أزمة الصبيان: (جزء 1/4)
«غض الطرف عن الاختلافات الحقيقية بين الجنسين والإصرار الدوغمائي [العقدي] على أن الذكورة والأنوثة هي فروق لا أهمية لها سينتهي إلى مشاكل بالغة الخطورة» Christina Hoff Sommers - The War Against Boys [الحرب على الصبيان]
من أكثر القضايا التي شغلت الدول والمنظمات الدولية خلال النصف الثاني من القرن العشرين ومايزال ذلك مستمراً بقوة إلى اليوم هي قضية تعليم الفتيات. دول العالم والمنظمات الدولية تحرص سنوياً على دعم وتمويل برامج ونشر تقارير مفصلة عن تعليم الإناث وتحض بشكل مستمر على تشجيعهن بكل الوسائل الممكنة على الذهاب إلى أقصى حد في المشوار التعليمي.
إلى هنا يبدو الأمر معقولاً جداً، لكن عندما تناقِش الأوساط التعليمية والإعلامية المشاكل التي يواجهها الأطفال مع التعليم من فشل دراسي وضعف النتائج وتسرب من المدارس يتم القفز على ما تقوله لنا الأرقام المفزعة وبشكل بارز عن جنس هذه المشاكل بكونها متعلقة بشكل رئيسي بالصبيان، وكأن هناك طابوه يمنع الحديث عن أزمة تعليم ما لم تتعلق بالفتيات رغم وضوح ذلك للجميع. أصبح هذا النفور غير المسبوق للصبيان من المدرسة وكأنه من المسلمات التي لا ينبغي البحث فيها كثيراً عن أسباب، هي فقط كذلك وأنتهى الأمر، أو كما يقول الأهل عادةً "البنات شاطرات ويسمعوا الكلام" رغم أن هذا الوضع في الواقع غير مرتبط بمستوى الفتيات بقدر ما هو تراجع للصبيان سنة عن سنة وعدم اهتمامهم بالمدرسة والشهادات العليا في ظاهرةٍ عالمية تشمل الدول المتقدمة ودول العالم الثالث.
في الدول العربية التي مايزال فيها الخطاب الرسمي والإعلامي يحدثنا عن تعليم الفتيات وكأنه لم يتغير منذ الخمسينات أو الستينات، نجد بأن الفجوة بين الذكور والإناث من حيث الالتحاق بالجامعة هي من الأوسع في العالم لصالح الإناث، وقد تتجاوز أحياناً الثلثين للإناث مقابل الثلث للذكور. في الإمارات مثلاً تمثل الإناث 77% من الملتحقين بالجامعة، الجزائر65%، قطر 64%، تونس 63%، المغرب 57%... أما بالنسبة للدول الغربية فنجد مثلاً كندا 59%، بريطانيا والسويد 57%، الولايات المتحدة 56%، فرنسا 55%... (هذه الفجوة بين الجنسين تتسع أكثر من حيث نيل الشهادة الجامعية).
لا يتوقف الأمر بالنسبة لتلك الدول العربية (وأيضاً من تعيش نفس حالتها) عند صدارتها للترتيب من حيث الفجوة بين الجنسين بشكل عام، لكنها أيضاً تحتل صدارة الدول في الرياضيات والهندسة والمواد العلمية والتكنولوجية (STEM) من حيث عدد الإناث بعكس الدول المتقدمة التي يتصدر فيها الذكور هذه المجالات وبفارق شاسع رغم التفوق العددي للإناث في الجامعة. الغريب في الموضوع هنا والذي يناقض ما قد يتوقعه الناس هو أن الإحصاءات تتحدث عن علاقة واضحة بين تصنيف دولة ما كدولة تراعي معايير المساواة بين الجنسين وبين عزوف الإناث فيها عن STEM لصالح مجالات تعتبر تقليدياً أنثوية مثل الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية والتدريس واللغات، في حين يتصدر فيها الذكور مجالات STEM، هذه الفروق بين الجنسين في الدول المتقدمة لن تكون غريبة لو أخذنا في الاعتبار نتائج الأبحاث العديدة التي تتحدث عن اختلاف طريقة عمل الدماغ لدى الجنسين بحيث يكون دماغ الرجل أكثر فاعلية مع التفكير المجرد في حين تتملك الإناث أدمغة ذات قدرات لغوية أعلى، الأمر الذي يفسر تفوق الفتيات في القراءة واللغات والصبيان في الحساب. لكن بالنسبة للدول التي نجد فيها غياب لهذه الفروق بحيث تتفوق الإناث في القراءة والحساب معاً فهو مؤشر على نفور أكبر للصبيان من التعليم.
