صندوقُ الدُّنيا
Photo
رحل اليوم “أكيهيرو ميوا”، مؤدي صوت الذئبة “مورو” في فيلم Princess Mononoke. وبرحيله يغيب فنان عظيم؛ فقد منح شخصية “مورو” حضورًا يكاد يستحيل بعده تخيلها علىٰ نحوٍ آخر.
وفي رأيي، Princess Mononoke أعظم أعمال “هاياو ميازاكي”، أو على الأقل أكثرها كثافةً. ففيه بلغت صنعته ذروة نضجها: قصةً، ورسمًا، ومعنى. حتى الألوان فيه أكثر تشبعًا وحياة، كأنها جزء من نسيج الفيلم الروحي.
ومن أذكى اختيارات “ميازاكي” الفنية إسناد صوت “مورو” إلى “أكيهيرو ميوا”. فـ”ميوا” عُرف بأدائه الذي يتجاوز التقسيمات التقليدية بين الذكورة والأنوثة (Drag Queen)، وكان لصوته طبقة لا تستقر الأذن على تصنيفها. فالأذن معتادة أن تصنف الأصوات عند سماعها: إما ذكورية وإما أنثوية. لكن صوت ميوا يقاوم هذا التصنيف، فلا يمنح المستمع يقينًا كاملًا بأيٍّ منهما؛ أو قل: يكسر التصنيف الإدراكي!
وأذكر أنني عندما شاهدت الفيلم لأول مرة وأنا صغير، ما إن سمعت صوت “مورو” حتى اقشعر جلدي. أزعجني، وشدني في آنٍ واحد.
وهنا تكمن عبقرية “ميازاكي” في اختياره. فعندما تعجز الأذن عن ردّ الصوت إلى أحد النموذجين المألوفين، ينشأ شعور خفي بأن مصدره ليس عاديًا، بل ينتمي إلى عالم آخر. وليس ذلك لأن الصوت غريب أو متكلف، وإنما لأنه يفلت من التصنيفات التي اعتدناها.
ولذلك جاءت هذه الملاءمة العجيبة بين الصوت وشخصية “مورو”. فهي ليست ذئبة من عالمنا، بل إلهة قديمة، من أرواح الغابة التي تسبق الإنسان. فكان لا بد أن يحمل صوتها هذه الغرابة المهيبة، الموحية بالقِدم والمجاوزة للعالم المألوف.
وفي رأيي، Princess Mononoke أعظم أعمال “هاياو ميازاكي”، أو على الأقل أكثرها كثافةً. ففيه بلغت صنعته ذروة نضجها: قصةً، ورسمًا، ومعنى. حتى الألوان فيه أكثر تشبعًا وحياة، كأنها جزء من نسيج الفيلم الروحي.
ومن أذكى اختيارات “ميازاكي” الفنية إسناد صوت “مورو” إلى “أكيهيرو ميوا”. فـ”ميوا” عُرف بأدائه الذي يتجاوز التقسيمات التقليدية بين الذكورة والأنوثة (Drag Queen)، وكان لصوته طبقة لا تستقر الأذن على تصنيفها. فالأذن معتادة أن تصنف الأصوات عند سماعها: إما ذكورية وإما أنثوية. لكن صوت ميوا يقاوم هذا التصنيف، فلا يمنح المستمع يقينًا كاملًا بأيٍّ منهما؛ أو قل: يكسر التصنيف الإدراكي!
وأذكر أنني عندما شاهدت الفيلم لأول مرة وأنا صغير، ما إن سمعت صوت “مورو” حتى اقشعر جلدي. أزعجني، وشدني في آنٍ واحد.
وهنا تكمن عبقرية “ميازاكي” في اختياره. فعندما تعجز الأذن عن ردّ الصوت إلى أحد النموذجين المألوفين، ينشأ شعور خفي بأن مصدره ليس عاديًا، بل ينتمي إلى عالم آخر. وليس ذلك لأن الصوت غريب أو متكلف، وإنما لأنه يفلت من التصنيفات التي اعتدناها.
ولذلك جاءت هذه الملاءمة العجيبة بين الصوت وشخصية “مورو”. فهي ليست ذئبة من عالمنا، بل إلهة قديمة، من أرواح الغابة التي تسبق الإنسان. فكان لا بد أن يحمل صوتها هذه الغرابة المهيبة، الموحية بالقِدم والمجاوزة للعالم المألوف.
❤1👍1
عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ:
قَامَ فِيْنَا رَسُوْلُ اللهِ مَقَاماً، فَحَدَّثَنَا بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَحَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ.
قال الذهبي: قَدْ كَانَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُرَتِّلُ كَلاَمَهُ، وَيُفَسِّرُهُ؛ فَلَعَلَّهُ قَالَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ مَا يُكْتَبُ فِي جُزْءٍ؛ فَذَكَرَ أَكْبَرَ الكَوَائِنِ، وَلَوْ ذَكَرَ أَكْثَرَ مَا هُوَ كَائِنٌ فِي الوُجُوْدِ لَمَا تَهَيَّأَ أَنْ يَقُوْلَهُ فِي سَنَةٍ، بَلْ وَلاَ فِي أَعْوَامٍ، فَفَكِّرْ فِي هَذَا.
قَامَ فِيْنَا رَسُوْلُ اللهِ مَقَاماً، فَحَدَّثَنَا بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَحَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ.
قال الذهبي: قَدْ كَانَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُرَتِّلُ كَلاَمَهُ، وَيُفَسِّرُهُ؛ فَلَعَلَّهُ قَالَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ مَا يُكْتَبُ فِي جُزْءٍ؛ فَذَكَرَ أَكْبَرَ الكَوَائِنِ، وَلَوْ ذَكَرَ أَكْثَرَ مَا هُوَ كَائِنٌ فِي الوُجُوْدِ لَمَا تَهَيَّأَ أَنْ يَقُوْلَهُ فِي سَنَةٍ، بَلْ وَلاَ فِي أَعْوَامٍ، فَفَكِّرْ فِي هَذَا.
👍3
{تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضࣲۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَـٰتࣲۚ وَءَاتَیۡنَا عِیسَى ٱبۡنَ مَرۡیَمَ ٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَأَیَّدۡنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِینَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَاۤءَتۡهُمُ ٱلۡبَیِّنَـٰتُ وَلَـٰكِنِ ٱخۡتَلَفُوا۟ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَاۤءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُوا۟ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ یَفۡعَلُ مَا یُرِیدُ}
هذه الآية تقرر سنة لله ماضية في أتباع الأنبياء وأن الاختلاف والتقاتل بينهم واقع لا محالة بحسب نظام هذا الكون.
قال الطاهر:
قَوْلَهُ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ﴾ يُنادِي عَلى أنَّ الِاخْتِلافَ الَّذِي لا يَبْلُغُ بِالمُخْتَلِفِينَ إلى كُفْرِ بَعْضِهِمْ بِما آمَنَ بِهِ الآخَرُ لا يَبْلُغُ بِالمُخْتَلِفِينَ إلى التَّقاتُلِ، لِأنَّ فِيما أقامَ اللَّهُ لَهم مِن بَيِّناتِ الشَّرْعِ ما فِيهِ كِفايَةُ الفَصْلِ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ في اخْتِلافِهِمْ إذا لَمْ تَغْلِبْ عَلَيْهِمُ المُكابَرَةُ والهَوى، أوْ لَمْ يَعُمَّهم سُوءُ الفَهْمِ وقِلَّةُ الهُدى.
هذه الآية تقرر سنة لله ماضية في أتباع الأنبياء وأن الاختلاف والتقاتل بينهم واقع لا محالة بحسب نظام هذا الكون.
