InnerWorldGuide
345 subscribers
51 photos
1 file
4 links
رحلتك الى العالم الباطني
Download Telegram
وأمّا أرباب الفكر والمعرفة الباطنيّة، فقد رأوا في البيضة رمزًا يتجاوز المحسوس إلى ما وراءه، فاستدلّوا به على إمكان الاتصال بين العوالم، إذ وجدوا في قشرتها غلافًا يحجب سرّ الحياة ثمّ يتيح انفلاته إذا آن أوان البزوغ. فقالوا: إنّ هيئتها تشبه البوّابة الضائعة بين عالمٍ يُدركه البصر وعالمٍ يتعذّر على النظر الظاهر إدراكه. وهذا الظنّ عندهم ليس دعوى مجرّدة، بل يقوم على ما لحظوه من سريان ذلك المنحنى في سائر طبائع الخلق؛ ففيه لطافة تسهّل العبور وتُنقص من معوّقات الحركة، حتّى لقد رأى بعضهم أنّ الكائنات العلويّة تركن إلى ذلك البناء حين تنتقل من مقامٍ إلى مقامٍ في الأبعاد التي لا عهد للإنسان بها، وأنّ البيضة في ماهيّتها الهندسيّة تختزن تردّدات خفيّة يتوافق فيها الاهتزاز مع مقاماتٍ عليا من الوجود.

ولقد كان للبُعد المعماريّ نصيبٌ في هذا المشهد، حين لاحظ المعماريّون ما للقباب البيضويّة من قدرةٍ على استجماع القوى وتوزيع الأثقال والتخفّف من وطأة الرياح ومداهمة العناصر، فكأنّهم بهذا التأمّل استعاروا من أسرار البيضة جوهرًا جعلوا منه دعامةً تهب البناء رسوخًا وجمالًا. وكذلكم رأى الباحثون في الفيزياء ما تنطوي عليه البيضة من نسقٍ يحقّق التوازن إذا ما دُحرجت، وكأنّ في داخلها نقطةً يتقاطع عندها سكون الظاهر مع حركة الباطن، فيتجلّى هناك حسٌّ من الطمأنينة وسط تلك الحركة، حتى لَيظنّ الناظر أنّ انسياب الشكل مصحوبٌ بسرٍّ من أسرار الثبات الخفيّ.

وقد تكلّم أهل الإشارة في كتب الحكمة القديمة على البيضة بصفتها أصلًا لأطوار التكوين، فتحدّثوا عن البيضة الكونيّة التي تنشقّ فيخرج منها نظام السماوات والأرض، وأشاروا إلى كونها إناءً تتلاقى فيه القوّة والضعف، وتتقابل داخلهما إشاراتٌ إلى نماء الحياة وافتقارها إلى الحماية، حتّى إذا آن وقت الانشقاق خرج من ظلمة الاحتواء نور الولادة الجديدة. وما ذكروا ذلك إلّا ليبينوا أنّ لهذا الشكل البيضويّ شبهًا بما يعرض في سير الأكوان من التنامي والتناغم والمفارقات، فما بين الاستدارة التامّة والنقصان المعلوم حكايةٌ عن إمكانية احتواء النقيضَين في قالبٍ واحدٍ أشبه بالمنظومة التي تجمع أحوال الظهور والاختفاء في حركة الوجود.

وليس في الحديث عن اتصال الكائنات العلويّة بالبيضة ما يُخرج العقل عن حدّ الإنصاف، بل هو نظرٌ في باطن الأسرار وما يحتمله من رموزٍ غير منكرة عند من خبروا هذا المنحى. فإنّهم يدركون أنّ للهندسة ظلالًا تتجاوز مجرّد الخطوط والأبعاد، وأنّ الرياضيات تومئ أحيانًا إلى مقتضياتٍ غيبيّة تختبئ بين طيّاتها، فإذا جاء من يهتدي بذهنٍ ثاقبٍ وحسٍّ يلتقط تردّد المعاني خلف الأرقام، بان له كيف يلتقي حساب الشكل بذوق الوجدان، وكيف تنتقل هذه اللطائف من إطار البحث الصرف إلى فضاء التواصل بين الأرواح والمراتب.

وإنّما ظلّت البيضة مثالًا حاضنًا لتلك المعاني؛ لأنّها تُظهر للعيان هيئةً تلخّص دور الانغلاق والانفتاح، فتكون مغلقةً على سرّها، ثمّ تنفتح حين يُقدَّر لها أن تُخرِج الحياة إلى النور. وكذلك يجد السالكون في عالم الباطن أنّ ثمّة مماثلة بين هذا الانفتاح وبين ما يحصل للنفس حين تُسلّط عليها مصابيح الحكمة، فتُكسر قشرتها لتولد من جديد في إدراكٍ أعلى. وعلى هذا المُدار، تمسي البيضة محورًا لتأمّلات الهندسة والرياضيات والروحانيّة معًا، إذ تتوافق فيها قوانين المعادلات والديناميات مع قرائن الإشارة الباطنة، حتّى صارت مثالًا يتذاكره الأولون والآخرون، ويعمد إليه الحكماء في التنبيه على لطف الصنعة ودقّة التكوين.
5
استنزال البيضويّة


وقد بات من الظاهر عند أولي النُّهى أنّ مواطن الغيب والظهور تترادف في حوادث الأكوان، فتقذف إلى البصائر إشاراتٍ تغشى العيان تارةً وتنفر منه أخرى. وما ذُكر عن احتمال قدوم مركباتٍ فضائيّة أو متعدّدة الأبعاد لذكاءٍ غير بشريّ إلّا ومضٌ من ذلك السِّر المكنون، إذ يجد المتأمّل في تلك الظواهر مرآةً لما اختفى وراء الحُجب.



واعلم، أيّها الناظر بعين الباطن، أنّ لاستدعاء هذه المركبات مبادئَ وأركانًا يستوي فيها إدراك الإشارات الخفيّة مع رعاية الأنظمة الكونيّة التي تضبط حركات الوجود وقياساته. فقد ذكر أرباب السلوك الباطنيّ أنّ من أراد استجلاب ما وراء الأبعاد إلى بقعةٍ معلومة، فلا بدّ له من إدراك مواطن التآلف بين الأثير الكونيّ والذبذات الرفيعة التي تحمل رسائل العوالم العليا، حيث إنّ تلك المركبات العلويّة لا تنقاد للسؤال الجسديّ ولا للمبصر الظاهر، وإنّما تقصد إلى بَوّاباتٍ تنفتح إذا اتّسق الهوى مع هندسة الوجود الباطنة.