نأخذ على سبيل المثال الهندسة حيث تمثل الإناث 29% من كليات الهندسة في كوريا الجنوبية، السويد 28%، الولايات المتحدة 24%، بريطانيا وأستراليا 19%، ألمانيا 18%، النمسا 14%، سويسرا 09% وبلجيكا 06%... في المقابل نجد لدى المغرب 45%، السعودية 46%، البحرين وفلسطين 48%، الجزائر 54%، سوريا 57%، الإمارات 58%، تونس 61%، عمان 74%.
إذن أزمة الصبيان مع التعليم واضحة لكل من يريد أن يرى، لكن ورغم ذلك تبقى هذه الأزمة مثل طابوه محرم من الأحسن تجنبه، ومن يفعل ذلك تراه يمضي وقته في طلب المغفرة لحديثه عن التعليم من زاوية غير زاوية تعليم الفتيات وتشعر بحذره وتحسسه موضع خطواته خشية إنفجار أحد ألغام أيديولوجيا المظلومية التي زرعها الإعلام والحركة النسوية. هذا بالنسبة للدول الغربية، أما لدينا ورغم أن هيمنة الصواب السياسي على النفوس أقل وإن كان في تزايد، إلا أن الموضوع يقابل بعدم اهتمام كامل وربما مثل العادة ينتظرون تحرك الغرب ليقلدوه رغم أن التبعات الاجتماعية والاقتصادية لدينا أكثر خطورة بكثير، على سبيل المثال لدينا هنا أكثر من ثلث الجامعيات على الأقل ومعهم عددهم من الرجال غير الجامعيين محكوم عليهن نتيجة مبدأ Hypergamy/Hybogamy بالعنوسة وتأخر الزواج والطلاق خاصةً ما لم تكن الدولة ثرية مثل دول الخليج أين تعوَض الشهادة بالثروة لدى الرجال.
_____________
«غض الطرف عن الاختلافات الحقيقية بين الجنسين والإصرار الدوغمائي [العقدي] على أن الذكورة والأنوثة هي فروق لا أهمية لها سينتهي إلى مشاكل بالغة الخطورة» Christina Hoff Sommers - The War Against Boys [الحرب على الصبيان]
من أكثر القضايا التي شغلت الدول والمنظمات الدولية خلال النصف الثاني من القرن العشرين ومايزال ذلك مستمراً بقوة إلى اليوم هي قضية تعليم الفتيات. دول العالم والمنظمات الدولية تحرص سنوياً على دعم وتمويل برامج ونشر تقارير مفصلة عن تعليم الإناث وتحض بشكل مستمر على تشجيعهن بكل الوسائل الممكنة على الذهاب إلى أقصى حد في المشوار التعليمي.
إلى هنا يبدو الأمر معقولاً جداً، لكن عندما تناقِش الأوساط التعليمية والإعلامية المشاكل التي يواجهها الأطفال مع التعليم من فشل دراسي وضعف النتائج وتسرب من المدارس يتم القفز على ما تقوله لنا الأرقام المفزعة وبشكل بارز عن جنس هذه المشاكل بكونها متعلقة بشكل رئيسي بالصبيان، وكأن هناك طابوه يمنع الحديث عن أزمة تعليم ما لم تتعلق بالفتيات رغم وضوح ذلك للجميع. أصبح هذا النفور غير المسبوق للصبيان من المدرسة وكأنه من المسلمات التي لا ينبغي البحث فيها كثيراً عن أسباب، هي فقط كذلك وأنتهى الأمر، أو كما يقول الأهل عادةً "البنات شاطرات ويسمعوا الكلام" رغم أن هذا الوضع في الواقع غير مرتبط بمستوى الفتيات بقدر ما هو تراجع للصبيان سنة عن سنة وعدم اهتمامهم بالمدرسة والشهادات العليا في ظاهرةٍ عالمية تشمل الدول المتقدمة ودول العالم الثالث.
