستخدم أبدًا لأنّها صنعت من أجل الزفاف والفضيّات التي لم تستخدم أبدًا لأنّها هديّة زفاف وكلّ أنواع الأربطة الباهظة الثمن والأزرار وشهادات الميلاد، صندوق في داخله صور العائلة. خبّأت أمّي مفتاح الحقيبة كي لا تسمح لأي أحد بفتحها غير أنّي عثرت عليه ذات يوم. وجدته مخبّأ تحت زاوية السجّاد.
في الربيع من ذلك العام كنت أعود في الظهيرة من المدرسة لأجد أمّي تعمل في المطبخ. كان ساعداها مرتخيتان وباهتان مثل صلصال جافّ من شدّة التعب ويغطّي رأسها شعر خفيف وجاف. كانتا عيناها غائرتان، واسعتان وحزينتان داخل محجريهما. عندها كنت أفكّر في تلك الصورة. آه من تلك الصورة في الحقيبة. عندما تنشغل أمّي، كنت أتسلّل إلى غرفتها وأحكم إغلاق الباب وأفتح الحقيبة. هناك صور كثيرة في قعر الصندوق وكنت أحبّ جميعها لكن كان هناك صورة واحدة تتوق أصابعي للمسها وترنو عيناي إليها عندما أجد أمّي في تلك الحال. كانت صورة التقطت لها قبل زواجها من أبي بأسبوع.
يا لها من صورة! تظهر أمّي في الصورة جالسة على ذراع كرسيّ مخمليّ تلبس فستانًا أبيضًا يتهدّل إلى الأسفل حتّى يلامس أصابع قدميها وأكمامه منتفخة وناعمة. كانت أكمامًا أنيقة جدًّا. لم يكن للفستان ياقة فكانت أمّي تزيّن رقبتها بسلسال ذهبيّ رقيق يتدلّى منه حجر كريم وكانت قبّعتها أكبر قبّعة رأيتها في حياتي، قبّعة تصل حتّي كتفيها لتطوّقهما مثل مظلّة بيضاء اللون، حافّتها منخفضة قليلًا تغطّي معظم شعرها عدا كعكة داكنة مستقرّة في مؤخرة الرأس. لكنّني كنت أستطيع رؤية عيناها
الخضراوان الحزينتان. لقد كانتا كبيرتان إلى درجة أنّ حتى تلك القبعة لم يكن بإمكانها أن تحجبهما. كنت أطيل النظر إلى تلك الصورة الغريبة وأقبّلها وأذرف الدموع فوقها في سعادة لأنّ ذلك كان حقيقيًّا ذات يوم. أذكر أنى ذات ظهيرة أخذت تلك الصورة إلى الأسفل إلى حافّة الجدول ووضعتها فوق صخرة وصلّيت لها بينما كانت أمّي في المطبخ سجينة وراء القدور والمقالي: امرأة لم تعد تضاهي جمال المرأة التي في الصورة. وهكذا كنت أحملها معي، طفلًا عائدًا إلى البيت من المدرسة.
أحيانا أخرى كنت أقوم بأشياء مغايرة فأقف أمام مرآة خزانة الملابس وأحمل الصورة في مستوي أذني قبالة المرآة الدائريّة. فتتمكّن بي مشاعر خجل وكنت أختلج غبطة. كم هي مدهشة هذه المرأة المهيبة، هذه الملكة!. أتذكّر أنّني كنت أقف هناك واجمًا عاجزًا عن التعبير.
لم تكن أمّي التي في المطبخ الآن، أمّي. لم أكن لأعتبرها كذلك. هذه هي أمّي، السيّدة التي تعتمر قبّعة كبيرة. لماذا لم أكن أذكر أيّ شيء عنها؟ لماذا كان عليّ أنّ أكون صغيرًا جدًّا عندما ولدت؟ لماذا لم أولد في سنّ الرابعة عشرة؟ لم أكن أذكر أيّ شيءٍ. متي تغيّرت أمّي؟ وما سبب ذلك التحوّل؟ متي كبرت هكذا؟ فكّرت أنّني لو كنت قد رأيت أمّي بهذا البهاء الذي هي عليه في الصورة لكنت طلبت منها فورًا أن تتزوّجني. لم ترفض أمّي لي طلبًا قطُّ وكنت أدرك أنّها لن ترفض بأن أكون زوجًا لها. كنت مسهبًا في الإصرار على تلك الفكرة حتّى أنّي توصّلت إلى طريقة للتخلّص من أبي: بإمكان أمّي أن تطلّقه وإذا رفضت الكنيسة منحهما الطلاق يمكننا الانتظار والزواج حالما يموت أبي. بحثت عن كتاب التعاليم الدينيّة والصلوات خاصّتي من أجل إيجاد قانون يمنع الأمّهات من الزواج من أبنائهنّ وشعرت بالامتنان عندما لم أجد شيئا عن هذا الأمر.
