[الانفكاك عن العقل الجمعي]
قُلۡ إِنَّمَاۤ أَعِظُكُم بِوَ ٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُوا۟ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَ ٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا۟ۚ
المعنى: إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وتخلصتم، وهي: أن تقوموا لوجه الله خالصا. متفرّقين اثنين اثنين، وواحدا واحدا ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا؛
أمّا الاثنان: فيتفكران ويعرض كلّ واحد منهما محصول فكره على صاحبه وينظران فيه متصادقين متناصفين، لا يميل بهما اتباع هوى ولا ينبض لهما عرق عصبية، حتى يهجم بهما الفكر الصالح والنظر الصحيح على جادة الحق وسننه.
وكذلك الفرد: يفكر في نفسه بعدل ونصفة من غير أن يكابرها ويعرض فكره على عقله وذهنه وما استقرّ عنده من عادات العقلاء ومجاري أحوالهم.
والذي أوجب تفرّقهم مثنى وفرادى: أنّ الاجتماع مما يشوّش الخواطر، ويعمى البصائر، ويمنع من الروية، ويخلط القول، ومع ذلك يقل الإنصاف، ويكثر الاعتساف، ويثور عجاج التعصب، ولا يسمع إلا نصرة المذهب.
- الزمخشري
قُلۡ إِنَّمَاۤ أَعِظُكُم بِوَ ٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُوا۟ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَ ٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا۟ۚ
المعنى: إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وتخلصتم، وهي: أن تقوموا لوجه الله خالصا. متفرّقين اثنين اثنين، وواحدا واحدا ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا؛
أمّا الاثنان: فيتفكران ويعرض كلّ واحد منهما محصول فكره على صاحبه وينظران فيه متصادقين متناصفين، لا يميل بهما اتباع هوى ولا ينبض لهما عرق عصبية، حتى يهجم بهما الفكر الصالح والنظر الصحيح على جادة الحق وسننه.
وكذلك الفرد: يفكر في نفسه بعدل ونصفة من غير أن يكابرها ويعرض فكره على عقله وذهنه وما استقرّ عنده من عادات العقلاء ومجاري أحوالهم.
والذي أوجب تفرّقهم مثنى وفرادى: أنّ الاجتماع مما يشوّش الخواطر، ويعمى البصائر، ويمنع من الروية، ويخلط القول، ومع ذلك يقل الإنصاف، ويكثر الاعتساف، ويثور عجاج التعصب، ولا يسمع إلا نصرة المذهب.
- الزمخشري
❤6
وأما قوله -أي الغزالي- : إن قصده ههنا ليس هو معرفة الحق، وإنما قصده إبطال أقاويلهم، وإظهار دعاويهم الباطلة فقصد لا يليق به، بل بالذين فى غاية الشر.
وكيف لا يكون ذلك كذلك، ومعظم ما استفاد هذا الرجل من النباهة، وفاق الناس فيما وضع من الكتب إنما استفادها من كتب الفلاسفة، ومن تعليمهم.
وهب أنهم أخطأوا في شيء، فليس من الواجب أن ينكر فضلهم فى النظر، وما راضوا به عقولنا، ولو لم يكن لهم إلا صناعة المنطق، لكان واجباً عليه، وعلى جميع من عرف مقدار هذه الصناعة، شكرهم عليها، وهو معترف بهذا المعنى، وداع إليه. وقد وضع فيها التآليف، ويقول: إنه لا سبيل إلى أن يعلم أحد الحق إلا من هذه الصناعة، وقد بلغ به الغلو فيها إلى أن استخرجها من كتاب اللّٰه تبارك وتعالى.
أفيجوز لمن استفاد من كتبهم وتعاليمهم مقدار ما استفاد هو منها، حتى فاق أهل زمانه، وعظم فى ملة الإسلام صيته وذكره، أن يقول فيهم هذا القول، وأن يصرح بذمهم على الإطلاق، وذم علومهم.
وإن وضعنا أنهم يخطئون في أشياء من العلوم الإلهية، فإنا إنما نحتج على خطئهم من القوانين التي علمونا إياها، في علومهم المنطقية، ونقطع أنهم لا يلوموننا على التوقيف على خطأ إن كان فى آرائهم؛ فإن قصدهم إنما هو معرفة الحق.
ولو لم يكن لهم إلا هذا القصد لكان كافياً فى مدحهم.
- ابن رشد
وكيف لا يكون ذلك كذلك، ومعظم ما استفاد هذا الرجل من النباهة، وفاق الناس فيما وضع من الكتب إنما استفادها من كتب الفلاسفة، ومن تعليمهم.
وهب أنهم أخطأوا في شيء، فليس من الواجب أن ينكر فضلهم فى النظر، وما راضوا به عقولنا، ولو لم يكن لهم إلا صناعة المنطق، لكان واجباً عليه، وعلى جميع من عرف مقدار هذه الصناعة، شكرهم عليها، وهو معترف بهذا المعنى، وداع إليه. وقد وضع فيها التآليف، ويقول: إنه لا سبيل إلى أن يعلم أحد الحق إلا من هذه الصناعة، وقد بلغ به الغلو فيها إلى أن استخرجها من كتاب اللّٰه تبارك وتعالى.
أفيجوز لمن استفاد من كتبهم وتعاليمهم مقدار ما استفاد هو منها، حتى فاق أهل زمانه، وعظم فى ملة الإسلام صيته وذكره، أن يقول فيهم هذا القول، وأن يصرح بذمهم على الإطلاق، وذم علومهم.
وإن وضعنا أنهم يخطئون في أشياء من العلوم الإلهية، فإنا إنما نحتج على خطئهم من القوانين التي علمونا إياها، في علومهم المنطقية، ونقطع أنهم لا يلوموننا على التوقيف على خطأ إن كان فى آرائهم؛ فإن قصدهم إنما هو معرفة الحق.
ولو لم يكن لهم إلا هذا القصد لكان كافياً فى مدحهم.
- ابن رشد
❤2👎1
صندوقُ الدُّنيا
Video
[من الاستبداد السياسي إلى الاستبداد الأسري]
وجود النظام السياسي المستبد لا يلزم منه ضرورة أن كل الأسر في ذلك المجتمع ستكون مستبدة، والعكس صحيح كذلك. فالعلاقة بينهما ليست علاقة سببية ميكانيكية، بل علاقة ديناميكية تبادلية؛ فالنظام السياسي يؤثر في الثقافة العامة، وهذه الثقافة تدخل الأسرة، ثم الأسرة تربي أفرادًا يحملون تصورات معينة عن السلطة والطاعة، وهؤلاء الأفراد يعيدون إنتاج النظام السياسي وهكذا في حلقة مشؤومة.