قال الطاهر:
قَوْلَهُ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ ومِنهم مَن كَفَرَ﴾ يُنادِي عَلى أنَّ الِاخْتِلافَ الَّذِي لا يَبْلُغُ بِالمُخْتَلِفِينَ إلى كُفْرِ بَعْضِهِمْ بِما آمَنَ بِهِ الآخَرُ لا يَبْلُغُ بِالمُخْتَلِفِينَ إلى التَّقاتُلِ، لِأنَّ فِيما أقامَ اللَّهُ لَهم مِن بَيِّناتِ الشَّرْعِ ما فِيهِ كِفايَةُ الفَصْلِ بَيْنَ المُخْتَلِفِينَ في اخْتِلافِهِمْ إذا لَمْ تَغْلِبْ عَلَيْهِمُ المُكابَرَةُ والهَوى، أوْ لَمْ يَعُمَّهم سُوءُ الفَهْمِ وقِلَّةُ الهُدى.
❤1
وقوم منعهم من فهمه سابق آراء عقلية انتحلوها، ومذاهب أحكامية عقلية تمذهبوا بها، فإذا سمعوه تأولوه لما عندهم، فيحاولون أن يتبعهم القرآن، لا أن يكونوا هم يتبعونه، وإنما يفهمه من تفرغ من كل ما سواه.
- الحرالي
- الحرالي
❤1
قال عَمرو بن عَون:
أخبرنا خالد بن عبدالله،
عن داود بن أبي هند،
عن عباس بن عبدالرحمن،
عن كِنْدِير بن سعيد، عن أبيه،
قال:
حَجَجْتُ في الجاهليّة، فإذا رجل يطوف بالبيت ويرتجز يقول:
ربِّ رُدَّ إليَّ راكبي محمدا
يا ربّ رُدَّه واصْطَنعْ عندي يَدا
قلت: مَنْ هذا؟
قال: عبدالمطلب، ذهبتْ إبِلٌ له فأرسل ابنَ ابنه في طلبها، ولم يرسلْه في حاجةٍ قطّ إلاّ جاء بها، وقد احتبسَ عليه، فما برحت حتى جاء محمد الي وجاء بالإبل.
فقال: يا بُنَيَّ لقد حزِنْت عليك حُزناً؛ لا تُفارِقْني أبداً!
أخبرنا خالد بن عبدالله،
عن داود بن أبي هند،
عن عباس بن عبدالرحمن،
عن كِنْدِير بن سعيد، عن أبيه،
قال:
حَجَجْتُ في الجاهليّة، فإذا رجل يطوف بالبيت ويرتجز يقول:
ربِّ رُدَّ إليَّ راكبي محمدا
يا ربّ رُدَّه واصْطَنعْ عندي يَدا
قلت: مَنْ هذا؟
قال: عبدالمطلب، ذهبتْ إبِلٌ له فأرسل ابنَ ابنه في طلبها، ولم يرسلْه في حاجةٍ قطّ إلاّ جاء بها، وقد احتبسَ عليه، فما برحت حتى جاء محمد الي وجاء بالإبل.
فقال: يا بُنَيَّ لقد حزِنْت عليك حُزناً؛ لا تُفارِقْني أبداً!
❤2
[ما وراء الخطيئة]
هناك ظاهرة ألاحظها في مجتمعات المتشرعة ومن هو متأثر بهم من العامة، وإن كنت لا أزعم أنها خاصة بهم أو أنها في جميعهم. ولعلها تظهر أيضًا في الأوساط السياسية والفكرية والاجتماعية. ومع ذلك، فإن حضورها فيهم أظهر، حتى صارت تستحق التأمل.
والظاهرة التي أردت هي ميل بعض الناس إلىٰ اختزال الإنسان في أسوأ ما يرونه فيه، حتى يصير ذلك الخطأ هو هويته كلها، وتختفي بقية أبعاده الإنسانية من النظر.
سأضرب مثلًا موضّحًا فالتفت، تخيلّ معي رجلًا يعمل ممثلًا في الأفلام الإباحية، بل ولنفترض أنه ممثل في أفلام إباحية للمثليين. كيف ستكون نظرة كثير من الناس إليه؟
في الغالب لن يروا فيه إلا هذه الصفة. سيشمئزون منه، وسيستقذرونه، وربما يعجز بعضهم عن النظر إليه أو أن يرىٰ فيه إنسانًا. وكأن هذه المهنة أصبحت تعريفه الكامل، فلا يبقىٰ أبًا أو ابنًا أو صديقًا، ولا إنسانًا له آماله وأحلامه وهمومه وأحزانه، ولا شخصًا قد يعطف علىٰ المظلوم، أو يساعد المحتاج، أو يكره الظلم، أو يصدق إذا قال أو يفي إذا وعد... وكأن كل ذلك قد مُحي من الوجود بمجرد معرفتنا بجانب واحد من حياته.
مع أن الواقع الإنساني أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.
فالإنسان لا يختصر في خطأ واحد، كما لا يختزل في فضيلة واحدة. قد يكون كريمًا ويرتكب معصية، وقد يكون عادلًا في جانب وظالمًا في آخر، وقد يجتمع فيه الخير والشر بدرجات متفاوتة. ولست أسوق هذا لتبرير الأخطاء فذاك بحث آخر، بل لمقاومة اختزال الإنسان فيها.
وقد علّق صديقي على هذه الفكرة تعليقًا أثار انتباهي. قال لي: “احذف عبارة (ممثل إباحي مثلي)، وضع مكانها كلمة (طاغوت)، وستجد أن كثيرًا من الناس يغيرون طريقة حديثهم. سيقولون: نعم، عنده أخطاء، ولكن له حسنات، ونستفيد من الخير الذي عنده، وربما أخذوا يبحثون له عن الأعذار والتأويلات.”
صدق، لا أن كل الناس كذلك، ولا أن كل من يتسامح مع حاكم أو زعيم متناقض بالضرورة، ولكن المثال يسلط الضوء على ظاهرة تستحق التأمل: لماذا نختزل بعض الناس في خطأ واحد، بينما نحرص مع آخرين على استحضار جميع حسناتهم وسيئاتهم معًا؟
جزء من الجواب كامن في طبيعة النفس البشرية؛ فالمعلومات السلبية تمتلك سلطة هائلة على وعينا. يشير علم النفس إلى ما يعرف بـ”الانحياز إلىٰ السلبية”، حيث تترك الصفات أو الأفعال المثيرة للنفور أثرًا أكبر بكثير من الصفات الإيجابية. ولهذا قد تطغىٰ معلومة واحدة سلبية على عشرات المواقف الطيبة التي صدرت من الشخص نفسه.
وثَمّ عامل آخر، الجماعات لا تقتصر في بناء هويتها على ما تؤمن به، بل على ما ترفضه كذلك. ولذا تتحول بعض الأفعال إلى رموز للشر، فيصبح صاحبها رمزًا هو الآخر، لا إنسانًا معقدًا يحمل وجوهًا متعددة. وما إن يتحول الإنسان إلى رمز، حتى يفقد فرديته، ويصبح يسيرًا التعامل معه باعتباره تجسيدًا للخطأ، لا شخصًا وقع في خطأ.
ومن جهة أخرىٰ، نجد أن الناس أكثر استعدادًا لتبرير أخطاء من يشعرون أنهم ينتمون إلى جماعتهم أو يمثلون هويتهم. يعمل هنا ما يسميه علماء النفس “التنافر المعرفي”. فالاعتراف بأن شخصًا نحبه أو ننتمي إليه ظالم أو مخطئ قد يكون مؤلمًا، فيبدأ العقل بإنتاج التأويلات والمبررات حفاظًا على اتساق الصورة الذهنية. أما من لا تربطنا به هوية مشتركة، فلا توجد الدوافع النفسية نفسها للدفاع عنه، فيصبح اختزاله أسهل.