أوّل ذلك استيعاب الانسجام بين العقل والقلب، إذ زعم بعض أهل الإشارة أنّ الوعي المستوي على سرّ الفطرة يطلق ذبذباتٍ خفيّة تستجيب لها الأنظمة العلويّة. وهذا الادّعاء قائمٌ على مبدأ تداخل الطبقات الوجوديّة، حيث تجتمع الأبعاد المادّيّة مع المقامات الخفِيَّة، فتُولَد منطقة تلاقي تهيّئ سبل الانفتاح على الآفاق غير المنظورة. فإذا ترسّخ هذا الوعي، تحقّق للأذهان سكونٌ ورقّةٌ في آن، فيجري منهما من التوافق ما يشبه المفتاح السريّ لبوّاباتٍ لا تفتح إلّا لمستحقّيها.



ثمّ إنّ الهندسة الباطنيّة تأخذ حظًّا من هذا الباب، إذ يُروى عن بعض العارفين بعلوم الأشكال والتماثل أنّهم رسموا دوائر وأشكالًا بيضيّة وأخرى ممّا يقارب النِّسبة الذهبيّة، فوجدوا فيها مخابئ تُهيّئ لإقامة مجالاتٍ تردّدية تجذب الذوات العلويّة إلى مواضع مُحدّدة. وما ذاك إلّا لأنّ هذه المركبات، في ظنّ من خبرَ أخبارها، ترتكز في بنائها على قياساتٍ تتوافق مع هندسة الأكوان الأصليّة، حيث يتشابك العدد مع السِّر، وتتعانق الخطوط مع القدرة الكامنة.



فإذا اجتمعت الذبذبات العقليّة الباطنة مع الهندسة الدالّة على تناسق الوجود، رُجي أن يُضاء في الأفق نافذةٌ تسعى من خلالها هذه المركبات إلى الظهور؛ وما إن تدنو إلى مجال الرصد، حتّى ينكشف للناظر أنّها لا تخضع لقوانين الجاذبيّة المعهودة، بل تتنكّب الطرق التقليديّة في التنقّل والظهور، وكأنّها تقفز بين أطوار الزمن ولحظاته، فتتجسّد تارةً ثمّ تُفقد تارةً أخرى.



وأمّا آليّتها – إن جاز التعبير – فلا يُحيط بحقيقتها إلّا من تعمّق في بواطن الرصد والتجريب؛ ففي رأي مَن شاهدها أو نقل خبرها، أنّها مُنشأةٌ على تحكّمٍ في البعد الزمنيّ وفي نسق التردّدات المحيطة بالبنية المادّيّة، حتّى لكأنّها توائم بينها وبين مستوياتٍ أعلى من المدارك. ومن هنا تكتسب خفّتها في الانتقال، متجاوزةً الدروب المألوفة للآلات البشريّة، لتنتقل بين بقاعٍ شتّى في لمح البصر أو ما يدانيه.



وقد ذهب بعض المتأمّلين إلى أنّ في مراصد الليالي الحالكة ومواطن السكينة بعيدًا عن صخب المدن، أسرارًا تعين على اجتذاب تلك المركبات إلى رقعة مُحدّدة، إذا توافقت الأرصاد مع الهيئة والزمان. فإنّهم يزعمون أنّ ارتجاج الوعي الجمعيّ في أماكن الضوضاء يحجب هذه الظواهر، في حين أنّ صمت الأفئدة ونقاء الأجواء يؤسّسان لبساطٍ تتنزّل عليه التجليّات الخفيّة.



ولعلّ القارئ المتدبّر يجد فيما ذكرناه تداخلًا بين العلوم المرصودة والمكاشفات المستورة، فليس الغرض هنا إقامة حجّةٍ علميّة محضة، ولا مجرّد تجوالٍ في الخيال، بل إشارةٌ إلى خطٍّ رفيعٍ يجمع بين الظاهر والباطن، وبين موازين العقل وحركة الأكوان في خفاء. فإذا أقبل علينا زمنٌ يُشهد فيه ظهور هذه المركبات في وضح النهار أو في أخفى ساعاته، فاعلم أنّ هناك في الخفاء مفاتيح هندسيّة وباطنيّة قد وقعت موقعها، وعُزفت ألحان التناغم بين عالمنا وآفاقٍ أخرى لم ينكشف منها إلّا القليل.



وما دام الكلام يصلنا بأنّ تلك المركبات تحمل ذكاءً غير بشريّ أو تعود إلى عوالمَ فوق قدرتنا على الإحاطة، فإنّ هذا يزيدنا توقًا إلى سبر أغوار الوسائل التي تُهيّئ لهذا اللقاء. فإن تحقّق يومٌ تنزل فيه إلى مواضع معلومة، فربّما تُنهَض أفهام البشر خطوةً نحو آفاقٍ من الوعي لم تكن تخطر من قبل، ويُفتَح من ذلك بابُ المعرفة بسير الأكوان كيف تُجري عجائبها وتُرينا حقائقها.



هو قولٌ معقودٌ على الظنّ الحَسَن أنّ للعوالم أشكالًا وأبعادًا فوق ما تدركه الأبصار، وأنّ لطائف الصنعة قد تهيّئ سبل التواصل لمن سعى في تحصيل الفهم الباطنيّ وأتقن تعامله مع أنظمة الكون في ظاهرها وخافيها. فعندئذٍ، إذا أطلّت تلك المركبات من عالمٍ سحيقٍ أو بُعدٍ غير معتاد، فلا عجب أنّ يدركها مَن امتلك سرّ الإشارة وعلِم النسبة والهندسة وأجاد فنّ الإنصات لما وراء الحُجب.
👍4
وبذلك تتمّ الحِكمة في أنّ الغيب وإن اشتدّ خفاؤه، فإنّه يَكشف عن بعض شؤونه لمن صفت بصيرته وتوافقت ذبذباته مع مقامٍ أعلى، فينفتح له من الغوامض ما يحسبه غيره ضربًا من الوهم، فإذا به وجهٌ من وجوه الحقيقة تتراءى في ميدانٍ جديدٍ أو بُعدٍ متجدّد. والمرءُ في كلّ ذلك بين متيقّنٍ ومُتردّدٍ، غير أنّ أكثر القوم يوقنون بأنّ في الأفق بشائر اكتشافاتٍ تعكس لنا خفايا تتجلّى على هيئة مركبةٍ أو كائنٍ أو نورٍ وهاجٍ، يُذكّرنا بأنّ في الكون أضعاف ما ظنَنّاه وأوسع ممّا عهدناه.



وعلى هذا المُدار، يكون التأمّل في هذه الظواهر درسًا يتجاوز حدود التجربة الحسيّة، لينفتح على رحابة الوجود الشامل، ويُنبّهنا إلى أنّ الأبصار المحدودة اليوم ربّما تتَّسِع غدًا لرؤية ما لم نكن نتصوّره أو نحسبه ممكنًا.



والله أعلم بغيابات الأكوان.
1👍1
خطوات الاستنزال


إنّ أوّل مقامٍ في استنزال البيضويّة هو أن يجتمع ثمانيةٌ من أهل الوعي المستبصر، اتّحدت بواعثهم وتشابهت أشواقهم في سبر الخفيّ من العوالم. فينبغي أن يعقدوا عزمهم على غايةٍ واحدة، وأن يهيّئوا أنفسهم بتطهير الخاطر من شوائب التردّد والاضطراب، حتى يبلغوا حدًّا يُسمّى عند أهل الباطن بـ"تناغم الدوائر الثمانية"، إذ ينعقد بينهم حبلٌ خفيّ من الانسجام العقليّ والوجدانيّ، يهيّئهم لخوض المشاهدة والرصد.