الاستبداد السياسي لا يعمل فقط عبر القوانين والمؤسسات، بل ينتج منظومة من القيم والتصورات حول السلطة والطاعة والخضوع تصير جزءًا من ثقافة المجتمع. ففي النظام الذي لا يعرف تداول السلطة ولا المشاركة ولا المساءلة، يعتاد الناس على تصور معين للسلطة: (١) أن القرار يأتي من الأعلى، (٢) وأن من يملك القوة يملك حق الأمر والنهي، (٣) وأن الاعتراض تمرّد أو فوضى.
ومع طول الأمد تتغلل هذه الثقافة من المجال السياسي إلى المؤسسات والعلاقات اليومية: إلى المدرسة، والجامعة، والعمل، والأسرة.
فيصبح الأب في بعض البيئات ممثلًا لنموذج الحاكم داخل البيت، ويصبح الزوج ممثلًا لنموذج السلطة داخل العلاقة الزوجية، ويصبح المعلم ممثلًا لنموذج السلطة داخل الصف. وليست العقدة في وجود السلطة بحد ذاتها؛ فكل علاقة إنسانية لا بد لها من قدر من التنظيم والمسؤولية، وإنما الداء تحول السلطة من مسؤولية ورعاية إلى حق في السيطرة والإخضاع.
فالسلطة يمكن أن تُجعل ضربين: (١) سلطة هي تكليف ومسؤولية، هدفها الرعاية والإصلاح وتحقيق المصلحة. (٢) وسلطة هي امتياز تمنح صاحبها حق فرض إرادته لا لشيء إلا لأنه في رتبة أعلى. وهذه الثانية هي الاستبداد.
وهذا المعنىٰ قد طرقه كثير من المفكرين، من أبرزهم الطبيب والمحلل النفسي Wilhelm Reich في كتابه The Mass Psychology of Fascism، حيث قال:
"للدولة السلطوية ممثلها في كل أسرة، وتصبح الأسرة السلطوية المصنع الذي تُشكَّل فيه بنية الدولة وأيديولوجيتها."
وفكرة رايش الأساسية أن العلاقة ليست باتجاه واحد بل هي ما تقدم من أنها ديناميكية تبادلية؛ فالأسرة تنتج الفرد الذي يقبل النظام السلطوي، والنظام السلطوي بدوره يعزز نموذج الأسرة السلطوية. الدولة تؤثر في الأسرة، والأسرة تعيد إنتاج القيم التي يحتاجها النظام.
ويشرح الفيلسوف البرازيلي Paulo Freire في كتابه Pedagogy of the Oppressed كيف يمكن للقهر أن يعيد إنتاج نفسه، فيقول:
"المقهورون، بدل أن يسعوا إلى التحرر، يميلون هم أنفسهم إلى أن يصبحوا قاهرين."
يقول أن الإنسان الذي عاش في بيئة تقوم على الخضوع لسلطة مطلقة بدل أن يرفض منطق السلطة نفسه = ينتظر أن يصبح هو صاحب السلطة. فإذا أصبح أبًا، أو زوجًا، أو مديرًا، أو معلمًا، فقد يعيد إنتاج النموذج الذي عاش تحته.
وهذا لا يعني أن كل أب نشأ في مجتمع سلطوي سيصبح مستبدًا، ولكنه يوضح كيف يمكن للثقافة السلطوية أن تنتقل عبر الأجيال.
وهذا الذي شرحناه نلاحظه في خطاب صاحب المقطع. نعم، هذا الخطاب لا يكفي وحده للحكم على صاحبه بأنه يدعو إلى الاستبداد الأسري، فهو يقر بأن التسلط إذا تحول إلى عادة دائمة ومستمرة يصبح مشكلة.
كما أن القول بأن للوالدين دورًا في التوجيه واتخاذ بعض القرارات ليس أمرًا مستغربًا في أي تصور تربوي؛ فالأسرة ليست علاقة بين أفراد متساويين في كل مرحلة من مراحل العمر، وهناك مسؤوليات وواجبات.
لكن النقطة المهمة هي: كيف تُفهم هذه السلطة؟
فاللافت في الخطاب ليس مجرد القول بأن الوالد قد يفرض قرارًا في بعض الحالات، وإنما الافتراض الكامن في العبارة:
“إذا ما أفرض رايي عليكم، من أفرض رايي عليه؟”
هذه ليست مجرد جملة عابرة، بل تعكس تصورًا للسلطة، وكأن الأصل في العلاقة الأسرية هو أن أحدًا لا بد أن يفرض رأيه على الآخر.
ونحن نسأل: لماذا يكون الأصل هو فرض الرأي، وليس الإقناع أو التشاور أو اتخاذ القرار المشترك عندما يكون ذلك ممكنًا؟ ولماذا تصويره بأنه حق لا بد أن يمارس متىٰ ما وُجد المحل القابل؟!
المتحدث يحاول الرد على من يصف هذا السلوك بالاستبداد، فيقول: إذا لم يكن متكررًا، فلا مشكلة. وهذه نقطة يمكن قبولها جزئيًا. فليست كل ممارسة للسلطة استبدادًا كما مر في التفريق بين ضربي السلطة. لكن المقطع لا يضع معيارًا واضحًا للتمييز بينهما، بل يجعل المعيار هو عدد مرات فرض الرأي!
والأسئلة الأهم: هل القرار قابل للتفسير؟ هل يراعي مصلحة الابن؟ هل يمكن مناقشته؟ هل يعترف للأبناء بقدر من الاستقلال مع تقدمهم في العمر؟ هذه الأسئلة لا تظهر في الخطاب.
الخطاب يفترض أن العلاقات الإنسانية تقوم على التدرج الهرمي: شخص يملك حق إصدار القرار، وشخص آخر وظيفته الامتثال.
وهذا نموذج سلطوي، ليس بالضرورة استبداديًا، لكنه قريب من الثقافة التي تعطي الأولوية للسلطة على الحوار.
وأكثر جملة لفتت انتباهي هي: “مو كل شيء يقنعك.”
وجود النظام السياسي المستبد لا يلزم منه ضرورة أن كل الأسر في ذلك المجتمع ستكون مستبدة، والعكس صحيح كذلك. فالعلاقة بينهما ليست علاقة سببية ميكانيكية، بل علاقة ديناميكية تبادلية؛ فالنظام السياسي يؤثر في الثقافة العامة، وهذه الثقافة تدخل الأسرة، ثم الأسرة تربي أفرادًا يحملون تصورات معينة عن السلطة والطاعة، وهؤلاء الأفراد يعيدون إنتاج النظام السياسي وهكذا في حلقة مشؤومة.
الاستبداد السياسي لا يعمل فقط عبر القوانين والمؤسسات، بل ينتج منظومة من القيم والتصورات حول السلطة والطاعة والخضوع تصير جزءًا من ثقافة المجتمع. ففي النظام الذي لا يعرف تداول السلطة ولا المشاركة ولا المساءلة، يعتاد الناس على تصور معين للسلطة: (١) أن القرار يأتي من الأعلى، (٢) وأن من يملك القوة يملك حق الأمر والنهي، (٣) وأن الاعتراض تمرّد أو فوضى.