في الدول العربية التي مايزال فيها الخطاب الرسمي والإعلامي يحدثنا عن تعليم الفتيات وكأنه لم يتغير منذ الخمسينات أو الستينات، نجد بأن الفجوة بين الذكور والإناث من حيث الالتحاق بالجامعة هي من الأوسع في العالم لصالح الإناث، وقد تتجاوز أحياناً الثلثين للإناث مقابل الثلث للذكور. في الإمارات مثلاً تمثل الإناث 77% من الملتحقين بالجامعة، الجزائر65%، قطر 64%، تونس 63%، المغرب 57%... أما بالنسبة للدول الغربية فنجد مثلاً كندا 59%، بريطانيا والسويد 57%، الولايات المتحدة 56%، فرنسا 55%... (هذه الفجوة بين الجنسين تتسع أكثر من حيث نيل الشهادة الجامعية).
لا يتوقف الأمر بالنسبة لتلك الدول العربية (وأيضاً من تعيش نفس حالتها) عند صدارتها للترتيب من حيث الفجوة بين الجنسين بشكل عام، لكنها أيضاً تحتل صدارة الدول في الرياضيات والهندسة والمواد العلمية والتكنولوجية (STEM) من حيث عدد الإناث بعكس الدول المتقدمة التي يتصدر فيها الذكور هذه المجالات وبفارق شاسع رغم التفوق العددي للإناث في الجامعة. الغريب في الموضوع هنا والذي يناقض ما قد يتوقعه الناس هو أن الإحصاءات تتحدث عن علاقة واضحة بين تصنيف دولة ما كدولة تراعي معايير المساواة بين الجنسين وبين عزوف الإناث فيها عن STEM لصالح مجالات تعتبر تقليدياً أنثوية مثل الرعاية الصحية والنفسية والاجتماعية والتدريس واللغات، في حين يتصدر فيها الذكور مجالات STEM، هذه الفروق بين الجنسين في الدول المتقدمة لن تكون غريبة لو أخذنا في الاعتبار نتائج الأبحاث العديدة التي تتحدث عن اختلاف طريقة عمل الدماغ لدى الجنسين بحيث يكون دماغ الرجل أكثر فاعلية مع التفكير المجرد في حين تتملك الإناث أدمغة ذات قدرات لغوية أعلى، الأمر الذي يفسر تفوق الفتيات في القراءة واللغات والصبيان في الحساب. لكن بالنسبة للدول التي نجد فيها غياب لهذه الفروق بحيث تتفوق الإناث في القراءة والحساب معاً فهو مؤشر على نفور أكبر للصبيان من التعليم.
نأخذ على سبيل المثال الهندسة حيث تمثل الإناث 29% من كليات الهندسة في كوريا الجنوبية، السويد 28%، الولايات المتحدة 24%، بريطانيا وأستراليا 19%، ألمانيا 18%، النمسا 14%، سويسرا 09% وبلجيكا 06%... في المقابل نجد لدى المغرب 45%، السعودية 46%، البحرين وفلسطين 48%، الجزائر 54%، سوريا 57%، الإمارات 58%، تونس 61%، عمان 74%.
إذن أزمة الصبيان مع التعليم واضحة لكل من يريد أن يرى، لكن ورغم ذلك تبقى هذه الأزمة مثل طابوه محرم من الأحسن تجنبه، ومن يفعل ذلك تراه يمضي وقته في طلب المغفرة لحديثه عن التعليم من زاوية غير زاوية تعليم الفتيات وتشعر بحذره وتحسسه موضع خطواته خشية إنفجار أحد ألغام أيديولوجيا المظلومية التي زرعها الإعلام والحركة النسوية. هذا بالنسبة للدول الغربية، أما لدينا ورغم أن هيمنة الصواب السياسي على النفوس أقل وإن كان في تزايد، إلا أن الموضوع يقابل بعدم اهتمام كامل وربما مثل العادة ينتظرون تحرك الغرب ليقلدوه رغم أن التبعات الاجتماعية والاقتصادية لدينا أكثر خطورة بكثير، على سبيل المثال لدينا هنا أكثر من ثلث الجامعيات على الأقل ومعهم عددهم من الرجال غير الجامعيين محكوم عليهن نتيجة مبدأ Hypergamy/Hybogamy بالعنوسة وتأخر الزواج والطلاق خاصةً ما لم تكن الدولة ثرية مثل دول الخليج أين تعوَض الشهادة بالثروة لدى الرجال.