ذات مساء دسست الصورة في خصري وأخذتها
لأبي. كان جالسًا يقرأ الصحيفة في الشرفة الأماميةّ للبيت.
- "أنظر" قلت له "احزر من هذه؟"
نظر إليها عبر غيمة من دخان السيجارة. فأزعجتني لامبالاته. لقد فحصها كما لو أنّها حشرة أو أيّ شيء آخر: قطعة من المرطبات العفنة أو أيّ شيء. مسح الصورة بعينيه من أعلى إلى أسفل ثلاثة مرّات ثم فعل الأمر نفسه بالعرض. قلبها ليتفحّص ظهرها. الإطار أثار اهتمامه أكثر من صاحب الصورة وقد كنت آمل أن تقفز عيناه من محجريهما ويصرخ من شدّة الإثارة.
- "إنّها أمّي، ألم تتعرّف عليها!".
نظر إليّ ضجرًا وقال ملتقطًا صحيفته من جديد: "أعدها الى المكان الذي وجدتها فيه".
- "ولكنّها أمّي!"
- "يا إلهي أعرف من تكون، فأنا الرجل الذي تزوّجها!"
- "ولكن أنظر"
- "إبتعد من هنا".
- "لكن، أنظر يا أبي!"
- "اذهب بعيدًا. أنا أقرأ".
أردت ضربه. كنت خجلًا وحزينًا. فقد حدث شيء ما في تلك اللحظة جرّد الصورة من سحرها. فأصبحت صورة أخرى- مجرّد صورة. قلّما نظرت إليها بعد ذلك فلم أفتح حقيبة أمّي أبدًا منذ ذاك المساء ولم أنقّب عن الكنوز في أعماقها".
"كان ثمّة حقيبة كبيرة وقديمة في غرفة أمّي وكانت أقدم حقيبة رأيتها في حياتي، واحدة من تلك الحقائب ذات الغطاء الدائريّ مثل بطن رجل بدين. يوجد في قعر هذه الحقيبة تحت شراشف الزفاف التي لم تستخدم أبدًا لأنّها صنعت من أجل الزفاف والفضيّات التي لم تستخدم أبدًا لأنّها هديّة زفاف وكلّ أنواع الأربطة الباهظة الثمن والأزرار وشهادات الميلاد، صندوق في داخله صور العائلة. خبّأت أمّي مفتاح الحقيبة كي لا تسمح لأي أحد بفتحها غير أنّي عثرت عليه ذات يوم. وجدته مخبّأ تحت زاوية السجّاد.
في الربيع من ذلك العام كنت أعود في الظهيرة من المدرسة لأجد أمّي تعمل في المطبخ. كان ساعداها مرتخيتان وباهتان مثل صلصال جافّ من شدّة التعب ويغطّي رأسها شعر خفيف وجاف. كانتا عيناها غائرتان، واسعتان وحزينتان داخل محجريهما. عندها كنت أفكّر في تلك الصورة. آه من تلك الصورة في الحقيبة. عندما تنشغل أمّي، كنت أتسلّل إلى غرفتها وأحكم إغلاق الباب وأفتح الحقيبة. هناك صور كثيرة في قعر الصندوق وكنت أحبّ جميعها لكن كان هناك صورة واحدة تتوق أصابعي للمسها وترنو عيناي إليها عندما أجد أمّي في تلك الحال. كانت صورة التقطت لها قبل زواجها من أبي بأسبوع.
يا لها من صورة! تظهر أمّي في الصورة جالسة على ذراع كرسيّ مخمليّ تلبس فستانًا أبيضًا يتهدّل إلى الأسفل حتّى يلامس أصابع قدميها وأكمامه منتفخة وناعمة. كانت أكمامًا أنيقة جدًّا. لم يكن للفستان ياقة فكانت أمّي تزيّن رقبتها بسلسال ذهبيّ رقيق يتدلّى منه حجر كريم وكانت قبّعتها أكبر قبّعة رأيتها في حياتي، قبّعة تصل حتّي كتفيها لتطوّقهما مثل مظلّة بيضاء اللون، حافّتها منخفضة قليلًا تغطّي معظم شعرها عدا كعكة داكنة مستقرّة في مؤخرة الرأس. لكنّني كنت أستطيع رؤية عيناها
الخضراوان الحزينتان. لقد كانتا كبيرتان إلى درجة أنّ حتى تلك القبعة لم يكن بإمكانها أن تحجبهما. كنت أطيل النظر إلى تلك الصورة الغريبة وأقبّلها وأذرف الدموع فوقها في سعادة لأنّ ذلك كان حقيقيًّا ذات يوم. أذكر أنى ذات ظهيرة أخذت تلك الصورة إلى الأسفل إلى حافّة الجدول ووضعتها فوق صخرة وصلّيت لها بينما كانت أمّي في المطبخ سجينة وراء القدور والمقالي: امرأة لم تعد تضاهي جمال المرأة التي في الصورة. وهكذا كنت أحملها معي، طفلًا عائدًا إلى البيت من المدرسة.