لكن ينبغي في الوقت نفسه أن نميز بين أمرين: بين اختزال الإنسان في خطئه، وبين رفض تمييع الحكم الأخلاقي علىٰ فعله. فمن حق الإنسان أن يدين فعلًا يراه منكرًا أو ظلمًا، بل قد يكون ذلك واجبًا في نظره. غير أن إدانة الفعل شيء، وتصيير الفعل هويةً للفاعل شيء آخر.
إن أخطر ما في الاختزال أنه يسلب الإنسان إنسانيته. فالمرء لا يبقىٰ شخصًا له قصة وحياة وصراعات، وإنما يتحول إلى عنوان واحد يختصر وجوده كله. وهذا ظلم في الفهم، قبل أن يكون ظلمًا في الحكم.
ولعل من أبلغ ما قيل في هذا المعنى ما كتبه الكاتب الروسي ألكسندر سولجينتسين حين قال: "إن الخط الفاصل بين الخير والشر لا يمر بين الدول ولا بين الطبقات ولا بين الأحزاب، بل يمر في قلب كل إنسان".
بعبارة أخرىٰ يقول: لسنا ملائكة ولا شياطين، بل بشر، يحمل كل واحد منا قبسًا من نور وقطعة من ظلمة. وقد يكون الإنسان أكبر بكثير من أسوأ ما فعله، كما قد يكون أصغر بكثير من أفضل ما فعله.
هناك ظاهرة ألاحظها في مجتمعات المتشرعة ومن هو متأثر بهم من العامة، وإن كنت لا أزعم أنها خاصة بهم أو أنها في جميعهم. ولعلها تظهر أيضًا في الأوساط السياسية والفكرية والاجتماعية. ومع ذلك، فإن حضورها فيهم أظهر، حتى صارت تستحق التأمل.
والظاهرة التي أردت هي ميل بعض الناس إلىٰ اختزال الإنسان في أسوأ ما يرونه فيه، حتى يصير ذلك الخطأ هو هويته كلها، وتختفي بقية أبعاده الإنسانية من النظر.
سأضرب مثلًا موضّحًا فالتفت، تخيلّ معي رجلًا يعمل ممثلًا في الأفلام الإباحية، بل ولنفترض أنه ممثل في أفلام إباحية للمثليين. كيف ستكون نظرة كثير من الناس إليه؟
في الغالب لن يروا فيه إلا هذه الصفة. سيشمئزون منه، وسيستقذرونه، وربما يعجز بعضهم عن النظر إليه أو أن يرىٰ فيه إنسانًا. وكأن هذه المهنة أصبحت تعريفه الكامل، فلا يبقىٰ أبًا أو ابنًا أو صديقًا، ولا إنسانًا له آماله وأحلامه وهمومه وأحزانه، ولا شخصًا قد يعطف علىٰ المظلوم، أو يساعد المحتاج، أو يكره الظلم، أو يصدق إذا قال أو يفي إذا وعد... وكأن كل ذلك قد مُحي من الوجود بمجرد معرفتنا بجانب واحد من حياته.
مع أن الواقع الإنساني أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.
فالإنسان لا يختصر في خطأ واحد، كما لا يختزل في فضيلة واحدة. قد يكون كريمًا ويرتكب معصية، وقد يكون عادلًا في جانب وظالمًا في آخر، وقد يجتمع فيه الخير والشر بدرجات متفاوتة. ولست أسوق هذا لتبرير الأخطاء فذاك بحث آخر، بل لمقاومة اختزال الإنسان فيها.
وقد علّق صديقي على هذه الفكرة تعليقًا أثار انتباهي. قال لي: “احذف عبارة (ممثل إباحي مثلي)، وضع مكانها كلمة (طاغوت)، وستجد أن كثيرًا من الناس يغيرون طريقة حديثهم. سيقولون: نعم، عنده أخطاء، ولكن له حسنات، ونستفيد من الخير الذي عنده، وربما أخذوا يبحثون له عن الأعذار والتأويلات.”
صدق، لا أن كل الناس كذلك، ولا أن كل من يتسامح مع حاكم أو زعيم متناقض بالضرورة، ولكن المثال يسلط الضوء على ظاهرة تستحق التأمل: لماذا نختزل بعض الناس في خطأ واحد، بينما نحرص مع آخرين على استحضار جميع حسناتهم وسيئاتهم معًا؟
جزء من الجواب كامن في طبيعة النفس البشرية؛ فالمعلومات السلبية تمتلك سلطة هائلة على وعينا. يشير علم النفس إلى ما يعرف بـ”الانحياز إلىٰ السلبية”، حيث تترك الصفات أو الأفعال المثيرة للنفور أثرًا أكبر بكثير من الصفات الإيجابية. ولهذا قد تطغىٰ معلومة واحدة سلبية على عشرات المواقف الطيبة التي صدرت من الشخص نفسه.
وثَمّ عامل آخر، الجماعات لا تقتصر في بناء هويتها على ما تؤمن به، بل على ما ترفضه كذلك. ولذا تتحول بعض الأفعال إلى رموز للشر، فيصبح صاحبها رمزًا هو الآخر، لا إنسانًا معقدًا يحمل وجوهًا متعددة. وما إن يتحول الإنسان إلى رمز، حتى يفقد فرديته، ويصبح يسيرًا التعامل معه باعتباره تجسيدًا للخطأ، لا شخصًا وقع في خطأ.
ومن جهة أخرىٰ، نجد أن الناس أكثر استعدادًا لتبرير أخطاء من يشعرون أنهم ينتمون إلى جماعتهم أو يمثلون هويتهم. يعمل هنا ما يسميه علماء النفس “التنافر المعرفي”. فالاعتراف بأن شخصًا نحبه أو ننتمي إليه ظالم أو مخطئ قد يكون مؤلمًا، فيبدأ العقل بإنتاج التأويلات والمبررات حفاظًا على اتساق الصورة الذهنية. أما من لا تربطنا به هوية مشتركة، فلا توجد الدوافع النفسية نفسها للدفاع عنه، فيصبح اختزاله أسهل.
لكن ينبغي في الوقت نفسه أن نميز بين أمرين: بين اختزال الإنسان في خطئه، وبين رفض تمييع الحكم الأخلاقي علىٰ فعله. فمن حق الإنسان أن يدين فعلًا يراه منكرًا أو ظلمًا، بل قد يكون ذلك واجبًا في نظره. غير أن إدانة الفعل شيء، وتصيير الفعل هويةً للفاعل شيء آخر.
إن أخطر ما في الاختزال أنه يسلب الإنسان إنسانيته. فالمرء لا يبقىٰ شخصًا له قصة وحياة وصراعات، وإنما يتحول إلى عنوان واحد يختصر وجوده كله. وهذا ظلم في الفهم، قبل أن يكون ظلمًا في الحكم.
ولعل من أبلغ ما قيل في هذا المعنى ما كتبه الكاتب الروسي ألكسندر سولجينتسين حين قال: "إن الخط الفاصل بين الخير والشر لا يمر بين الدول ولا بين الطبقات ولا بين الأحزاب، بل يمر في قلب كل إنسان".
بعبارة أخرىٰ يقول: لسنا ملائكة ولا شياطين، بل بشر، يحمل كل واحد منا قبسًا من نور وقطعة من ظلمة. وقد يكون الإنسان أكبر بكثير من أسوأ ما فعله، كما قد يكون أصغر بكثير من أفضل ما فعله.