ومع طول الأمد تتغلل هذه الثقافة من المجال السياسي إلى المؤسسات والعلاقات اليومية: إلى المدرسة، والجامعة، والعمل، والأسرة.
فيصبح الأب في بعض البيئات ممثلًا لنموذج الحاكم داخل البيت، ويصبح الزوج ممثلًا لنموذج السلطة داخل العلاقة الزوجية، ويصبح المعلم ممثلًا لنموذج السلطة داخل الصف. وليست العقدة في وجود السلطة بحد ذاتها؛ فكل علاقة إنسانية لا بد لها من قدر من التنظيم والمسؤولية، وإنما الداء تحول السلطة من مسؤولية ورعاية إلى حق في السيطرة والإخضاع.
فالسلطة يمكن أن تُجعل ضربين: (١) سلطة هي تكليف ومسؤولية، هدفها الرعاية والإصلاح وتحقيق المصلحة. (٢) وسلطة هي امتياز تمنح صاحبها حق فرض إرادته لا لشيء إلا لأنه في رتبة أعلى. وهذه الثانية هي الاستبداد.
وهذا المعنىٰ قد طرقه كثير من المفكرين، من أبرزهم الطبيب والمحلل النفسي Wilhelm Reich في كتابه The Mass Psychology of Fascism، حيث قال:
"للدولة السلطوية ممثلها في كل أسرة، وتصبح الأسرة السلطوية المصنع الذي تُشكَّل فيه بنية الدولة وأيديولوجيتها."
وفكرة رايش الأساسية أن العلاقة ليست باتجاه واحد بل هي ما تقدم من أنها ديناميكية تبادلية؛ فالأسرة تنتج الفرد الذي يقبل النظام السلطوي، والنظام السلطوي بدوره يعزز نموذج الأسرة السلطوية. الدولة تؤثر في الأسرة، والأسرة تعيد إنتاج القيم التي يحتاجها النظام.
ويشرح الفيلسوف البرازيلي Paulo Freire في كتابه Pedagogy of the Oppressed كيف يمكن للقهر أن يعيد إنتاج نفسه، فيقول:
"المقهورون، بدل أن يسعوا إلى التحرر، يميلون هم أنفسهم إلى أن يصبحوا قاهرين."
يقول أن الإنسان الذي عاش في بيئة تقوم على الخضوع لسلطة مطلقة بدل أن يرفض منطق السلطة نفسه = ينتظر أن يصبح هو صاحب السلطة. فإذا أصبح أبًا، أو زوجًا، أو مديرًا، أو معلمًا، فقد يعيد إنتاج النموذج الذي عاش تحته.
وهذا لا يعني أن كل أب نشأ في مجتمع سلطوي سيصبح مستبدًا، ولكنه يوضح كيف يمكن للثقافة السلطوية أن تنتقل عبر الأجيال.
وهذا الذي شرحناه نلاحظه في خطاب صاحب المقطع. نعم، هذا الخطاب لا يكفي وحده للحكم على صاحبه بأنه يدعو إلى الاستبداد الأسري، فهو يقر بأن التسلط إذا تحول إلى عادة دائمة ومستمرة يصبح مشكلة.
كما أن القول بأن للوالدين دورًا في التوجيه واتخاذ بعض القرارات ليس أمرًا مستغربًا في أي تصور تربوي؛ فالأسرة ليست علاقة بين أفراد متساويين في كل مرحلة من مراحل العمر، وهناك مسؤوليات وواجبات.
لكن النقطة المهمة هي: كيف تُفهم هذه السلطة؟
فاللافت في الخطاب ليس مجرد القول بأن الوالد قد يفرض قرارًا في بعض الحالات، وإنما الافتراض الكامن في العبارة:
“إذا ما أفرض رايي عليكم، من أفرض رايي عليه؟”
هذه ليست مجرد جملة عابرة، بل تعكس تصورًا للسلطة، وكأن الأصل في العلاقة الأسرية هو أن أحدًا لا بد أن يفرض رأيه على الآخر.
ونحن نسأل: لماذا يكون الأصل هو فرض الرأي، وليس الإقناع أو التشاور أو اتخاذ القرار المشترك عندما يكون ذلك ممكنًا؟ ولماذا تصويره بأنه حق لا بد أن يمارس متىٰ ما وُجد المحل القابل؟!
المتحدث يحاول الرد على من يصف هذا السلوك بالاستبداد، فيقول: إذا لم يكن متكررًا، فلا مشكلة. وهذه نقطة يمكن قبولها جزئيًا. فليست كل ممارسة للسلطة استبدادًا كما مر في التفريق بين ضربي السلطة. لكن المقطع لا يضع معيارًا واضحًا للتمييز بينهما، بل يجعل المعيار هو عدد مرات فرض الرأي!
والأسئلة الأهم: هل القرار قابل للتفسير؟ هل يراعي مصلحة الابن؟ هل يمكن مناقشته؟ هل يعترف للأبناء بقدر من الاستقلال مع تقدمهم في العمر؟ هذه الأسئلة لا تظهر في الخطاب.
الخطاب يفترض أن العلاقات الإنسانية تقوم على التدرج الهرمي: شخص يملك حق إصدار القرار، وشخص آخر وظيفته الامتثال.
وهذا نموذج سلطوي، ليس بالضرورة استبداديًا، لكنه قريب من الثقافة التي تعطي الأولوية للسلطة على الحوار.
وأكثر جملة لفتت انتباهي هي: “مو كل شيء يقنعك.”
❤1👍1
صندوقُ الدُّنيا
Video
هذه العبارة صحيحة إذا كان المقصود أن الإنسان لا يمكن أن يشترط الاقتناع في كل موقف عملي. لكنها تصبح إشكالية إذا استُخدمت لإغلاق باب السؤال والنقاش من حيث المبدأ. فالفرق كبير بين أن يقال: “أطلب منك تنفيذ هذا القرار الآن، ثم نشرح أسبابه لاحقًا.” وبين أن يقال: “لا يهم أن تقتنع أصلًا، لأن المطلوب هو أن تطيعني.”
الأولى تمارس سلطة مع الاعتراف بعقل الطرف الآخر، أما الثانية فتميل إلى جعل الطاعة قيمة مستقلة!
أزعجني هذا المقطع جدًا لا سيما مع الالتفات إلىٰ مجتمعاتنا وكيف ستستهلك هذا الخطاب ولكن لا أستطيع أن أقول من هذا المقطع وحده أن صاحبه يدعو إلى الاستبداد الأسري؛ لأن فيه اعترافًا ضمنيًا بأن التسلط الدائم مشكلة (“إذا صار عادة…”).