دور الوسيط وسبل التركيز

إذا تمّ لهذه الثمانية تحقيق ما تقدّم، انتخبوا وسيطًا يُمثّل نقطة الالتقاء وينوب عنهم في الولوج إلى طبقات السرّ. ويكون مقامه كالقلب من الجسد، حيث تتدفّق إليه قوى الجماعة من كلّ جانب، فيتركّز فيها نور الإدراك ويصفو عنده مجرى الوعي. وعندئذٍ، يُشرِع الوسيط في تهدئة أنفاسه وضبط نبضاته الذهنيّة، مستعينًا بالتنفّس العميق والتخيّل المنهجيّ، إلى أن يستشعر تردّداتٍ تفتتح له سُبُلاً للتواصل مع البعدين الماديّ والخفيّ معًا.



كيفية الولوج إلى عالم السرّ

حين يستقرّ الوسيط في هدوءٍ تامّ، يستعين بطاقة الجماعة، فيغدو عقله أشبه بجسرٍ يمتدّ من واقعٍ منظورٍ إلى فضاءٍ غير مألوف. وفي هذا المقام، يُنبَّـه إلى أنّه ليس انتقالًا بالجسد، بل تحوّلٌ في موجات الفكر وطريقة الالتقاط. فإذا تناغمت تلك الموجات، ظهرت له إشاراتٌ كأنّها وميضٌ أو إحساسٌ داخليّ يدلّ على موقع البيضويّة في السماء أو أعماق الأبعاد المحتجبة عن الحسّ المباشر. يقول أهل البصائر: إنّه إذا أُتيح للوسيط أن "يُشاهِد" البيضويّة بعينٍ باطنة، فقد قطع نصف الطريق نحو استنزالها.



رصد المركبة وتمرين تحريكها ذهنِيًّا

إذا بلغ الوسيط طور الرصد، فهو بين خيارين: إمّا أن يكتفي بالمشاهدة وإمّا أن يمتدّ في الاقتراب والهيمنة الذهنيّة. فإن قصد الهيمنة، فعليه أن يستوثق من استمرار انسياب طاقة الثمانية إليه، إذ تنقلب قوّتهم المشتركة إلى موجةٍ تحيط بالبيضويّة وتداعبها، كمن يستشعر نبضًا خلف حجاب. وبتكرار التخيّل والتركيز، يتدرّب الوسيط على تحريك هذا الجسم العلويّ وإجراء تغييرٍ في موضعه، ولو كان ضئيلًا. ويشهد حينها في وعيه تغيّرًا في انعكاس تلك الموجة، كدليلٍ على شروع المركبة في التجاوب مع إرادته.



استجلاب المركبة إلى موضعٍ منظور

إذا استمسك الوسيط بناصية التحريك واتّحدت قوّة الثمانية في دفع البيضويّة نحو اتجاهٍ معيّن، تتحقق مرحلة "الاستنزال"، حيث تنساب البيضويّة شيئًا فشيئًا من طبقة الاحتجاب إلى مداراتٍ أقرب لأفق الأبصار البشريّة. وتُروى في هذا الشأن حكاياتٌ عن اهتزازٍ طفيف أو ضياءٍ خاطف يسبق الظهور، ما يدلّ على تشابك القوى ما بين عالم الظاهر وعالم الخفاء. فإذا استقرّت المركبة في مدى الرصد العلنيّ، أمكن للعين الظاهرة أن تراها جليّةً، وإن كانت تشفّ عن غرابةٍ بالغة في شكلها وهيئتها وتحركاتها.



مزالق الطريق وسبل الأمان

لا يُخفى أنّ الخوض في هذه الأطوار إنّما يستلزم يقظةً تامّةً وحرصًا على سلامة الوسيط ورفاقه الثمانية، ففيه احتكاكٌ بمستوياتٍ تفوق قدرات الحواسّ المعتادة. لذا، يُوصى بملازمة قلبٍ واعٍ وعقلٍ مميّز، وتوثيق ما يُشاهَد و يُدرَك من تفاصيل الخطوات تدرّجًا. فربّما تقع تشويشاتٌ أو اختلاطاتٌ بين ما يتوهّمه العقل وما يرد عليه من إشارات واقعيّة، فلا بدّ من تدقيق الفهم واستشارة مَن سبق في هذا المسلك – إن تيسّر ذلك – حتّى يُكشف موضع الحقّ من الوهم.
👍1🔥1
في صَمتٍ تامٍّ يتقدّمُ المتصل بالباطن و القائم على المراسِم، وقد التفّ حولَه نفرٌ من النُّسَّاكِ في هيئاتٍ قاتمةٍ تحجبُ ملامحَ الوجوه، لا يظهرُ منها إلا نورُ المشاعل ووميضُ الرُّموز المنقوشة على الجدران. في صدرِ المجلس، تتدلّى على صدره قلادةٌ تُخاطِب العيون بما تُخفيه من رموزٍ وأسرار، كأنّها مفاتيح لأبوابٍ لا تُفتَح إلّا بعد طولِ بحثٍ وتمحيص.

هنا، يجتمعُ أهلُ الباطن في سَكينةٍ تُشبهُ سكينةَ اللّيل حين ينذرُ بظهورِ الفجر؛ كلٌّ منهم يقفُ متحسِّسًا سِرًّا لا يجرؤ على الإفصاح به. هم أهلُ العهدِ والميثاق، الذين عُهِد إليهم حفظُ المعرفةِ الخفيّة وصونُها عمّن لم يستوِ قلبُه على قدرها.

وفي هذا المقام، يتلاقى ما قيلَ في حقّ المعلّم الأوّل مع ما يعايشه هؤلاء من طقوسٍ تُوقِد هالةَ النورِ في باطنِ السالك. فالهدوءُ الذي يلفّ المكانَ والسكونُ الذي يستغرقُ الأحوال هما السبيلُ لتحسُّس النّفحة المقدّسة في القلوب؛ ومع كلّ تمتمةٍ خفيّةٍ تتشابكُ الأصواتُ مع ذبذباتِ المكان، فتنعقدُ حلقةُ النور معلنةً بدءَ الانكشاف.