❤4🔥1
قال ابن إسحاق: وكان أبو بكر رجلاً مألفاً لقومه محبّبًا سهلاً، وكان أنسَبَ قريشٍ لقريش، وكان تاجراً ذا خُلُقٍ ومعروف، فجعل لمّا أسلم يدعو إلى اللّٰه وإلى الإسلام مَن وثِق به من قومه، مِمَّنْ يَغشاه، ويجلس إليه، فأسلم بدعائه: عثمان، والزُّبير، وعبد الرحمن بن عَوف، وطلحة بن عُبَيدالله، وسعد بن أبي وقاص، فجاء بهم إلىٰ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حين أسلموا وصلُّوا، فكان هؤلاء النَّفر الثمانية أوّل من سبق بالإسلام وصلُّوا وصدَّقوا. اهـ
هذه الرواية تستحق التأمل ثبوتًا من جهة الكيفية التي تتشكل بها الروايات التأسيسية في الذاكرة التاريخية.
الرواية تجعل أبا بكر سببًا في إسلام عدد من أبرز السابقين إلى الإسلام، منهم الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص (كلهم من "العَشَرة").
فيتساءل اليقظ: أليس الزبير ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وسعد من بني زهرة، وهم أخوال النبي صلى الله عليه وسلم. أليس بعيدًا ألا يدعوهم بنفسه عليه السلام ويوكل هذا إلىٰ أبي بكر؟ ثم ألم يكونوا صبيانًا صغارًا فأي صلة بينهم وبين رجل كهل من بطن بعيد من بطون قريش؟
لا يدل ظاهر الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدعهم، إذ قد يكون المقصود أن أبا بكر كان سببًا مباشرًا في إسلامهم أو في اصطحابهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن بلغتهم الدعوة. لكن اجتماع هذا العدد من كبار السابقين في خبر واحد يجعل الباحث يتوقف، ويتساءل: هل تعكس الرواية الواقع كما وقع، أم أنها صيغت – أو أُعيد ترتيبها – بعد استقرار مكانة هؤلاء النفر وأبي بكر في الوعي الإسلامي، فأصبحت البدايات تُروى على نحو ينسجم مع ما آل إليه أمرهم؟
وهذا لون معروف في الدراسات التاريخية، حيث يُحذر من تفسير البدايات في ضوء النهايات، أو مما يسمى بالإسقاط اللاحق؛ إذ قد تعيد الذاكرة الجمعية بناء بعض تفاصيل الماضي بما يتوافق مع الصورة التي استقرت لاحقًا في الأذهان. فبعد أن صار أبو بكر أفضل الصحابة عند جمهور المسلمين، وصار هؤلاء من كبار السابقين، أصبح من الطبيعي أن تنشأ روايات تجمع بينهم منذ اللحظات الأولى للدعوة، بما يمنح السرد التاريخي قدرًا من الاتساق والرمزية.
هذه الرواية تستحق التأمل ثبوتًا من جهة الكيفية التي تتشكل بها الروايات التأسيسية في الذاكرة التاريخية.
الرواية تجعل أبا بكر سببًا في إسلام عدد من أبرز السابقين إلى الإسلام، منهم الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص (كلهم من "العَشَرة").
فيتساءل اليقظ: أليس الزبير ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وسعد من بني زهرة، وهم أخوال النبي صلى الله عليه وسلم. أليس بعيدًا ألا يدعوهم بنفسه عليه السلام ويوكل هذا إلىٰ أبي بكر؟ ثم ألم يكونوا صبيانًا صغارًا فأي صلة بينهم وبين رجل كهل من بطن بعيد من بطون قريش؟
لا يدل ظاهر الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدعهم، إذ قد يكون المقصود أن أبا بكر كان سببًا مباشرًا في إسلامهم أو في اصطحابهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن بلغتهم الدعوة. لكن اجتماع هذا العدد من كبار السابقين في خبر واحد يجعل الباحث يتوقف، ويتساءل: هل تعكس الرواية الواقع كما وقع، أم أنها صيغت – أو أُعيد ترتيبها – بعد استقرار مكانة هؤلاء النفر وأبي بكر في الوعي الإسلامي، فأصبحت البدايات تُروى على نحو ينسجم مع ما آل إليه أمرهم؟
وهذا لون معروف في الدراسات التاريخية، حيث يُحذر من تفسير البدايات في ضوء النهايات، أو مما يسمى بالإسقاط اللاحق؛ إذ قد تعيد الذاكرة الجمعية بناء بعض تفاصيل الماضي بما يتوافق مع الصورة التي استقرت لاحقًا في الأذهان. فبعد أن صار أبو بكر أفضل الصحابة عند جمهور المسلمين، وصار هؤلاء من كبار السابقين، أصبح من الطبيعي أن تنشأ روايات تجمع بينهم منذ اللحظات الأولى للدعوة، بما يمنح السرد التاريخي قدرًا من الاتساق والرمزية.
❤3👎1
This media is not supported in your browser
VIEW IN TELEGRAM
Me after writing something brilliant and nobody makes nearly enough fuss about it:
صندوقُ الدُّنيا
ib_bullet_in_the_brain.pdf
I’m still trying to find the right words for it. It’s beautiful, heartbreaking, and somehow bends time itself. The final moments unfold so slowly that an instant becomes an entire landscape. One moment you’re standing in the noise and tension of the bank, and the next you’ve crossed into a different world altogether—not simply the past, but a place where memory feels more real than the present.
“Eustace had read only the wrong books. They had a lot to say about exports and imports and governments and drains, but they were weak on dragons.”
— C. S. Lewis
— C. S. Lewis
❤1
وأوسع وأشرف من هذه الذكريات هي تلك التي خلّفها لنا جاكوبو آخر، يُعرف بـ“الفيلسوف”. كان ابنًا لجيوليو وزيليولا دوتوري، وقد أظهر منذ سنواته الأولى دلائل عقلٍ خصب في الأدب اليوناني واللاتيني. لكن دراساته المفضلة كانت في الفلسفة، وقد تتلمذ فيها على يد توميتانو في المنطق، وكاتينا وباروتشو في الرياضيات، وجنوفا في الفلسفة المشائية. بل إنه عند وفاة توميتانو عُدَّ الوحيد الجدير بخلافته، وقد تحقق ذلك سنة 1564.
كما درّس “الفلسفة العادية” كما كانت تُسمّى آنذاك، وكذلك “الفلسفة غير العادية”، وكان له في ذلك منافس ومجابه هو فرانشيسكو بيكولوميني من سيينا، وهو رجل ذو شهرة عظيمة. غير أن بيكولوميني، وإن بدا في المناظرات العامة متفوقًا من حيث الطلاقة وجمال الأسلوب، إلا أنه كان يُهزم أمام زاباريلا من حيث عمق الحجة وقوة البرهان.
ولأن حكّام ذلك الزمان كانوا يحرصون على مكافأة العقول الكبيرة بما يليق بها، فقد كان مجلس الشيوخ الفينيسي يرسل له شهادات تكريم رسمية، كما أنه بمناسبة زواج إحدى بناته منحوه مبلغ ألف زكّينو من الذهب، كنوع من التعبير عن الفرح العام.
وقد طلبه ملك بولندا سيغيسموند بإلحاح، لكنه لفرط محبته لوطنه رفض الدعوة. غير أنه أراد أن يُظهر له الامتنان فجعل كتابه شروح المنطق إهداء إليه.
أما أعماله الأخرى، سواء في الفلسفة أو في العلوم الطبيعية، فقد كانت في زمانه محطّ تقدير كبير. وقد توفي في أكتوبر سنة 1589، ويخبرنا ريكّوبوني أنه كتب في حقه خطبة تأبينية مطوّلة. ويضيف توماتسيني أن مراسم الجنازة أُقيمت في كنيستنا الكبرى (البازيليكا)، وأن رفاته دُفن في كنيسة القديسة كاترينا مع أسلافه، دون أن يُنقش له نصب تذكاري خاص.