أحيانا أخرى كنت أقوم بأشياء مغايرة فأقف أمام مرآة خزانة الملابس وأحمل الصورة في مستوي أذني قبالة المرآة الدائريّة. فتتمكّن بي مشاعر خجل وكنت أختلج غبطة. كم هي مدهشة هذه المرأة المهيبة، هذه الملكة!. أتذكّر أنّني كنت أقف هناك واجمًا عاجزًا عن التعبير.
لم تكن أمّي التي في المطبخ الآن، أمّي. لم أكن لأعتبرها كذلك. هذه هي أمّي، السيّدة التي تعتمر قبّعة كبيرة. لماذا لم أكن أذكر أيّ شيء عنها؟ لماذا كان عليّ أنّ أكون صغيرًا جدًّا عندما ولدت؟ لماذا لم أولد في سنّ الرابعة عشرة؟ لم أكن أذكر أيّ شيءٍ. متي تغيّرت أمّي؟ وما سبب ذلك التحوّل؟ متي كبرت هكذا؟ فكّرت أنّني لو كنت قد رأيت أمّي بهذا البهاء الذي هي عليه في الصورة لكنت طلبت منها فورًا أن تتزوّجني. لم ترفض أمّي لي طلبًا قطُّ وكنت أدرك أنّها لن ترفض بأن أكون زوجًا لها. كنت مسهبًا في الإصرار على تلك الفكرة حتّى أنّي توصّلت إلى طريقة للتخلّص من أبي: بإمكان أمّي أن تطلّقه وإذا رفضت الكنيسة منحهما الطلاق يمكننا الانتظار والزواج حالما يموت أبي. بحثت عن كتاب التعاليم الدينيّة والصلوات خاصّتي من أجل إيجاد قانون يمنع الأمّهات من الزواج من أبنائهنّ وشعرت بالامتنان عندما لم أجد شيئا عن هذا الأمر.
ذات مساء دسست الصورة في خصري وأخذتها
لأبي. كان جالسًا يقرأ الصحيفة في الشرفة الأماميةّ للبيت.
- "أنظر" قلت له "احزر من هذه؟"
نظر إليها عبر غيمة من دخان السيجارة. فأزعجتني لامبالاته. لقد فحصها كما لو أنّها حشرة أو أيّ شيء آخر: قطعة من المرطبات العفنة أو أيّ شيء. مسح الصورة بعينيه من أعلى إلى أسفل ثلاثة مرّات ثم فعل الأمر نفسه بالعرض. قلبها ليتفحّص ظهرها. الإطار أثار اهتمامه أكثر من صاحب الصورة وقد كنت آمل أن تقفز عيناه من محجريهما ويصرخ من شدّة الإثارة.
- "إنّها أمّي، ألم تتعرّف عليها!".
نظر إليّ ضجرًا وقال ملتقطًا صحيفته من جديد: "أعدها الى المكان الذي وجدتها فيه".
- "ولكنّها أمّي!"
- "يا إلهي أعرف من تكون، فأنا الرجل الذي تزوّجها!"
- "ولكن أنظر"
- "إبتعد من هنا".
- "لكن، أنظر يا أبي!"
- "اذهب بعيدًا. أنا أقرأ".
أردت ضربه. كنت خجلًا وحزينًا. فقد حدث شيء ما في تلك اللحظة جرّد الصورة من سحرها. فأصبحت صورة أخرى- مجرّد صورة. قلّما نظرت إليها بعد ذلك فلم أفتح حقيبة أمّي أبدًا منذ ذاك المساء ولم أنقّب عن الكنوز في أعماقها".
عصافير مهاجرة | تشارلز سيميك
"لو كان لي فقط كلبٌ،
لانشغلَت به هذه الغربانَ المتجمهرةَ
في فنائي.
لو أنّ ساعي البريد فقط توقّف عند صندوقي،
لوقفت في الشارع أقرأ رسالة
تحسدونني جميعكم عليها.
لو أنّي فقط امتلكتُ سيارةً جيّدة،
لسافرتُ إلى الشاطئ ذات نهارٍ شتائيّ
وجلستُ أرقبُ الموجَ
وهي تحاولُ أن تؤذي الصخورَ الهائلة
ثم تتفرق كالفئران بعد كلّ محاولة.