لكن أستطيع أن أقول إن الخطاب يعكس تصورًا هرميًا للسلطة داخل الأسرة، حيث يرىٰ فرض القرار أمرًا طبيعيًا، أما الحوار والاقتناع ففي رتبة ثانوية. وهذا النمط من التفكير يتقاطع مع ما يدرسه علماء الاجتماع عن المجتمعات ذات الثقافة السلطوية، وإن كان لا يكفي وحده للحكم على الشخص أو على مجمل فكره.
أما بعد النظر في البعد الاجتماعي والثقافي لمسألة السلطة داخل الأسرة، فيأتي السؤال الآخر: هل مفهوم “طاعة الوالدين” الذي شاع في الخطاب الاجتماعي هو نفسه المفهوم الذي يقرره القرآن؟
الشائع عند الناس هو استعمال عبارة “طاعة الوالدين”، حتى أصبحت كأنها من التعابير القرآنية، غير أن المتأمل في القرآن يجد أن هذا التعبير بهذا اللفظ لا يرد في شأن الوالدين. وإنما جاءت ألفاظ أخرى، أهمها: الإحسان، والوصية، وجاء في السنة استعمال لفظ البر، كما ورد النهي عن العقوق. وينبغي قبل الحكم بشيء أن نبين هذه المفردات وهي بينه.
فالبر هو الخير من الأعمال. والإحسان فعل النافع الملائم، ويتضمن المعاملة الحسنة، والرعاية، والقول الطيب، وبذل المعروف. وأما العقوق فهو ضد البر والإحسان، وهو جحود الفضل والأذىٰ أو قل الإيذاء بالقول أو الفعل، سواء كان أذى جسديًا أو نفسيًا لمن سبق منه إحسان.
وإذا تأملنا هذه المعاني وتقلباتها في القرآن، لا نجد أن شيئًا منها يدل على الطاعة.
فالبر مثلًا ليس خاصًا بالوالدين، بل استعمله القرآن في غيرهما، قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ فهل يعني الأمر ببر هؤلاء الأمر بطاعتهم؟ واستقرئ باقي الألفاظ وتأمل.
وقبل الحديث عن الوالدين، لا بد من تأصيل أصل مهم، وهو أن الطاعة المطلقة حق خالص لله تعالى.
فمن معنى ألوهية الله سبحانه أن يطاع لذاته طاعة مطلقة، وهذا داخل في معنى شهادة التوحيد: لا إله إلا الله؛ فلا مطاع طاعة مطلقة لذاته إلاهو سبحانه.
أما غير الله، فلا تثبت له طاعة إلا بحجة عن الله تعالى.
ولا أعرف إلا ما أمر الله به من طاعة الرسول ﷺ، فقال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وطاعة الرسول ليست لأنه يملك طاعة مستقلة من ذاته، وإنما لأنه مبلغ عن الله.
وفرق بين طاعته من حيث هو نبي مبلغ عن الله فهذه طاعة مطلقة، وبين طاعته من حيث هو رئيس لحزب -كما في مكة- أو للدولة؛ فهذه الأخيرة ناشئة عن عقد البيعة، وجاءت مقيدة بالمعروف لا مطلقة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. وهذه المقيدة هي التي تكون لمن قام مقامه في شؤون الأمة وهو الحاكم الشرعي.
وعليه، فمن ادعى وجود طاعة لغير الله ورسوله أو من أقامه الله في مقامه في تدبير شؤون الأمة، فعليه إقامة الحجة.
قد يتعلق متعلق بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، لكن الآية غير دالة علىٰ طاعة عامة للوالدين في كل ما عدا الشرك؛ لأن النهي عن حالة معينة لا يثبت بالضرورة وجود حكم مقابل في جميع الحالات الأخرى. بل المرء في غير الشرك بالخيار إن شاء أن يطيع أو لا يطيع مع الالتفات إلىٰ الأدلة الأخرى المانعة من الطاعة في معصية الله عموما.
إذا اتضح ما تقدم، فالعقوق لا يقابل الطاعة بل يقابل الإحسان والبر. وهو الابتداء بالأذى، وجحود الفضل، والإساءة في القول أو الفعل. وقلت الابتداء لأن ابتداء الوالدين بالاذىٰ لا يسقط حق الولد في الانتصار فلا يكون انتصاره لنفسه حينئذ عقوقا.
الأولى تمارس سلطة مع الاعتراف بعقل الطرف الآخر، أما الثانية فتميل إلى جعل الطاعة قيمة مستقلة!
أزعجني هذا المقطع جدًا لا سيما مع الالتفات إلىٰ مجتمعاتنا وكيف ستستهلك هذا الخطاب ولكن لا أستطيع أن أقول من هذا المقطع وحده أن صاحبه يدعو إلى الاستبداد الأسري؛ لأن فيه اعترافًا ضمنيًا بأن التسلط الدائم مشكلة (“إذا صار عادة…”).
لكن أستطيع أن أقول إن الخطاب يعكس تصورًا هرميًا للسلطة داخل الأسرة، حيث يرىٰ فرض القرار أمرًا طبيعيًا، أما الحوار والاقتناع ففي رتبة ثانوية. وهذا النمط من التفكير يتقاطع مع ما يدرسه علماء الاجتماع عن المجتمعات ذات الثقافة السلطوية، وإن كان لا يكفي وحده للحكم على الشخص أو على مجمل فكره.
أما بعد النظر في البعد الاجتماعي والثقافي لمسألة السلطة داخل الأسرة، فيأتي السؤال الآخر: هل مفهوم “طاعة الوالدين” الذي شاع في الخطاب الاجتماعي هو نفسه المفهوم الذي يقرره القرآن؟
الشائع عند الناس هو استعمال عبارة “طاعة الوالدين”، حتى أصبحت كأنها من التعابير القرآنية، غير أن المتأمل في القرآن يجد أن هذا التعبير بهذا اللفظ لا يرد في شأن الوالدين. وإنما جاءت ألفاظ أخرى، أهمها: الإحسان، والوصية، وجاء في السنة استعمال لفظ البر، كما ورد النهي عن العقوق. وينبغي قبل الحكم بشيء أن نبين هذه المفردات وهي بينه.
فالبر هو الخير من الأعمال. والإحسان فعل النافع الملائم، ويتضمن المعاملة الحسنة، والرعاية، والقول الطيب، وبذل المعروف. وأما العقوق فهو ضد البر والإحسان، وهو جحود الفضل والأذىٰ أو قل الإيذاء بالقول أو الفعل، سواء كان أذى جسديًا أو نفسيًا لمن سبق منه إحسان.
وإذا تأملنا هذه المعاني وتقلباتها في القرآن، لا نجد أن شيئًا منها يدل على الطاعة.
فالبر مثلًا ليس خاصًا بالوالدين، بل استعمله القرآن في غيرهما، قال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ فهل يعني الأمر ببر هؤلاء الأمر بطاعتهم؟ واستقرئ باقي الألفاظ وتأمل.