⸻
النص مترجم من:
Bernardo Gonzati, La Basilica di S. Antonio di Padova, Vol. II, pp. 146–147
كما درّس “الفلسفة العادية” كما كانت تُسمّى آنذاك، وكذلك “الفلسفة غير العادية”، وكان له في ذلك منافس ومجابه هو فرانشيسكو بيكولوميني من سيينا، وهو رجل ذو شهرة عظيمة. غير أن بيكولوميني، وإن بدا في المناظرات العامة متفوقًا من حيث الطلاقة وجمال الأسلوب، إلا أنه كان يُهزم أمام زاباريلا من حيث عمق الحجة وقوة البرهان.
ولأن حكّام ذلك الزمان كانوا يحرصون على مكافأة العقول الكبيرة بما يليق بها، فقد كان مجلس الشيوخ الفينيسي يرسل له شهادات تكريم رسمية، كما أنه بمناسبة زواج إحدى بناته منحوه مبلغ ألف زكّينو من الذهب، كنوع من التعبير عن الفرح العام.
وقد طلبه ملك بولندا سيغيسموند بإلحاح، لكنه لفرط محبته لوطنه رفض الدعوة. غير أنه أراد أن يُظهر له الامتنان فجعل كتابه شروح المنطق إهداء إليه.
أما أعماله الأخرى، سواء في الفلسفة أو في العلوم الطبيعية، فقد كانت في زمانه محطّ تقدير كبير. وقد توفي في أكتوبر سنة 1589، ويخبرنا ريكّوبوني أنه كتب في حقه خطبة تأبينية مطوّلة. ويضيف توماتسيني أن مراسم الجنازة أُقيمت في كنيستنا الكبرى (البازيليكا)، وأن رفاته دُفن في كنيسة القديسة كاترينا مع أسلافه، دون أن يُنقش له نصب تذكاري خاص.
⸻
النص مترجم من:
Bernardo Gonzati, La Basilica di S. Antonio di Padova, Vol. II, pp. 146–147
❤1
من الضروري لأي مؤرخ = مسافة زمنية معيّنة بينه وبين الأحداث، وهي شرط لازم لكي يكون له الحدّ الأدنى من الرصانة والصفاء الذهني، علمًا بأن أي حدث لا يمكن لمعاصريه فهمه فهمًا جيّدا كما قد يُتصور، وإنما الذين يفهمونه بصورة أفضل هم اللاحقون. إننا نعرف اليوم الاسكندر المقدوني أو نابليون أو بو رقيبة أفضل من أولئك الذين عاصروهم.
- د. الهادي التيمومي
- د. الهادي التيمومي
❤2
[المغيرة]
وكان شغفه المفرط بالنساء سببًا في سقوطه؛ إذ عُزل من منصبه سنة 17هـ بتهمة الزنا الفاضح، غير أن العقوبة التي كانت ستوقع عليه تحولت، بوساطة عمر – المعروف بصرامته في سائر الأمور – إلىٰ ما يشبه المهزلة.
- فلهوزن
وكان شغفه المفرط بالنساء سببًا في سقوطه؛ إذ عُزل من منصبه سنة 17هـ بتهمة الزنا الفاضح، غير أن العقوبة التي كانت ستوقع عليه تحولت، بوساطة عمر – المعروف بصرامته في سائر الأمور – إلىٰ ما يشبه المهزلة.
- فلهوزن
قال زياد في خطبته البتراء:
نسوسُكم بسلطانِ اللهِ الذي أعطانا، ونذودُ عنكم بفيءِ الله الذي خَوَّلَنا.
علّق فلهوزن: المقصود بـ «الله» هنا هو الدولة في النظام الثيوقراطي.
نسوسُكم بسلطانِ اللهِ الذي أعطانا، ونذودُ عنكم بفيءِ الله الذي خَوَّلَنا.
علّق فلهوزن: المقصود بـ «الله» هنا هو الدولة في النظام الثيوقراطي.
👍2
Forwarded from Youtube Audio Download
Those Were The Days (Rem...
Mary Hopkin
Youtube Audio Download
Mary Hopkin – Those Were The Days (Rem...
Listening to this song takes me somewhere else. I could vividly imagine the singer in some dark, smoke-filled cabaret under a grand hotel on a Mediterranean island, maybe back in the 40s. It’s that specific vibe.
The music itself feels like it’s standing right where the East and West meet. It blends together in a way that creates these totally new sensations for the listener.
The music itself feels like it’s standing right where the East and West meet. It blends together in a way that creates these totally new sensations for the listener.
❤1👍1
[ معاوية ]
لا نسمع الكثير عن السوريين الذين حكمهم معاوية مباشرة. لقد وحدت بينهم وبين معاوية المصلحة المشتركة في الحكم؛ فسورية كانت هي "أرض السلطة"، وهو واقع تجلى بوضوح من خلال حيازتها لبيت المال المركزي ومن خلال حجم المعاشات. لكن سورية اختلفت داخلياً عن العراق؛ إذ لم يكن للكوفة والبصرة تقاليد سوى الصحراء والإسلام. كانت جيوش العرب، التي حُشدت بعشوائية من قبائل مختلفة، قد أُلقي بها إلى هناك نتيجة الحرب واستقرت كحاميات عسكرية. لقد وجدوا أنفسهم فجأة ينتقلون من ظروف بدائية إلى حضارة، وإلى مركز مملكة عظيمة، ولا عجب أنهم لم يتحولوا بين عشية وضحاها من بدو إلى مواطنين عقلاء في دولة.
إلى سورية أيضاً، ونتيجة للفتح الإسلامي، هاجر الكثير من العرب، وبخاصة القيسية إلى شمال المقاطعة. ولكن في المركز، كانت الغلبة لقبائل "كلب" وغيرها من "قضاعة"، إلى جانب بعض القبائل المحسوبة على "أزد السراة"، التي اتخذت من سورية موطناً لها منذ قرون، ولم تأتِ إليها عبر الإسلام فحسب. إن تأثير الثقافة اليونانية-الآرامية، والكنيسة المسيحية، والمملكة الرومانية التي خضعوا لها، لم يفشل في ترك آثارٍ عليهم. فالحكومة المنظمة، والانضباط العسكري والسياسي، لم تكن أفكاراً جديدة عليهم؛ فقد كان لديهم سلالة قديمة من الأمراء، كانوا قد أطاعوها طويلاً، فنقلوا ولاءهم المعتاد إلى معاوية بصفته الخليفة الشرعي لسلالتهم السابقة؛ إذ لم تكن هناك حاجة لفرض "حق السلطان" عليهم قسراً. لقد اعترفوا بشرعية الحكم القائم، ولم يختبروه بميزان القرآن والثيوقراطية. لقد اتبعوا أميرهم حيثما قادهم، لأنهم في قرارة أنفسهم لم يبالوا بالإسلام شيئاً، تماماً كما لم يبالِ به هو.
وفي الشؤون العسكرية، أظهروا أنفسهم متفوقين بمراحل على كل العرب الآخرين، وكان ذلك أكثر وضوحاً لأنهم لم ينقطعوا عن الممارسة، وكانوا مدربين بشكل منهجي عبر الحروب المستمرة ضد الرومان. كان معاوية حصيفاً بما يكفي ليحتفظ بجانبهم الإيجابي، رغم أنه في الدم كان أقرب إلى القيسية. ولم تكن التمايزات بين المجموعات القبلية في ذلك الوقت تعني بعد عداءً سياسياً ضارياً. لقد عاش في دمشق في محيط قبيلة "كلب"، غير بعيد عن مقر ملوكهم السابقين. ومن بينهم تزوج سيدة ذات شأن، وقرر أن ابنها يزيد سيرث المملكة. وبحسب الأفكار العربية، كان هذا تحالفاً سياسياً، وهكذا ثبت أنه كان. كل الكلبيين شعروا بأنهم، إذا جاز التعبير، أصهاره للخليفة وأعمام لخلفه.