_____________
❤8👍3🔥1👌1
الأجزاء القادمة للمقال ستكون عن أسباب أزمة الصبيان مع التعليم وبشكل مرتب حسب مدى تأثير كل سبب، مع التنبيه إلى أنه هناك دائماً صبيان سيفشلون حتى في الظروف المثالية وبالتالي لا ينبغي إسقاط هذا المقال على كل صبي. #أزمة_الصبيان
❤6👍3
#أزمة_الصبيان جزء 2/4
غياب الرجال:
«ما لاحظته هو وجود علاقة بين عدد الصبيان الذي يواجهون صعوبات في المدرسة وبين تدني عدد الرجال داخل النظام التعليمي... في حين أن وعي الأطفال بالإختلاف الجنسي يبدأ من سن الثالثة ومنه تختلف طريقة معاملتهم مع كل جنس» - Stéphane Clerget (أخصائي في علم نفس الأطفال)
كما ذكر Stéphane Clerget، مع بلوغه حوالي ثلاث سنوات يدرك الصبي حقيقة انقسام البشر إلى جنسين وأن جنسه وجسده يختلف عن جنس وجسد الإنسان الأقرب إليه وقدوته منذ ولادته، ومنه يبدأ في البحث عن هوية هذا الجسد وما يميزه، ومن أجل ذلك هو بحاجة إلى قدوة ذكرية (تكون في الغالب هي الأب) لتساعده وتنتزعه من الحضن الأمومي الأنثوي ليشكل شخصية مستقلة تلائم طبيعة جسده الذكري وإلا سيبتلعه هذا الحضن الأمومي ويدخل في حالة من الضياع الجنسي (تخنث) أو يحاول لوحده فبركة هوية ذكرية غالباً ما تكون مضطربة وعنيفة، هذا ما يفسر ولو جزئياً الإحصاءات المعروفة عن ارتباط الجريمة بـ الأم العزباء/المطلقة.
من جهة التعليم نرى هروباً جماعياً للرجال في السنوات الأخيرة من مهنة التدريس وكل ما يتعلق بالمدرسة بحيث أصبح التعليم شأناً أنثوياً ابتداءً من المعلمات إلى الموجهات وكل الإدارة والموظفات، وفي كثير من الأحيان لا نجد رجلاً واحداً في كل المدرسة سوى ذلك الحارس الذي يقف عند الباب، ويكاد يكون اليوم من المستحيل إيجاد معلم ابتدائي في بعض الدول إلا في المناطق المعزولة والريفية، أما معلم الإعدادي فهو من الأصناف المهددة بالانقراض.
يفاقم من كل هذا ذلك تحمل الأم لوحدها مسؤولية الوظائف المنزلية نتيجة غياب/تغييب الأب جراء تزايد الطلاق أو انشغال الأب أو تهميشه في البيت أو عدم تحليه بالمسؤولية واعتقاده بأن تعليم الأطفال لا يستحق عناءه... «في ذهن هذا الصبي، سيتم ربط الأم والأنوثة بالقوانين والواجبات البيتية والمدرسة، في حين أن الأب والذكورة سيتم ربطهما بالعطل والإسترخاء واللهو» Stéphane Clerget
«بالنسبة لهؤلاء الصبيان، التعليم في الحضانة وفي البيت وفي المدرسة هو من شؤون النساء» Stéphane Clerget
في المقابل لدينا صبيان يمرون ابتداءً من سن 2-3 سنوات بمرحلة البحث عن هويتهم من خلال ثنائية ذكر/أنثى ويعيشون ما يشبه حالة صراع مع الحضن الأمومي، سيبدأ هؤلاء الصبيان وبشكل عفوي بالفصل بين ما يعتبرونه مجالات ذكرية ومجالات أنثوية، ولأن المجال التعليمي تحول إلى شأنٍ أثنوي، سينظر إليه بعضهم على أنه امتداداً للحضن الأمومي الذي يحاولون الاستقلال عنه وبالأخص في البيئات التي فيها فصل واضح بين الهوية الذكرية والأنثوية ولا يجد فيها الصبي صعوبة في الانفصال عن الأم.