وقبل الحديث عن الوالدين، لا بد من تأصيل أصل مهم، وهو أن الطاعة المطلقة حق خالص لله تعالى.
فمن معنى ألوهية الله سبحانه أن يطاع لذاته طاعة مطلقة، وهذا داخل في معنى شهادة التوحيد: لا إله إلا الله؛ فلا مطاع طاعة مطلقة لذاته إلاهو سبحانه.
أما غير الله، فلا تثبت له طاعة إلا بحجة عن الله تعالى.
ولا أعرف إلا ما أمر الله به من طاعة الرسول ﷺ، فقال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وطاعة الرسول ليست لأنه يملك طاعة مستقلة من ذاته، وإنما لأنه مبلغ عن الله.
وفرق بين طاعته من حيث هو نبي مبلغ عن الله فهذه طاعة مطلقة، وبين طاعته من حيث هو رئيس لحزب -كما في مكة- أو للدولة؛ فهذه الأخيرة ناشئة عن عقد البيعة، وجاءت مقيدة بالمعروف لا مطلقة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. وهذه المقيدة هي التي تكون لمن قام مقامه في شؤون الأمة وهو الحاكم الشرعي.
وعليه، فمن ادعى وجود طاعة لغير الله ورسوله أو من أقامه الله في مقامه في تدبير شؤون الأمة، فعليه إقامة الحجة.
قد يتعلق متعلق بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، لكن الآية غير دالة علىٰ طاعة عامة للوالدين في كل ما عدا الشرك؛ لأن النهي عن حالة معينة لا يثبت بالضرورة وجود حكم مقابل في جميع الحالات الأخرى. بل المرء في غير الشرك بالخيار إن شاء أن يطيع أو لا يطيع مع الالتفات إلىٰ الأدلة الأخرى المانعة من الطاعة في معصية الله عموما.
إذا اتضح ما تقدم، فالعقوق لا يقابل الطاعة بل يقابل الإحسان والبر. وهو الابتداء بالأذى، وجحود الفضل، والإساءة في القول أو الفعل. وقلت الابتداء لأن ابتداء الوالدين بالاذىٰ لا يسقط حق الولد في الانتصار فلا يكون انتصاره لنفسه حينئذ عقوقا.
❤1👍1
Forwarded from مُسْكَة | جهاد الخُزاعي
هل بالضرورة كل مشائي يقول بالعقول
.
ينبغي أوَّلًا التنبيه إلى أنَّ المشائية ليست مذهبًا عقديًّا بالمعنى الدقيق، بحيث يلتزم فيه المنتسب بجملةٍ من القضايا الاعتقادية المقرَّرة، بل هي في حقيقتها منهجٌ علميٌّ غايته تحصيل المعرفة بالواقع من حيث هو، على وفق أصول البرهان.
وعلى هذا، فإنَّ القول بالعقل الفعّّال واهب الصور، أو القول بتعدُّد العقول المفارقة، ليس من لوازم هذا المنهج من حيث هو منهج، بل هو من النتائج التي انتهى إليها بعض من انتسب إلى هذا المنهج، كابن سينا الذي أثبت واهب الصور، وكابن رشد، الذي خالف تلك النتائج وردَّها، بل نازع فيها منازعةً شديدة.
revospring.net/@ItC0ding/a/116879021358637825
.
ينبغي أوَّلًا التنبيه إلى أنَّ المشائية ليست مذهبًا عقديًّا بالمعنى الدقيق، بحيث يلتزم فيه المنتسب بجملةٍ من القضايا الاعتقادية المقرَّرة، بل هي في حقيقتها منهجٌ علميٌّ غايته تحصيل المعرفة بالواقع من حيث هو، على وفق أصول البرهان.
وعلى هذا، فإنَّ القول بالعقل الفعّّال واهب الصور، أو القول بتعدُّد العقول المفارقة، ليس من لوازم هذا المنهج من حيث هو منهج، بل هو من النتائج التي انتهى إليها بعض من انتسب إلى هذا المنهج، كابن سينا الذي أثبت واهب الصور، وكابن رشد، الذي خالف تلك النتائج وردَّها، بل نازع فيها منازعةً شديدة.
revospring.net/@ItC0ding/a/116879021358637825
👍2
ولهذا لا يسعنا أن نؤكد بما يكفي على ضرورة قراءة النص الأصلي مباشرة، وأن نتجنب قدر المستطاع الكتب الثانوية، والشروح، والتعليقات، وسائر التأويلات. ينبغي للمدارس والجامعات أن تغرس في الطلاب بقوة فكرة بسيطة: أن أي كتاب يتحدث عن كتاب آخر لا يمكن أن يضيف إلى الكتاب الأصلي أكثر مما يقوله ذلك الكتاب نفسه. لكن الواقع أنها تفعل العكس تمامًا، فتجعل الطلاب يعتقدون أن الشروح والدراسات اللاحقة أهم من النص ذاته.
نحن أمام انقلاب واسع في سلّم القيم؛ إذ أصبحت المقدّمات، والهوامش النقدية، وقوائم المراجع تُستعمل أحيانًا كحجاب يحجب صوت النص وما يريد أن يقوله، مع أن النص لا يكشف عن كامل قدرته إلا حين يُترك ليتحدث بذاته، من غير وسطاء يدّعون أنهم أدرى منه بمعناه.
- إيتالو كالفينو
نحن أمام انقلاب واسع في سلّم القيم؛ إذ أصبحت المقدّمات، والهوامش النقدية، وقوائم المراجع تُستعمل أحيانًا كحجاب يحجب صوت النص وما يريد أن يقوله، مع أن النص لا يكشف عن كامل قدرته إلا حين يُترك ليتحدث بذاته، من غير وسطاء يدّعون أنهم أدرى منه بمعناه.
- إيتالو كالفينو
❤1👍1
[سليمانُ بنُ صُرَدِ]
الخُزَاعِيُّ، مِن ولدِ كعبِ بنِ عمرِو بنِ ربيعةَ -وهو بن لُحَيٌّ-، وقد ثبَت نَسَبُه في خُزاعةَ لا يختلِفون فيه. يُكنَى أبا مُطَرِّفٍ.
كان خَيِّرًا فاضِلًا، له دينٌ وعبادةٌ، كان اسمُه في الجاهليةِ يسارًا، فَسَمَّاه رسولُ اللهِ ﷺ سليمانَ.
سكَن الكوفةَ، وابتنَى بها دارًا في خُزاعةَ، وكان نُزُولُه بها في أَوَّلِ ما نزَلها المسلمون، وكانت له سِنٌّ عاليةٌ، وشَرَفٌ في قومِه، وشهِد صِفِّينَ مع عليٍّ، وهو الذي قتَل حَوْشَبًا ذا ظُلَيمٍ الأَلْهانيَّ بصِفِّينَ مُبارَزةً، ثم اختلَط الناسُ يومَئذٍ.