لم يكن هناك أي سؤال على الإطلاق حول جعل العرب في سورية في مرتبة أدنى من الفاتحين الذين تدفقوا إليها. وإلى جانب ذلك، فإن قبولهم للإسلام كان سريعاً وشبه عفوي، حتى وإن كان يعني فقط الانتقال إلى راية "العروبة" المنتصرة. ويمكن الافتراض أن الحلف الذي دخله معاوية معهم وهو لا يزال والياً كان له أيضاً أثر انعكاسي على مكانته لدى السوريين غير العرب الذين بقوا مسيحيين. إن المعارضة بين السادة والرعايا لا تبدو أنها كانت بالحدة التي كانت عليها في البداية في العراق. لم يعش المسلمون هناك بمعزل في مستعمرات أُسست خصيصاً لهم، بل عاشوا جنباً إلى جنب مع "أبناء البلاد" في المدن القديمة كدمشق، وحمص، وقنسرين، إلخ. بل إنهم أحياناً تشاركوا في استخدام مكان العبادة، الذي أصبح نصف كنيسة ونصف مسجد. كما أن التقاليد المسيحية في فلسطين وسورية كانت تُحفظ في تقدير عالٍ من قبل المسلمين؛ فسورية كانت بالنسبة لهم أيضاً هي الأرض المقدسة.
لقد أعلن معاوية نفسه خليفة في القدس؛ وبعد ذلك صلى في الجلجثة وعند قبر القديسة مريم. وبالطبع، لا يحتاج المرء لاستخلاص الكثير من هذه الحقائق. لقد أظهر كم كان مترفعاً ومتفوقاً بالنسبة للعقيدة عندما أحضر اليعاقبة والموارنة نزاعهم الديني ليحكم فيه. من اليعاقبة، الذين خسروا في النزاع، حصل على غرامة قدرها 20,000 دينار ونصحهم بالسلام. لكنه لم تكن تربطه علاقة عميقة بالإسلام أيضاً، وكسياسي كان متسامحاً تجاه رعاياه المسيحيين، وكسب تعاطفهم الممتن. وفي ظل حكمه، شعروا بأن أحوالهم على الأقل مماثلة لما كانت عليه تحت سيطرة الرومان، كما يمكننا أن نرى من مشاعر التقاليد الناشئة عنهم. يذكر ثيوفان عنايته بالمسيحيين، التي أظهرها بإعادة بناء كنيستهم في الرها التي دمرها زلزال.
كان أحد أكثر مستشاريه نفوذاً، سرجون بن منصور -الذي تركه أيضاً لخلفائه- مسيحياً، لكن من الخيال القول بأنه جعل مسيحياً والياً على حمص. من المؤسف أنه بدلاً من أن يصبح خليفة، لم يكتفِ بسورية ليؤسس فيها مملكة وطنية كانت لتكون أكثر رسوخاً من الحكم الشامل "اللامنتمي" في الشرق الذي هلك فيه العرب. ربما كان لديه تلك الفكرة لكنه وجد تنفيذها مستحيلاً، لأنه كان حينها سيضطر للتخلي عن الإسلام والتحول إلى الكنيسة، لأن الإسلام في ذلك الوقت لم يكن يسمح بعد بأي ممالك منفصلة.
كان الثأر لعثمان هو العنوان الذي أسس عليه معاوية حقه في الإرث.
لا نسمع الكثير عن السوريين الذين حكمهم معاوية مباشرة. لقد وحدت بينهم وبين معاوية المصلحة المشتركة في الحكم؛ فسورية كانت هي "أرض السلطة"، وهو واقع تجلى بوضوح من خلال حيازتها لبيت المال المركزي ومن خلال حجم المعاشات. لكن سورية اختلفت داخلياً عن العراق؛ إذ لم يكن للكوفة والبصرة تقاليد سوى الصحراء والإسلام. كانت جيوش العرب، التي حُشدت بعشوائية من قبائل مختلفة، قد أُلقي بها إلى هناك نتيجة الحرب واستقرت كحاميات عسكرية. لقد وجدوا أنفسهم فجأة ينتقلون من ظروف بدائية إلى حضارة، وإلى مركز مملكة عظيمة، ولا عجب أنهم لم يتحولوا بين عشية وضحاها من بدو إلى مواطنين عقلاء في دولة.
إلى سورية أيضاً، ونتيجة للفتح الإسلامي، هاجر الكثير من العرب، وبخاصة القيسية إلى شمال المقاطعة. ولكن في المركز، كانت الغلبة لقبائل "كلب" وغيرها من "قضاعة"، إلى جانب بعض القبائل المحسوبة على "أزد السراة"، التي اتخذت من سورية موطناً لها منذ قرون، ولم تأتِ إليها عبر الإسلام فحسب. إن تأثير الثقافة اليونانية-الآرامية، والكنيسة المسيحية، والمملكة الرومانية التي خضعوا لها، لم يفشل في ترك آثارٍ عليهم. فالحكومة المنظمة، والانضباط العسكري والسياسي، لم تكن أفكاراً جديدة عليهم؛ فقد كان لديهم سلالة قديمة من الأمراء، كانوا قد أطاعوها طويلاً، فنقلوا ولاءهم المعتاد إلى معاوية بصفته الخليفة الشرعي لسلالتهم السابقة؛ إذ لم تكن هناك حاجة لفرض "حق السلطان" عليهم قسراً. لقد اعترفوا بشرعية الحكم القائم، ولم يختبروه بميزان القرآن والثيوقراطية. لقد اتبعوا أميرهم حيثما قادهم، لأنهم في قرارة أنفسهم لم يبالوا بالإسلام شيئاً، تماماً كما لم يبالِ به هو.
وفي الشؤون العسكرية، أظهروا أنفسهم متفوقين بمراحل على كل العرب الآخرين، وكان ذلك أكثر وضوحاً لأنهم لم ينقطعوا عن الممارسة، وكانوا مدربين بشكل منهجي عبر الحروب المستمرة ضد الرومان. كان معاوية حصيفاً بما يكفي ليحتفظ بجانبهم الإيجابي، رغم أنه في الدم كان أقرب إلى القيسية. ولم تكن التمايزات بين المجموعات القبلية في ذلك الوقت تعني بعد عداءً سياسياً ضارياً. لقد عاش في دمشق في محيط قبيلة "كلب"، غير بعيد عن مقر ملوكهم السابقين. ومن بينهم تزوج سيدة ذات شأن، وقرر أن ابنها يزيد سيرث المملكة. وبحسب الأفكار العربية، كان هذا تحالفاً سياسياً، وهكذا ثبت أنه كان. كل الكلبيين شعروا بأنهم، إذا جاز التعبير، أصهاره للخليفة وأعمام لخلفه.
لم يكن هناك أي سؤال على الإطلاق حول جعل العرب في سورية في مرتبة أدنى من الفاتحين الذين تدفقوا إليها. وإلى جانب ذلك، فإن قبولهم للإسلام كان سريعاً وشبه عفوي، حتى وإن كان يعني فقط الانتقال إلى راية "العروبة" المنتصرة. ويمكن الافتراض أن الحلف الذي دخله معاوية معهم وهو لا يزال والياً كان له أيضاً أثر انعكاسي على مكانته لدى السوريين غير العرب الذين بقوا مسيحيين. إن المعارضة بين السادة والرعايا لا تبدو أنها كانت بالحدة التي كانت عليها في البداية في العراق. لم يعش المسلمون هناك بمعزل في مستعمرات أُسست خصيصاً لهم، بل عاشوا جنباً إلى جنب مع "أبناء البلاد" في المدن القديمة كدمشق، وحمص، وقنسرين، إلخ. بل إنهم أحياناً تشاركوا في استخدام مكان العبادة، الذي أصبح نصف كنيسة ونصف مسجد. كما أن التقاليد المسيحية في فلسطين وسورية كانت تُحفظ في تقدير عالٍ من قبل المسلمين؛ فسورية كانت بالنسبة لهم أيضاً هي الأرض المقدسة.