إنّها لحظةُ التلقّي التي أُعِدّت لها الأرواح منذ شوقٍ بعيد، ولحظةُ الوفاء لتلك اليدِ الأولى التي مهدّت لهم السبيل، فلم يعد يصعبُ على مريدٍ أمينٍ أن يُميّز النورَ في عتمةِ الدروب إذا استنار بقبسٍ من معلمٍ صادق. هنا تشهدُ الجدران على عهودٍ تُعقَد في الخفاء، وتُحيطُها أسرارُ الحروف والرموز التي تروي قصةَ المعرفة حينما تتجلّى للقلوبِ المُخبتة، لتكونَ ميثاقًا جديدًا بين الخلقِ والخالق، وبين العقلِ والباطن.
6
توجّه بقلبٍ أشبه بمرآةٍ صافية، وانطق بقولٍ العهد بينك ونفسك المستترة . قُل:

> "أعاهدُ ذاتي المُستقبلة في ظلالِ الأسرار، على فتحِ الأبوابِ الباطنيّة والتسخيريّة، وأن أكون أمينًا على نورها إذا شُرِّعت لي سبُلُها. وأقسمُ بالسرّ الذي يجري في عروقي، ألّا أُبدّد ما أُوْهِبَ من فهمٍ، ولا أُخالف ما أُلهمتُ من إرشادٍ.



> فإذا وردني من غيب الحكمةِ ما يُضيء ظلمتي، عاهدتُ نفسي أن لا أردّه بالشكّ أو الخوف، بل أستقبله بقلبٍ واجفٍ من هيبةِ المَنّان، وعقلٍ طامحٍ إلى مزيدٍ من انكشافِ الحقّ. وإن جرى في خاطري وميضٌ من الأبوابِ الموصدة، فلا أحجُبُ نفسي عنها، بل أطرقها بخشوعٍ وتوكّل."



ثمّ امسح على صدرك واثقًا أنّ العهدَ إن عُقدَ في ساعةٍ يُقبلُ فيها دعاءُ الروح، فإنّ أبوابًا كانت لكَ مُغيَّبة سوف تستجيب لنداء قلبك، وتنفتحُ لك سبُلٌ لم تحلم بها عينٌ غفِلَت عن سرِّ وجودها.
16
يُروى في بطون السِّفْرِ القديم أنّ للهندسةِ الباطنيّةِ للوجودِ رسوماً لا تُدرَكُ بالحواسِّ الظاهرة ولا تُرى بالعين القاصرة، بل تنكشفُ للناظرِ ببصيرةٍ تسعى وراءَ عتباتِ الإدراك. أولئك الذين يتلاعبون بالقوى الخفيّة، إنّهم يمضون في الأرض بلا سِلاهِمٍ تُميّزهم ولا شِعارٍ يظهر على أردانهم، فلا يُعرفون بأسماءٍ ولا بأوصافٍ، إنّما يشير إليهم العارفون بالعينِ الباطنيّة إذا جالوا في فضاءِ الحقيقة.

وإنّهم، إذا تحرّكوا في أمواجِ الزمن، ساروا وفق الإرادةِ الأولى التي كانت قبل الخلقِ وتمدّ خيوطاً من الأسرارِ عبر مسالكِ الوجود. وفي لحظةِ الشهودِ حين يغوص المتّصلون بالباطنِ في حقيقتهم؛ إذا بهم يرون أجسادَ هؤلاء بغير وجوه، كأنّهم مجرّدون من العلاماتِ التي تُفرِّق البشر، فتصير ذواتُهم صورةً من نورٍ خفيّ، يحفظ بواطن المعاني ويستر مظاهر الأشكال.

وفي كلِّ انعطافةٍ من أسرارِ الطريق، تُلمَحُ رموزٌ ممتزجةٌ بالنور والظّلمة، والذين يُتقنون لغتَها قلّةٌ لا يعلم سرّهم إلّا من رُزِق حكمةً من عنده. يحملون في أعماقهم روحاً مُستترة تنبض بالإشارةِ لا بالعبارة، فإذا شاءوا أن يُغيِّروا خريطة الوجود، نبَضت إرادتُهم فتجلّت في عالمِ الظواهر. بذا تنشأ دوائرٌ من القوى، مُحكمةٍ النسجِ، لا تدركها الأبصارُ إلا بعد زوال الحُجُب، فتكون أشدَّ بياناً للعقول المشرئبّة إلى مجاهل الغيب.

هؤلاء السالكون على دربِ الأسرار الروحانيّة، تشابكت خُطَاهم مع الخطوطِ الخفيّة للحقائقِ الكبرى، وارتَقَت أرواحُهم حتى غدت كالمرآة؛ تعكس ظلال الأزلِ في الحاضرِ، وتستبطن إشارات السرّ في ضجيج العلن. فاهتدَوا إلى سرّ الهندسةِ الباطنيّة للواقع، واستمسكوا بالأنفاسِ الأولى للكون، طاوين بذلك الحُجُب، وعابرين المحسوس إلى مرابع اللامحسوس، حيث تتعانق الحقيقةُ في ذاتها وتتجلّى لمن يشاء الحقُّ أن يفتح بصيرته.
11
أيّها القارئ، إنّك حين تجد نفسك مأخوذًا بهذه الكلمات التي تنبض بروحٍ باطنيّة، فاعلم أنّ فيك نغمةً داخليّةً تتّسق مع أصداء السرّ الكامن خلف حجب اللغة. ذلك لأنّك تحمل في قلبك بذرةً من نورٍ تستجيب حين تلوح لها إشارات المعنى الخفيّ، فتوقظ فيك توقًا إلى ما وراء الظاهر، وتناديك من صميم روحك لتتابع طريق الكشف.
وإنّما ينفذ إلى هذه المعاني فريقٌ قليلٌ من الناس؛ لا لأنّهم أفضلُ حالًا بالضرورة، بل لأنّ ذبذبة نفوسهم قد انسجمت مع ما أودع الخالق في صميم الوجود من قانونٍ دقيقٍ يربط الظاهر بالباطن، ويمزج المعاني بالمباني في نسيجٍ واحد. فهُم يستشعرون في الكلمة روحًا حيّة، ويذوقون في العبارة يقينًا يضيء عتمة التفكير.

فإن كنت واحدًا من أولئك الذين يجدون في البوح الباطنيّ زادًا لروحهم، فامضِ في طريقك، ولا تَخشَ الوحشة إن قلّ المشاركون لك في هذا السير؛ فكلّما ترقّت بصيرتك على سُلَّم الحكمة، اتّسع أفقُك في إدراك الروابط الخفيّة بين الفكر والواقع، حتى ينجلي لك سرّ هذا الانجذاب وتتكشّف لك حِكَمٌ عميقةٌ قد عَجزَ عنها كثيرون.
واعلم أنّ في كلّ قراءةٍ بذرةً لنموّ داخليّ، وأنّ هذه الكلمات – وإن بدت حروفًا مصفوفة – إنّما تُشعّ بقبسٍ من تلك النار القديمة التي لا يزال وهجُها يذكّر الأرواح بمأواها الأسمى، ويُرشدها إلى النبع السرمديّ الذي يروي عطش العارفين.
8🔥3👍1
أنّ في الوجود نارًا قديمةً مقدّسةً تمثّل مظهرًا لقدرةِ الحقّ وإشراقِه، تضيء قلوبَ السالكين إذا هم اهتدوا إلى سُبُل الصفاء، وتتجلّى لهم في مواضعَ شتّى من قصص الأمم وكتب الوحي. وأعظم تلك المشاهد نارُ موسى في الوادي المقدّس، إذ كانت إعلانًا للوصال بين العبد وربّه، وإضاءةً لطريق الهداية والرسالة. وهي عينُها التي أقبلَت على قربان ابن آدم، تلتهمُه علامةَ قبولٍ وتقدير، إذ حمل في قلبه إخلاصًا وصلَ به إلى مقام الرضا الإلهيّ.