بالنسبة لهؤلاء الصبية، يطعن التعليم في هويتهم كـ ذكور في ظل غياب قدوة إيجابية يرون فيها أنفسهم من خلالها، وفي أقسام عادةً ما تكون مختلطة سيدفع ذلك كثير من الصبيان نحو الرغبة في الانعزال، الأمر الذي يمكن ملاحظته في تفضيلهم مقاعد آخر الصف أين يأخذون راحتهم في إثارة الشغب والفوضى، الأمر الذي سيدفعون ثمنه لأن إحدى شروط النجاح في التعليم وبعكس الشعارات المعاصرة التي تقدم الأطفال على أنهم عباقرة ولدوا ومعهم كل المعارف وعلى الكبار التعلم منهم، هو تعلم الانضباط والطاعة قبل أي شيءٍ آخر. طاعة التلميذ واِلتزامه بما يطلب منه ضروري لنقل أي معرفة، الأمر الذي تتقبله الفتيات بسهولة بالغة بعكس كثير من الصبيان الذين ينزعون نحو العصيان والتمرد، هذه النزعة نحو التمرد يكون ترويضها وتوجيهها أسهل بكثير في حال وجود قدوة ذكرية يخشاها الصبي ويحترمها في نفس الوقت. ربما هذا ما يفسر نتائج دراستين، الأولى شملت 60 بلداً تتحدث عن تشدد المعلمين مع الصبيان بالمقارنة مع الفتيات عند تصحيح نفس أوراق الامتحانات، لكن هذه الدراسة لم تأخذ في الاعتبار جنس المعلم. أما الثانية فتقول بأن المعلمات بالذات هن من يتشدد مع الذكور. قد يبدو هذا مجرد تحيز جنسي منهن، لكن قد يكون أيضاً مجرد انعكاس لشعور سلبي غير مقصود لديهن سببه الإرهاق الذي يحدثه شغب الصبيان، بعكس المعلمين الرجال الذين لديهم قدرة أكبر على فرض الانضباط والطاعة وتوجيه طاقة الذكور حتى بدون اللجوء إلى العقاب أو الضرب، هذا ما يدفع بعض المعلمات أحياناً لطلب مساعدة الزميل أو المدير تماماً مثلما تستدعي الأمهات الأباء لفرض النظام.
في دراسة قامت بها وزارة التعليم الأمريكية سنة 2006 تحت إشراف Thomas Dee شملت 25 ألف طالب وطالبة من الصف الثامن (الإعدادي) أظهرت بأن التحصيل الدراسي لديهم كان أفضل مع معلم من نفس الجنس، دراسة أخرى مشابهة في ماليزيا انتهت إلى نفس النتيجة، بالإضافة لعدة دراسات ولجان حكومية [أستراليا، بريطانيا] ومهتمين بالموضوع أكدوا على نفس النتيجة. أما الصين فقد أعتمدت خطط لإعادة الرجال إلى المدرسة بغية تحضير الصبيان ليكونوا رجالاً ناضجين في المستقبل وليس فقط من أجل النجاح في الدراسة.
غياب الرجال:
«ما لاحظته هو وجود علاقة بين عدد الصبيان الذي يواجهون صعوبات في المدرسة وبين تدني عدد الرجال داخل النظام التعليمي... في حين أن وعي الأطفال بالإختلاف الجنسي يبدأ من سن الثالثة ومنه تختلف طريقة معاملتهم مع كل جنس» - Stéphane Clerget (أخصائي في علم نفس الأطفال)
كما ذكر Stéphane Clerget، مع بلوغه حوالي ثلاث سنوات يدرك الصبي حقيقة انقسام البشر إلى جنسين وأن جنسه وجسده يختلف عن جنس وجسد الإنسان الأقرب إليه وقدوته منذ ولادته، ومنه يبدأ في البحث عن هوية هذا الجسد وما يميزه، ومن أجل ذلك هو بحاجة إلى قدوة ذكرية (تكون في الغالب هي الأب) لتساعده وتنتزعه من الحضن الأمومي الأنثوي ليشكل شخصية مستقلة تلائم طبيعة جسده الذكري وإلا سيبتلعه هذا الحضن الأمومي ويدخل في حالة من الضياع الجنسي (تخنث) أو يحاول لوحده فبركة هوية ذكرية غالباً ما تكون مضطربة وعنيفة، هذا ما يفسر ولو جزئياً الإحصاءات المعروفة عن ارتباط الجريمة بـ الأم العزباء/المطلقة.
من جهة التعليم نرى هروباً جماعياً للرجال في السنوات الأخيرة من مهنة التدريس وكل ما يتعلق بالمدرسة بحيث أصبح التعليم شأناً أنثوياً ابتداءً من المعلمات إلى الموجهات وكل الإدارة والموظفات، وفي كثير من الأحيان لا نجد رجلاً واحداً في كل المدرسة سوى ذلك الحارس الذي يقف عند الباب، ويكاد يكون اليوم من المستحيل إيجاد معلم ابتدائي في بعض الدول إلا في المناطق المعزولة والريفية، أما معلم الإعدادي فهو من الأصناف المهددة بالانقراض.