وكان فيمَن كتَب إلى الحسينِ بنِ عليٍّ يسألُه القُدُومَ إلى الكوفةِ، فلما قَدِمَها ترَك القتالَ معه، فلمَّا قُتِل الحسينُ ندِم هو والمُسَيَّبُ بنُ نَجَبَةَ الفَزارِيُّ وجميعُ مَن خذَله ولم يُقاتِلْ معه، ثم قالوا:
ما لنا توبةٌ مما فعَلْنا إلَّا أن نقتُلَ أنفسَنا في الطَّلبِ بدمِه، فخرَجوا فعسكَروا بالنُّخَيْلةِ، وذلك مُستَهَلَّ ربيعٍ الآخرِ سنةَ خمسٍ وسِتَّين. ووَلَّوا أمرَهم سليمانَ بنَ صُرَدٍ، وسَمَّوْه أميرَ التَّوَّابينَ.
ثم ساروا إلى عُبَيدِ اللهِ بنِ زيادٍ، فَلَقُوا مُقَدِّمتَه في أربعةِ آلافٍ عليها شُرَحْبيلُ بنُ ذي الكَلاعِ، فاقتَتَلوا، فقُتِل سليمانُ بنُ صُرَدٍ والمسيَّبُ بنُ نَجَبةَ بموضعٍ يُقالُ له عينُ الوردةِ.
إنّ أهل الشام لما كاثروهم وتعطّفوا عليهم من كلّ جانب نزل سليمان بن صرد ونادى: من أراد البكور إلى ربّه، والتوبة من ذنبه، فإليّ ! ثمّ كسر جفن سيفه.
فنزل معه ناس كثير وكسروا جفون سيوفهم ومشوا معه فاقتتلوا قتالا كثيرا، وقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة وجرحوا منهم وأكثروا الجراح. فبعثوا الرجّالة ترميهم بالنبل واكتنفتهم الخيل والرجّالة. فقتل سليمان بن صرد رحمه الله. فأخذ الراية المسيّب بن نجبة، وترحّم على سليمان ثمّ تقدّم وقاتل بها ساعة، ثمّ رجع ثمّ حمل، فعل ذلك مرارا، ثمّ قتل رحمه الله بعد ما قتل رجالا.
فأخذ الراية عبد الله بن سعد بن نفيل وترحّم على صاحبيه وقرأ: "فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا" وقاتل حتّى قتل.
وبقيت الراية ليس معها أحد. ثمّ أخذها عبد الله بن وال التيميّ وقاتل مليّا ثمّ قال لأصحابه:
من أراد الحياة التي ليس بعدها موت، والراحة التي ليس بعدها نصب، والسرور الذي ليس بعده حزن، فليتقرّب إلى الله بقتال هؤلاء المحلّين! الرواح إلى الجنّة! وذلك عند العصر، فحمل في أصحابه حملة واحدة فقتلوا رجالا، وكشفوهم. وكاثرهم أهل الشام من كلّ جانب فقتل ابن وال، فأخذ الراية رفاعة بن شدّاد البجليّ وقاتل قتالا شديدا حتى غشيهم الليل، وقد قتل رجال كثير.
فعاد بأهل الشام إلى معسكرهم، وسار رفاعة بمن معه يريد الكوفة.
وحمَل رأسَه ورأسَ المسيَّبِ بنِ نجبة إلى مروانَ بنِ الحكمِ: أدهمُ بنُ مُحْرِزٍ الباهليُّ، وكان سليمانُ يومَ قُتِل ابنَ ثلاثٍ وتسعينَ سنةً.
الخُزَاعِيُّ، مِن ولدِ كعبِ بنِ عمرِو بنِ ربيعةَ -وهو بن لُحَيٌّ-، وقد ثبَت نَسَبُه في خُزاعةَ لا يختلِفون فيه. يُكنَى أبا مُطَرِّفٍ.
كان خَيِّرًا فاضِلًا، له دينٌ وعبادةٌ، كان اسمُه في الجاهليةِ يسارًا، فَسَمَّاه رسولُ اللهِ ﷺ سليمانَ.
سكَن الكوفةَ، وابتنَى بها دارًا في خُزاعةَ، وكان نُزُولُه بها في أَوَّلِ ما نزَلها المسلمون، وكانت له سِنٌّ عاليةٌ، وشَرَفٌ في قومِه، وشهِد صِفِّينَ مع عليٍّ، وهو الذي قتَل حَوْشَبًا ذا ظُلَيمٍ الأَلْهانيَّ بصِفِّينَ مُبارَزةً، ثم اختلَط الناسُ يومَئذٍ.
وكان فيمَن كتَب إلى الحسينِ بنِ عليٍّ يسألُه القُدُومَ إلى الكوفةِ، فلما قَدِمَها ترَك القتالَ معه، فلمَّا قُتِل الحسينُ ندِم هو والمُسَيَّبُ بنُ نَجَبَةَ الفَزارِيُّ وجميعُ مَن خذَله ولم يُقاتِلْ معه، ثم قالوا:
ما لنا توبةٌ مما فعَلْنا إلَّا أن نقتُلَ أنفسَنا في الطَّلبِ بدمِه، فخرَجوا فعسكَروا بالنُّخَيْلةِ، وذلك مُستَهَلَّ ربيعٍ الآخرِ سنةَ خمسٍ وسِتَّين. ووَلَّوا أمرَهم سليمانَ بنَ صُرَدٍ، وسَمَّوْه أميرَ التَّوَّابينَ.
ثم ساروا إلى عُبَيدِ اللهِ بنِ زيادٍ، فَلَقُوا مُقَدِّمتَه في أربعةِ آلافٍ عليها شُرَحْبيلُ بنُ ذي الكَلاعِ، فاقتَتَلوا، فقُتِل سليمانُ بنُ صُرَدٍ والمسيَّبُ بنُ نَجَبةَ بموضعٍ يُقالُ له عينُ الوردةِ.
إنّ أهل الشام لما كاثروهم وتعطّفوا عليهم من كلّ جانب نزل سليمان بن صرد ونادى: من أراد البكور إلى ربّه، والتوبة من ذنبه، فإليّ ! ثمّ كسر جفن سيفه.
فنزل معه ناس كثير وكسروا جفون سيوفهم ومشوا معه فاقتتلوا قتالا كثيرا، وقتلوا من أهل الشام مقتلة عظيمة وجرحوا منهم وأكثروا الجراح. فبعثوا الرجّالة ترميهم بالنبل واكتنفتهم الخيل والرجّالة. فقتل سليمان بن صرد رحمه الله. فأخذ الراية المسيّب بن نجبة، وترحّم على سليمان ثمّ تقدّم وقاتل بها ساعة، ثمّ رجع ثمّ حمل، فعل ذلك مرارا، ثمّ قتل رحمه الله بعد ما قتل رجالا.
فأخذ الراية عبد الله بن سعد بن نفيل وترحّم على صاحبيه وقرأ: "فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا" وقاتل حتّى قتل.