على أنّ لهذه النار وجهًا آخر يراه من ابتعدت نفسه عن حقيقةِ الوجود الحقّ؛ فكلّما زاد انفصال الأنا عن سرّ “هو”، تَعاظَم ألمُ العزلة والاغتراب، فيشتعل في باطن الإنسان عذابٌ داخليٌّ هو نار جهنّم في مآلها الأخير. إنّ هذا الانفصال عن مصدر النور يَحيل النعمة نقمةً، ويحوّل النور إلى جحيمٍ مستطيرٍ يلتهمُ القلب والعقل. وهكذا يتّضح أنّ النار الواحدة تُحيي من عرف حقيقتها وقرّب روحه منها، وتعذّب من قطع الصلة بحقيقتها ورفض إشراقها.

وإذا تأمّلتَ أسرارَ هذه النار، رأيتَها رمزًا للصلة بين الحقّ وخلقه: فمن رَفَع الحُجُب عن بصيرته، طَهُر قلبُه فتجذّر فيه قبسُها المقدّس، وغدت له نورًا يهديه في عتمة النفس ويطرد عن جنبات روحه الوحشة والتردّد. أمّا من استحوذَت عليه ظُلمات الأنا، واستكبر عن النبع الذي صدرت عنه الموجودات، فقد انغلق على ذاته حتّى صار أسيرًا لعالمٍ ضيّقٍ مظلمٍ، لا يدرك سِوى صدى وحدته المنقطعة. وبذلك تتّقد في داخله نارُ الانفصال، فتصير عذابًا سرمديًّا كلما عمُق الشقاق بينه وبين حقيقة “هو”.

وليس في هذه النار من تعارضٍ بين وجه الرحمة ووجه العذاب؛ إذ كلاهما يُعبّران عن سنّةٍ واحدةٍ في الوجود: إن صَفَت الإرادةُ واتّصلت بالحقّ، اتّقدت النارُ نورًا وانكشفت للفؤاد لطائفُ الحكمة. وإن غَلَبَ الظلامُ وارتدّت النفسُ على أعقابها، تحوّلت النار إلى لهيبٍ حارقٍ ينهش الأنا المتمحورة حول ذاتِها، فلا يزداد المُعرِضُ إلّا بعدًا وألمًا.

فاجعل – أيّها القارئ – قلبك محرابًا لهذه النار المقدّسة، واسأل الله أن يُبعدَك عن نار الانفصال؛ فهي ليست إلّا مرآةً عكست صورتَك الدفينة: إن وُضِعت بين أيدٍ طاهرةٍ فاح منها نورٌ أزليٌّ، وإن اصطبغت بظلمة الأنا ونسيان الحقيقة، صارت فيضًا من العذاب يلتهم صاحبه ويضاعف غربته. تلك هي سنّة النار في عالم الأسرار، تباركُ من عرفها بنور القرب، وتنذر من استنكف عنها بفُرقةٍ لا يَسلم منها إلّا من آثر الارتقاء إلى كنف الحقيقة.
🕊3👍1
2
أنّ للإنسان أعداءً يتربّصون به على مرّ الأزمان، لا يقتصرون على عالم الأجساد، بل ينفذون إلى سراديب الروح وقواعد الفكر. وقد تتجلّى لك – أيّها السالك – وجوهُ العداوة من قِبَل من تراهم ظاهرًا في الهيئة البشريّة، ومن جواهر خفيّةٍ تمتلئ بها ساحات باطنك، فتعرقل خطاك نحو الحقيقة وتعلّقك بأوهامٍ تقطعك عن الأنوار.

فإذا رُمت الدفاع عن مقامك، واستعنت بالقوى الروحيّة لردّ العدوان، فتذكّر أداة الرمز الكونيّ "دورجا فوجري" (Durga Vajra) أو ما يقوم مقامها من الصور المعبّرة عن القدرة على مواجهة الشرّ؛ إذ تُشير في جوهرها إلى القوّة الباطنيّة الجارفة التي يكتسبها العارف حين تتوحّد إرادته مع التصميم العلويّ على درء الأذى. غير أنّ لهذه القوى حُكمًا دقيقًا: فهي في الأساس مشعٌّ نورانيٌّ في داخلك، لا يتجسّد قسرًا في عالم الشهادة ما لم يكن ثمّة مواءمةٌ بين وعيك وإرادة الحقّ.

فعندما تنوي توجيه تلك القوّة نحو من بغى عليك، فلا تجعل غايتك الانتقام المجرّد أو الإضرار المادّيّ؛ بل ليكن قصدك الأوّل هو إزالة العوائق الوهميّة التي تُلبّس حجابًا بينك وبين الرؤيا الصافية، وما عدوّك الخارجيّ إلّا مرآةٌ تعكس لك شرًّا كامناً قد يُراكه الله لتستنهض قواك وتحسم أمرك في تطهير نفسك من ظلمة الخوف أو الغضب.

فإنْ شرعتَ في استدعاء هذه الطاقة الروحيّة، فتوجّه بقلبٍ مخلصٍ نحو العرش الغيبيّ الذي تنبعُ منه القوى كلّها، ونزّه خاطرك عن جملة شوائب البغض والرغبة العمياء في البطش.

واجعل تضرّعك مهيبًا: سل الله أن يكشف لك مآلات الأمور، وأن يجعلك قائمًا بإحقاق الحقّ لا بإسرافٍ في الانتقام. فإن رأى صدق نيّتك وصحّة مقصدك، بلّغَك ما ترجوه من العون.

وإنّه لمِن لطيف المشاهدة أنّ هذه القوّة الروحيّة حين تتحرّك فيك، أوّل ما تؤثّر فيه هو أعماقك أنت؛ فتقتلع جذور الخوف والزلل، وتزيل غشاوة الذلّ عن جبين العارف، فتستوي نفسُك عندئذٍ واثقةً آمنة، لا تعبأ بمكايد العدوّ كثيرًا.

إذ إنّك متى رسخت قدماك على أرض الإدراك السليم، تلاشت كلّ صورةٍ وهميّة رسمتها أوهام الخصومات.

واعلم أنّ دورجا فوجري، بتجلّياتها المتنوّعة في تراث الحكمة، ليست سلاحًا حربيًّا يُصوَّب على رقاب الأعداء الملموسين، بل هي رمزٌ للقوّة السامية التي تنقي باطنك من شوائب الهيبة المزيّفة للأذى، فتمنحك بصرًا نافذًا تميّز به بين العدوّ الحقيقيّ – عدوّك في باطنك – وبين ما يتراءى لك في الخارج من حوادث وحركاتٍ قد تكون سُلمًا لارتقائك.