لو كانت لي فقط امرأةٌ تطهو من أجلي
حساءً ساخنًا في الليالي الباردة
وربما تخبز كعكة شوكولاتة
نأخذ منها قطعةً معنا إلى السرير
نتقاسمها بعد فعلِ الحُب.
لو كانت لي فقط عينان تُبصران أكثر،
لقرأتُ عن عصافيرَ تهاجر،
تقطعُ براحَ محيطاتٍ وصَحارٍ،
وعَن حاجتها للعودة إلى هذه المزبلة
وقد زارَت بلادًا دافئةً وغريبة".
"لو كان لي فقط كلبٌ،
لانشغلَت به هذه الغربانَ المتجمهرةَ
في فنائي.
لو أنّ ساعي البريد فقط توقّف عند صندوقي،
لوقفت في الشارع أقرأ رسالة
تحسدونني جميعكم عليها.
لو أنّي فقط امتلكتُ سيارةً جيّدة،
لسافرتُ إلى الشاطئ ذات نهارٍ شتائيّ
وجلستُ أرقبُ الموجَ
وهي تحاولُ أن تؤذي الصخورَ الهائلة
ثم تتفرق كالفئران بعد كلّ محاولة.
لو كانت لي فقط امرأةٌ تطهو من أجلي
حساءً ساخنًا في الليالي الباردة
وربما تخبز كعكة شوكولاتة
نأخذ منها قطعةً معنا إلى السرير
نتقاسمها بعد فعلِ الحُب.
لو كانت لي فقط عينان تُبصران أكثر،
لقرأتُ عن عصافيرَ تهاجر،
تقطعُ براحَ محيطاتٍ وصَحارٍ،
وعَن حاجتها للعودة إلى هذه المزبلة
وقد زارَت بلادًا دافئةً وغريبة".
احتفال دائم | سيرخيو أ. رودريغيث
"يمكن لك رؤية السماوات
تتوالى، سماء بعد أُخرى
بأقدامنا العارية.
نحتفي دومًا
بأننا تعارفنا.
يمكن لك رؤية إشراقات شمس
ومغيبها مرارًا
كما تشاء.
ذهاب أسراب الطيور
وإيابها.
يمكن لك رؤية الأنهار الغزيزة
أو بلا مياه مجاريها،
بينما السمكة الأخيرة،
تطلق أولى زفراتها
في الفردوس.
أنت وأنا نحتفل دومًا
بأننا ولدنا.
وسنضحك
من مآسينا".
"يمكن لك رؤية السماوات
تتوالى، سماء بعد أُخرى
بأقدامنا العارية.
نحتفي دومًا
بأننا تعارفنا.
يمكن لك رؤية إشراقات شمس
ومغيبها مرارًا
كما تشاء.
ذهاب أسراب الطيور
وإيابها.
يمكن لك رؤية الأنهار الغزيزة
أو بلا مياه مجاريها،
بينما السمكة الأخيرة،
تطلق أولى زفراتها
في الفردوس.
أنت وأنا نحتفل دومًا
بأننا ولدنا.
وسنضحك
من مآسينا".
كلماتٌ مُثقلةٌ بالشّمس | كلود إستبان
"تُمْطرُ بهدوء ناعم في قصيدة
والمدينةُ نائمةٌ قريبا هناك مثل كلب،
أشياءُ تمرّ وأخرى تعود
هناك كلماتٌ مُثْقلَةٌ بالشّمس
تقول بِروعةٍ الفَرْوَ السّرّيّ لامرأةٍ
وهناك كلمات أخرى طافحةٌ بالضباب حتى اليقظة
تُمطر بهدوء حتى كأنه عالمٌ آخر ربّما
يُشبه العالم لكن بلا عجلةٍ ولا خيلاء
هو داخل النفس مثل قطرات صمتٍ.
مصباحٌ ساهرٌ في الليل، قلبٌ ما زال
مسكونًا بالإيمان
شخصٌ يصنع حكايته فيما وراء الغضب والضجيج".
"تُمْطرُ بهدوء ناعم في قصيدة
والمدينةُ نائمةٌ قريبا هناك مثل كلب،
أشياءُ تمرّ وأخرى تعود
هناك كلماتٌ مُثْقلَةٌ بالشّمس
تقول بِروعةٍ الفَرْوَ السّرّيّ لامرأةٍ
وهناك كلمات أخرى طافحةٌ بالضباب حتى اليقظة
تُمطر بهدوء حتى كأنه عالمٌ آخر ربّما
يُشبه العالم لكن بلا عجلةٍ ولا خيلاء
هو داخل النفس مثل قطرات صمتٍ.
مصباحٌ ساهرٌ في الليل، قلبٌ ما زال
مسكونًا بالإيمان
شخصٌ يصنع حكايته فيما وراء الغضب والضجيج".