وبقيت الراية ليس معها أحد. ثمّ أخذها عبد الله بن وال التيميّ وقاتل مليّا ثمّ قال لأصحابه:
من أراد الحياة التي ليس بعدها موت، والراحة التي ليس بعدها نصب، والسرور الذي ليس بعده حزن، فليتقرّب إلى الله بقتال هؤلاء المحلّين! الرواح إلى الجنّة! وذلك عند العصر، فحمل في أصحابه حملة واحدة فقتلوا رجالا، وكشفوهم. وكاثرهم أهل الشام من كلّ جانب فقتل ابن وال، فأخذ الراية رفاعة بن شدّاد البجليّ وقاتل قتالا شديدا حتى غشيهم الليل، وقد قتل رجال كثير.
فعاد بأهل الشام إلى معسكرهم، وسار رفاعة بمن معه يريد الكوفة.
وحمَل رأسَه ورأسَ المسيَّبِ بنِ نجبة إلى مروانَ بنِ الحكمِ: أدهمُ بنُ مُحْرِزٍ الباهليُّ، وكان سليمانُ يومَ قُتِل ابنَ ثلاثٍ وتسعينَ سنةً.
😢1
أحاول أولًا أن أفهم ما الذي تنشده حين تكرّس نفسك للعلم. أهو مجرد اللذة — ولا ريب أنها لذة عظيمة — التي نستمدها من دراسة الطبيعة وإعمال عقولنا؟ فإن كان الأمر كذلك، فبأي شيء يختلف الفيلسوف، الذي يطلب العلم ليقضي حياته مستمتعًا به، عن ذلك السكير الذي لا يبتغي إلا اللذة العاجلة التي يمنحها له الشراب؟
لا شك أن الفيلسوف قد أحسن اختيار متعته؛ فهي أعمق أثرًا، وأبقى دوامًا، من المتعة التي ينالها ذلك المدمن. ولكن هذا هو كل الفرق بينهما. فكلاهما، في نهاية المطاف، إنما يرمي إلى الغاية نفسها: إشباع الذات ونيل اللذة الشخصية.
غير أنني لا أظن أنك ترغب في أن تحيا هذه الحياة الأنانية. إنك، حين تنصرف إلى خدمة العلم، إنما تريد أن تخدم الإنسانية، وهذه هي الفكرة التي ينبغي أن تهدي خطاك في كل ما تجريه من بحث واستقصاء.
- بيوتر كروبوتكين
لا شك أن الفيلسوف قد أحسن اختيار متعته؛ فهي أعمق أثرًا، وأبقى دوامًا، من المتعة التي ينالها ذلك المدمن. ولكن هذا هو كل الفرق بينهما. فكلاهما، في نهاية المطاف، إنما يرمي إلى الغاية نفسها: إشباع الذات ونيل اللذة الشخصية.
غير أنني لا أظن أنك ترغب في أن تحيا هذه الحياة الأنانية. إنك، حين تنصرف إلى خدمة العلم، إنما تريد أن تخدم الإنسانية، وهذه هي الفكرة التي ينبغي أن تهدي خطاك في كل ما تجريه من بحث واستقصاء.
- بيوتر كروبوتكين
👍1👏1
One of the most beautiful experiences of reading is when you read a book that has already been read by someone else, and you find traces of another mind within it: the lines they underlined, the passages they bracketed, the things that meant something to them.
Sometimes you understand those marks; sometimes you don’t, because you cannot truly understand them without understanding the person behind them.
And that is what makes it so beautiful: you are encountering someone unknown to you, someone whose name you may never know, yet for a moment you see a glimpse of their soul through the words that moved them.
I don’t know how to describe this experience, but there is something deeply beautiful about sharing a book with a stranger across time.
Sometimes you understand those marks; sometimes you don’t, because you cannot truly understand them without understanding the person behind them.
And that is what makes it so beautiful: you are encountering someone unknown to you, someone whose name you may never know, yet for a moment you see a glimpse of their soul through the words that moved them.
I don’t know how to describe this experience, but there is something deeply beautiful about sharing a book with a stranger across time.
❤4
فإن كان القول الآخر هو الأصوب، أعني أن النفس والجسد يهلكان معًا، وأنه لا يبقى بعد ذلك شعور البتة، فليس في الموت حينئذٍ خير، ولكنه ليس فيه شر كذلك. إذ إن الإنسان إذا فقد كل إحساس، كانت حاله بعد الموت كحالته تمامًا لو أنه لم يُخلق قط.
- شيشرون
- شيشرون
❤1
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
Beautiful Thing (1996)
Effortlessly elegant!
Effortlessly elegant!
👍1
الإملاء قديمًا له أسماء كثيرة؛ منها: الخط، والرسم، والهجاء، والكِتَاب، وبهذا الاسم الأخير سمَّى ابن دُرستويه كتابه «الكِتاب)» الذي طُبع خطأ باسم كتاب «الكُتَّاب)»، والكتاب معناه: الكتابة.
وتسمية هذا العلم - أعني علم الخط - بالإملاء إنما وقعت في زمن متأخر، وسبب ذلك أن الأستاذ كان إذا أراد أن يختبر طلابه في كتابتهم أملى عليهم قطعة من الكلام وأمرهم أن يكتبوها؛ لينظر مقدار إتقانهم لقواعد الكتابة.
- فيصل المنصور
وتسمية هذا العلم - أعني علم الخط - بالإملاء إنما وقعت في زمن متأخر، وسبب ذلك أن الأستاذ كان إذا أراد أن يختبر طلابه في كتابتهم أملى عليهم قطعة من الكلام وأمرهم أن يكتبوها؛ لينظر مقدار إتقانهم لقواعد الكتابة.
- فيصل المنصور
❤2👍1
وربما كان موقف تمام حسان- وهو أحد روّاد الدراسات اللغوية الحديثة- من هذه المشكلة هو الذي يضعها في مكانها الحقيقي. إذ إنّ اختلاف موقف المتعلم والمعلّم من اللّغة، عن موقف الباحث أو العالم اللغوي هو الذي يخلّص المرء من ذلك التناقض الموهوم. فالمتكلم لابدّ أن يراعي معايبر اللغة سليقة أو تعلمًا، وليس له أن يخرج عنها، لأن المواضعة والعقد الاجتماعي والسلوك تتحول إلى تقليد محفوظ وعادة متبعة. وفي ضوء هذا الفهم يفسّر موقف المعلِّم الذي يحرس هذه المعايبر ويلقنها للأجيال، استمرارا للتواصل وجمعًا على الأسس ومراعاة للخصائص. وليس في موقف المتعلم أو المعلّم ما هو مطلوب غير الذي تقدم. أما الباحث أو العالم فيفترض فيه أن يراعي الوصف المحايد، إذ يقوم عمله على الملاحظة والاستقراء واستخلاص القواعد التي تستنتج ولا تفرض. وليس له أن يحكم على أيّ شيء من ذلك بمعايير القبول والرفض أو الخطأ والصواب. لكنّ تطبيق هذين الموقفين على اللغة العربية وعلومها لابدّ أن يظهر فروقًا يجب أن تراعى. إذ إن هذه اللغة - كما سبقت الإشارة - تمثل حالة فريدة بين اللغات، وذلك بارتباطها بالقرآن الكريم. ولذلك سرعان ما اتحد عمل المعلّم والعالم إزاءها، وصار البحث منصبًا على الجائز وغير الجائز، وعلى وضع شروط وضوابط فرعية متعددة تقيّد الكلام العربي الفصيح.
