الشيء الذي يجعل كثيرًا من أفلام الثمانينات والتسعينات أفضل — في نظري — عندما تتعامل مع موضوعات مثل حقوق المثليين أو حقوق السود، هو أنها كانت تبدأ بالإنسان قبل الفكرة.
في أفلام مثل The Long Walk Home أو The Birdcage أو Jeffrey، لا تشعر أبداً أن الفيلم كله مجرد “رسالة” يُراد أن تُفرض عليك.
الشخصيات، القصة، الكوميديا، الألم — كلها تبدو طبيعية، كأنك تشاهد الحياة تُعرض كما هي، لا درساً يُلقىٰ إليك. الفكرة لا تأتي خطابًا مباشرًا، بل تخرج على رسلها من إنسانية الشخصيات نفسها.
ولذا تتعاطف بتلقائية. لا تحب الشخصيات لأن الفيلم يطلب منك أن تحبها، بل لأنهم فعلاً يبدون بشرًا: فيهم تناقض، ضعف، خفة دم، خوف، وارتباك.
في The Birdcage مثلاً، رغم أنه فيلم عن شخصيات مثلية وصراع اجتماعي، إلا أنه في جوهره قصة عائلة، عن الحب، والخوف من الرفض، والخوف من نظرة المجتمع، والرغبة البسيطة في القبول.
وThe Long Walk Home أيضاً فيلم سياسي بوضوح، لكنه يظل إنسانياً جداً، قريباً، هادئاً، ويتركك أنت تصل إلى الإحساس بدون أن يُملى عليك.
أما كثير من الأفلام الحديثة التي تتناول نفس المواضيع، فغالباً تشعر أنها تبدأ من “الفكرة” قبل “الإنسان”. كأن كل مشهد، وكل حوار، وكل شخصية موجودة فقط لكي توصل رسالة معينة. يصبح الفيلم أقرب إلى بيان أو خطاب. وحتى لو كنت تتفق مع الفكرة، هذا الأسلوب أحياناً يخلق مسافة بينك وبين الشخصيات، لأنك تشعر أنك تُوجَّه ويُملىٰ عليك بدل أن تشاهد وتتفاعل مع حياة حقيقية.
القوة في تلك الأفلام القديمة كانت في أنها لا تحوّل الناس إلى رموز أو شعارات. كانت تسمح لهم أن يكونوا طبيعيين: يضحكون، يخطئون، يترددون، ويعيشون لحظات عادية جداً. بدل أن “تشرح” الإنسانية، كانت ببساطة تُظهرها — ولهذا كانت أكثر تأثيراً وصدقاً.
في أفلام مثل The Long Walk Home أو The Birdcage أو Jeffrey، لا تشعر أبداً أن الفيلم كله مجرد “رسالة” يُراد أن تُفرض عليك.
الشخصيات، القصة، الكوميديا، الألم — كلها تبدو طبيعية، كأنك تشاهد الحياة تُعرض كما هي، لا درساً يُلقىٰ إليك. الفكرة لا تأتي خطابًا مباشرًا، بل تخرج على رسلها من إنسانية الشخصيات نفسها.
ولذا تتعاطف بتلقائية. لا تحب الشخصيات لأن الفيلم يطلب منك أن تحبها، بل لأنهم فعلاً يبدون بشرًا: فيهم تناقض، ضعف، خفة دم، خوف، وارتباك.
في The Birdcage مثلاً، رغم أنه فيلم عن شخصيات مثلية وصراع اجتماعي، إلا أنه في جوهره قصة عائلة، عن الحب، والخوف من الرفض، والخوف من نظرة المجتمع، والرغبة البسيطة في القبول.
وThe Long Walk Home أيضاً فيلم سياسي بوضوح، لكنه يظل إنسانياً جداً، قريباً، هادئاً، ويتركك أنت تصل إلى الإحساس بدون أن يُملى عليك.
أما كثير من الأفلام الحديثة التي تتناول نفس المواضيع، فغالباً تشعر أنها تبدأ من “الفكرة” قبل “الإنسان”. كأن كل مشهد، وكل حوار، وكل شخصية موجودة فقط لكي توصل رسالة معينة. يصبح الفيلم أقرب إلى بيان أو خطاب. وحتى لو كنت تتفق مع الفكرة، هذا الأسلوب أحياناً يخلق مسافة بينك وبين الشخصيات، لأنك تشعر أنك تُوجَّه ويُملىٰ عليك بدل أن تشاهد وتتفاعل مع حياة حقيقية.
القوة في تلك الأفلام القديمة كانت في أنها لا تحوّل الناس إلى رموز أو شعارات. كانت تسمح لهم أن يكونوا طبيعيين: يضحكون، يخطئون، يترددون، ويعيشون لحظات عادية جداً. بدل أن “تشرح” الإنسانية، كانت ببساطة تُظهرها — ولهذا كانت أكثر تأثيراً وصدقاً.
👍3❤1
فقد علمت من أحد العارفين باللغات الحبشية وغيرها من اللغات السامية أننا لا نقدر أن نقول حتمًا أن لفظةً ما حبشية أو عربية أو عبرانية أو سريانية فهذه اللغات متشابهة جداً ومن أصل واحد.
- أمين المعلوف
قلت: بخلاف ترددها بين العربية والفارسية مثلا فهذه سامية وتلك هندوأوروبية.
- أمين المعلوف
قلت: بخلاف ترددها بين العربية والفارسية مثلا فهذه سامية وتلك هندوأوروبية.
❤1👍1
صندوقُ الدُّنيا pinned «فقد علمت من أحد العارفين باللغات الحبشية وغيرها من اللغات السامية أننا لا نقدر أن نقول حتمًا أن لفظةً ما حبشية أو عربية أو عبرانية أو سريانية فهذه اللغات متشابهة جداً ومن أصل واحد. - أمين المعلوف قلت: بخلاف ترددها بين العربية والفارسية مثلا فهذه سامية وتلك…»
صلاة الموقد الأيرلندية هذه، ذكرتني ببعض ما عند بدونا من نحو قولهم عند مسح المريض: "مسحتك بكف فاطمة بنت النبي، مسحت البعير كسير، وقام يسير!"، هذه الصلوات والرقىٰ ليست “نصوصًا دينية” بالمعنى الصرف. نجدنا عند تأملها أمام ظاهرة أعمق تتعلق بكيفية تداخل الدين بالحياة اليومية، وكيف يُعاد إنتاج المقدس داخل تفاصيل العيش العادي.