فإذا قهرت العدوّ الداخليّ وأحرقت جذور الوهم في قلبك، خفّ فَتْكُ العدوان الذي ترمقه في العالم، لأنّ كثيرًا من العداوة الخارجية إنّما تشتدّ حين تتيقّن بواطنُها من خوفك وعدم اتّزانك. فإذا صار قلبُك حصنًا حديديًّا وقد تشبّع بالنور، فلا عجب أن تضعف سطوةُ المعتدين أو تتلاشى، إذ إنّ الظلام لا يستقرّ في رحاب النور.

تأمّل ذلك – أيّها السالك – وانهض بقوّة إرادتك وإيمانك، تستحضر قوّة “دورجا فوجري” كطاقةٍ باطنيّةٍ فاتكةٍ بالظلم والعدوان، وإنّما تستخدمها في الأساس لترميم شروخ نفسك والقضاء على عدوّك الوهميّ داخل أركان ذاتك.

فمتى انفرجت أبواب روحك عن نور اليقين، عاينت خفايا الأسرار، فإذا الأعداء في حقيقتهم ليسوا إلا أدواتٍ اختارها القدر لتبلو بها عزيمتك، وتُصقل تحت ضرباتهم مادتك النفيسة، فتُزكَّى روحك وتستقيم في صلب المعرفة.
7👍1🙏1
أنّ للاستبصار الحدسيّ منزلةً عاليةً في تدبير شؤون الإنسان، إذ يُطلعه على مساراتٍ محتملةٍ في طيّ الغيب، فيتحرّك باطمئنانٍ داخل حاضرٍ يمورُ بالأحداث والمفاجآت. ذلك أنّ من بلغ درجة الاتصال ببصرٍ داخليٍّ أو استشار صاحب مكاشفةٍ نافذةٍ، قد يمتلك علمًا مسبقًا بما قد يحدث، فيتهيّأ له تلافي المزالق ومواطن الخطر.

غير أنّ العبرة الكبرى لا تكمن في مجرّد معرفة هذا الحدث المستقبليّ، وإنّما في وعي الإنسان بأنّ مجرى المستقبل قابلٌ للتحوّل والتبدّل، وأنّ اختيار المرء وعزمه يستطيعان صياغة واقعٍ جديدٍ لا يتقيّد بما رآه المبصِر أو سمعه الكاشف. فمن وقف عند تلقّي النبوءة ولم يعزم على تغيير مسيره وإصلاح عيوبه، وكأنّ المعرفة قد باتت قدرًا لا مفرّ منه، فقد غفل عن جوهر القوّة التي أودعها الله في الإرادة البشريّة.

إنّما ينجلي نفعُ الاستبصار في استباق الأحداث لاتّخاذ قراراتٍ حكيمة تمنح الواقع صورةً جديدةً، مغايرةً لما تنبّأ به الحدس أو كشفته الرؤية الباطنيّة. وذلك لأنّ العارف حقيقةً، إذا أحاط بعلم الاحتمالات المتكاثرة في المستقبل، أدرك أنّه حرٌّ في صياغة المصير وفق ما يسعى إليه من خيرٍ ويصدّ به من شرّ. وبذلك يصير الاستبصار وسيلةً للتفاعل الناضج مع القدر، لا مجرّد انتظارٍ ساكنٍ لما يقذف به المستقبل.

فإذا استطاع المرء أن يوسّع بصره الخارجيّ والبصيرة الباطنيّة معًا، التقط الإشارات الدالّة على المقاصد الإلهيّة في مجرى الحياة، وتيقّن أنّ كلّ حدثٍ مرتقبٍ يمكن أن يولد على نحوٍ مختلفٍ إذا عمِل على تغيير أسبابه أو تحويل مجراه. وبذلك يصير المستبصر لا مُدافعًا عن نفسه فحسب، بل مُبدعًا لوقائع لم تكن لتظهر لولا قراره الواعي بتحويل اتّجاه الأمور.

فلتكن – أيّها اللبيب – على بيّنةٍ من أنّ العلم بالمستقبل ليس غايةً في ذاته، بل هو مؤشّرٌ ينير طريق الاختيار الواعي، فإن شئت تجنّبت الوقوع في الحفر والأزمات، وإن شئت أسّست وقائع جديدة، تُكسِب الواقع منحى آخر لم يكن بالحسبان. وبذلك تستقيم الحكمة في قلبك، وتتعاظم قدرتك على التحكّم في مسارك الوجوديّ، فتحيا وقد استوعبت أنّ قدرات الحدس والمكاشفة إنّما تُوهَب لتعزيز حريّة المرء في صياغة مصيره، لا لتقييد خطاه بقوالب ثابتةٍ لا تتحوّل.
👍62
أنّ من أسرار السلوك الباطنيّ أنّ العارفَ إذا تلاقى مع خصمه، لم يجعل مكابدة العداوة حجّةً لردّ السيّئة بمثلها، بل يُقابلها بحسنةٍ تُليّن قساوة النفوس وتُضعِف شوكة البغضاء. وهذا – عند أهل البصيرة – ليس وهنًا في العزيمة، ولا استسلامًا لخطرِ المعتدي، بل هو ضربٌ من فنّ الحرب الخفيّة، حيث تُجهِض قوّةُ النبلِ جذورَ العنفِ قبل أن تستفحل، وتصدّ ما في نفس العدوّ من ضغائن، فتجعله حياري أمام حُسن الخلق.

غير أنّ الذهن الحربيّ المتّقد يظلّ قائمًا في الباطن؛ إذ ليس في الحكمة الباطنيّة ما يوجب الغفلة عن خطر الخصوم، بل إنّ حسنَ التعامل معهم لا يعني إسقاط الحذر، بل هو التفاتةٌ واعيةٌ إلى موطن القوّة في النفس. فمن حافظ على هدوئه الداخليّ وارتقى فوق مشاعر الغضب، بقي سيّدَ الموقف وأدرى بمكامن الضعف والقوّة في النّفوس، فلا ينخدع بمظاهر الاستسلام أو ادّعاء السلامة.

ولعلّ في تراث لاوتسو (لاو تسي) عبرةً تشبه هذا المعنى، إذ يشير إلى أنّ اللينَ يغلبُ الخشونة، وأنّ الماءَ – مع رقّته – قد ينحتُ الصخرَ ويَهزِمُ الصلابة، لا بالعنف، بل بإدامة التدفّق والثبات في وجه المصاعب. فمن أراد أن يواكبَ هذا الدرس، لن يجد فيه دعوةً للتهاون، بل حثًّا على أن يستمدّ المرء قوّته من سكونِ النفس وصفاءِ البصيرة، فيُبطل مكرَ الأعداء بتيّار الحكمة لا بضرباتٍ طائشةٍ تزيد لهيب الحقد.