يفاقم من كل هذا ذلك تحمل الأم لوحدها مسؤولية الوظائف المنزلية نتيجة غياب/تغييب الأب جراء تزايد الطلاق أو انشغال الأب أو تهميشه في البيت أو عدم تحليه بالمسؤولية واعتقاده بأن تعليم الأطفال لا يستحق عناءه... «في ذهن هذا الصبي، سيتم ربط الأم والأنوثة بالقوانين والواجبات البيتية والمدرسة، في حين أن الأب والذكورة سيتم ربطهما بالعطل والإسترخاء واللهو» Stéphane Clerget
«بالنسبة لهؤلاء الصبيان، التعليم في الحضانة وفي البيت وفي المدرسة هو من شؤون النساء» Stéphane Clerget
في المقابل لدينا صبيان يمرون ابتداءً من سن 2-3 سنوات بمرحلة البحث عن هويتهم من خلال ثنائية ذكر/أنثى ويعيشون ما يشبه حالة صراع مع الحضن الأمومي، سيبدأ هؤلاء الصبيان وبشكل عفوي بالفصل بين ما يعتبرونه مجالات ذكرية ومجالات أنثوية، ولأن المجال التعليمي تحول إلى شأنٍ أثنوي، سينظر إليه بعضهم على أنه امتداداً للحضن الأمومي الذي يحاولون الاستقلال عنه وبالأخص في البيئات التي فيها فصل واضح بين الهوية الذكرية والأنثوية ولا يجد فيها الصبي صعوبة في الانفصال عن الأم.
بالنسبة لهؤلاء الصبية، يطعن التعليم في هويتهم كـ ذكور في ظل غياب قدوة إيجابية يرون فيها أنفسهم من خلالها، وفي أقسام عادةً ما تكون مختلطة سيدفع ذلك كثير من الصبيان نحو الرغبة في الانعزال، الأمر الذي يمكن ملاحظته في تفضيلهم مقاعد آخر الصف أين يأخذون راحتهم في إثارة الشغب والفوضى، الأمر الذي سيدفعون ثمنه لأن إحدى شروط النجاح في التعليم وبعكس الشعارات المعاصرة التي تقدم الأطفال على أنهم عباقرة ولدوا ومعهم كل المعارف وعلى الكبار التعلم منهم، هو تعلم الانضباط والطاعة قبل أي شيءٍ آخر. طاعة التلميذ واِلتزامه بما يطلب منه ضروري لنقل أي معرفة، الأمر الذي تتقبله الفتيات بسهولة بالغة بعكس كثير من الصبيان الذين ينزعون نحو العصيان والتمرد، هذه النزعة نحو التمرد يكون ترويضها وتوجيهها أسهل بكثير في حال وجود قدوة ذكرية يخشاها الصبي ويحترمها في نفس الوقت. ربما هذا ما يفسر نتائج دراستين، الأولى شملت 60 بلداً تتحدث عن تشدد المعلمين مع الصبيان بالمقارنة مع الفتيات عند تصحيح نفس أوراق الامتحانات، لكن هذه الدراسة لم تأخذ في الاعتبار جنس المعلم. أما الثانية فتقول بأن المعلمات بالذات هن من يتشدد مع الذكور. قد يبدو هذا مجرد تحيز جنسي منهن، لكن قد يكون أيضاً مجرد انعكاس لشعور سلبي غير مقصود لديهن سببه الإرهاق الذي يحدثه شغب الصبيان، بعكس المعلمين الرجال الذين لديهم قدرة أكبر على فرض الانضباط والطاعة وتوجيه طاقة الذكور حتى بدون اللجوء إلى العقاب أو الضرب، هذا ما يدفع بعض المعلمات أحياناً لطلب مساعدة الزميل أو المدير تماماً مثلما تستدعي الأمهات الأباء لفرض النظام.
في دراسة قامت بها وزارة التعليم الأمريكية سنة 2006 تحت إشراف Thomas Dee شملت 25 ألف طالب وطالبة من الصف الثامن (الإعدادي) أظهرت بأن التحصيل الدراسي لديهم كان أفضل مع معلم من نفس الجنس، دراسة أخرى مشابهة في ماليزيا انتهت إلى نفس النتيجة، بالإضافة لعدة دراسات ولجان حكومية [أستراليا، بريطانيا] ومهتمين بالموضوع أكدوا على نفس النتيجة. أما الصين فقد أعتمدت خطط لإعادة الرجال إلى المدرسة بغية تحضير الصبيان ليكونوا رجالاً ناضجين في المستقبل وليس فقط من أجل النجاح في الدراسة.
❤3👏1