ما لفت نظري أولًا في الصلاة الأيرلندية أنها تنتمي ظاهريًا إلى المسيحية الشعبية في أيرلندا، لكنها في الوقت نفسه تحمل طبقات رمزية قد تكون أقدم من المسيحية نفسها، أو على الأقل ممتزجة مع إرث ثقافي كلتيّ قديم. فالنار هنا ليست أداة تدفئة فقط، بل مركز رمزي للحياة المنزلية والحماية، والليل ليس وقتا طبيعيا فقط، بل لحظة خطر وغموض تحتاج إلى “تأمين رمزي”. وفي هذا السياق تظهر شخصيات مثل Brigid of Kildare، التي تقف في منطقة رمادية بين التاريخ والأسطورة: قد تكون قديسة مسيحية مبكرة حقيقية، وقد تكون إعادة تشكيل رمزي لوظائف إلهة أقدم في المخيال الكلتي، حيث يتم “إعادة ترميز” الرموز القديمة داخل إطار مسيحي بدل إلغائها بالكامل علىٰ عادة النصرانية في ابتلاع الآلهة المحلية وتحويلها إلىٰ قديسين والشعائر الوثنية وربطها بالمسيح.
إذا انتقلنا إلى المثال البدوي، في عبارة مثل: “مسحتك بكف فاطمة بنت النبي، مسحت البعير كسير، وقام يسير”، نجد بنية مشابهة تمامًا رغم اختلاف السياق الديني والثقافي. هنا يتحول فعل بسيط جدًا — لمس المريض أو مسحه — إلىٰ فعل رمزي علاجي، حيث يُستدعى اسم مقدس مثل فاطمة بنت محمد ليعمل كوسيط للشفاء، وكأن اللغة نفسها تتحول إلى أداة لنقل البركة وإعادة تنظيم حالة الجسد!
من منظور علم الاجتماع الكلاسيكي، كما عند إيميل دركهايم، يمكن فهم هذه الظواهر باعتبارها تعبيرًا عن طبيعة المقدس بوصفه انعكاسًا للقوة الاجتماعية نفسها. فالمقدس ليس قوة خارج المجتمع، بل هو المجتمع وهو يعيد تمثيل نفسه في شكل رموز. في هذا الإطار، فإن بريجيد أو مريم أو فاطمة ليست مجرد كيانات دينية تُستدعى في الدعاء، بل هي تكثيف رمزي لقيم الحماية، والتماسك، والشرعية الأخلاقية التي يحتاجها المجتمع ليستمر. وعندما يُقال إن النار محمية بالقديسين أو أن المريض يُشفى ببركة شخصية مقدسة، فإن المعنى العميق هو أن الجماعة الاجتماعية نفسها تعيد إنتاج إحساسها بالأمان عبر هذه الرموز.
أما من منظور الأنثروبولوجيا الرمزية، كما عند كليفيرد جيرتز ومن تابعه، فإن هذه الطقوس لا تُفهم باعتبارها “بقايا بدائية” أو مجرد عادات تقليدية، بل بوصفها أنظمة من الرموز التي تنتج المعنى وتؤطر تجربة الإنسان للعالم. فالدين هنا ليس مجموعة أفكار عن العالم، بل “نظام رمزي” يجعل العالم قابلًا للفهم والعيش. النار في البيت الأيرلندي تصبح رمزًا للحياة المستمرة والحماية، والليل يتحول إلى فضاء مشحون بالمعنى يحتاج إلى تطهير رمزي. وبالمثل، فإن لمس المريض في السياق البدوي لا يعمل فقط كفعل اجتماعي، بل كإعادة صياغة رمزية لحالة الجسد، حيث يُعاد تعريف المرض من مجرد خلل جسدي إلى حالة يمكن “إصلاحها” عبر اللغة المقدسة والبركة.
في هذا الإطار، تعمل الأسماء المقدسة — سواء كانت بريجيد في التقليد الأيرلندي أو شخصيات دينية في السياق الإسلامي الشعبي — كـ“مكثفات رمزية” للمعنى. فهي لا تُستخدم فقط للإشارة إلى أشخاص تاريخيين أو دينيين، بل تُستخدم لتجميع معاني الحماية والشفاء والأمان في نقطة واحدة يمكن استدعاؤها في لحظة الحاجة. وهذا ما يجعل هذه الطقوس فعّالة اجتماعيًا ونفسيًا: لأنها لا تقدم تفسيرًا نظريًا للعالم، بل تقدم “شكلاً للمعنى” يمكن العيش داخله.
اذا تبين هذا، فيمكن أن يقال أو أوجه الاشتراك بين المثالين بنيوية:
أولًا: كلاهما يحول الفعل اليومي البسيط (إشعال النار / لمس المريض) إلى فعل مشحون بالمقدس.
ثانيًا: كلاهما يستدعي شخصيات مقدسة تعمل كوسائط للمعنى والحماية، لا مجرد شخصيات تاريخية.
ثالثًا: كلاهما يظهر في لحظات الهشاشة الإنسانية — الليل باعتباره خطرًا، والمرض باعتباره ضعفًا، أي في اللحظات التي يحتاج فيها الإنسان إلى إعادة إنتاج الإحساس بالأمان.
وعلىٰ هذا، فإن ما يبدو للناظر مجرد صلاة موقد في أيرلندا أو رقية في بيئة بدوية، هو في العمق تعبير عن منطق إنساني عام: تحويل التجربة اليومية إلى نظام رمزي يربط الفرد بالعالم غير المرئي من المعنى، ويعيد إنتاج الشعور بالأمان الاجتماعي والوجودي داخل حياة قليل يقينها.
ما لفت نظري أولًا في الصلاة الأيرلندية أنها تنتمي ظاهريًا إلى المسيحية الشعبية في أيرلندا، لكنها في الوقت نفسه تحمل طبقات رمزية قد تكون أقدم من المسيحية نفسها، أو على الأقل ممتزجة مع إرث ثقافي كلتيّ قديم. فالنار هنا ليست أداة تدفئة فقط، بل مركز رمزي للحياة المنزلية والحماية، والليل ليس وقتا طبيعيا فقط، بل لحظة خطر وغموض تحتاج إلى “تأمين رمزي”. وفي هذا السياق تظهر شخصيات مثل Brigid of Kildare، التي تقف في منطقة رمادية بين التاريخ والأسطورة: قد تكون قديسة مسيحية مبكرة حقيقية، وقد تكون إعادة تشكيل رمزي لوظائف إلهة أقدم في المخيال الكلتي، حيث يتم “إعادة ترميز” الرموز القديمة داخل إطار مسيحي بدل إلغائها بالكامل علىٰ عادة النصرانية في ابتلاع الآلهة المحلية وتحويلها إلىٰ قديسين والشعائر الوثنية وربطها بالمسيح.