لقد أعلن معاوية نفسه خليفة في القدس؛ وبعد ذلك صلى في الجلجثة وعند قبر القديسة مريم. وبالطبع، لا يحتاج المرء لاستخلاص الكثير من هذه الحقائق. لقد أظهر كم كان مترفعاً ومتفوقاً بالنسبة للعقيدة عندما أحضر اليعاقبة والموارنة نزاعهم الديني ليحكم فيه. من اليعاقبة، الذين خسروا في النزاع، حصل على غرامة قدرها 20,000 دينار ونصحهم بالسلام. لكنه لم تكن تربطه علاقة عميقة بالإسلام أيضاً، وكسياسي كان متسامحاً تجاه رعاياه المسيحيين، وكسب تعاطفهم الممتن. وفي ظل حكمه، شعروا بأن أحوالهم على الأقل مماثلة لما كانت عليه تحت سيطرة الرومان، كما يمكننا أن نرى من مشاعر التقاليد الناشئة عنهم. يذكر ثيوفان عنايته بالمسيحيين، التي أظهرها بإعادة بناء كنيستهم في الرها التي دمرها زلزال.
كان أحد أكثر مستشاريه نفوذاً، سرجون بن منصور -الذي تركه أيضاً لخلفائه- مسيحياً، لكن من الخيال القول بأنه جعل مسيحياً والياً على حمص. من المؤسف أنه بدلاً من أن يصبح خليفة، لم يكتفِ بسورية ليؤسس فيها مملكة وطنية كانت لتكون أكثر رسوخاً من الحكم الشامل "اللامنتمي" في الشرق الذي هلك فيه العرب. ربما كان لديه تلك الفكرة لكنه وجد تنفيذها مستحيلاً، لأنه كان حينها سيضطر للتخلي عن الإسلام والتحول إلى الكنيسة، لأن الإسلام في ذلك الوقت لم يكن يسمح بعد بأي ممالك منفصلة.
كان الثأر لعثمان هو العنوان الذي أسس عليه معاوية حقه في الإرث.
❤1
وبأي معنى اتخذه، يتضح من واقع أنه أقام من أجل ذلك حلفاً مع عمرو بن العاص، الذي كان قد وجه أشد التحريضات ضراوة ضد عثمان. لم تكن التقوى دافعه، ولم يتبع تقاليد سلفه المقتول. لقد قبل بالتأكيد بالنتيجة العامة لعهد الأخير (حكم الأمويين)، لكنه لم يمنح بأي حال من الأحوال كل المناصب الغنية للأمويين. لقد منحهم فرصاً، بالتأكيد، لكنه عادة لم يكن يلبث طويلاً حتى يعزلهم.
لم تصبح دمشق مقر قيادتهم، بل ظلت المدينة المنورة كذلك. وجدت هذه المدينة، التي كانت حتى ذلك الحين مركز المملكة، نفسها مدفوعة إلى الاحتياط، وكذلك الحال بالنسبة للأرستقراطية التي استمرت في العيش هناك. وبصفة عامة، ترك معاوية الولاية نفسها للأمويين، ولكن ما هي القيمة التي كانت لمروان، الذي كان سابقاً المستشار الإمبراطوري النافذ لعثمان، وهو الآن أمير المدينة! لا عجب أنه كان يرمق ابن عمه في دمشق بنظرات الحسد، إذ كان قد تجاوزه بأشواط، وأن العلاقات في المدينة المنورة كانت بصفة عامة تضمر له الاستياء!
وقد وجدت مشاعرهم تعبيراً عنها بشكل خاص في الغيرة من زياد، إذ كانوا يخشون أن معاوية سيقوي منزله من خلاله ضد الأسرة بأكملها، وربما يمنحه الخلافة في نهاية المطاف. وهو من جانبه، حاول إثارة فروع الأسرة المختلفة في المدينة المنورة ضد بعضها البعض، لإضعاف قوتها. وحتى تفاهمه مع قريش، كان يترك بشكل عام شيئاً يُرغب فيه. لقد اشتكى بالفعل من أنهم هم من خذلوه ولذلك تجاهلهم. علاوة على ذلك، كانت علاقاته متوترة مع بني مخزوم؛ فقد كانوا طويلاً يحسدون بني أمية لأنهم أقصوهم عن المكانة الأولى التي شغلوها في مكة حتى معركة بدر، وقد منحهم هو سبباً إضافياً للكراهية. فعبد الرحمن، ابن المخزومي العظيم خالد بن الوليد، وهو نفسه رجل مستحق ومحترم جداً، كان يشغل في حمص، وسط سورية، موقعاً مستقلاً ومهماً لدرجة أنه بدا خطيراً على الخليفة. كان الاعتقاد السائد أن طبيباً مسيحياً سمه بتحريض من معاوية، ويمكن للمرء أن يتخيل الأثر الذي تركه ذلك على بني مخزوم. كانت علاقته بنبلاء الإسلام الروحيين، وببيت النبي، وبعائلات أقدم الصحابة، وكذلك بالأنصار، قائمة بطبيعتها على عدم الثقة والعداوة.
لم يكن ولاته البارزون في أهم الأقاليم من الأمويين، ومع استثناء واحد، لم يكونوا حتى من قريش. كان يراقب أولئك الذين قد يحتاج إليهم ويضعهم في خدمته. كان يمتلك ملكة استمالة والاحتفاظ بمن كان من الملائم له أن يحظى بهم، بل وحتى جعل أولئك الذين لا يثق بهم يعملون لصالحه؛ مثل عمرو بن العاص في مصر، الذي كان يشعر أنه حليفه أكثر من كونه موظفاً لديه. يكثر تعداد خدمه والمقربين منه؛ ويبدو أن معظمهم كانوا من "الرجال الجدد" (homines novi). ومعهم كمستشارين كان يتشاور، وكانوا يُسمح لهم بأن يتجرأوا عليه قليلاً، وقد فعلوا ذلك بالفعل.
ومع ذلك، لم يترك الزمام يفلت من يديه، بل عرف كيف يروضهم دون أن يجعلهم يشعرون باللجام. لم تكن المشاهد الفجة والمنفعلة تؤثر فيه أبداً؛ فقد كان يتصرف كـ "سيد" عربي قديم. لم يمنحه الله هبة الشجاعة الشخصية، رغم أنه كان يرسل سورييه بلا هوادة إلى الميدان ضد الرومان، لكنه كان يمتلك بقدر أكبر صفات "السيد" الأخرى: اللطف الحصيف الذي كان ينزع به سلاح خصومه ويخجلهم، والتأني في الغضب، وضبط النفس المطلق. كنموذج لهذه الصفات، يظهر في قصص لا تحصى، إلى جانب الأحنف التميمي، معاصره، الذي كان يقدره كثيراً. لقد كان ديبلوماسياً وسياسياً بالأساس، يترك الأمور تنضج من تلقاء نفسها، ولا يساعد في تقدمها إلا بين الحين والآخر، وربما كان ذلك باستخدام القليل من السم. لم ينكر أصله البورجوازي. كان يكره اللجوء إلى القوة، ولم يغزُ العراق بقدر ما اشترى خضوعه. إذا كان بإمكانه الوصول إلى هدفه بالمال، كان ينفقه ببذخ، لكنه لم ينفقه قط عبثاً، وكان يسليه أن يخيب آمال أولئك الذين كانوا يراهنون على كرمه غير المحدود، أو يظنون أنهم يستطيعون خداعه.