ولسنا نقول في هذا الصدد إنّ عمل علمائنا لم يكن علميًّا، لأنهم اقتصروا على الفصيح وحده، ولأنهم كانوا معياريين، واللسانيات تنبذ أيّ موقف معياري، وتمسك عن إصدار الأحكام وعن «التقييم» مدحًا أو ذمَّا، وعن التقويم خطأ أو صوابًا. بل نقول: إنّ عملهم العلمي كان مراعيًا للغتهم وظروفها والغاية منها في إطار المجتمع الإسلامي، وإنّ ما أنجزوه فاق كلّ ما أنجزته الشعوب القديمة في دراسة لغاتها والوقوف على خصائصها والحفاظ على آثارها. والباب مفتوح - وينبغي أن يبقى كذلك - لدراسات وصفية تتناول مصادر اللغة الفصحى قديمًا وحديثًا لغايات علمية صرفة. أما التوظيف العملي فينبغي أن يبقى في إطار معايير اللغة وقواعدها وأقيستها، كلّما كان هناك حديث جدّي في أي مجال من مجالات الحياة، أو كتابة في الصحف والنشرات، أو بحث في العلوم والمصطلحات، أو إبداع في الأدب وفنونه. أما بقية المناهج اللسانية، كالمنهج التاريخي والمقارن والتقابلي فلم تلق مثل تلك المواجهة بين الوصفية والمعيارية.
- د. أحمد قدّور
ولسنا نقول في هذا الصدد إنّ عمل علمائنا لم يكن علميًّا، لأنهم اقتصروا على الفصيح وحده، ولأنهم كانوا معياريين، واللسانيات تنبذ أيّ موقف معياري، وتمسك عن إصدار الأحكام وعن «التقييم» مدحًا أو ذمَّا، وعن التقويم خطأ أو صوابًا. بل نقول: إنّ عملهم العلمي كان مراعيًا للغتهم وظروفها والغاية منها في إطار المجتمع الإسلامي، وإنّ ما أنجزوه فاق كلّ ما أنجزته الشعوب القديمة في دراسة لغاتها والوقوف على خصائصها والحفاظ على آثارها. والباب مفتوح - وينبغي أن يبقى كذلك - لدراسات وصفية تتناول مصادر اللغة الفصحى قديمًا وحديثًا لغايات علمية صرفة. أما التوظيف العملي فينبغي أن يبقى في إطار معايير اللغة وقواعدها وأقيستها، كلّما كان هناك حديث جدّي في أي مجال من مجالات الحياة، أو كتابة في الصحف والنشرات، أو بحث في العلوم والمصطلحات، أو إبداع في الأدب وفنونه. أما بقية المناهج اللسانية، كالمنهج التاريخي والمقارن والتقابلي فلم تلق مثل تلك المواجهة بين الوصفية والمعيارية.
- د. أحمد قدّور
❤1
Wrongdoing, then, is not excused if it is committed for the sake of a friend; after all, the thing that brings friends together is their conviction of each other's virtue; it is hard to keep up a friendship, if one has deserted virtue's camp.
- Cicero
- Cicero
👍1
لا يمكن أن يُقارَن برباط الصداقة ذلك الهوى الذي يكنّه الرجال للنساء، وإن كان هو أيضًا ثمرة اختيارنا الحر، ولا يجوز أن يُجعلا من جنس واحد.
وأنا أُقِرّ بأن نار العشق أشدّ اضطرامًا، وأحدُّ لهيبًا، وأقوى اندفاعًا. غير أن تلك النار طائشة، قلقة، متقلّبة، متبدّلة؛ إنها نار محمومة، تعتريها النوبات ثم تخبو لتعود، ولا تستولي إلا على جزء من كياننا.
أما محبة الأصدقاء فهي دفءٌ عام شامل، معتدل في حرارته، هادئ في سريانه، ثابت ساكن، كلُّه رفق واتزان، لا حِدّة فيه ولا لذع.
وفوق ذلك، فإن الحب الجنسي ليس إلا توقًا مجنونًا إلى شيء يفلت من أيدينا دائمًا. وما إن يدخل هذا الحبُّ في ميدان الصداقة ــ حيث تتوافق الإرادات وتتآلف النفوس ــ حتى يذبل ويضعف.
فالاستمتاع به هو بعينه بداية فنائه؛ إذ إن غايته في الجسد، ولذلك يخضع للشبع والفتور.
أما الصداقة، فعلى العكس، فإن التمتّع بها يزداد بقدر ما يشتد الشوق إليها؛ لأنها شأنٌ من شؤون الروح. وإذ تتطهّر نفوسنا بممارستها، فإنها لا تنبثق، ولا تتغذّى، ولا تنمو، إلا كلما ازداد التمتّع بها.
- ميشيل دي مونتين
وأنا أُقِرّ بأن نار العشق أشدّ اضطرامًا، وأحدُّ لهيبًا، وأقوى اندفاعًا. غير أن تلك النار طائشة، قلقة، متقلّبة، متبدّلة؛ إنها نار محمومة، تعتريها النوبات ثم تخبو لتعود، ولا تستولي إلا على جزء من كياننا.
أما محبة الأصدقاء فهي دفءٌ عام شامل، معتدل في حرارته، هادئ في سريانه، ثابت ساكن، كلُّه رفق واتزان، لا حِدّة فيه ولا لذع.
وفوق ذلك، فإن الحب الجنسي ليس إلا توقًا مجنونًا إلى شيء يفلت من أيدينا دائمًا. وما إن يدخل هذا الحبُّ في ميدان الصداقة ــ حيث تتوافق الإرادات وتتآلف النفوس ــ حتى يذبل ويضعف.
فالاستمتاع به هو بعينه بداية فنائه؛ إذ إن غايته في الجسد، ولذلك يخضع للشبع والفتور.
أما الصداقة، فعلى العكس، فإن التمتّع بها يزداد بقدر ما يشتد الشوق إليها؛ لأنها شأنٌ من شؤون الروح. وإذ تتطهّر نفوسنا بممارستها، فإنها لا تنبثق، ولا تتغذّى، ولا تنمو، إلا كلما ازداد التمتّع بها.
- ميشيل دي مونتين
❤3