إذا انتقلنا إلى المثال البدوي، في عبارة مثل: “مسحتك بكف فاطمة بنت النبي، مسحت البعير كسير، وقام يسير”، نجد بنية مشابهة تمامًا رغم اختلاف السياق الديني والثقافي. هنا يتحول فعل بسيط جدًا — لمس المريض أو مسحه — إلىٰ فعل رمزي علاجي، حيث يُستدعى اسم مقدس مثل فاطمة بنت محمد ليعمل كوسيط للشفاء، وكأن اللغة نفسها تتحول إلى أداة لنقل البركة وإعادة تنظيم حالة الجسد!
من منظور علم الاجتماع الكلاسيكي، كما عند إيميل دركهايم، يمكن فهم هذه الظواهر باعتبارها تعبيرًا عن طبيعة المقدس بوصفه انعكاسًا للقوة الاجتماعية نفسها. فالمقدس ليس قوة خارج المجتمع، بل هو المجتمع وهو يعيد تمثيل نفسه في شكل رموز. في هذا الإطار، فإن بريجيد أو مريم أو فاطمة ليست مجرد كيانات دينية تُستدعى في الدعاء، بل هي تكثيف رمزي لقيم الحماية، والتماسك، والشرعية الأخلاقية التي يحتاجها المجتمع ليستمر. وعندما يُقال إن النار محمية بالقديسين أو أن المريض يُشفى ببركة شخصية مقدسة، فإن المعنى العميق هو أن الجماعة الاجتماعية نفسها تعيد إنتاج إحساسها بالأمان عبر هذه الرموز.
أما من منظور الأنثروبولوجيا الرمزية، كما عند كليفيرد جيرتز ومن تابعه، فإن هذه الطقوس لا تُفهم باعتبارها “بقايا بدائية” أو مجرد عادات تقليدية، بل بوصفها أنظمة من الرموز التي تنتج المعنى وتؤطر تجربة الإنسان للعالم. فالدين هنا ليس مجموعة أفكار عن العالم، بل “نظام رمزي” يجعل العالم قابلًا للفهم والعيش. النار في البيت الأيرلندي تصبح رمزًا للحياة المستمرة والحماية، والليل يتحول إلى فضاء مشحون بالمعنى يحتاج إلى تطهير رمزي. وبالمثل، فإن لمس المريض في السياق البدوي لا يعمل فقط كفعل اجتماعي، بل كإعادة صياغة رمزية لحالة الجسد، حيث يُعاد تعريف المرض من مجرد خلل جسدي إلى حالة يمكن “إصلاحها” عبر اللغة المقدسة والبركة.
في هذا الإطار، تعمل الأسماء المقدسة — سواء كانت بريجيد في التقليد الأيرلندي أو شخصيات دينية في السياق الإسلامي الشعبي — كـ“مكثفات رمزية” للمعنى. فهي لا تُستخدم فقط للإشارة إلى أشخاص تاريخيين أو دينيين، بل تُستخدم لتجميع معاني الحماية والشفاء والأمان في نقطة واحدة يمكن استدعاؤها في لحظة الحاجة. وهذا ما يجعل هذه الطقوس فعّالة اجتماعيًا ونفسيًا: لأنها لا تقدم تفسيرًا نظريًا للعالم، بل تقدم “شكلاً للمعنى” يمكن العيش داخله.
اذا تبين هذا، فيمكن أن يقال أو أوجه الاشتراك بين المثالين بنيوية:
أولًا: كلاهما يحول الفعل اليومي البسيط (إشعال النار / لمس المريض) إلى فعل مشحون بالمقدس.
ثانيًا: كلاهما يستدعي شخصيات مقدسة تعمل كوسائط للمعنى والحماية، لا مجرد شخصيات تاريخية.
ثالثًا: كلاهما يظهر في لحظات الهشاشة الإنسانية — الليل باعتباره خطرًا، والمرض باعتباره ضعفًا، أي في اللحظات التي يحتاج فيها الإنسان إلى إعادة إنتاج الإحساس بالأمان.
وعلىٰ هذا، فإن ما يبدو للناظر مجرد صلاة موقد في أيرلندا أو رقية في بيئة بدوية، هو في العمق تعبير عن منطق إنساني عام: تحويل التجربة اليومية إلى نظام رمزي يربط الفرد بالعالم غير المرئي من المعنى، ويعيد إنتاج الشعور بالأمان الاجتماعي والوجودي داخل حياة قليل يقينها.
👏2
"التديّن المطمئن وثقافة الترف"
يوجد نوع من الخطاب الديني أراه منتشرًا خصوصًا في الفضاء "الخليجي" المعاصر، يظهر كثيرًا في المقاطع القصيرة والوعظ السريع على وسائل التواصل، يقوم على طمأنة الإنسان بأن كل مصيبة ستُعقَب حتمًا بتعويض دنيوي أجمل: “أنا على يقين بأن الله سيعوضني بما هو أفضل”، “أنا على يقين أن القادم أجمل”، “أنا متأكد أن الله لم يأخذ مني إلا ليرضيني”.
لكني لا أرى أن هذا المعنى — بصيغته المطلقة هذه — هو التصور الذي يقدمه الدين أو حتى الواقع الإنساني نفسه. فالرؤية الدينية أكثر واقعية؛ الدنيا في أصلها دار ابتلاء لا دار استحقاق، وقد يبتلى الإنسان مرة بعد مرة دون أن يرى أي تعويض دنيوي ظاهر، ثم يخرج من الحياة مثقلاً بالخسارات كلها.
الواقع نفسه يشهد بذلك: أطفال يُقتلون في الحروب، وأناس يولدون بأمراض مزمنة قاسية تستمر معهم حتى الموت، وآخرون يعيشون أعمارهم كلها في الفقد أو العجز أو الفقر دون “نهاية سعيدة” تزن ما حل بهم. ولهذا كان التعويض الكامل في التصور الديني مؤجلاً إلى الآخرة، لا مضمونًا في الدنيا.
ولعل هذا الخطاب الديني نتاج بيئة اجتماعية ونفسية معينة. فالمجتمعات التي تعيش طويلًا في الترف والرفاه والاستقرار - كالمجتمعات الخليجية- تتكوّن لديها بصورة لا واعية علاقة مختلفة مع الألم؛ يصبح الألم شيئًا طارئًا واستثنائيًا ينبغي أن يزول سريعًا، لا جزءًا أصيلاً من بنية الحياة نفسها.
ومن هنا تظهر لغة مثل: “أكيد سيعوضك الله”، “لا يمكن أن ينتهي الأمر هكذا”، “القادم أجمل دائمًا”. وهي لغة لا تعبّر فقط عن تدين غير واقعي، بل أيضًا عن ثقافة تشكلت في بيئة اعتادت أن المشكلات غالبًا قابلة للحل وأن الحياة تميل في النهاية إلى التحسن.