كان الشعبي، أحد أقدم الرواة، يسمع عنه أنه كان أمتع رفيق، لكن لا يمكن أبداً التمييز بين أفكاره السرية وما يقوله علانية. عندما كان يستمع إلى أي شخص، كان يتكئ إلى الوراء، ويشبك ساقيه، ويغمض نصف عين واحدة. وعلى الرغم من بدانته، كان يبدو للعرب في المناسبات العامة مهيباً عندما يرتدي عمامته السوداء ويكحل عينيه بالإثمد. ووفقاً للواقدي، فقد توفي يوم الخميس في منتصف رجب سنة 60 هـ، وهو ما يوافق الخميس 18 أبريل 680م. ووفقاً لإيليا النصيبي، فإن تولي خليفته السلطة كان يوم الجمعة 15 رجب، ولكن وفقاً لأبي مخنف، كان ذلك في الأول من رجب. يحدد أبو معشر طول حكمه بـ 19 سنة وثلاثة أشهر، ويضيف الواقدي 27 يوماً أخرى. دُفن بجانب الباب الصغير في دمشق، وكان قبره، الذي شُيد فوقه بناء، يُزار لقرون. وكان يُسمح بالدخول إليه في يومي الاثنين والخميس.
- يوليوس فلهاوزن
لم تصبح دمشق مقر قيادتهم، بل ظلت المدينة المنورة كذلك. وجدت هذه المدينة، التي كانت حتى ذلك الحين مركز المملكة، نفسها مدفوعة إلى الاحتياط، وكذلك الحال بالنسبة للأرستقراطية التي استمرت في العيش هناك. وبصفة عامة، ترك معاوية الولاية نفسها للأمويين، ولكن ما هي القيمة التي كانت لمروان، الذي كان سابقاً المستشار الإمبراطوري النافذ لعثمان، وهو الآن أمير المدينة! لا عجب أنه كان يرمق ابن عمه في دمشق بنظرات الحسد، إذ كان قد تجاوزه بأشواط، وأن العلاقات في المدينة المنورة كانت بصفة عامة تضمر له الاستياء!
وقد وجدت مشاعرهم تعبيراً عنها بشكل خاص في الغيرة من زياد، إذ كانوا يخشون أن معاوية سيقوي منزله من خلاله ضد الأسرة بأكملها، وربما يمنحه الخلافة في نهاية المطاف. وهو من جانبه، حاول إثارة فروع الأسرة المختلفة في المدينة المنورة ضد بعضها البعض، لإضعاف قوتها. وحتى تفاهمه مع قريش، كان يترك بشكل عام شيئاً يُرغب فيه. لقد اشتكى بالفعل من أنهم هم من خذلوه ولذلك تجاهلهم. علاوة على ذلك، كانت علاقاته متوترة مع بني مخزوم؛ فقد كانوا طويلاً يحسدون بني أمية لأنهم أقصوهم عن المكانة الأولى التي شغلوها في مكة حتى معركة بدر، وقد منحهم هو سبباً إضافياً للكراهية. فعبد الرحمن، ابن المخزومي العظيم خالد بن الوليد، وهو نفسه رجل مستحق ومحترم جداً، كان يشغل في حمص، وسط سورية، موقعاً مستقلاً ومهماً لدرجة أنه بدا خطيراً على الخليفة. كان الاعتقاد السائد أن طبيباً مسيحياً سمه بتحريض من معاوية، ويمكن للمرء أن يتخيل الأثر الذي تركه ذلك على بني مخزوم. كانت علاقته بنبلاء الإسلام الروحيين، وببيت النبي، وبعائلات أقدم الصحابة، وكذلك بالأنصار، قائمة بطبيعتها على عدم الثقة والعداوة.
لم يكن ولاته البارزون في أهم الأقاليم من الأمويين، ومع استثناء واحد، لم يكونوا حتى من قريش. كان يراقب أولئك الذين قد يحتاج إليهم ويضعهم في خدمته. كان يمتلك ملكة استمالة والاحتفاظ بمن كان من الملائم له أن يحظى بهم، بل وحتى جعل أولئك الذين لا يثق بهم يعملون لصالحه؛ مثل عمرو بن العاص في مصر، الذي كان يشعر أنه حليفه أكثر من كونه موظفاً لديه. يكثر تعداد خدمه والمقربين منه؛ ويبدو أن معظمهم كانوا من "الرجال الجدد" (homines novi). ومعهم كمستشارين كان يتشاور، وكانوا يُسمح لهم بأن يتجرأوا عليه قليلاً، وقد فعلوا ذلك بالفعل.
ومع ذلك، لم يترك الزمام يفلت من يديه، بل عرف كيف يروضهم دون أن يجعلهم يشعرون باللجام. لم تكن المشاهد الفجة والمنفعلة تؤثر فيه أبداً؛ فقد كان يتصرف كـ "سيد" عربي قديم. لم يمنحه الله هبة الشجاعة الشخصية، رغم أنه كان يرسل سورييه بلا هوادة إلى الميدان ضد الرومان، لكنه كان يمتلك بقدر أكبر صفات "السيد" الأخرى: اللطف الحصيف الذي كان ينزع به سلاح خصومه ويخجلهم، والتأني في الغضب، وضبط النفس المطلق. كنموذج لهذه الصفات، يظهر في قصص لا تحصى، إلى جانب الأحنف التميمي، معاصره، الذي كان يقدره كثيراً. لقد كان ديبلوماسياً وسياسياً بالأساس، يترك الأمور تنضج من تلقاء نفسها، ولا يساعد في تقدمها إلا بين الحين والآخر، وربما كان ذلك باستخدام القليل من السم. لم ينكر أصله البورجوازي. كان يكره اللجوء إلى القوة، ولم يغزُ العراق بقدر ما اشترى خضوعه. إذا كان بإمكانه الوصول إلى هدفه بالمال، كان ينفقه ببذخ، لكنه لم ينفقه قط عبثاً، وكان يسليه أن يخيب آمال أولئك الذين كانوا يراهنون على كرمه غير المحدود، أو يظنون أنهم يستطيعون خداعه.
كان الشعبي، أحد أقدم الرواة، يسمع عنه أنه كان أمتع رفيق، لكن لا يمكن أبداً التمييز بين أفكاره السرية وما يقوله علانية. عندما كان يستمع إلى أي شخص، كان يتكئ إلى الوراء، ويشبك ساقيه، ويغمض نصف عين واحدة. وعلى الرغم من بدانته، كان يبدو للعرب في المناسبات العامة مهيباً عندما يرتدي عمامته السوداء ويكحل عينيه بالإثمد. ووفقاً للواقدي، فقد توفي يوم الخميس في منتصف رجب سنة 60 هـ، وهو ما يوافق الخميس 18 أبريل 680م. ووفقاً لإيليا النصيبي، فإن تولي خليفته السلطة كان يوم الجمعة 15 رجب، ولكن وفقاً لأبي مخنف، كان ذلك في الأول من رجب. يحدد أبو معشر طول حكمه بـ 19 سنة وثلاثة أشهر، ويضيف الواقدي 27 يوماً أخرى. دُفن بجانب الباب الصغير في دمشق، وكان قبره، الذي شُيد فوقه بناء، يُزار لقرون. وكان يُسمح بالدخول إليه في يومي الاثنين والخميس.
- يوليوس فلهاوزن
❤1
وأثبت حجة.. في تاريخ الشيعة طالما اتصل بالكوفة هو أبو مخنف، والطبري يكاد لا يعتمد على غيره في ذكر أخبارهم، وما أطولها!
- فلهاوزن
- فلهاوزن
❤1