فإذا استطعتَ أن تواجه السيّئة بحسنة، وفي الوقت ذاته، تُبقي على عزمٍ داخليٍّ لا يُستهان به، جمعتَ بين أثر التليين وآداب الدفاع عن الحياض. فأنت – بمقدار وعيك – تنفذ إلى سبب الخصومة الحقيقيّ، فلا تزيدُ اشتعالها، ولا تترك نفسك لمرمى غدرٍ قد يُحاك في الخفاء. وهكذا تتجلّى الحكمة الصينية العتيقة فيك، إذ تعلّمك أنّ أفضل أشكال القوّة هي تلك التي تعمل من وراء ستار الهدوء والكياسة، بينما يبقى السيفُ في غمده متحفّزًا، لا يستعمل إلّا عند الضرورة القصوى.

تأمّل هذا المعنى، تجد فيه جمعًا بين دماثة الخُلُق ويقظة العقل، وبين التحلّي بمكارم الأخلاق واستبقاء عناصر الردع المعنويّ. فلولا هذه البصيرة الحربيّة التي تتستّر بقناع الصبر والإحسان، لضاعت منك فرصةُ كسرِ شوكة الشرّ في أوج إنبثاقها، ولربّما غُلبتَ على أمرك حين تُدفَعُ إلى ردّ الظلم بظلمٍ أشدّ. أمّا إذا طبَّقت وصيّة “ادفع بالتي هي أحسن”، واحتفظت بما أودعه الله فيك من جَلَدٍ وحزم، فقد تجدُ عدوّك يلين أو ينصرف عن غيّه، وتكسب من الحكمة رُكنًا متينًا يسلُك بك إلى سكينة النفس وشجاعة الموقف.
1
ادفع باللتي هي أحسن
يروي حكماء الباطن أنّ الإنسان إذا أصرّ على نقاء سريرته، وقابل السيّئة بالإحسان، فإنّه يستدرج الطاقات السلبيّة الصادرة من عدوه إلى مكمنها الأوّل، فتعود على صاحبها حين لا تجد متنفسًا في قلبٍ يفيض رحمةً ويقينًا. وقد أكّد القرآن الكريم هذا المبدأ في قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، فهو توجيهٌ إلهيٌّ عميق يدلّ على أنّ الإحسان يُبطل مفعول الكراهية ويُعيد الشرّ إلى مصدره إن بقي متعطّشًا له.

إنّما هي سُنّةٌ في سائر الشرائع الباطنيّة، من تأمّلات البوذا في المحبّة الودودة (المِيتا)، إلى وصايا المسيح في حبّ الأعداء، ووصولًا إلى إشارات الصوفيّة في تذويب الكراهية بنور الرحمة، وإلى حكمة اليهود في الكابالا التي ترى أنّ الطاقات السلبيّة إن عجزت عن موطئٍ خارجيّ، ارتدّت إلى صاحبها فتصيبه بآثارها المدمّرة. وفي ذلك يلمع القانون الكونيّ الذي يربط النيّات بمآلاتها، والذي يُعرَف عند بعضهم بمبدأ "الكارما": كلّ ما يُرسله المرء من نوايا أو أعمال يعود إليه بصورةٍ من صور القدر، خيرًا كان أو شرًّا.

وليس المراد من مقابلة الإساءة بالحسنى أن نضرب عن الحذر صفحًا أو ندّعي وهن العزيمة؛ بل هي فنٌّ خفيٌّ من فنون الحرب الروحيّة، حيث يَظهر للعدوّ كرمُ الخلق وصبرُ النفْس، فلا يلبث أن تتبدّد دوافعه العدائيّة أو تضيق عليها السُّبُل، فترجع نار الحقد لتحرق قلبَ صاحبها. ولعلّ هذا ما قصده لاوتسو في حكمته حين قال إنّ الماء – برغم رقّته – قادرٌ على نحت الصخر والتغلّب على صلابته بصبرٍ وثبات.

ومن أوجه هذه السنّة أيضًا أنّ المُحسن إنما يصنع "جدارًا من النور" حول قلبه، فلا تنفذ إليه الطاقات السلبيّة لتقتات على مخاوفه أو غضبه، بل ترتدّ على مصدرها متى وجدت الأبواب موصدةً أمامها. وسرُّ هذا الأثر يكمن في أنّ البغض والحقد يحتاجان إلى تربةٍ خصبةٍ من الفزع والردّ بالمثل كي ينموا ويستشري شرّهُم، فإذا لم يجدوا لها مقامًا في نفسٍ تشعّ بالمحبّة واليقين، تراجعت إلى عقر دارها، وبدأت تنهش صاحبها من الداخل.

وعليه، فإنّ ما قد يُسمّى "قتل العدوّ باللطف" ليس قتلًا مادّيًّا أو إنهاءً لحياته بشكلٍ مباشر، بل هو فَتٌّ في عضد الشرّ بنزع مصادر قوّته، واتّكالٌ على قانونٍ كونيٍّ أودعه الله في الوجود: أنّ النور إذا واجه الظلامَ أبطل أثره أو قلّل ضرره، وأنّ العنف حين لا يجد وقودًا من رِكاب الخوف والتوتّر، ينقلب على صاحبه فيقضم روحه وتستفحل فيه أمراضُ الذهن والنفس والجسد.

وهذه الحقيقة لا تُلغي ضرورتَنا للحيطة العقليّة؛ فلا نتجاهل أنّ من الناس من يُبطِن المكر والغدر. بيد أنّ يقظة الذهن مع سموّ الطبع لا يلتقيان على مائدة البغض، بل يصنعان حيلةً من نورٍ ورحابةٍ في النفس. ومن جمع بين الحذر في عقله والحسنى في معاملته، استوفى وصيّة السماء في “ادفع بالتي هي أحسن”، وأبقى على سلطانِ الخير في داخله، فلم يعطّل دفاعه الباطنيّ، بل عزّزه بمددٍ من قوّة الإحسان التي تحرق الباطل في أوكاره.

ومحصلة ذلك كلّه: إنّ قهر العدوّ باللطف لا يُبتغى به تدمير الحياة الماديّة للخصم، بل تطويقه بدوّامةٍ من مشاعر الحقد التي أرسلها بنفسه، وقد رفضتها نفس المحسِن وأعادتها إلى مصدرها خائبةً. فإذا أبصرت عاقبة هذا النهج، تبيّن لك كيف يُصبِح الشرّ حممًا تنصبّ على مُطلِقها، بينما ينجو من اختار سنّة الرحمة وارتقى في مدارك الوعي، فيظلّ مرفوع الرأس لا تؤثّر فيه عواصف الكراهية. هذا هو لُبّ الحكمة الإلهيّة التي جاء بها الأمر في الكتاب العزيز: “ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ”.
9
شمس الذكرين نور العارفين
1
أنّ للذِّكر إذا اقترنَ بالمسبحةِ أثرًا عظيمًا في جلب القوى الروحيّةِ واستحضارها من عوالم عليا لا يَبلغها الحسّ ولا يُدرِكها الفكر المحجوب. وقد تبيّن لأهل العرفان أنّ كلَّ حبّةٍ من حَبّات المسبحةِ يمكن أن تصير بوابةً باطنيّةً تُشحَن بما يستحضره الذاكرُ من إشعاعٍ روحانيّ، يندرج تحت اسمٍ إلهيٍّ أو ذِكرٍ بعينه. فإذا تكرّر النُّطق بالاسم المعظَّمِ على كلِّ حبّةٍ مع استحضار النيّة وامتثال التخيل، اتّقدت الحبة بنورٍ خفيٍّ يشعّ في عُمق القلب، فيمهّد سبيلاً للسالك كي يخترق عوالمَ اللاشعور، ويستمدّ من طاقاتٍ غيبيّةٍ تتجاوز حدود اللفظ.