بينما المجتمعات التي عاشت الحروب أو الفقر الطويل أو القهر التاريخي، يكون خطابها الديني غالبًا أكثر التصاقًا بفكرة الصبر والاحتمال وتحمل الفقد وانتظار العدالة الأخروية، لا انتظار تعويض دنيوي قريب أو نهاية سعيدة محتّمة.
يوجد نوع من الخطاب الديني أراه منتشرًا خصوصًا في الفضاء "الخليجي" المعاصر، يظهر كثيرًا في المقاطع القصيرة والوعظ السريع على وسائل التواصل، يقوم على طمأنة الإنسان بأن كل مصيبة ستُعقَب حتمًا بتعويض دنيوي أجمل: “أنا على يقين بأن الله سيعوضني بما هو أفضل”، “أنا على يقين أن القادم أجمل”، “أنا متأكد أن الله لم يأخذ مني إلا ليرضيني”.
لكني لا أرى أن هذا المعنى — بصيغته المطلقة هذه — هو التصور الذي يقدمه الدين أو حتى الواقع الإنساني نفسه. فالرؤية الدينية أكثر واقعية؛ الدنيا في أصلها دار ابتلاء لا دار استحقاق، وقد يبتلى الإنسان مرة بعد مرة دون أن يرى أي تعويض دنيوي ظاهر، ثم يخرج من الحياة مثقلاً بالخسارات كلها.
الواقع نفسه يشهد بذلك: أطفال يُقتلون في الحروب، وأناس يولدون بأمراض مزمنة قاسية تستمر معهم حتى الموت، وآخرون يعيشون أعمارهم كلها في الفقد أو العجز أو الفقر دون “نهاية سعيدة” تزن ما حل بهم. ولهذا كان التعويض الكامل في التصور الديني مؤجلاً إلى الآخرة، لا مضمونًا في الدنيا.
ولعل هذا الخطاب الديني نتاج بيئة اجتماعية ونفسية معينة. فالمجتمعات التي تعيش طويلًا في الترف والرفاه والاستقرار - كالمجتمعات الخليجية- تتكوّن لديها بصورة لا واعية علاقة مختلفة مع الألم؛ يصبح الألم شيئًا طارئًا واستثنائيًا ينبغي أن يزول سريعًا، لا جزءًا أصيلاً من بنية الحياة نفسها.
ومن هنا تظهر لغة مثل: “أكيد سيعوضك الله”، “لا يمكن أن ينتهي الأمر هكذا”، “القادم أجمل دائمًا”. وهي لغة لا تعبّر فقط عن تدين غير واقعي، بل أيضًا عن ثقافة تشكلت في بيئة اعتادت أن المشكلات غالبًا قابلة للحل وأن الحياة تميل في النهاية إلى التحسن.
بينما المجتمعات التي عاشت الحروب أو الفقر الطويل أو القهر التاريخي، يكون خطابها الديني غالبًا أكثر التصاقًا بفكرة الصبر والاحتمال وتحمل الفقد وانتظار العدالة الأخروية، لا انتظار تعويض دنيوي قريب أو نهاية سعيدة محتّمة.
❤2
كنت أشاهد فيلمًا كوميديًا مع صديقي، وأحد المشاهد كان إحالة واضحة علىٰ مشهد قديم لـ Whoopi Goldberg في The Colour Purple 1985. ما إن رأيته حتى انفجرت ضاحكًا، ليس بسبب النص وحده، بل لأن ذهني استدعى فورًا المشهد الأصلي كله: نبرة الصوت، وحركة السيارة، والسياق الذي جاءت فيه الجملة في الفيلم القديم. أما صديقي فلم يضحك ولم يفهم سبب ضحكي، لأنه ببساطة لم يكن يعرف المرجع الذي يستند إليه المشهد. بالنسبة له كان مشهدًا عابرًا.
هذا الموقف ذكرني بمفهوم “الرأسمال الثقافي” عند بيير بورديو.
بورديو يرى أن الثقافة نوع من “الرصيد” الذي يحمله الإنسان معه داخل المجتمع، تمامًا كما يحمل المال أو العلاقات الاجتماعية. فكما يوجد رأسمال اقتصادي يتمثل في الثروة، ورأسمال اجتماعي يتمثل في شبكة المعارف والعلاقات، يوجد أيضًا رأسمال ثقافي: أي المعرفة التي تمنح الإنسان قدرة على فهم الرموز السائدة والتفاعل معها والشعور بأنه “داخل” العالم الذي يعيش فيه.
في الماضي كان الرأسمال الثقافي يرتبط بمعرفة الأدب الكلاسيكي أو الموسيقى أو الفنون الرفيعة. أما اليوم فقد تغيرت طبيعة الثقافة المشتركة نفسها. جزء كبير من الرأسمال الثقافي الحديث مرتبط بالسينما والمسلسلات والثقافة الرقمية عمومًا. ليس لأن هذه الفنون بالضرورة أعمق من سابقتها، بل لأنها أصبحت اللغة اليومية التي يتواصل بها الناس ضمنيًا، لعلك تجد أثر "حرب النجوم" مثلا أعمق من أثر الإلياذة أو الأوديسة.
حين يفهم شخص إشارة سينمائية سريعة أو يلتقط اقتباسًا من فيلم مشهور أو يتعرف إلى صورة أصبحت جزءًا من الذاكرة الجمعية، فهو لا يثبت فقط أنه “شاهد الفيلم”، بل يكشف أنه يمتلك جزءًا من الرصيد الثقافي المشترك الذي تتداوله الجماعة. ولهذا قد يشعر الإنسان أحيانًا أن شخصًا لا يعرف الأفلام أو لا يهتم بها يفوته شيء من فهم الثقافة المعاصرة، حتى لو كان ذكيًا أو واسع الاطلاع في مجالات أخرى.
وألاحظ هذا في حياتي اليومية كثيرًا. أحيانًا يسألني سائل أن أشرح له فكرة أو شعورًا أو نوعًا معينًا من الشخصيات، فأقول له مباشرة: “هل شاهدت الفيلم الفلاني؟” لأن الفيلم في ذهني يختصر الفكرة اختصارًا. ساعتان من المشاهدة قد تحملان حالة نفسية أو علاقة إنسانية أو رؤية فلسفية كاملة أعجز عن شرحها بالكلام المجرد في دقائق. وحين يجيبني بأنه لم يشاهد الفيلم، أشعر أحيانًا بالكسل تجاه الشرح، وأقول: “اترك الأمر، انسه.” ليس لأن الفكرة مستحيلة الشرح، بل لأنني أشعر أنني فقدت الاختصار الثقافي الذي كنت أعتمد عليه.
وهذا بحد ذاته يوضح كيف تعمل الثقافة المشتركة كرأسمال ثقافي. فالأفلام هنا ليست تسلية فقط، بل تتحول إلى “مرجع مختصر” يسمح للناس بنقل أفكار ومشاعر معقدة بسرعة هائلة. كأن العمل الفني يصبح وحدة جاهزة من المعنى؛ مجرد ذكر اسمه يكفي أحيانًا لتداعي المعاني ولنقل عالم كامل من الإحساس والتجارب والرموز بين شخصين يعرفانه معًا.
لست أريد أن الرأسمال الثقافي يعني التفوق الأخلاقي أو العقلي. بورديو نفسه لم يكن يقصد أن من يمتلك هذا الرصيد “أفضل” من غيره، بل كان يقصد أن المجتمع يكافئ أنواعًا معينة من المعرفة ويجعلها مفاتيح للاندماج والفهم والقبول الاجتماعي.
ولذا أشعر أن السينما اليوم ليست وسيلة ترفيه فقط بل صارت جزءًا من الثقافة العامة نفسها، وجزءًا من اللغة غير المعلنة التي يتشاركها الناس. هناك طبقة كاملة من التواصل الإنساني الحديث قائمة على ذاكرة جماعية صنعتها الأفلام والصور والمشاهد الشهيرة. ومن لا يشارك في هذه الذاكرة قد يفهم الكلمات نفسها، لكنه أحيانًا لا يفهم الخلفية الثقافية والإحساس المشترك الذي يقف وراءها.
هذا الموقف ذكرني بمفهوم “الرأسمال الثقافي” عند بيير بورديو.
بورديو يرى أن الثقافة نوع من “الرصيد” الذي يحمله الإنسان معه داخل المجتمع، تمامًا كما يحمل المال أو العلاقات الاجتماعية. فكما يوجد رأسمال اقتصادي يتمثل في الثروة، ورأسمال اجتماعي يتمثل في شبكة المعارف والعلاقات، يوجد أيضًا رأسمال ثقافي: أي المعرفة التي تمنح الإنسان قدرة على فهم الرموز السائدة والتفاعل معها والشعور بأنه “داخل” العالم الذي يعيش فيه.
في الماضي كان الرأسمال الثقافي يرتبط بمعرفة الأدب الكلاسيكي أو الموسيقى أو الفنون الرفيعة. أما اليوم فقد تغيرت طبيعة الثقافة المشتركة نفسها. جزء كبير من الرأسمال الثقافي الحديث مرتبط بالسينما والمسلسلات والثقافة الرقمية عمومًا. ليس لأن هذه الفنون بالضرورة أعمق من سابقتها، بل لأنها أصبحت اللغة اليومية التي يتواصل بها الناس ضمنيًا، لعلك تجد أثر "حرب النجوم" مثلا أعمق من أثر الإلياذة أو الأوديسة.
حين يفهم شخص إشارة سينمائية سريعة أو يلتقط اقتباسًا من فيلم مشهور أو يتعرف إلى صورة أصبحت جزءًا من الذاكرة الجمعية، فهو لا يثبت فقط أنه “شاهد الفيلم”، بل يكشف أنه يمتلك جزءًا من الرصيد الثقافي المشترك الذي تتداوله الجماعة. ولهذا قد يشعر الإنسان أحيانًا أن شخصًا لا يعرف الأفلام أو لا يهتم بها يفوته شيء من فهم الثقافة المعاصرة، حتى لو كان ذكيًا أو واسع الاطلاع في مجالات أخرى.
وألاحظ هذا في حياتي اليومية كثيرًا. أحيانًا يسألني سائل أن أشرح له فكرة أو شعورًا أو نوعًا معينًا من الشخصيات، فأقول له مباشرة: “هل شاهدت الفيلم الفلاني؟” لأن الفيلم في ذهني يختصر الفكرة اختصارًا. ساعتان من المشاهدة قد تحملان حالة نفسية أو علاقة إنسانية أو رؤية فلسفية كاملة أعجز عن شرحها بالكلام المجرد في دقائق. وحين يجيبني بأنه لم يشاهد الفيلم، أشعر أحيانًا بالكسل تجاه الشرح، وأقول: “اترك الأمر، انسه.” ليس لأن الفكرة مستحيلة الشرح، بل لأنني أشعر أنني فقدت الاختصار الثقافي الذي كنت أعتمد عليه.
وهذا بحد ذاته يوضح كيف تعمل الثقافة المشتركة كرأسمال ثقافي. فالأفلام هنا ليست تسلية فقط، بل تتحول إلى “مرجع مختصر” يسمح للناس بنقل أفكار ومشاعر معقدة بسرعة هائلة. كأن العمل الفني يصبح وحدة جاهزة من المعنى؛ مجرد ذكر اسمه يكفي أحيانًا لتداعي المعاني ولنقل عالم كامل من الإحساس والتجارب والرموز بين شخصين يعرفانه معًا.
لست أريد أن الرأسمال الثقافي يعني التفوق الأخلاقي أو العقلي. بورديو نفسه لم يكن يقصد أن من يمتلك هذا الرصيد “أفضل” من غيره، بل كان يقصد أن المجتمع يكافئ أنواعًا معينة من المعرفة ويجعلها مفاتيح للاندماج والفهم والقبول الاجتماعي.
ولذا أشعر أن السينما اليوم ليست وسيلة ترفيه فقط بل صارت جزءًا من الثقافة العامة نفسها، وجزءًا من اللغة غير المعلنة التي يتشاركها الناس. هناك طبقة كاملة من التواصل الإنساني الحديث قائمة على ذاكرة جماعية صنعتها الأفلام والصور والمشاهد الشهيرة. ومن لا يشارك في هذه الذاكرة قد يفهم الكلمات نفسها، لكنه أحيانًا لا يفهم الخلفية الثقافية والإحساس المشترك الذي يقف وراءها.
❤2👍1
في أي شيء يكون الكمال الأخلاقي؟
كنت أفكر في مسألة الدافع الأخلاقي، وفي أي شيء يكون الكمال: هل الكمال في أن يفعل الإنسان الخير لأجل جزاء يترتب عليه، ولو كان جزاءً أخرويًا؟ أم أن الكمال في أن يفعل الخير لأنه خير؟
وقد أثيرت هنا شبهة معروفة، وهي أن الإنسان لا يكاد ينفك عن طلب نوع من المنفعة لنفسه، حتى الذي يفعل الخير لذاته يجد في نفسه بعد الفعل راحة أو طمأنينة أو شعورًا بالرضا. فإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن أصلًا تصور فعلٍ للخير لا يعود على صاحبه بشيء؟
والذي انتهيت إليه أن محل النظر ليس فيما يترتب على الفعل، وإنما فيما يدفع إليه. فإن الفرق كبير بين أن يكون الشعور بالرضا هو الدافع إلى الفعل، وبين أن يكون أثرًا مترتبًا عليه.