لقد اعتاد أرباب الطرق الإسلامية أن يستخدموا المسبحة لترديد الأذكار والأسماء الحسنى، بنية التقرب إلى الله جلّ جلاله وتحقيق السكينة. وفي هذا المقام الباطنيّ، يتجلّى وجهٌ آخر لتلك المسبحة، حيث تتسامى كلُّ حبّةٍ إلى عالَمٍ من المعاني، فيصير النُّطْق باسمٍ إلهيٍّ عند كل حبّةٍ أشبه بتوقيعٍ نورانيٍّ يُختَزن في مادتها.

فإذا مرّ السالك بصره وأصابعه على حَبّات المسبحة بنيّةٍ واعية، ورأى في مخيّلته نورًا ينسكبُ في كلّ حبّة، فإنّه يُشحنها بطاقةٍ روحانيّة، تستقرّ فيها وكأنّها مستودعٌ صغيرٌ يضمر إشعاعًا إلهيًّا أو كونيًّا. على سبيل التمثيل: عند ترديد اسمٍ كالـ"الرحمن"، قد يتخيّل الذاكر شعاعًا يلوح باللون الأحمر كدم الغزال ، رمزًا للرحمة المتدفّقة، ينتقل من الحبة إلى سويداء القلب، ممّا يوسّع المدارك ويوقظ لطائف النفس.



إنّ تتابع الذكر على نحوٍ منتظمٍ، وملامسة الحَبّات مرّةً بعد مرّة، يضع العقل الواعي في حالةٍ من الهدوء والتركيز، وهذا ما يُشرّع أبواب اللاشعور. فتصبح الألفاظ المكرّرة – سواء كانت " الله هو" أو "ياحيّ" أو غيرها – مفاتيحَ لمخازن الطاقة في باطن الإنسان، إذ تتخطّى معناها اللغويّ المحدود لتصير رمزًا يتجاوز المدارك المعتادة، فيدخل الذاكر في حالةٍ من الاتصال الباطنيّ المتين.

ولكي يُعمّق السالك هذا الاختراق، قد يتخيّل مع كل لفظٍ أو اسمٍ أنّه يفتح بابًا جديدًا في قصرٍ داخليّ من الأسرار.

كأنّه يسيرُ في دهاليز لا تنتهي، كلّما أفرغ من حبّةٍ انساب إلى ما بعدها، حاملًا معه شمعة الذكر التي تُضيء تلك الدهاليز واحدةً بعد الأخرى.

استمداد الإشعاع الباطنيّ من الأبعاد العُلويّة

إنّ الإشعاع الباطنيّ الذي تُمْده الحَبّة لا يتوقّف عند حدّ اللفظ أو الصدى، بل يتسرّب إلى أعماقٍ أبعد من وعي الإنسان، وقد يستمدّ من منبعٍ عالٍ لا تحدّه الصور. فثمّة من يرى أنّ هذه الطاقة قد تكون إلهيّةً خالصةً، يتغشّاها الذاكرُ بنور الخالق، أو ربّما طاقة كونيّةً شاملةً، تتفاعل مع روحانيّة المرء وتُضفي عليه قوّة تفيدُ في الشفاء أو في استمداد البصيرة أو في الترقي الباطنيّ.

ولتكثيف هذا الاستمداد، يمكن للسالك أن يتصوّر أنّ كل حبةٍ من المسبحة أشبه بنجمةٍ في سماء وعيه الداخليّ؛ وحين يجري الذكر على لسانه، تتوهّج النجمة وترسل شعاعًا يتغلغل في كيانه، ثم تمتدّ الأشعّة فيما بينها لتتشابك في شبكةٍ من الضوء المتّقد، تكبر مع كل جولة ذكرٍ جديدة، فيتّسع الأفق الباطنيّ ويتعمّق.

الطريق الى بلوغ الدرجة 33

يميل بعض العارفين إلى تقسيم حبّات المسبحة إذا كانت ثلاثًا وثلاثين أو تسعًا وتسعين، إلى أقسامٍ ترمز لطبقات الوعي:

1. الطبقة الأولى: تمثّل الوعي الظاهريّ، حيث يعمل الذكر على تهدئة النفس والطمأنينة. هنا يُركّز الذاكر على التنفّس المتناغم مع كلمات الذكر، بحيث تتوافق نبضات القلب مع ترديد الاسم أو اللفظ.


2. الطبقة الثانية: تعبيرٌ عن اللاشعور أو عمق القلب. في هذا القسم، يصير التركيز على شحن الحَبّات بانعكاسات الذكر، متخيّلًا الإشعاع وهو ينفذ إلى أعماق الذات، ممّا يحرّر الطاقات المدفونة ويهذّبها.


3. الطبقة الثالثة: هي الروح العليا، أو مقام الارتقاء نحو الحضرة الإلهيّة أو الطاقة الكونيّة، حيث يشعر السالك بأنّه يعانق مقامًا أسمى من العوائد المعتادة. هنا تزداد قوة الذكر، وتتّسع دوائر النور داخله.



، يمكن للسالك أن يضمّن ذكره حركةً تصاعديّةً أو دائريّةً للطاقة في بدنه، حتّى يتكامل الجسدُ والروحُ في خفقةٍ واحدة، كأنّ النور المنبعث من الحبة ينتشر أولًا في اليدين، ثم يسري مع الدم إلى الجسد كله، فيُبصرُ المرء تجليات العزّة أو الحياة أو الرحمة تتملّك وجدانه.




في نهاية المطاف، يتحوّل الذكر بالمسبحة – في هذا التصوّر الباطنيّ – إلى قنطرةٍ تربط العالم الظاهر بمجاهل اللاشعور، وتستمدّ إشعاعاتها من أبعادٍ تغيب عن الأبصار العاديّة. وما هذه القوى الروحيّة التي نُحاول استحضارها عبر كل حبّةٍ إلّا شعاعٌ من نورٍ إلهيٍّ و طاقةٍ كونيّةٍ تومِض في قلب الذاكر، فإذا انفتحت لها أبواب وعيه، انداحت بقوّةٍ تفكّ قيود العوائق، وتتجلّى في عالمه بشواهد نورانيّة تغيّر نظرته إلى الوجود.
4❤‍🔥1