فلو رأى الإنسان فقيرًا محتاجًا فأعطاه لأنه يريد أن يشعر بالخيرية أو يريد أن يرضى عن نفسه، فهذه رتبة. أما لو أعطاه لأن إعانته واجبة عليه، ولأن هذا الفعل في نفسه هو الخير الذي ينبغي أن يُفعل، ثم وجد بعد ذلك راحة أو طمأنينة، فإن هذه الراحة لم تكن هي الباعث على الفعل، وإنما جاءت تبعًا له. والفرق بين الأمرين ظاهر.
ولذلك أرى أن أكمل المراتب الأخلاقية هي أن يفعل الإنسان الخير لأنه خير، وأن يكون دافعه إلى الفعل هو إدراكه أن هذا هو الواجب الأخلاقي المتعين عليه، لا نظره إلى ما وراء ذلك من الثواب أو العقاب أو المدح أو اللذة النفسية.
نعم، لا أنكر أن الفعل الحسن قد يستتبع شعورًا حسنًا، ولكن هذا لا يضر ما دام لم يكن هو المقصود لذاته. بل إن هذا الشعور نفسه قد تعارضه أمور أخرى؛ فقد يلحق الإنسان بسبب فعله ضرر أو مشقة أو خسارة، فلا يكون الأمر دائمًا مقرونًا بلذة ظاهرة. ولذلك لا يصح أن يجعل وجود هذا الشعور أو عدمه هو المعيار.
ومن هنا أقول إن الإنسان الكامل أخلاقيًا هو الذي تكون علة فعله أنه رأى الخير خيرًا ففعله، لا لأنه نظر إلى ما يترتب عليه من المنافع.
ولا أرى أن هذا يتعارض مع الدين، بل أراه منسجمًا معه.
فإننا نقول إن كليات الأخلاق الكبرى، كالعدل والظلم ونحو ذلك، يدرك العقل حسنها وقبحها. ثم تأتي الشريعة فتبين تفاصيل هذه الكليات وكيفية تنزيلها في الواقع. فالعقل يدرك حسن أداء الحقوق إلى أهلها، لكن تفاصيل هذه الحقوق ومقاديرها ومواضعها قد تحتاج إلى الشرع.
وعلى هذا، فإذا فعل الإنسان ما أمر الله به، فقد يفعله لأنه أدرك أن هذا هو الخير الذي ينبغي فعله، سواء كان هذا الخير معلومًا ابتداءً بالعقل أو معلومًا بواسطة الشرع.
فأنا حين أفعل ما أمر الله به لا يلزم أن يكون باعثي الأول هو النظر إلى الجزاء الأخروي، بل قد يكون باعثي أن هذا الفعل نفسه هو الحق والخير الذي يحسن فعله.
بل حتى في العبادات يمكن تصور ذلك.
فالعقل يدرك حسن شكر المنعم، ثم يأتي الشرع فيبين صورة هذا الشكر وكيفيته. فإذا أمرني بالصلاة، فقد أصلي لأن الصلاة هي الفعل الذي تعين علي فعله شكرًا لله وطاعة له، لا لأنني في كل مرة أستحضر ما يترتب عليها من ثواب أو ما يترتب على تركها من عقاب.
ولا يعني هذا أن الترغيب والترهيب الواردين في الشرع لا قيمة لهما، بل هما حق، وقد جاء بهما الشرع فعلًا. غير أني أرى أن الناس يتفاوتون في ذلك.
فمن الناس من يكفيه إدراك الحق ليعمل به، فإذا تبين له أن هذا هو الخير فعله لأنه الخير. ومن الناس من يحتاج إلى الترغيب والترهيب ليحمله ذلك على العمل.
ولهذا لا أرى مانعًا من القول إن الشرع خاطب الجميع، فخاطب أصحاب النظر والبرهان بما يناسبهم، وخاطب عامة الناس بما يناسبهم أيضًا. كما أنه أتى بالأدلة العقلية والبراهين، أتى كذلك بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب.
وعلى هذا، فإن طلب الثواب والخوف من العقاب لا أراهما مذمومين، بل هما مشروعان بلا ريب. لكني أرى أن المرتبة الأعلى هي أن يفعل الإنسان الحق لأنه حق، والخير لأنه خير، والواجب لأنه واجب.
فإذا ترتب بعد ذلك ثواب أو راحة أو طمأنينة أو سرور، لا بأس، فليست هي العلة التي من أجلها وقع الفعل ابتداءً.
كنت أفكر في مسألة الدافع الأخلاقي، وفي أي شيء يكون الكمال: هل الكمال في أن يفعل الإنسان الخير لأجل جزاء يترتب عليه، ولو كان جزاءً أخرويًا؟ أم أن الكمال في أن يفعل الخير لأنه خير؟
وقد أثيرت هنا شبهة معروفة، وهي أن الإنسان لا يكاد ينفك عن طلب نوع من المنفعة لنفسه، حتى الذي يفعل الخير لذاته يجد في نفسه بعد الفعل راحة أو طمأنينة أو شعورًا بالرضا. فإذا كان الأمر كذلك، فهل يمكن أصلًا تصور فعلٍ للخير لا يعود على صاحبه بشيء؟
والذي انتهيت إليه أن محل النظر ليس فيما يترتب على الفعل، وإنما فيما يدفع إليه. فإن الفرق كبير بين أن يكون الشعور بالرضا هو الدافع إلى الفعل، وبين أن يكون أثرًا مترتبًا عليه.
فلو رأى الإنسان فقيرًا محتاجًا فأعطاه لأنه يريد أن يشعر بالخيرية أو يريد أن يرضى عن نفسه، فهذه رتبة. أما لو أعطاه لأن إعانته واجبة عليه، ولأن هذا الفعل في نفسه هو الخير الذي ينبغي أن يُفعل، ثم وجد بعد ذلك راحة أو طمأنينة، فإن هذه الراحة لم تكن هي الباعث على الفعل، وإنما جاءت تبعًا له. والفرق بين الأمرين ظاهر.
ولذلك أرى أن أكمل المراتب الأخلاقية هي أن يفعل الإنسان الخير لأنه خير، وأن يكون دافعه إلى الفعل هو إدراكه أن هذا هو الواجب الأخلاقي المتعين عليه، لا نظره إلى ما وراء ذلك من الثواب أو العقاب أو المدح أو اللذة النفسية.
نعم، لا أنكر أن الفعل الحسن قد يستتبع شعورًا حسنًا، ولكن هذا لا يضر ما دام لم يكن هو المقصود لذاته. بل إن هذا الشعور نفسه قد تعارضه أمور أخرى؛ فقد يلحق الإنسان بسبب فعله ضرر أو مشقة أو خسارة، فلا يكون الأمر دائمًا مقرونًا بلذة ظاهرة. ولذلك لا يصح أن يجعل وجود هذا الشعور أو عدمه هو المعيار.
ومن هنا أقول إن الإنسان الكامل أخلاقيًا هو الذي تكون علة فعله أنه رأى الخير خيرًا ففعله، لا لأنه نظر إلى ما يترتب عليه من المنافع.
ولا أرى أن هذا يتعارض مع الدين، بل أراه منسجمًا معه.
فإننا نقول إن كليات الأخلاق الكبرى، كالعدل والظلم ونحو ذلك، يدرك العقل حسنها وقبحها. ثم تأتي الشريعة فتبين تفاصيل هذه الكليات وكيفية تنزيلها في الواقع. فالعقل يدرك حسن أداء الحقوق إلى أهلها، لكن تفاصيل هذه الحقوق ومقاديرها ومواضعها قد تحتاج إلى الشرع.
وعلى هذا، فإذا فعل الإنسان ما أمر الله به، فقد يفعله لأنه أدرك أن هذا هو الخير الذي ينبغي فعله، سواء كان هذا الخير معلومًا ابتداءً بالعقل أو معلومًا بواسطة الشرع.
فأنا حين أفعل ما أمر الله به لا يلزم أن يكون باعثي الأول هو النظر إلى الجزاء الأخروي، بل قد يكون باعثي أن هذا الفعل نفسه هو الحق والخير الذي يحسن فعله.
بل حتى في العبادات يمكن تصور ذلك.
فالعقل يدرك حسن شكر المنعم، ثم يأتي الشرع فيبين صورة هذا الشكر وكيفيته. فإذا أمرني بالصلاة، فقد أصلي لأن الصلاة هي الفعل الذي تعين علي فعله شكرًا لله وطاعة له، لا لأنني في كل مرة أستحضر ما يترتب عليها من ثواب أو ما يترتب على تركها من عقاب.
ولا يعني هذا أن الترغيب والترهيب الواردين في الشرع لا قيمة لهما، بل هما حق، وقد جاء بهما الشرع فعلًا. غير أني أرى أن الناس يتفاوتون في ذلك.
فمن الناس من يكفيه إدراك الحق ليعمل به، فإذا تبين له أن هذا هو الخير فعله لأنه الخير. ومن الناس من يحتاج إلى الترغيب والترهيب ليحمله ذلك على العمل.
ولهذا لا أرى مانعًا من القول إن الشرع خاطب الجميع، فخاطب أصحاب النظر والبرهان بما يناسبهم، وخاطب عامة الناس بما يناسبهم أيضًا. كما أنه أتى بالأدلة العقلية والبراهين، أتى كذلك بالوعد والوعيد والترغيب والترهيب.
وعلى هذا، فإن طلب الثواب والخوف من العقاب لا أراهما مذمومين، بل هما مشروعان بلا ريب. لكني أرى أن المرتبة الأعلى هي أن يفعل الإنسان الحق لأنه حق، والخير لأنه خير، والواجب لأنه واجب.
فإذا ترتب بعد ذلك ثواب أو راحة أو طمأنينة أو سرور، لا بأس، فليست هي العلة التي من أجلها وقع الفعل ابتداءً.
❤4
[الفعل الشارح]
جاء صبي إلى كيسان بن المعرف النحوي يقرأ عليه شعرا حتى مر ببيت فيه ذكر العيس فقال: هي الإبل البيض التي يخلط بياضها حمرة.
قال الصبي: وما الإبل؟
قال: الجِمال.
قال: وما الجِمال؟
فقام كيسان على أربع ورغا في المسجد وقال: الذي تراه طويل الرقبة وهو يقول بوع!
جاء صبي إلى كيسان بن المعرف النحوي يقرأ عليه شعرا حتى مر ببيت فيه ذكر العيس فقال: هي الإبل البيض التي يخلط بياضها حمرة.
قال الصبي: وما الإبل؟
قال: الجِمال.
قال: وما الجِمال؟
فقام كيسان على أربع ورغا في المسجد وقال: الذي تراه طويل الرقبة وهو يقول بوع!
🤣3
I'm not really into Marvel or Spider-Man, especially that Tom Holland ‘s crap, but I watched two episodes of Spider-Noir, starring Nicolas Cage, and it's so, so, so beautiful. It's art. It's really art. I like the old-style cinematography (expressionistic cinematography) and the old color grading, not the newer style where everything is kind of grayish and desaturated.
I hate this grading style that has taken over most movies and series. And even Nicolas Cage-I'm not a fan of him; I always thought he was a mediocre actor-but in this series, his performance is something else! reminds me of David Tennant, to be honest.
I hate this grading style that has taken over most movies and series. And even Nicolas Cage-I'm not a fan of him; I always thought he was a mediocre actor-but in this series, his performance is something else! reminds me of David Tennant, to be honest.
❤1
#عيد_الغدير
المراد من قول النبي ﷺ يوم الغدير: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، أي: من كانت نصرتي واجبة عليه، فنصرة علي واجبة عليه.
ولن أستطرد هنا في جلب الآيات القرآنية والشواهد الشعرية الدالة على هذا المعنى، فلا يسعها هذا المنشور، وأسأل الله أن ييسر كتابةً فيها.
ولكن أود أن ألفت النظر إلى ما يمكن تسميته بـ«التحقق التاريخي للأحاديث النبوية»، وهو على ضربين: تحقق يدل على الثبوت، وتحقق يعيّن المعنى.
أما التحقق الذي يدل على الثبوت أو عدم الثبوت، فنحو قول النبي ﷺ في الحسن: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين».
فإننا إذا نظرنا في الروايات التاريخية المتكاثرة عن تنازل الحسن لمعاوية، ورأينا كذلك امتعاض أتباعه، حتى قالوا له: «يا مذل المؤمنين»، و«يا مسخم وجوه المؤمنين»، بل حتى أخوه الحسين قد عارضه. فما الذي نجده؟
لا نجد حضورًا لهذا الحديث؛ فلا نجد الحسن قد استشهد به، ولا نجد أحدًا من أصحابه قد استشهد به، ولا نجد أحدًا ممن وافقه على رأيه قد استشهد به. فهذا، إن لم يكن بحد ذاته، وبالضرورة، نافيًا لثبوت هذا الحديث، فإنه يستدعي التوقف فيه ومزيد التثبت.
وكذلك نرى خروج الحسين، وخروج ابن الزبير، وخروج أهل الحرة، وغيرها من الخروجات التي تلت، حتى انقضى ذلك الجيل الأول، ولا نجد بين هذه الخروجات ذكرًا لأحاديث السمع والطاعة التي جاءت بعد ذلك. فلا نجد في محاوراتهم، ولا في مناظراتهم، ولا في رد بعضهم على بعض، أي ذكر لهذه الأحاديث.
هذا هو الضرب الأول.
وأما الضرب الثاني، وهو التحقق التاريخي الذي يعيّن المعنى، فإننا إذا تأملنا في هذا الحديث وجدنا أن الإمامية يذهبون إلى أنه نص في أن عليًا هو الإمام من بعد النبي ﷺ، وأهل السنة يقولون: بل المراد منه المحبة.
فإذا تأملنا في الوقائع التاريخية، وجدنا أن عليًا عليه السلام كان معارضًا لتعيين أبي بكر وأنه كان يرىٰ نفسه أحق بها، ومع ذلك لم يستشهد بهذا الحديث؛ فلم يستشهد به يوم السقيفة، ولم يستشهد به يوم شورى الستة، ولم يستشهد به كذلك عندما خرج عليه طلحة والزبير وعائشة.
وإنما استشهد به بعد صفين، عندما رأى تفلت الناس عنه وتقاعسهم عن نصرته، فقام في رحبة مسجد الكوفة، في الحديث الذي يعرف بحديث الرحبة، فاستشهد بهذا الحديث، وأشهد عليه من حضر ممن بقي، فشهدوا له.
فدل ذلك على المعنى الذي أردناه، وهو أن المقصود وجوب نصرته عليه السلام.
المراد من قول النبي ﷺ يوم الغدير: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، أي: من كانت نصرتي واجبة عليه، فنصرة علي واجبة عليه.
ولن أستطرد هنا في جلب الآيات القرآنية والشواهد الشعرية الدالة على هذا المعنى، فلا يسعها هذا المنشور، وأسأل الله أن ييسر كتابةً فيها.
ولكن أود أن ألفت النظر إلى ما يمكن تسميته بـ«التحقق التاريخي للأحاديث النبوية»، وهو على ضربين: تحقق يدل على الثبوت، وتحقق يعيّن المعنى.
أما التحقق الذي يدل على الثبوت أو عدم الثبوت، فنحو قول النبي ﷺ في الحسن: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين».
فإننا إذا نظرنا في الروايات التاريخية المتكاثرة عن تنازل الحسن لمعاوية، ورأينا كذلك امتعاض أتباعه، حتى قالوا له: «يا مذل المؤمنين»، و«يا مسخم وجوه المؤمنين»، بل حتى أخوه الحسين قد عارضه. فما الذي نجده؟
لا نجد حضورًا لهذا الحديث؛ فلا نجد الحسن قد استشهد به، ولا نجد أحدًا من أصحابه قد استشهد به، ولا نجد أحدًا ممن وافقه على رأيه قد استشهد به. فهذا، إن لم يكن بحد ذاته، وبالضرورة، نافيًا لثبوت هذا الحديث، فإنه يستدعي التوقف فيه ومزيد التثبت.
وكذلك نرى خروج الحسين، وخروج ابن الزبير، وخروج أهل الحرة، وغيرها من الخروجات التي تلت، حتى انقضى ذلك الجيل الأول، ولا نجد بين هذه الخروجات ذكرًا لأحاديث السمع والطاعة التي جاءت بعد ذلك. فلا نجد في محاوراتهم، ولا في مناظراتهم، ولا في رد بعضهم على بعض، أي ذكر لهذه الأحاديث.
هذا هو الضرب الأول.
وأما الضرب الثاني، وهو التحقق التاريخي الذي يعيّن المعنى، فإننا إذا تأملنا في هذا الحديث وجدنا أن الإمامية يذهبون إلى أنه نص في أن عليًا هو الإمام من بعد النبي ﷺ، وأهل السنة يقولون: بل المراد منه المحبة.
فإذا تأملنا في الوقائع التاريخية، وجدنا أن عليًا عليه السلام كان معارضًا لتعيين أبي بكر وأنه كان يرىٰ نفسه أحق بها، ومع ذلك لم يستشهد بهذا الحديث؛ فلم يستشهد به يوم السقيفة، ولم يستشهد به يوم شورى الستة، ولم يستشهد به كذلك عندما خرج عليه طلحة والزبير وعائشة.
وإنما استشهد به بعد صفين، عندما رأى تفلت الناس عنه وتقاعسهم عن نصرته، فقام في رحبة مسجد الكوفة، في الحديث الذي يعرف بحديث الرحبة، فاستشهد بهذا الحديث، وأشهد عليه من حضر ممن بقي، فشهدوا له.
فدل ذلك على المعنى الذي أردناه، وهو أن المقصود وجوب نصرته عليه السلام.
❤4
صندوقُ الدُّنيا
#عيد_الغدير المراد من قول النبي ﷺ يوم الغدير: «من كنت مولاه فعلي مولاه»، أي: من كانت نصرتي واجبة عليه، فنصرة علي واجبة عليه. ولن أستطرد هنا في جلب الآيات القرآنية والشواهد الشعرية الدالة على هذا المعنى، فلا يسعها هذا المنشور، وأسأل الله أن ييسر كتابةً فيها.…
علّق صديقي وهو أصوليّ:
بالمناسبة الحنفية يذكرون من أوجه الانقطاع الباطن أن يختلف الصحابة في مسألة ويشتهر الخلاف، ثم لا يستدلون بالحديث!
وأفادني بنقول عنهم:
بالمناسبة الحنفية يذكرون من أوجه الانقطاع الباطن أن يختلف الصحابة في مسألة ويشتهر الخلاف، ثم لا يستدلون بالحديث!
وأفادني بنقول عنهم:
❤1👍1
وَأما الْقسم الرَّابِع وَهُوَ مَا لم تجر المحاجة بِهِ بَين الصَّحَابَة مَعَ ظُهُور الِاخْتِلَاف بَينهم فِي الحكم فَإِنَّهُ زيف لأَنهم الْأُصُول فِي نقل الدّين لَا يتهمون بِالْكِتْمَانِ وَلَا يتْرك الِاحْتِجَاج بِمَا هُوَ الْحجَّة والاشتغال بِمَا لَيْسَ بِحجَّة فَإِذا ظهر مِنْهُم الِاخْتِلَاف فِي الحكم وَجَرت المحاجة بَينهم فِيهِ بِالرَّأْيِ والرأي لَيْسَ بِحجَّة مَعَ ثُبُوت الْخَبَر فَلَو كَانَ الْخَبَر صَحِيحا لاحتج بِهِ بَعضهم على بعض حَتَّى يرْتَفع بِهِ الْخلاف الثَّابِت بَينهم بِنَاء على الرَّأْي فَكَانَ إِعْرَاض الْكل عَن الِاحْتِجَاج بِهِ دَلِيلا ظَاهرا على أَنه سَهْو مِمَّن رَوَاهُ بعدهمْ أَو هُوَ مَنْسُوخ.
- السرخسي
- السرخسي
👍1